من المعضلات المستعصية في الساحة الإيمانية، والأزمات الماثلة في غير نطاق، تطال أفراداً لا يستهان بهم من العاملين المخلصين، وتعمُّ شخصيات مرموقة في الحوزات العلمية، لها موقعها من الأصالة ومكانتها من العراقة: العجز عن تشخيص الموضوعات السياسية والاجتماعية بشكل صحيح، أو قُل الإخفاق في إصابة الحق على هذا الصعيد. وطالما أُشير إلى أعلام بالسذاجة ونُعتوا بالبساطة! بل نُسبت بيوتات من رأسها إلى هذه الصفة!.. يقع الاختلاف في تمييز الحدِّ الفاصل الذي يقلب الحكم تبعاً لتغيُّر الموضوع، ويقوم اللغط حول رسم التكليف الشرعي لما يطرأ من حوادث، هل الإمساك والإحجام فيها يرجع إلى الجبن والخرَع، أم إلى الحنكة والحكمة؟ هل الإقدام يأتي من الغيرة والشجاعة، أم من الطيش والتهوُّر؟ أتراها من موارد الصبر والتقية، أم من مواقع إباء الضيم وعدم الركون إلى الظلم والظالمين؟! هل القدرة متوفرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هل يُحتَمل التأثير، فيرتدع العاصي ويكفُّ، أم سيحمله ذلك على العناد والمكابرة، فيتفاقم السوء ويفشى بدل أن ينحسر ويزول؟! هل هذه البدعة من الباطل الذي يموت بتركه، أم مما ينبغي مواجهته وقمعه؟ هل هذا المنحرف المندس، والضال المتوغل في الجسم الإيماني، حتى صار علماً يُشار إليه، ورمزاً يُؤخذ عنه ويُقتدى به، ممن ينبغي الإضاءة عليه والتشهير به حتى ينقطع دابره، ويأمن العوام والخواص شرَّه، أم علينا تحمُّله لدرء مفاسد أُخرى ستترتب على فضحه؟
إنَّ العجز عن التقييم الصحيح، والحيرة في عملية الموازنة والترجيح، هي ـ إلى حدٍّ ما ـ نتيجة طبيعية لفقد أدوات البناء، بناء الرأي واتخاذ القرار، وضيق ذات اليد من المعلومات، وخلو الوفاض من عناصر تكوين الرؤية وكسب الوعي والبصيرة، والعجز عن أسباب الرشد والسداد… فلا دراسات ميدانية تقدِّم صورة واقعية، أو قريبة من الواقع، ولا استبيانات وإحصاءات تكشف عن حيثياتٍ أساسٍ في تشخيص الحالة ومعرفة القضية، ولا إحاطة بالمعطيات الأُخرى، كالخلفية التاريخية، وعلم الاجتماع وسنن الحركة والتغيير، والحالة الاقتصادية، والمداخلات الإعلامية، ناهيك بدوْر المخابرات وشبكات العملاء التي تعمل ليل نهار، تحوك وتغزل، لينفذ عنصر لها هنا فيستحكم، ويتوغل آخر هناك ينخر ويهدم…
وبعد، فإنَّ هذا العجز والإخفاق يبقى هو النصف الأهون من البلاء، والجانب الأقل سوءاً من المأساة، إذ يذهب الآخر إلى التردد في أصل معرفة الخطر والاعتناء بالضرر! قبل تشخيص مصداقه وتعيين مورده، فيعجز بعضهم، عن فهم حديث الرضا عليه السلام: “إنَّ ممن يتَّخذ مودَّتنا أهل البيت، لَمن هو أشدُّ فتنة على شيعتنا من الدجال”! فيسأل الراوي: يا بن رسول الله بماذا؟ قال: “بموالاة أعدائنا ومعاداة أوليائنا، إنه إذا كان كذلك اختلط الحق بالباطل، واشتبه الأمر فلم يُعرف مؤمن من منافق”… يتحرَّك “عالم دين” في علاقاته وارتباطاته، مُعرضاً عن هذا الحديث الشريف، وطائفة من قبيله، لا يرى غضاضة في تقريب منافقين وجعلهم حاشية، ولا بأساً في اتخاذ حزبيين منحرفين بطانة ووليجة، يتجاهل ما يضمرون لثقل المذهب وحصنه المتمثل بالحوزة، ويتغافل عما يكيدون بمحور الطائفة ورأسها الناهض بالمرجعية! فيعين ـ أراد أم لم يُرِد ـ على اللبس، ويشترك في الإغواء، ويُخفي على الشيعة الدجل والدجالين، ويخلط عليهم الحق بالباطل، فلا يُعرف المؤمن من المنافق! عندما يعجز “عالم دين” عن تشخيص خطر الضلال المندس في الحوزة، المتوغل وراء أسوارها، المنتحل هويتها، المرتدي ثوبها، ويقدِّم مصالحه الشخصية أو العائلية، وكذا الأعراف الاجتماعية، فيوقِّر المبتدع ومَن يلحق به، ولا يحسب في الترويج لكتب فضل الله وحب الله والحيدري والخشن، ومن لفَّ لفهم، خطراً أو تهديداً، بل يعمد لتعويمهم وإعادة تسويقهم، بعد أن بذل المؤمنون المجاهدون، وأساتذة الحوزة، ومراجعنا العظام، جهوداً مضنية، وتحمَّلوا كُلفة باهظة، في سبيل تعريتهم، فنبذهم وإسقاطهم… فهذا يعني أننا أمام معضلة كبرى تتطلب وقفة قد تطول، ومعالجة قد تؤلم.
فمن غريب الأمر وعجيب الحال، درجة الثقة بالنفس، والجزم والبت الذي ينطلق منه هؤلاء في قراراتهم ومواقفهم، سواء من الحوادث أو الأشخاص، وما يفضي إلى التموضع الخاطئ، وفي أحسن الأحوال إلى السلبية المريضة والحياد القاتل… ينطلقون في آرائهم ويمضون في قراراتهم وكأن نافذة قد فتحت لهم على الغيب، فانكشفت لهم الحقائق واطلعوا على الوقائع، تحسب أنهم يستمدون من اللوح المحفوظ، ويقرؤون في مصحف فاطمة عليها السلام! والحال أنه يتلقى من كبر وغرور، ونرجسية يعيشها المبتلى، ما زالت ـ مع كل قرار خاطئ وتشخيص ظالم ـ تأخذ صاحبها إلى دركات جديدة وهوَّات أكثر عمقاً وأشد ظُلمة، وإلَّا فهو التهتك والمجون الخفي، الذي يستخف بالدين ويزدري خطْبه، فتهون عنده حرُماته ومقدَّساته وحدوده، وتراه يعيش قشرية وضحالة تحفظ ظاهره فحسب!
في مقابل هؤلاء المندفعين المتشيطنين، أعرف، على سبيل المثال، عالماً جليلاً من آل الحكيم، يذكر أنَّ دعاءه الدائم، وحاجته الحاضرة الملحَّة، هي أن يكفيه الله الانخداع بالدجالين، ويكشف له خبيئة المخادعين، ويصرف عنه المنافقين الذين يتظاهرون بالورع وسلامة النهج، ويزعمون العمل للمذهب والدين، وهم في واقعهم أشرار خبثاء، يلاحقون مصالحهم ويتبعون منافعهم. ولفرط إخلاص الرجل وصدقه، وشديد معاناته بعد إدراكه الخطر، ثم لوقوفه على عجزه وخلو ذات يده عن أسباب معرفة الحوادث والرجال، تراه يقع موقع الإجابة من الدعاء، قد جعل الله له مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب، وجعل له نوراً يمشي به في الناس، فتراه يتمتع بسداد قلَّ أن تجده في أقرانه، ووهبه رؤية واضحة للفتن والبدع التي تعصف بالساحة، ووفَّقه لمواقف صلبة من أربابها، لا يسمح لنفسه ومكانته أن تكون مطية لهم، ولا لاسمه وعنوانه جسراً يعبرون عليه إلى مآربهم. وهناك ـ بطبيعة الحال، غير هذا السيد الجليل ـ شريحة عريضة من ذوي البصائر، وإن غلبهم العجز عن التأثير في القرارات العامة والمواقف المصيرية للأُمة، إلا أنهم رجال الله وجنود الحجة وحصون الإسلام الحق، القائمون بالدفاع والرد، والعاملون على استنقاذ أيتام آل محمد عليهم السلام وإرشادهم.
بعيداً عن العموميات والخطابيات، وما يراعي الاعتباريات، ويخضع للمجاملات ويلتزم الأعراف (وبعضها جاهلية!)، فإنَّ الهوية التي تميز الفقيد السعيد السيد محمد سعيد عن غيره من الأعلام والأعاظم، واضحة جليَّة، بيِّنة الحدود والمعالم، رسمها الرجل في حياته نموذجاً فريداً من نوعه، جمع الصمود والجهاد بأقصى درجاته وأتمِّ مراتبه التي سطرت ملاحم مقاساة التعذيب والارتهان في السجون، إلى جانب مقولة رفض الثورة ومنع القيام قبل الظهور الشريف! وجمع الأصالة والنهج التقليدي إلى مواكبة العصر في طرح مؤلفات قـيِّمة بلغة سلسة تخاطب عامة المؤمنين، ولا سيما الطبقة المثقفة، ومضى في المعلم الثالث بعزم وصلابة سعت إلى إعادة مكانة الحديث، وإحياء دوره في بناء المعارف الدينية، مع نبذ الفلسفة والأخذ من غير المعدن الصافي والعين الكافية الوافية لآل محمد عليهم السلام.
والسيد الأشكوَري، بما يعنيه ويعمل له في الخفاء والعلن، من ترويج للفلسفة ومناداة بالحداثة ودعوة إلى “الحركية الإسلامية”، وتبنٍّ لمختلف سياسات ومفردات المشروع الإيراني الداعم للضلال والقائم على المضلين، يمثل الجبهة المقابلة لهوية السيد الحكيم، والصورة المعاكسة للعناصر التي تكوِّن شخصيته العلمية وسيرته العملية. وهو ملتحق بمعسكر ومنخرط في جبهة، تكافح بكل ما وسعها من مكر وبأس وسلطة، لتسقط الحوزة العلمية الحرَّة المستقلة، وتلحق النجف الأشرف بالمعتقل الذي ترتهن فيه قم المقدسة!.. ثم تراه متربِّعاً على المقاعد المتصدِّرة في مؤتمر تكريم السيد محمد سعيد الحكيم، وتجده فاعلاً في الغرف الجانبية لأعمال المؤتمر! حتى يصدر البيان أو التقرير النهائي لأعمال المؤتمر باللغة الفارسية، بما يظلم السيد الفقيد ويبخسه حقه، ويسلبه أهم معالم هويته، وليس المراد القومية بطبيعة الحال، ولكن الحوزوية الأصيلة مقابل السياسية التابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية!
لست أدري من الذي دعا هذا اللوث، وصنع ما يشكِّل استخفافاً بشخصية السيد الحكيم ورسالته… هل هي سذاجة بعضهم، والدخول في لعبة الكسب والإرضاء على حساب السيد الفقيد، أم هو جري على ما سبق من بسط يده على أخطر موقع للتبليغ الديني في العراق، الذي يواكب زيارة الأربعين، بأعداد تبلغ آلاف المبلغين، وميزانية خيالية من أموال الخمس أو الوقف؟! ترى أين هو الخرق والخلل، في المرجعية أم إدارة العتبة الحسينية؟ إن قوة المرجعية وعزتها وشرفها هو في رضا المولى صلوات الله عليه عنها، الذي يكون بأداء دورها في ردِّ الأباطيل وكشف الزيف وتبصرة أيتام آل محمد، وفيهم مَن تغويه زيارة عائلية، وتطمس عليه الحقيقة مجاملةٌ اجتماعية… وكان الجدير بالعتبة الحسينية أن تقتدي بالعباسية التي تعيش وعياً متميزاً تجاه النفوذ الإيراني، وتبدي تحسساً أصيلاً صنع حاجز صدٍّ حال دون كثير من التوغل والاختراق، بينما بقيت العتبة الحسينية مسرحاً للنشاط الإيراني، عبر حزب الدعوة وغيره!
لا أحد ينادي بحمل هراوة يخبط فيها المرء كل من يقف في طريقه، ولا سوط يلسع كلَّ من يريد أن ينمي علاقاته وارتباطاته ويحسِّن وضعه الاجتماعي ويؤمن مستقبله السياسي، ويرفع رصيده لدى هذه الدولة وتلك، ويتقرَّب من هذا الحزب وذاك التيار، أو عند الحمل على الصحة، يعمد لما يأمن كيدهم ويكف عن نفسه شرهم… ولكن ليدفع لهذا الاستثمار ويبني هذا الوجود من حُرِّ ماله، وخالص طاقاته وإمكانياته، لا من العتبات المقدسة والمرجعية المعظمة، فهذه “أملاك” المذهب والطائفة، لا الشخص والعائلة.

اترك رداً على عباس بــن نخي إلغاء الرد