لم يكن البغض والنُصب فقط، ولا الخِسَّة والدناءة أو الغلظة والفضاضة فحسب، هي التي دعت للتنكيل والمُثلة، وحزِّ الرؤوس ورفعها على القنا، وحملت على وطء الأجساد بسنابك الأعوجية، وتفريق الأعضاء وتقطيع الأوصال، والمضي في ترويع النساء وتجويع الأطفال… ولا كان إشعال الحرائق وإضرام النار، واجتياح الأخبية ونهب الخيام، لمحض الظفر بـ “الغنائم”، ومجرَّد الفوز بذخائر ونفائس كانوا يحسبون أنها في بيوت “ملوك الأرض والسماء”.
لا ريب في دور الحنق والحسيكة ومكان الدناءة والرذيلة، ولا شكَّ في تأثير الخبث والعهر واللؤم والدَّنس، فالقسوة والغلظة والشراسة… لكنها من جانب آخر، نتاج “طبيعي”، أو قُل تلقائي، لسير المعركة والطريقة التي دارت عليها رحاها ساعات عاشوراء، ويومها الممتد كثلاثة مما تعدُّون!.. إنها البسالة والشكيمة وعموم الكيفية التي قاتل فيها أبطالُ الصفا وفرسانُ الهيجا، ما أبادوه من عسكر أُمية، وأفنوه من جند الشام، وسطروه في الميدان وألحقوه بعدوِّهم الجبان.
جهاد أورث القوم فزعاً وهلعاً لم يعرفوه، انخلعت له القلوب وبلغت الحناجر، رجفت فيه القوائم واصطكَّت الركب، اقشعرَّت منه الجلود وانكمش كلٌّ في ثوبه، واندسَّ في درعه. وكانت قد استولت عليهم الفكرة، في طور ومرحلة، أنَّ هؤلاء خارقون خالدون، وأنهم لا محالة منصورون، لا سبيل لقهرهم، ولا فرار من سيفهم! تسلل إليهم ذلك قبل بدء المعركة، وهم يشهدون إصرار قلَّة قليلة، دون المئة، بركب فيه النساء والأطفال، وكأنها قافلة في سفر أو عائلة في ترحال، لا كتيبة مقاتلة وفصيل ثائر يطلب قائده الحكم وبسط السلطان، ورفضهم النزول على رأي جيش جرَّار، عديده مئة ألف أو يزيدون… ثم لحق ذلك ما جرى في المعركة ودار في الميدان من صوَر الصراع وكيفية القتال!
كان اليأس قد غلب القوم مع اللحظات الأولى، وتلاحق مما عاينوا في غير جولة وصولة، وهم يشهدون الالتحام والبراز، يحسبون أنهم فرغوا من هذا المبارز وقتلوه، وقد أمطره رماتهم بالسهام، تأتيه كعاصفة هوجاء، واحتوشه الخيالة من كل الأطراف، انصبَّ الرجالة من كل حدب وصوب، وانهالوا عليه جميعاً بسيوفهم ورماحهم وأعمدة الحديد والخشب والحجارة، منحدرين كسيل جارف… فتعلو غبرة ويغيب عنهم المشهد فترة، ثم يصعقون حين يجدون العباس أو الأكبر قد قام من بينهم على ركام من جثث هالكة، قد صرعهم وأفناهم عن بكرة أبيهم، لم ينجُ من الألف والألفين واحد! وقد تكرَّر هذا وتعاقب… حتى سكن في خلَد القوم واستقر في روعهم أنَّ هؤلاء لا يموتون! وأنهم ليسوا من جنس البشر، بل من طبيعة خارقة وخلقة خاصة وشاكلة مختلفة! وكانوا يتهامسون: إنهم أسباط الذي شقَّ القمر، وأنطق الحصى بسحره، وأبناء الذي أرجع الشمس وقلع باب خيبر بعزمه! فتنزو قلوبهم وتستطير أفئدتهم، وتكاد تتزايل أعضاؤهم من الفرَق!
وقد لازمتهم اللوثة، وما برح فيهم الهوَس حتى نهاية المعركة، لم يفارقهم حتى حين رأوا أجساد الشهداء على صعيد كربلاء! كانوا يتوجَّسون أنَّ أرواحهم ستعود إليهم، وأنهم سينهضون من رقدتهم في أي لحظة، حتى خال بعضهم أنهم يتظاهرون بالموت، ويحتالون بافتراش الأرض، ليدنوا منهم أعداؤهم، فيصطادونهم ويتلقفونهم!
كان الجند في انفعال واضطراب شديد، أخذهم إلى حافة الاختبال والجنون، اصفرَّت وجوههم وتغيرت ألوانهم، تهدَّجت أصواتهم وتلجلجت في حناجرهم الكلمات فما عادوا يتحدثون! يتلفَّتون من أدنى صوت، يحسبونه نئيم قوس أو صليل سيف، يشقُّ الفضاء نحوهم ليفلق هامهم، أو يخرق دروعهم ليقتلع قلوبهم! وقد زُلزلت الأرض زلزالها، فرجفت الأقدام واصطكَّت الركب، وأعجز الرعاش أيدي كثير منهم عن مقابض سيوفهم، لذا كانوا يتساقطون قبل الدنو من المبارز والخوض في النزال، ويُصرعون قبل تلقي الضربة والطعنة! يعينون على أنفسهم، فلا تعجب من تفرُّق الشياه إذا شدَّ فيها ليث غاضب، أو من فراش مبثوث وعهن منفوش، وقد تداعت القيامة وآذن الوجود بالفناء، فينكشف الجند ويتطايرون كالهباء، من رجَز الفارس الهاشمي، وخطاب البطل الصحابي…
حتى إذا صُرع المولى، وتوقف القتال، وأُعلن انقضاء المعمعة وانتهاء المعركة… بقيت الدهشة تحكمهم، واستمر الذهول والوجل يدبِّرهم، وقد أركزهم في أرضهم، فشُلَّ جُلُّهم وفلج، وألزمهم الانكدار الكوني مقاعدهم ومواضعهم… كانوا يرون الحمرة في السماء، وانحسار الفرات المتلاطم من ساعات خلت، وتفجر الدماء من تحت حوافر خيولهم أينما مضت وجالت! فيحسبون أن النقمة قد آذنت بوقوع، وأن الشهداء سينهضون لينقموا منهم، ولعلَّ المهمة انتقلت إلى خلَفهم والبقية الباقية منهم! لذا كانوا يخشون أن تكون لقمة طعام يتناولها الأطفال تعيد إليهم الرمق، أو جرعة من ماء، تبل حرَّ أكبادهم، “مصدر طاقة”، أو ومضة تشكِّل مفتاح حركة و”إعادة تشغيل”، وسبب انطلاقة وانبعاث جديد!
بين مقبل من غلٍّ مستحكم، قدم من قعر جهنم، تدفعه أحقاد بدرية وحنينية وخيبرية، وبين خائف يخشى أن تبعث الأجساد، ووجِل أن تقوم من مصارعها، أو أن تنتقل تلك الروح التي رأوها في الميدان، إلى باقي الركب وتحلُّ وتدبُّ في العليل أو الأطفال أو حتى النساء، فيرجع القتال ويعود الفتك بهم، وتُستأنف المعركة التي ما صدَّقوا أنهم أنهوها وفرغوا منها! هتف ابن زياد، هتافه السابق في حرملة: اقطع نزاع القوم، فجاء الأمر والنداء: “لا تُبقوا لأهل هذا البيت باقية”… فبدأ التمثيل والتنكيل، والتقييد والتكبيل، والتجويع والترويع.
على باب الساعات، كانت العقارب المفترضة تزحف ببطء، تتثاقل لتعلن انتهاء المعركة وانقضاء المأساة، وتتلوا بيان النصر والظفر، مدعَّماً بشاهد ناطق لا يُكذَّب: هذه نساؤهم سبايا!.. فتلوح الرؤوس على القنا، تهتف: هيهات! وتتجلَّى زينب بحقيقتها الملكوتية: قسَم الله ويمينه، التي لا حنث فيها ولا غموس: “والله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا”… وها هم النجباء اليوم يبرُّون بيمين الله عبر زحفهم المليوني، يقهرون فريقاً ويرغمون آخرين، ويحققون وعد سيد الشهداء: “من لحق بنا استشهد، ومن لم يلحق لم يدرك الفتح”. ما زالت الدعوة مدوية، والرسالة تبلغ القاصي والداني، ما زال الباب مشرعاً، والسفينة مبحرة… وما برح شقي يأوي إلى جبل يحسب أنه سيحفظه وينجيه، ومنافق يلوذ بعورته، وخرَّاص مخاتل ودجَّال مهاتر، يزعم التطوير ويدعو إلى ثورة كاذبة تعيد سلطان يزيد… ولا عاصم لهذا اليوم من أمر الله، ولا نجاة لذاك من سخطه جلَّ وعلا.
التعليقات