كانوا يقولون إنه الخراساني، جاء ذكره في خبر “يخرج شاب من بني هاشم، بكفِّه اليمنى خال، يأتي من خراسان برايات سود. بين يديه شعيب بن صالح، يقاتل أصحاب السفياني فيهزمهم”… تداعت المقولة سريعاً وسقطت، فالثابت من تطبيقات الحديث لم يتعدَّ مفردة واحدة تنطبق على ملايين، هي أنه من بني هاشم، أما الخال بكفِّه، الذي أوَّلوه بعلامة هي الخلل، العطب أو الإعاقة، فتعسُّفٌ جلي وتكلُّف مرهق، وأما شعيب بن صالح الذي طُبِّق على أحمدي نجاد يتقدَّم بين يديه، فقد بات يتقدم عليه، فانقلبوا ضده وأخذوا يلعنونه! كما أن كون “السيد” من خراسان أو مشهد، مردود مدفوع، فهو آذري من خامنه، في محافظة تبريز، أي الطرف المقابل في الغرب، والحد المعاكس لخراسان في الشرق!..

إنَّ قيادة الثورة و”الولاية” في نظام الجمهورية الإسلامية، أمر وجودي مصيري، لا يحتمل الفشل ولا يطيق الإخفاق، لا بدَّ من غطاء ديني يحقِّقه وبساط شرعي يؤمِّنه، والسيد الخامنئي الذي يفتقد إجازة فقاهة حقيقية تؤهله للقيادة والمرجعية، ولا يحظى باعتراف الحوزة العلمية ولا يتمتع بتزكيتها، لن يتمكن من منحها وخلعها على غيره، ليضمن استمرار ودوام مشروعيتها، ففاقد الشيء لا يعطيه… من هنا كان التوجُّه نحو صيغة جديدة تعالج القضية، ولا سيما أنها تعقَّدت، وبات مستقبل القيادة بعد الخامنئي، واحدة من المعضلات التي تواجه النظام، فالسيد الذي بلغ الثالثة والثمانين، ميت لا محالة، المسألة لن تطول لأشهر أو سنين، هي دون العقد، فإذا بلغته أو تجاوزته، لن يكون الرجل بكامل قواه، الجسمية أو العقلية… ومنشأ المعضلة أنَّ الخامنئي بنى النظام في سِنِي حكمه الثلاثين، على قياسه، ورسمه على شاكلته، ما زال يضيِّق الخناق ويحصر الدائرة والنطاق، حتى بات قالباً لا يحتمل غيره، وإطاراً لا يحيط إلا بصورته، أو مستنسَخ عنه، قد يكون ابنه السيد مجتبى. كان يعدُّ للسيد محمود الهاشمي، لكن الموت عاجله، ثم لم يلبث الخيار التالي، الشيخ مصباح يزدي، أن لحقه، وها قد ارتكس السيد رئيسي في وحول وعوده الجوفاء، وسقط في أدائه المزري كرئيس، فكيف بولي فقيه!

هكذا حكمت الضرورة لفذلكة مُحكمة ـ هذه المرة ـ تخرج النظام من عنق الزجاجة، أو تجتاز به هذه العقبة الكؤود… تتوكأ هي الأُخرى، كما سابقتها التي سقطت (مقولة الخراساني)، على إقحام السيد الخامنئي ودسِّه في نطاق الدائرة المهدوية الأُولى، وأنه أحد أفراد الحلقة اللصيقة بالإمام عليه السلام، يتلقَّى منه التكاليف، سواء مباشرة ومشافهة، أو غير ذلك، فالمقولة هنا تحوم في أُفق يتخطَّى حساسيات أو جدليات النيابة العامة والخاصة! ترتكز على معطيات عقائدية مُحدثة، عمل عليها الإعلام باحتراف، وتقوم على ثقافة رسخها الخطاب الإسلامي الحداثوي بدهاء، عبثت بمفهوم “المقدَّس”، كونه مجرد فكرة ومحض صورة ذهنية مغرقة في الغيب والخيال، لصالح الحركي الثائر، الحاضر الفاعل، أو “العقلي” المنطقي، على حساب الموروث “الجامد”، و”الأصيل” الساكن الخامد، وأبطلت العقائد الإمامية وأخذتها تارة إلى الزيدية، وأُخرى نحو الوهابية المبطَّنة، وثالثة تجاه المادية الحسية! ثقافة ما زالت تغرس في الأجيال الناشئة، وتكرِّس الرمز السياسي “علياً” للعصر، والقائد الحزبي “حُسيناً” للزمان. وقد بلغ توغل الحداثوية في الجسم الإيماني، وشيوع هذه الفاحشة في الذين آمنوا، أن تنظِّم العتبة المقدسة للعسكريين عليهما السلام، التي ترعى دار الحجة ومنزل أبيه وجدِّه، حفلاً لإنشاد “سلام فرمنده”! ويقيم الشيخ حبيب الكاظمي صلاة العيد بين حرمي العباس والحسين!

ومن الغريب الملفت، بل المؤلم، أنَّ هذا المخطط الشيطاني المدروس أخذ الساحة أو الشريحة المتمسكة بالغيب، المتفانية في التزام الموروث العقائدي، نحو “بديل” في المصداق، ينتهي إليه النهج وتفضي إليه الطريق! وراحت تضخ زخماً غيبوياً قلب الأُصول والبديهيات والمسلَّمات في القضية المهدوية، لصالح جديد مُحدث، ومُبتدع ملفَّق! وقد جاءت الخطوة وكأنها توطئة لقفزة ـ في الهروب إلى الأمام ـ ستتقدَّم بالسيد الخامنئي ليكون في المستقبل القريب، هو المهدي المنتظر، لا نائبه ولا ممثله!؟ هكذا تمضي المسيرة على خطىً نظيرةٍ لها من القرن الثاني عشر، في أداء يشبه، إلى حدٍّ كبير، النقلة التي أخذت البابية بعد انشقاقها عن الشيخية، إلى البهائية، وساقت البهائية من دعوى نيابة البهاء عن الإمام، إلى حلول الإمام في شخص البهاء، وتحوله نبياً برسالة جديدة، ثم الكفر البواح بدعوى حلول الله جل وعلا فيه!

إنَّ الكيد الشيطاني الأخبث، والدغل الإبليسي الأخطر، الذي غلب أداء الفئة “الحداثوية” المتسلِّطة في إيران، وعموم الساحات الإيمانية الممتدة في المنطقة، هو النيل من العقيدة المهدوية بعد المرجعية الدينية والشعائر الحسينية، والسعي في مسخها إلى صورة شوهاء بكماء عمياء، باطلة عاطلة، تتغنى بالاسم وتلوِّح بالرسم، لتصرف الأنظار وتأخذ العقول وتذهب بالقلوب بعيداً عن الحقيقة، تُغيِّب “الإمام” وتمعن في إقصائه، وتقطع سبل الارتباط به عبر الدعاء والمزار، ما ينتهي ـ بعد حين ـ إلى جحده وإنكاره. هذه هي المعركة الأصلية ومرتكز الحرب الخفية، وما السلطة والحكم والنفوذ السياسي، والمال والاقتصاد، والنفط والطاقة، والغذاء والصحة، والأسلحة والأوبئة، والتسيُّب والإباحية، إلا معارك هامشية تشغل الساحة، وحروب جانبية تصرف الأنظار عن الجبهة الحقيقية.

في هذا السياق أطلقت القوى الظلامية المهيمنة على العالم والمدبِّرة لهذه المؤامرة الأخطر، بالونات الاختبار الأولى، ورمت الساحة الشيعية بحجارة الصرخية الوهابية، وحركة “جند السماء”، جماعة الساحر المشعوذ ضياء الگرعاوي، وأحمد گاطع، الذي زعم أنه ابن الحسن اليماني… تزامناً معها، أُطلقت المرجعيات المزيفة ومواقع الإعلام اللندني الفضائي والافتراضي، اليعقوبي والمالكي والحيدري وحب الله والبديري والبغدادي والطائي والغزي والحبيب واللهياري والعسر، وخذ ما شئت من الهراء والفوضى والعبث الذي يكدِّر صفو المشرب ويشوِّه نقاء الصورة، هذا يجتذب الباعة بالمجاهرة في المطاعن، وذاك يسوِّق بضاعته بالمزايدة على الولائيات، وثالث يتَّجر بالتسيُّب والإباحيات، ورابع وخامس… مجتمعين ـ مع اختلافهم ـ على محور واحد هو إسقاط الحوزة والمرجعية!

وما زالت العربة تدرج، والصخور تتدحرج، حتى وصل الأمر ودخل في نقلة نوعية ومنعطف يبدو تاريخياً من خلال التغني بأُنشودة “سلام فرمنده”، بالزخم النوعي والكمي الذي ترى، من صوَر الانفعال والإجهاش في البكاء، والإخراج الفني لبعض المشاهد، الذي يعكس الصدق ويصبُّ في العفوية ويغلق أبواب الشك والتمثيلية، إلى الحشد الكمي الذي لم يوفر مدرسة في إيران، ولا حزباً وهيئة كشفية وشبيبة ناشطة خارجها… ويبقى السؤال المدوِّي بصمت!: من هو “الفرمنده” الذي تؤدى له التحية؟ من هو القائد الآمر الذي يمتثل أمامه الجند ويعلنون استعدادهم لتلقي تعاليمه؟ جنود مَن هؤلاء الذين يردِّدون النشيد، كلٌّ بلغته وعلى طريقته، ولكن بلحن واحد جامع؟! تُرى، هل وقع الخلط عفواً في تحديد المراد المقصود بين الخامنئي والمهدي؟ أم قُصد الإبهام كصيغة بديعية في التمويه؟ أم هو إجراء أمني وسياسي يحمي الأتباع ويدفع عن الأنصار؟ لا شك أنَّ الأمر يتبع خطة حزبية غاية في التنظيم والدقة، والضبط والربط، وقد بلغ من ذلك أنَّ “النُسَخ” كانت تراعي ظروف وخصوصيات كل بلد وإقليم، ففي البحرين والخليج، حيث الدول قوية وخطر الملاحقة الأمنية، أغرق النشيد في ذكر وتعظيم “المهدي”، ولم يقرب من الخامنئي وسليماني وأي رمز سياسي، بينما في لبنان أخذ الشوط انبساطه، فتغنى بالإضافة لأولئك، بروح الله وعباس وراغب وعماد (لا ذو الفقار!)، ومزج الأصل الفارسي بالعربي، وخرج بملمَّع قهر أزمة الوقود, وراح ينقل الأفواج ويحمل الوفود، من هذه المدينة إلى ذاك الملعب والساحة، والزهرات يلبسن أثوابهن البيضاء، ويؤدين التحية العسكرية بأيديهن الصغيرة، أمام صور آلهة باتوا عليها عاكفين!

ترى من هو صادق الوعد؟ هل هو الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر، أم السيد حسن نصرالله؟ أم هما واحد في المفهوم، فلا يضر المصداق وانطباقه، ولا تشاح في المسميات ما دام المعنى منطبقاً!؟ إنَّ الجواب مبذول في الفكر الحقيقي لهذا التيار، والرسالة الخفية لهذه المدرسة، وخير من يحملها شيخ حقَّ أن يُدعى “يزيد شين الدين”، منطاد نُفخ بغازاتهم السامة، تخرج منه فرقعات إعلامية بنتن الكبريت وعفن الكعكة الصفراء، يعلن الزنديق وينادي جهاراً أنَّ المهدي الغائب ليس إمام زمانه، وأنَّ: “الإمام هو مَن تقتدي به لا مَن تعتقد به”! السيناريو، أو التراتبية المنظورة، أنَّ موت الخامنئي ستعقبه “فترة”، يزعم فيها “اتصال” ما بالمهدي، ثم يُلقَّن القطيع أنَّ الأمر قد فوِّض إلى مجتبى، أو لجنة صورية يقودها… إنهم بصدد فذلكة، تجمع العقيدة الإثني عشرية بالمهدي المنتظر، مع الفكرة الخامنئية أو الحركية بقائد حاضر فاعل، يستمد مشروعيته من السماء، لا من أزقة النجف، والأتربة المتصاعدة من أكبر مقبرة في العالم!

إن الزخم العاطفي، وشواهد الصدق، والمظاهر الملتبسة بين الحق والباطل، المرتسمة في مشهد الأطفال الباكين، المنفعلين بفطرتهم شوقاً لإمامهم، والتوظيف البارع لاسم وعنوان المهدي، وكيف باتوا يحملونه بعد عهود متمادية من الهجر والجفاء، والتجاهل والإقصاء… هو الأزمة الجديدة التي ستعاني منها الطلائع الواعية، والمعضلة القادمة التي على البصراء تفكيك تركيبها المعقَّد، وإرجاع كل رقم إلى جذره، وإعادة كل عدد إلى أصله ومحله. وهنا معركة محتدمة مع السذاجة، وجولة ستطول مع سحر الأجواء والانبهار، وعناء شديد في تبديد البريق المتلألئ من بعيد، وكيف لهم أن يثبتوا للظماء الراحلين صوبه، والقاصدين بل اللاهثين المندفعين نحوه… أنه سراب، بل حميم وغساق، ومهل، من الرصاص المذاب! قد يرى بعض السذج أنَّ المقالة ذهبت بعيداً، وبالغت في سوء مقاصد القوم وخبث غاياتهم، ولكن هؤلاء هم أنفسهم الذين أنكروا وجود الحرب في جبهات الشعائر والحوزة والمرجعية، ثم عادوا معترفين، بعد أن خدموا ترسيخ المؤامرة والمنظومة المباشرة لها بسكوتهم، وأعانوا على الظلم والعدوان بالتشكيك الذي أفسح للقوم ومنع مواجهتهم!

كما أرى “البهرة” في حرم سيد الشهداء وأميرالمؤمنين، رأيت “أبوذر روحي”، المداح الإيراني صاحب “سلام فرمنده”، في حرم العسكريين، قابضاً على شباك الضريح الشريف، ولكنه لم يكن يتلو نصوص الناحية المقدسة ودعاء الندبة، ولا مرويات الأئمة الأطهار في المزار، ولا يلتزم آدابهم في خطاب أجدادهم عند المثول في حضرتهم… كان يردد كلمات “مهدي لنگرودي” ويترنم بألحان “مهيار طالبي”، ويغني “سلام فرمانده”! ومعه جمع يتمايل طرباً. والحق أنني لم أرَ أحداً يفرد ذراعيه ويدور حول نفسه، ويرقص من الوجد… حتى الآن! إن الذين كانوا يقبِّحون البكاء ويستخفُّون بالتضرع والدعاء، يرون ذلك حيلة العاجز، و”أفيوناً يخدِّر الشعوب”، باتوا يحسبون الفرج والظهور ويرجون إقامة دولة العدل الإلهي المنتظر، عبر الغناء والمعازف، وأوتار العود والطنبور!

وصدق مصطفى صادق الرافعي إذ قال: إذا انحرفَ القطارُ براكبيهِ، فقد وجدوا المحطةَ في اللحودِ. وسيَّانَ البصيرُ وكلُّ أعمى، إذا نظرَا إلى شيءٍ بعيدِ.

Posted in

التعليقات