هناك كتاب سيلقاه الإنسان يوم القيامة، يؤتاه بيمينه، أو يتناوله بشماله ومن وراء ظهره، أو منشوراً أمامه، يوافي الأبرار في عليين، ويلحق الفجَّار في سجين، مرقوم يلزم عنقه، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، سُجِّلت فيه النوايا وسُطرت الأفعال، الحسنات منها والسيئات، لتظهر النتائج، ولو لمثقال ذرة من خير أو شر، حتى العود أو العصا عبث بها، ستسأل: لم نكتَّ بي الأرض؟ والحصاة: لم طرحتني في النهر؟!.. وهنا، في الحياة الدنيا، كُتبٌ على هذا الغرار، تسجِّل الحوادث وتضبط الوقائع وتدوِّن التاريخ، تخبر الغائب وتعلم الجاهل، توقظ المهمِل وتنبِّه الغافل، تقدِّم العبرة وتبني النموذج القدوة. كُتب تذكر أخبار البلاد وأحوال العباد، وسير الملوك والرؤساء، عدلاً أفشوا في مجتمعاتهم ورخاء، أم ظلماً عاثوا وجوراً أسسوا وأشاعوا الفساد، تنقل إنجازات الأعلام والعظماء، إعماراً وإصلاحاً كانت، أو هدماً وخراباً خلَّفت، تجازي كلّاً بما حقَّق وقدَّم أو فرَّط وأهدر، مدحاً وتبجيلاً أو قدحاً وإدانة. هذا في المأمول المفترض، لكن الواقع من سير البشر وأداء الإنسان، وما كان حتى الآن وبان، يظهر أن “التاريخ” لم يكتب بأمانة، وكثيراً ما سجَّلته أقلام أجيرة، داهنت السلطة، وجبنت عن الحق، فجانبت الإنصاف والعدالة، وأخلَّت بالموضوعية وخانت الأمانة، وأزرت بالحقيقة وجانبت الصواب. والأكثر خفاء هنا وظلامة، هو ما وراء الظاهر، العلل غير المرئية للحوادث، والأسباب غير المعلَنة للوقائع، المعضلة المتكرِّرة في مواقع ضياع الحق، من خلال العوامل والعناصر التي تدبِّر الأمر من وراء الستار، وتحكم دون أن تظهر في المشهد، فلا تلتقطها مدوَّنات المراقبين وتسجيلات المؤرخين ومؤلفات الكتَّاب، اللهم إلا الأكياس الفطنين، وقلَّة هم.

وحتى لا ينزل بالحاضر ويناله ما حلَّ بالغابر وأصابه، ويطال واقعنا ما أزرى بماضينا، يسعى العلماء، والباحثون الأمناء، لتدوين وقائع الأيام وتحليلها بما يزيح الستار ويكشف الخفايا ويوضح خلفيات كل مشهد، وتبعات كل موقف، هكذا يلحق بحكمة التدوين أمر آخر، هو الإسهام في إتمام الحجة بعد جلاء الحقيقة، ووضع النقاط على الحروف، وقطع الطريق على “المعذِّرين من الأعراب” وتبكيت المرتزقة الوصوليين!

في مدرسة “الحركة الإسلامية الشيعية”، منبع الانحراف وجذر الضلال المعاصر، ومن بين “العلماء” في هذا التيار (وهم قلة نادرة، فالعمائم هنا ملاءة مطوية ونسيج ملفوف!)… تتميز شخصية السيد محمود الهاشمي بسجايا وخصال قلَّ أن تجدها في غيره، يشقُّ معها ويعزُّ على أي باحث يتحرَّى الموضوعية ويلتزم الإنصاف أن ينال منه! فإذا اضطرَّ لسبب وآخر، كان الأمر مرهقاً مزعجاً. فمن مجموع قرائن مشهودة، يظهر أنَّ الرجل كان يتمتع بصفات لا تتوفر في أقرانه وأصحابه، استتبعتها مواقف لم نرَ شيئاً منها في غيره، منها موقفه من كمال الحبتري، والبيان القاطع الذي أصدره في تفنيد نهجه وأفكاره، وتعاطيه في الشعائر الحسينية، فقد كان ينتصب واقفاً لأكثر من ساعة في العزاء، يواكب هيئة اللطم! وعلاقته بالفقيد العزيز السيد علي أكبر الحائري، الرجل العقائدي الصلب، الذي أبى مصافحة البطريق الغريفي، وغادر مجلساً دخله وكيل فضلة الشيطان الأكبر! وقد أسرَّ لي شخصياً، لما عاتبته على توليه رئاسة مكتب السيد محمود الهاشمي، بأن الرجل سليم العقيدة، وبعد جدال، تنزَّل إلى أنه ليس أكثر سوءاً من المتصدِّين!

إلا أننا من جهة أُخرى نقف على مآسٍ وويلات، ورزايا ونكبات، تبدأ في شهادات الزور التي لفَّقها لفقاهة السيد الخامنئي، والفذلكة التي أخرج بها مهزلة أعلميته، ولا تنتهي بمساعيه لتعويم فضلة الشيطان وتخليصه من المأزق الذي وقع فيه بعد أن حكمت الحوزة والمراجع العظام بضلاله، حتى إذا هلك كان ممن نعاه ورثاه، وتجاهل إطباق الشيعة، وأبَّنه تبعاً للحركة الإسلامية التي إليها ينتميان!.. لكن هذه وتلك ليست جريمة السيد محمود الهاشمي الكبرى! فهناك الأنكى والأشنع، والأخطر الأفظع، إنه الغرس الآثم الذي زرع حيدر حب الله في جسم الحوزة العلمية، والمناصب التي عهد بها إليه في المؤسسات العريضة تحت ظل الدولة وسلطة الحكومة، والإمكانيات الهائلة والميزانيات الخيالية التي توفرت له جراء ذلك، ما أتاح له جمع لفيف من أرباع الفضلاء وأنصاف المحققين، وأطلق يده لتأليف عصابة انصرف للبحث فيما وجهها إليه، وإعداد “دراسات” كانت في رسالتها، وتفاصيل مادتها، معاول هدم في العقيدة والتراث! السيد محمود الهاشمي هو الذي زرع حيدر حب الله في الحديقة الخلفية لبيته، ليترعرع هناك آمناً محمياً مكفيّاً، ثم أتاح له أن ينطلق ليصول ويجول، يعيث فساداً في الحوزة، وينشر أخطر الأفكار التي تقوِّض المذهب وتهدم الدين! بدأ من “مرفأ الكلمة”، وانتهى بالإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه في الحوزة وجامعة المصطفى، وجامعة الأديان، وكلية أُصول الدين! في فضاء استعرت فيه حمَّى الرتب والدرجات الجامعية، وسياق من تدجين الحوزة وإقامتها على نسق أكاديمي أزرى بعمقها العلمي، وذهب باستقلالها فباتت تابعة للدولة، مرتهنة للسلطة، وراح طلابها يلاحقون الشهادات ويجاهدون لنيلها، فينتهي بهم المطاف عند حيدر حب الله، يتزلفون ويتملقون عسى أن يمنَّ بها عليهم، فيأبى حتى يقف على بصيص ضلال في الرسالة، أو يعمد لتوجيهات تُلحِق ذلك بها وتدسُّه فيها، هذا لمن لم يحظ بتوصيات مخابراتية ملزمة لحب الله وكره الله على السواء! الهاشمي الشاهرودي هو الذي أوكل لحب الله رئاسة القسم الشيعي الإمامي في مؤسسة خدمة علوم القرآن والسنة الشريفة في القاهرة، المكلَّفة كتابة موسوعة الحديث النبوي الصحيح عند المسلمين (الفريقين)، فكان أبوموسى الأشعري لزماننا، خلع خاتمه وأسقط أحاديث الشيعة، وفي المقابل ثبَّت عمرو بن عاصهم أحاديث القوم وأحكم ترسيخها! فكانت مكافأته على هذه الطامة أن ألحقه السيد محمود بالمجموعة البحثية لدائرة معارف الفقه الإسلامي، المكلَّفة تدوين أكبر دائرة معارف للفقه الشيعي الإمامي، والتي يشرف هو عليها بتكليف من الخامنئي، حتى تولَّى في عام 2009م مسؤولية المعاون العلمي له في الإشراف على الدائرة، ورئاسة الهيئة العلمية في المؤسسة! إن النوائب والفجائع التي ارتكبها ويرتكبها هذا الحمار بما يحمل من أسفار، تعد سوابق لم يقع فيها ضال، ولا تقدَّم عليه منحرف بطَّال! إنه يرمح فيسقط برفسة واحدة ما تبقى من “البحار”، بعد أن انحسرت “مشرعة آصف محسني” عن أقل من ثلث، ليغرق ثلثاه ويعود إلى الأعماق، ويسكن من جديد الأصداف، فتطيب النواصب نفساً، وتلقي الحداثوية عصاها ويستقر بها النوى، فقد طمرت اللآلئ والدرر، وما عادت في التداول ولا التناول، ناهيك بأن تزيَّن عقود المعارف الدينية وقلائد الولاء لآل محمد! إن الفظائع التي يرتكبها هذا الزنديق، ويبثها لتسمم أفكار شبابنا وتلوث الفضاء الإيماني للمثقف الشيعي، هو حصاد آثم لما بذره سيد محمود الهاشمي، وثمر فاسد من جني ما زرع وغرس، وطعام زنخ عفن من الذي قدَّمه للمجتمع والأُمة!

وهذه حالة متكررة، تكاد تكون ظاهرة، فقد سبق أن زُرع الأشكوري في بطانة الشيخ الإيرواني، حين شرعوا في مؤامرة تغيير مناهج الحوزة، فوقف لهم المرحوم السيد الگلبيگاني قدس سره، قارئاً حصيفاً للمستقبل، ومستطلعاً متنبئاً لأهداف القوم، ورائداً بصيراً للحوزة، وراعياً أميناً للمذهب، فكأنه استشرف أقاصي غاياتهم ونهايات أهدافهم، فوقف بحزم وأبى أن يسمح بالخطوة الأُولى، حتى إذا رحل إلى ربه ولحقه أقرانه من الشيبات المقدسة التي كان النظام يخشاهم، عرضوا تغيير المناهج على أساتذة الحوزة العربية، فهم الحلقة الأضعف في قم، فأبى آل راضي والجواهري وغيرهم، عندها بدأ أو ظهر دور الأشكوري، الذي استطاع إقناع الشيخ باقر الإيرواني، فكُسرت القارورة الأولى بضربة فنية سحبت البساط من تحت أقدام المعارضين، فلا سبيل للنيل من فضل الإيرواني وأصالته وبعض استقلاله، وكانت مؤونة كشف بساطته وسذاجته كبيرة باهظة، خاف معها المعارضون أن تكون المفسدة أعظم من المنفعة، فآثروا السكوت! ثم أُعطيت الهراوة من بعدُ للحبتري وحيدر حب الله وأضرابهما، يخبطون ويخضمون، ومضت المسيرة لتصل إلى الشقاء والجدب الذي أضحت فيه اليوم.

هناك مآثر وإنجازات مشهودة لبعض أعلام عصرنا، فضائل وبطولات، تجعل الجرائم المعاصرة التي تنال من ديننا ومقدساتنا وشعائرنا، تمرُّ على عامة الناس، وحتى على النخب والخاصة، مرور الكرام… ولكن التاريخ سيدوِّن بأقلام تخط مداداً داكناً لا يمحى وكلمات قاسية لا تزول، ويسجِّل مَن يقف وراء التلوث العمراني لأقدس مدن الشيعة، ما حجب القبة الشريفة لحرم أميرالمؤمنين ومنع أن تلوح للمقبلين، فتتلقاهم البنايات الشاهقة المحيطة، وصفائح “الچينكو” تغطي المخالفات وتداري المخلَّفات على الأسطح، فتزيد المنظر تشويهاً وبشاعة! وكذا مَن سمح بالغناء والعزف بآلات اللهو والطرب بين الحرمين الشريفين في كربلاء، ومَن سوَّق لنرجسيين قدَّمهم لإمامة حشود الزوَّار يوم العيد وأعان على التلبيس والإغواء، ويسجِّل أيضاً، على رأس الصفحة وبعنوان عريض، مَن مكَّن النظام الإيراني من اختراق الحوزة في النجف الأشرف، ولم يتعظ بالسابقة التي وقعت في قم المقدَّسة، فأفسح للسوسة أحمد الأشكوري، بالتوغل في أروقة الصرح والتسلل إلى دهاليز البيت، وسكنى الأعمدة التي ترفع البناء، كما أتاح سيد محمود الهاشمي للأرَضة حيدر حب الله النفوذ والنخر ما يشاء!

لم يبقَ في الناس إلا المكرُ والمَلَقُ، شوكٌ إِذا لَمَسوا زهرٌ إِذا رمقوا. فإِن دعتكَ ضروراتٌ لِعِشرتهم، فكُن جحيماً لعلَّ الشوك يحترق.

Posted in

التعليقات