بون شاسع بين أن يقرأ “رادود” وينشد ليقيم المأتم والعزاء على سيد الشهداء، يحيي الذكرى بالتفجُّع، ويعظِّم الشعيرة بالجزع، وبين أن يقرأ للتصوير والتسجيل التلفزيوني والبث في العالم الافتراضي، سواء لأغراض تجارية أو غير تجارية، يتحرَّى كسب المتابعين والملاحقين، ويرجو زيادة أعداد المعجبين، يجعل المجلس الحسيني “استيديو” أو مسرحاً مفتوحاً لإنتاجه القادم وإصداره المرتقب، يكون اللطم فيه ضرباً من المؤثرات الصوتية وضبط الإيقاع، وعذوبة الصوت في الزفرات والآهات ومدِّ الأنين على مدى النفَس، حركة فنية لإبراز طبقته واستعراض قوته، ونوبات البكاء وصدق الافتجاع، آلية للتسويق وأداة للترويج. فرق كبير بين أن تحضر مجلساً وتشارك في لطمية لتمارس نمطاً من صوَر الجزع الذي تواسي به خاتم النبيين وأميرالمؤمنين وسيدة نساء العالمين، وبين أن تترقب رادوداً مشهوراً، تحسبه نجماً في سماء الخدمة الحسينية، فإذا لم يوافك، تركت المجلس وأخليته!

و”الرادود” هنا عنوان مشير، يراد به كل موقع ديني ينشط صاحبه في ساحة التبليغ، ويخوض في المعترك الإعلامي، خطيباً كان أو محاضراً، إمام جماعة أو كاتباً، أو واعظاً خلع عليه أتباعه عنوان “المربي الفاضل”، يتحرَّك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويظهر في الفضائيات، حتى صار له حضوره في قنواتها، ومكانه في مواقعها، وذكره وصيته في عالمها… هؤلاء جميعاً معرَّضون للخطر في جبهة الجهاد الأكبر، ومحكومون بمعطيات السقوط والهلاك حتف أهوائهم وتطلُّعاتهم! يتلهَّف أحدهم للأضواء، ويسيل لعابه للمدح والإطراء، ويهش حتى يسبح ويهيم، وتخاله سيحلِّق في الفضاء ويطير… يذهب في سبيل تحقيق أهدافه وبلوغ آماله كل مذهب، ويلتمس كلَّ حجة، ويعمد لكل مغالطة وحيلة.

فما قد يكون من الرواديد وحلقات اللطم، قد تجده في الخطباء ومجالس الرثاء، حين يفرِّط الخطيب بالمسؤولية الشرعية (بالمعنى الأخص)، يضيع أصالة الصنعة، ويعبث بضوابط المهنة والحِرفة، فيوظِّف مصيبة “المصرع” وهول “المقتل” وما إليه من “الذِّكر الخاص”، المنوط بمناسبته والمتعلِّق بموعده وساعته، ليبلغ من مستمعه التفاعل الذي يطمح، ويطيب نفساً بما بلغ، يحقِّق ضجَّة وصرخة ودمعة، عجزت محفوظاته المتواضعة، وقصُر المتداول الشائع من المراثي والأشعار عن استدرارها، فيلجأ إلى الذخائر، ويوظِّف “رأس المال” بدل أن يتحمَّل الخسائر! عجز عن إيقاد جمرة اللوعة في القلوب المؤمنة بأعواد الثقاب المبذولة، فعمد إلى البروق والصواعق وإشعال الحرائق! ولجَّ في الإلحاح وأغرق في الإصرار، غافلاً أن للأنفس إقبالاً وإدباراً، وللأرواح في تفاعلاتها حالات صعود وهبوط وارتفاع وانخفاض، وأنَّ هناك اضطراباً كونياً يعتري الوجود في عشرة عاشوراء، هو الذي يُخضع قلوب المؤمنين، لو دام مدى العام لمات العشاق وهلك الناس… يطمس ذلك كله، ويصر على تطويع المستمع وإرغامه، وأخذه إلى ما يريده من “إنجاح” مجلسه، وما يحول دون رقم أو سابقة في الإخلال بقدراته والطعن بكفايته! فيهتك في طريقه خفر المصيبة وخصوصيات تناولها وذكرها، وظروف إلقائها ونشرها، وأسباب كتمانها وطيِّها، غير مكترث ولا مبال. وما برح الداء مقيماً والبلاء ملازماً مجالس الطارئين من “مُحدثي نعمة الولاء والخدمة”، حتى تبدَّد وقْع عاشوراء وذهبت وطأتها بما يتناولون في العوائد الأُسبوعية، وضاع خفر محرم وتوزَّع على باقي العام وتشتت في سائر الأيام، فصارت المئة المدَّخرة لعاشوراء، يوم انطباق الأرض على السماء، عشرة أو عشريناً ذهبت بقيتها أقساطاً دفعت مُسبقاً، على يد هؤلاء “العوام”! والأهم الأخطر، زوال التأثُّر بالفجعة، وذهاب النفوس إلى الغلظة والقسوة، من فرط التكرار، ومعاودة استذكار الصوَر واستحضارها شعراً ونثراً، فلم تعد القلوب ترقُّ ولا الأدمع تنهمر!؟ ولا أدَّى الخطيب الدخيل والراثي المتطفِّل، ولا بلغ المجلس المبتلى به، من حقِّ المصائب التي يذكرها والفجائع التي يعدِّدها، عُشر معشار! وقد ذكر خطيبٌ في محضر عالم جملة: “دخلت زينب مجلس يزيد”، فضجَّ بالنحيب، وأمره أن يكفَّ حتى يؤدَّى حق هذا القول وواجب هذه المصيبة!

لا أحد يقف على إحصاءات غيبية تستطلع الأغراض والنوايا وتكشف الضمائر والخبايا، لكن الظواهر والشواهد تحكي أنَّ أعداداً متزايدة من الرواديد، ولا سيما من الجيل الجديد، لم يخضعوا لأي نوع من الإعداد التربوي الأخلاقي، ولا مارسوا أي سير في تهذيب النفس، وسلوك في الرياضة الروحية، بما يقف بهم على خطر الشهرة، بل لم يطالع أكثرهم في “جامع السعادات” ليقرأ: [اعلم أنَّ حب الجاه والشهرة من المهلكات العظيمة، وطالبهما طالب الآفات الدنيوية والأُخروية، ومن اشتهر اسمه وانتشر صيته لا يكاد أن تسلم دنياه وعقباه، إلا من شهرَه الله لنشر دينه من غير تكلُّف طلبٍ للشهرة منه. ولذا ورد في ذمِّهما ما لا يمكن إحصاؤه من الآيات والأخبار… ولكثرة آفاتها لا يزال أكابر العلماء وأعاظم الأتقياء يفرون منهما فرار الرجل من الحية السوداء، حتى أنَّ بعضهم إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام من مجلسه، وبعضهم يبكي لأجل أن اسمه بلغ المسجد الجامع، وبعضهم إذا تبعه أُناس من عقبه التفت إليهم وقال: “على مَ تتبعوني؟ فوالله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي، ما تبعني منكم رجلان”. وبعضهم يقول: “لا أعرف رجلاً أحبَّ أن يُعرَف، إلا ذهب دينه وافتُضح”. وآخر يقول: “لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس”. ومن فساد حب الجاه أنَّ من غلب على قلبه حب الجاه، صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفاً بالتودد إليهم والمراءاة لأجلهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتاً إلى ما يعظِّم منزلته عندهم، وذلك بذْر النفاق وأصل الفساد، ويجرُّ لا محالة إلى التساهل في العبادات والمراءاة بها، وإلى اقتحام المحظورات للتوصل بها إلى اقتناص القلوب].

من الجلي الذي لا يخفى، أنَّ جُلَّهم لم يحصِّل حتى ثقافة عامة تؤهله لخوض هذا الميدان بنزاهة، وتمكِّنه من العمل بإخلاص، لم يحضر درساً ويعرف أستاذاً، فلا تعجب من طالب مقدمات على أعتاب العشرين، ينشر صورته تحت عنوان: “يرفع الله الذين آمنوا منكم وأوتوا العلم درجات”! وآخر يجعل نفسه مصداقاً لحديث: “إنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطلبة العلم”! وثالث يلحق صورته بحديث: “الناس موتى وأهل العلم أحياء”!.. قد لا يُسجَّل الأمر على هؤلاء كضلال وانحراف، إذ الأرجح أنهم سيندمون بعد حين، ويتراجعون ويصححون ما وقعوا فيه حين يتقدَّم بهم العمر وتنضج منهم الأفهام، لكنه شاهد أنَّ ليس لأحد منهم شيخاً يأخذ عنه الرزانة والوقار، ولا أُستاذاً يعلِّمه الأدب ويفهِّمه الأُصول، ولا كبيراً يلجأ إليه ويراجعه ليستنصحه فيرشده، فلا يصدر منه ويكون هذا الشطط، وإذا كان لبعضهم شيخ يلقِّنه هذا الزهو، وأُستاذ يحمله على هذا الطيش وينفخ فيه هذا الكبر، حتى تورَّم المسكين وانتفخ، فطار شكيراً، لم ينبت له ريش ولا اشتد له جناح… فإنَّ البلاء مستحكم والمصيبة أعظم!

إنَّ المسيرة تمضي اليوم ـ مع الأسف الشديد ـ بمنتهى الهوان والاستخفاف، يحسب الماضون فيها أنَّ الصنعة من الوهي والبخس ما يمكن التقاطه من قارعة الطريق، وأخذه بلا تعليم وتدريس، وأنَّ الحرفة متوفرة مبذولة بلا إجازة وشهادة، والسبيل أمام وسام “خادم الحسين”، مشرع بلا مقدمة ودون أساس ومقياس! فيأخذ الصنعة عن أي رفيق وزميل، ويتناولها من أي دخيل وغريب، ويكسبها من غير أهلها وأربابها، يتلقاها من أشرطة مسجَّلة، يحاكيها ويؤدي ما فيها، يمثِّل ويكرِّر… فيُستنسَخ العبث، وتروج الفوضى، وتشيع البدع!

لفتني أحد الإخوة ونحن نتداول الأمر، ونبثُّ هذي الهموم ونتبادل الشكوى منها، أنَّ الشيخ عباس القمي طيب الله ثراه سبق إلى تناول الموضوع في “نفس المهموم”، ضمن جملة وصاياه للخطباء، قال: “ينبغي أن يراعي في ذكر المصائب، لا سيَّما في غير أيام عاشوراء، ما لا تقسى به القلوب، ولا تهون به الخطوب، كالمصائب الموجعة الفادحة”. ثم ساق شاهداً من رؤيا نقلها عن المحدِّث الفاضل المؤرخ المتبحِّر الميرزا هادي الخراساني النجفي أيده الله، أنه رأى في عالم الرؤيا أميرالمؤمنين عليه السلام كأنه في حجرة من حجرات صحن حرمه الشريف، يرافقه الأئمة من ولده، أو بعضهم، وقد اجتمعوا لعقد مجلس حسيني، وكان أحد الخطباء يقرأ لهم التعزية وهم يستمعون، حتى إذا قال: “قال شمر لسكينة يا بنت الخارجي”! ظهر الامتعاض والاشمئزاز في وجه أميرالمؤمنين، وقد اكفهرَّ وانقبض أشد انقباض. فبادر ميرزا هادي للإشارة إلى الراثي أن يكفَّ ويصمت! وهنا التفت إليه أميرالمؤمنين عليه السلام وقال: لم يكن الذي قلت بالأمس، أقل من هذا! فتذكَّر أنه قرأ مصيبة رأس أبي الفضل، عند تعليقه على لبان الفرس! فاعتذر إلى المولى وتاب.

من المؤكد أنَّ هذه الحالة طفرة ستزول وأزمة ستنقضي، وموجة عاتية ستركد، وعاصفة هوجاء ستسكن، كما قطعت أُخريات سبقتها، وستكون قادمات تلحقها… إنما الحسرة على طاقات مخلصة من شباب الشيعة، وإمكانيات كبيرة من عموم المؤمنين، هي من ذخائر وكنوز أهل البيت، ما برحت تُبدَّد وتُهدر في عبث رغبات طائشة واجتهادات جهولة، تعيش الجولة، وتحسب أن لها الصولة، تنتعش بالصيت والسمعة، وتلتذ بالتفاف الجمهور، وتسكر وتترنح من طلبات “السيلفي”!

إنَّ وصف الطبيب للدواء، لا يعني تناوله بأي مقدار وفي كل آن وحال، إنَّ تجاوز الجرعة المقررة، قد يفقد الدواء فاعليته ويودي بأثره وفائدته، بل قد يخلِّف آثاراً جانبية ويفضي على المدى البعيد إلى مضاعفات وانتكاسات، يستفحل فيها الداء ويتمكَّن المرض ويعضل على الشفاء. فمجرَّد ظهور الأثر الإيجابي السريع لجرعة كبيرة في غير الوقت المقرر، لا يعني صحة الخطوة التي اتخذها مريض متهوِّر يعمل باجتهاده.

حتى تعود لنا الأصالة، ويتأدب عليها شبابنا، فلا ينبري للخطابة مَن لم يلبث “صانعاً” لخمس أو عشر سنين، لا يتجاوز المرقاة الثانية لمنبر أُستاذه، ولا يتصدَّى لقيادة اللطم مَن لم ينظِّم الحلقات والدوائر لأستاذه وهو يردِّد: “آ يا حسين ومصابه”… دعونا نسأل كل رادود وخطيب: من هو معلمك وكم تلمَّذت عليه؟

Posted in

التعليقات