على الرغم من براءته من خلفيات حركية، ونزاهته من سوابق تنظيمية، ومع التسالم على طهارته من لوث حزب الدعوة والإخوان المسلمين، إلا أن انخراط الأمين العام للعتبة الحسينية في النشاط “الحركي”، وتصاعد جهده ومثابرته على هذا الصعيد، بات واضحاً ومشهوداً للقاصي والداني. وبعد تمكين الحزبيين والإفساح للحداثويين، وتحكيمهم في المفاصل الإدارية والمواقع القيادية، وبسط أيديهم في الفعاليات الثقافية، مما طغت مظاهره ولم تعد خافية على المراقبين، البصراء الواعين منهم والغافلين، ابتداء من تعظيم الوائلي وانتهاء بمنح التبليغ الديني للإشكوري، مروراً بتسويق شخصيات حزبية وعمائم حداثوية، لسنا الآن في وارد إحصائها، ولا رصد الخرق الواسع للعتبات المقدَّسة… يستجدُّ اليوم طارئ خطير عرض مؤخراً، وشكَّل رقماً في انتقال إدارة العتبة، من طور الخضوع للنفوذ الحداثوي والتأثُّر بالتوغل الحركي، إلى مرحلة السيطرة والتحكُّم، والمباشرة والمبادرة، حتى بات العامل الفاعل في الأداء والسلطة الحقيقية، ولا سيما في القضايا الخطيرة والمواقف الحاسمة، هي للتيار الحركي الثوري، وما الواجهة العراقية أو عنوان المرجعية، إلا لافتة لا تغيِّر من الواقع الحاكم والمعادلة النافذة شيئاً… إنه إقحام العتبة الحسينية في الصراع العربي ـ الإسرائيلي! الذي انقلب مؤخراً ليصبح الإيراني ـ الإسرائيلي، بعد موجة التطبيع العربي، وما يُنتظر من موجة أخرى قادمة، بل موجات متلاحقة!

ماذا يعني إقامة مؤتمر “نداء الأقصى الدولي” في كربلاء على هامش زيارة الأربعين المليونية؟ وماذا وراء الربط الذي أخذ عنوان “مبادئ النهضة الحسينية ودورها في تحرير القدس وثورة الشعب الفلسطيني”؟ ما هي دلالات دعوة جمال الدرة، الذي تدرَّع بطفله محمد، فأرداه الرصاص الإسرائيلي وصرعه، وراح السفهاء يشبهونه ويقرنونه برضيع الحسين! وهذا الاستقبال المميز الذي لاقاه به أمين العتبة شخصياً؟! ومن نافلة القول أن النقد والتحسس هنا، لا يطال أصل الزيارة والوفود على حرم سيد الشهداء، فالزائر مرحَّب به من أي ملَّة وطائفة كان، هو ضيف عزيز نحمله على رؤوسنا ونبسط له أشفار عيوننا. إنما التوقف في احتضان القضية الفلسطينية وتبني مشاريع المقاومة والتحرير (على تعددها، مما ظهر وتمثل في الشخصيات المدعوَّة وتنوع انتمائهم) من موقع العتبة الحسينية. وقبل ذلك، النظر في أصل الأمر، بعد الفراغ من الحق والظلامة، هل هو من تكاليفنا وواجباتنا، أم هو من القضايا العظمى المنوطة بالإمام المنتظر أرواحنا فداه؟

تُرى، هل من نية لتحويل الحرم الحسيني المقدَّس إلى ثكنة عسكرية (ولو تعبويَّة)؟ هل من عزم على جعل كربلاء منطلقاً للمقاومة الفلسطينية بعد احتراق أوراق طهران، وتعثُّر مشروعها المصنَّف عالمياً في الإرهاب، والمدرج على لوائحه؟.. قد يرى كثيرون للأمر وجهاً وجيهاً، ويذهب الحركيون إلى ضرورته وحتميته، ويباركون دوره في سوْق الصراع وأخذه نحو محورية منشودة، ما برحت حلماً يراودهم منذ أمد بعيد… لهم ذلك، ولكن عليهم أن يحملوه إلى أي مكان وموقع غير العتبة الحسينية. لينهض به مَن شاء بعيداً عن مقدساتنا، ويمارسه بمنأى عن شعائرنا، فلا يقدَّم للعدو الذرائع المجانية لجعلها جبهة مستهدفة، بعد أن تحوَّلت إيران بأسرها إلى جبهة (بما فيها العتبة الرضوية التي طالتها العقوبات الأمريكية)، ولحقتها لبنان وسوريا واليمن، وكلها تئن وتقاسي، وتكاد تختنق وتموت!

هل من المصلحة زجُّ العتبة الحسينية ودخولها في هذا الصراع؟ هل من الحكمة أن تنجرَّ مقدساتنا إلى الساحة السياسية، وتدخل في هذه اللعبة المعقَّدة والقذرة؟ بعد تاريخ ثابت راسخ وأداء وقور متوازن من الحياد والوسطية، والنأي بالنفس عن هذا الخوض واللوث؟! هل يخفى على أحد قوة اللوبي الصهيوني في العالم وخطر مواجهته وسلبيات استعدائه؟ وأنه المتحكِّم ـ كما يقال ـ بالقرار الأمريكي والغربي؟! هل من منفعة وخير في تحدِّي المسيطر الفعلي على الاقتصاد العالمي، ومجابهة المالك الحقيقي للمصارف والنقد وحركة العملات؟ هل نريد استنساخ وتكرار التجربة المريرة للجمهورية الإسلامية التي دفعت، وما زالت تدفع منذ أربعة عقود ونيف، ثمن هذا الاستعداء: حروباً وحصاراً وتجويعاً وبطالة، وتعطيلاً للتجارة والصناعة والاقتصاد، وانهياراً للعملة، وما أشرف بها على النزع والاحتضار؟! ثم ما هي الثمرة والنتيجة؟ هل سيُسقط هذا المؤتمر إسرائيل الغاصبة، يقتلعها من جذورها ويمحوها من الخارطة ويلقيها في البحر؟ وإذا قيل أنها مجرد حركة إعلامية، فهل تستحق هذه الفرقعة الثمن الباهظ الذي سوف ندفعه ونتكلَّفه؟!

إنَّ العتبات المقدسة، والحرم الحسيني على الخصوص، لم يتعرَّض في تاريخه الممتد للهجوم والتخريب، وتعطيل المزار، إلا على أيدٍ عربية وإسلامية، من خلفاء الدولة العباسية ولا سيما المتوكل، إلى غارات الوهابية، وحملات العثمانية، ثم ما عاصرناه من الهجمة الصدامية… لا يخفى على أحد الدور الاستعماري أو اليد الماسونية في تحريك هؤلاء، ولكن الرصد الظاهري والتسجيل والمراقبة المشهودة والمحسوسة، تقرِّر أنَّ الغربيين، أمريكان ومن قبل إنكليز، لا يتعرَّضون للمقدسات الدينية بشكل مباشر، ولا يستهدفونها، ولا تعنيهم ما دامت لا تتدخل في شؤونهم، وما ينال من مشاريعهم.. فهل من الحكمة والصواب، أخذها إلى واحدة من أكثر القضايا السياسية تعقيداً، وإقحامها في معضلة مستحكمة أعجزت العرب جميعاً، وأعيت المسلمين قاطبة، وأزرت بالأمم المتحدة وجعلت قراراتها طعاماً لسلال المهملات والنفايات؟!

لا يطعن المراقب المؤمن بالشعب الفلسطيني ولا يسمح لنفسه بتغليب أوصاف سلبية عليه، ولكنه يفعل ذلك مع الحركات السياسية الفلسطينية، العلمانية منها والإسلامية، هؤلاء لا يؤتمنون، والأصل فيهم الخيانة، إن لم نقل النصب والعداوة، وقد شهدنا نموذجاً لها في الزرقاوي، وفيهم عملاء يتعاونون مع الموساد ويخدمون الدولة الصهيونية، وتطويق الأعناق بالكوفية المرقطة، لا يكلِّف شيئاً ولا يعني بالضرورة اصطفافاً وتخندقاً حقيقياً. علينا أن لا نغفل ولا نسمح بتكرار التجارب الخاطئة بل القاتلة، ومنها ما جرى إبان ثورة العشرين، بينما كان الشيعة يواجهون الاستعمار الإنجليزي، يقاتلون المدفع (الطوب) بالمقوار (الهراوة)، راح إخوانهم في الدين والوطن في مفاوضة العدو، والدخول معه في صفقة، ارتسم على إثرها شكل الدولة العراقية الحديثة، ومُنح فيها الحكم للأقلية السنية!

دعك عن القائلين بنظرية المؤامرة، الذين يرون أن الأيدي والنفوذ الإيراني في النجف والعراق، لن يسمح ببقاء موقع المرجعية وما صارت فيه من زعامة الشيعة في العالم، ومما يفعلونه لتقويض هذا الموقع، هو استدراج المؤسسات التابعة للمرجعية لمصادمات ومواجهة مع الغرب، والدخول أو السقوط في نشاط سياسي يدرجها في لائحة المغضوب عليهم، فلا يعود للمرجع القادم هذا الدور ولا المكانة… هناك رؤية أخرى ترى أن أمين العتبة يحسب لمستقبله، ويعيش واقعية نفوذ الجمهورية وسطوتها العسكرية والأمنية عبر فصائل وميليشيات خارج الدولة وقواتها المسلحة؟ فيعمد لما يرضي القوم ويتزلف إليهم، بإجراءات تتناغم مع سياساتهم وطموحهم وآمالهم؟

إن أي واع بصير يسمع ناقوس الخطر يقرع، وجرس الإنذار يدق، وصوت الحكمة يهمس اليوم، ولربما صرخ غداً في كل أُذن واعية، وهتف بالقادة والمسؤولين والطلائع وكافة العاملين، أن يتيقظوا، ويقرأوا الاستراتيجيات لا الحوادث المقطعية، وأن ينهضوا ليقطعوا الطريق على هذا التسيب والانحراف.

Posted in

التعليقات