في الحديث الشريف الذي يحكي زمن الظهور: “إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت بها أحلامهم”. وفي آخر: “وتؤتون الحكمة في زمانه، حتى إنَّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم”… إن السير التكاملي نحو الحالة النموذجية، والتقدم صوب الصورة المثالية الموعودة، هو قدر الفرقة الناجية. نحن في حركتنا نمضي تجاه الظهور الشريف، علمنا أم جهلنا، قصدنا أم غفلنا، شئنا أم أبينا، نسعى ونكدح حتى نلاقي هذه القيامة الصغرى والغاية العظمى في الدنيا، ثم نوافي صورتها الكبرى ومثالها الأتم في المعاد والآخرة.

من عاش الستينات والسبعينات من القرن الماضي يدرك جيداً أنَّ السمة البارزة في المؤمنين الملتزمين من أبناء ذلك العصر، كانت الثقافة وسعة الاطلاع والشغف بالعلم، السعي لتوفير وتحصيل المادة التي يحتاجونها لمواجهة الشيوعيين أو المخالفين، وخوض المساجلات والمطارحات الرائجة في ذلك الزمان، والانتصار للمذهب والدفاع عن العقيدة، ودخول قوي متمكِّن في حلقات المحاججة التي كانت تعقد بمناسبة ودون مناسبة، في المدارس وأماكن العمل ومختلف المحافل… كان جيلاً قارئاً مثقفاً، بصيراً مطَّلعاً، حريصاً على تحصيل المعلومات ونهماً بكسبها، ولعله تفوَّق ـ كتيار ديني ـ من بعض الجهات على اليسار، مضرب المثل على هذا الصعيد، ونجح في خلق صورة مشرِّفة حملت المخالفين على مقولة: لا تخاصم شيعياً، فيغلبك لا محالة!

تُرى، ما الذي جرى حتى صرنا إلى تراجع وانحدار؟ من أين أتانا التقهقر والنكوص والانهزام؟ ماذا حلَّ بنا وجعلنا متخلِّفين على صعيد معارف الدين؟ من أين أُخذنا فاستباحتنا الحداثوية، وماذا فقدنا فغلبتنا السطحية، وأي فراغ رأت الجهالة فضربت أطنابها وخيَّمت علينا بالأُميَّة الدينية؟

للوقوف على فهم صحيح لما يجري اليوم، مقارنة بما كان عليه الحال، علينا دراسة الواقع من خلال فهم سنن حركة الأُمم والمجتمعات على صعيد العلم والثقافة، ولا سيما المعارف الإلهية، وإدراك خضوعها لعلل ترفعها وتنميها، وأُخرى تروِّج السخف وتشيع الطيش والنزق، عوامل توسع في شريحة العلماء والماضين على سبيل نجاة، وتحسر نطاق العوام والحشو والطغام، وتورث ازدهار العلم والأخلاق والكمالات، تقابلها أسباب تدفع تجاه الهمجية والسوقية والجهالات. ولا بد من التيقظ إلى أن الجهلة وحراكهم يمضي دائماً على نحو حاد لا توسط فيه ولا استواء، كما جاء في العلوي “لا ترى الجاهل إلا مفرِطاً أو مفرِّطاً”. وكذا ملاحظة نتائج دخول الإعلام العصري في الحراك الديني، ولا سيما الفضائيات، ثم العالم الافتراضي ووسائل التواصل، المبذولة للجميع والمتوفرة على غير صعيد، والقادرة على بلوغ الأهواء ونيل الرغبات، وتلبية الشهوات وتحقيق النزعات، التي تكمن في كلِّ نفس، وتنازع كل شخص، وأخطرها طلب الشهرة…

من الآثار الخطيرة للإعلام المبذول وساحته المستباحة، والتبعات المشهودة لطبيعة العوام في الإفراط، وشأن الجهلة وحالهم في المبالغات، يمكننا فهم أسباب الحالة المهيمنة على ساحتنا، والسمة التي غدت تصبغها وتطبعها، وما بات يتهدد بانتقال القيادة الميدانية للساحة الإيمانية، على الصعيد العلمي والمعرفي، وينذر بتحوُّل زمام الأُمور في هداية وتوجيه الحركة الثقافية والمتبنيات العقائدية، وتحديد جبهات المواجهة وميادين الصراع، من الحكماء والعلماء والمفكرين والوعاظ والمطَّلعين المتمرسين والخبراء المتيقظين، إلى أيدي الشعراء والرواديد وعوام المؤمنين، من أصحاب الحسينيات والمجالس والهيئات! ليصبح هؤلاء هم الذين يحركون الساحة الإيمانية، ويأخذونها في وجهاتهم، ينشطون ويسعون أن يجتذبوا الجماهير نحوهم ويكثِّروا السواد من حولهم، ما يبسط يدهم ويقوِّي شوكتهم ويعلي كعبهم،حتى يصبغوا الساحة بطابعهم وهويتهم!.. ما يسقطها في فوضى عارمة، ويأخذها نحو سطحية قاتلة، ما زالت تخلق موجات متتابعة من الحركات الانحرافية، تخنق الإبداع وتقطع الطريق على كل ألق ونموٍّ صوب السمو والكمال، وتورث أزمات متلاحقة تنزل بنا الكوارث وتحيق الفتن والبلاءات!

تظهر شريحة من المؤمنين المخلصين الملتزمين، إلى درجة وحين، دون حرص على الفقه ولا تأكيد على المرجعية! لا يعنيهم التآمر على الحوزة، ولا يكترثون بتقويض أُسس المعارف الدينية وقواعد بنائها، لا يبالون بالحرب على كنوز مصادرنا وتراثنا، سواء من الحديث الشريف ونتاج السلف من الأعاظم والأساطين، ولا بالمعركة المستعرة في إخضاع الحوزة والمرجعية للدولة، بل حتى أسباب قطع روافد الحب وأواصر العشق الذي يربطهم بأهل البيت، من حركة مدروسة وتدبير محكم لجحد معاجز الأئمة الأطهار وكراماتهم، وإنكار فضائلهم وبخسهم المنازل التي أنزلهم الله فيها، تراهم سلبيين تجاه ما يدور على هذا الصعيد، ولربما محايدين وكأن الأمر لا يعنيهم من قريب أو بعيد! فما دام الغرُّ يغرِّد من قفصه في تويتر، ويصرف من حسابه في فيسبوك، ويرسم الجدارية التي يريد، وإن كان حائطه في زقاق لا يقطعه إلا هو صحبه، وما دامت الهيئة التي ينشط فيها تعقد جلساتها، وتلطم على مدار العام، وهو يعيد الاستماع للطمية تتلوها أُخرى على مدار الساعة، حين يعمل ويأكل وينام! وقد حوَّل الشعيرة التي يفترض أن تكون مفجعة، إلى لحن للتسلية وإيقاع يورثه الأنس… فالأُمور عنده بخير! وقد يُفهم هذا من ناسك منعزل لا يعنيه غيره، يعيش تكليفه في إطاره الخاص، ولكن إذا كان المؤمن “شعائرياً”، فهذا يعني أنه يعمل في النطاق العام، يجهد أن يجعل عزاء سيد الشهداء ظاهراً عاماً يملأ السكك والطرقات، ويعم البلاد والآفاق، أي أنه معنيٌّ بأهله وصحبه ومجتمعه وأُمته، ومع ذلك، لم تبلغ فطنته ولا أخذته بصيرته إلى أبعد من هذا الذي يعيش!

والخطر لا يقف هنا، عند تقاعس هؤلاء وخذلانهم نصرة آل محمد أمام الأخطار الحقيقية التي تتوجه للدين والمذهب، بل إنهم لا يلبثون أن يصبحوا لقمة سائغة لتيارات الضلال ورموزه الناشطة في الساحة الشيعية، فتجدهم يخضعون لـ “المولى” المشعوذ، حتى يجعلونه باب الإمام، ولربما قصد أحدهم مشهد الرضا، قادماً من العراق أو بلاد الخليج أو لبنان، ثم عاد دون زيارة، مكتفياً بلقيا “الباب” الذي صرفه دون الحرم المطهر! وتبلغ الذروة فتكون الصرخية والقاطعية والبديرية، ونظيراتها من الفضلية والحيدرية والحب اللهية، وأضرابها من الحداثوية، وتحالف يجمعه مناصبة المرجعية والحوزة العلمية، كالياسرية والغزية واليعقوبية والمدرِّسية والشيرازية والصدرية والخامنئية… هذا يحارب الشعائر الحسينية ويحرِّم مظاهر الجزع ولا سيما التطبير، وذاك يأخذه ويحمله إلى الأربعين وذكرى أميرالمؤمنين بل حتى وفاة أم البنين! وثالث يقلبه مهرجاناً للتبرع بالدم! هذا ينادي بالمقاومة والجهاد، والتأسي بفعل سيد الشهداء، فيسخر من اللطم ويستهزئ بالبكاء، وذاك يزري به ويأخذه إلى المزايدة والابتذال، آخرون ينقلونه من العبادة والطاعة إلى الاستعراض والمسابقة! هذا يمسخ مفهوم البراءة، ويصرفه عن أعداء آل محمد، فيترضى عليهم ويربِّي قاعدته على الزيدية ويلقِّنهم تجاهل التاريخ، وعقم العقيدة الساكنة في القلب، وإن كانت فاعلة في الروح والضمير، ما لم تفض إلى موقف سياسي ونشاط حركي، وذاك يستأكل بها ويتاجر، فيرفع عقيرته بالسب والفحش ويجاهر بالطعن واللعن، بما يحصده الشيعة ويدفعون ثمنه فتناً ومجازر! وهذا وذاك يتهالكون على الأضواء، “عشرات” على غرار عشرة عاشوراء، مسيرات تحدٍّ جوفاء إلى سامراء، وثالثة الأثافي في مهرجان موسيقي بين الحرمين يرفع أذان لقاء المهدي بالغناء!

في مثل هذه البيئة القاحلة والجدب والقحط، من السهل جداً أن يربض الحيدري في المفاوز، ويخرج حب الله من مغارته وينصب المسالح على الطرقات، ويظهر تونسي من بين الكثبان ومن تحت الروث الجاف كالخنفساء، وفلسطيني مستبصر يمعن في الإغواء، وسيد “يتفطَّن”، طالت لحيته فدلَّت على غير ما يحسب، يلقِّن أتباعه تحري “الصحيح” من الحديث، ويصطف ويتموضع ـ من حيث لا يدري ـ في جبهة الأعداء، يعينهم في المعركة الكبرى على الأصيل والصحيح الذي يتهالك عليه، فيفصل الشيعة عن كنوز وأنوار، بذريعة مبان رجالية عرف منها شيئاً وغابت عنه أشياء، وأعرض عن “بادِروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة”، فترك أتباعه عرايا خاوين منقطعين، تتلقفهم الأحزاب ويتناوشهم الأسوأ من المرجئة!

إنَّ الساحة الإيمانية بحاجة إلى ثقافة ولائية، ترفد وتدعم الممارسة الولائية، فيرقى صاحب الحسينية والهيئة ويتعالى على أصل الجذب والكسب، وينظر في الخطيب والرادود الذي يدعوه، ماذا تراه سيُطعم المستمعين ويلقِّنهم، وأين عساه أن يأخذهم؟ ومن المؤلم أنَّ الدخول الثقافي الذي يتجاوز سطحية أداء الرواديد واللطم على مدار العام، هو في أغلبه ضلالي حداثوي، أو حالة متميعة بينها وبين الأصالة، كالشيخ الذي يجعل من أقواله جواهر، والسيد الذي يقلب المنبر إلى محاضرات في الفيزياء، وثالث كنا نحسبه لنا، فإذا به يمجد صاحب مشرعة البحار! هذه مشاريع شخصية لا يهمها من المذهب والطائفة إلا ما يحقق ظهورها ويرفع شأنها ويعزز مكانتها. أما الوجود الأصيل في هذا النطاق فيكاد ينحصر بأعلام كالسيد حسين الحكيم والسيد علاء الموسوي والسيد ضياء الخباز والسيد رضا شرف الدين والسيد هاشم الهاشمي والشيخ نزار سنبل، ولم أرصد عناصر أصيلة فاعلة من خارج الحوزة، تعمل على الحالة الإيمانية لتنتقل بها من سطحية المظاهر إلى أعماق المعارف، وخلق ثقافة تستقي من العلم، كما تعيش الولاء شعائر حسينية وعزاء! إن العاطفة على عظمتها، لا يمكن الركون إليها والتعويل عليها، وقد رأينا كيف وُظِّفت، وخدعت شبابنا وسرقتهم، فغدوا يغنون للمهدي كما يغنون للرنتيسي وأحمد ياسين! إنَّ البنية العقائدية الصحيحة هي الركيزة التي علينا تأمينها، والرافد الحق الذي يمكنه أن ينتج أداءً ولائياً أصيلاً.

في غياب الحراس يظهر السرَّاق، وينشط قطاع الطرق والصعاليك وكل آبق وعاق… إن الطاقات الولائية المخلصة المتفجرة في الهيئات الحسينية، لو حسنت تربيتها وهديها وتوجيهها، لما تجرأ الحيدري وحب الله والأشكوري وطالب وابن جدو وغيرهم أن يتجاسر على مقامات أهل البيت ومسِّ حرمات المذهب ومقدَّساته، وفي الأقل الأدنى،كان يمكن توظيفها كقوة ضاربة، وإن كان الحق أخذها نحو بنية علمية وعملية واعية وبصيرة، تحسن الرصد والتحسس، وتجيد الرد والمواجهة، تفحم الخصم وتبكِّت العدو، وتردع من تسوِّل له نفسه، فيعلم أنَّ الحمى هنا ليس مجرد آراء علمية ينبس بها الفضلاء على استحياء، نبس العذارى في عقد النكاح، بل هو أيدٍ ضاربة وصوارم قامعة وسهام تقطف الأعناق من بعيد، قبل أن تدنو الرؤوس وتقرب لتفسد النفوس.

Posted in

التعليقات