بعد الإرادة والنوازع النفسية، هناك عوامل خارجية، تربوية وبيئية واجتماعية وسياسية، تؤثر في حركة القيَم الدينية والحالة الإيمانية للفرد والمجتمع، والقراءة العميقة لمفهوم التقوى والورع، بمختلف مراتبه ومراحله، تأخذه إلى فضاء ما يحول دون الجنوح إلى الضلال والوقوع في المعصية، مع بذل أسباب الأخذ بالحق، والعمل بما يورث الالتزام السلوكي والارتقاء الروحي. وإذا كان أثر البيئة ومعطياتها في النفس الإنسانية مشهوداً ملموساً، فسكَّان الجبال يتميَّزون عن قاطني السهول، والرحَّل في البوادي يختلفون عن المستقرِّين في المدن، ومن يعيش في القرى والأرياف، مجاوراً الأنهار ومنابع المياه، لن يكون مثل الضاربين في الصحاري القاحلة، وأن هذا التفاوت يورث ـ في النوع ـ صفات ويودع طبائع القسوة والجلافة أو الرقة والشاعرية، البأس والقوة أو الضعف والوداعة، الشجاعة والإقدام أو الضراعة والاستسلام، وغيرها من صفات تسري وتعم لتبلغ الرحمة والعطف، مقابل الغلظة والخشونة، والرغبة في العلم والمعرفة مقابل الخمود والبلادة، والجود والكرم مقابل الحرص والشح… وهكذا فإنَّ دور العامل الاجتماعي والسياسي في الحركة الروحية، وموقع الدين ومكانه في حياة الفرد والمجتمع، من الأوْلى أن لا ينكر. فمن الطبيعي أن يكون للحكومات والأنظمة السياسية وما تخلقه من أجواء وفضاءات، تأثيرها على المجتمعات، وهي تصبغ البلاد بطابعها، فالناس على دين ملوكهم، كما أن الملوك أو الولاة هم من نتاج الناس وعلى شاكلتهم، وقد يبلغ الأمر في بعض الحالات، ضرباً من النفوذ الروحي والهيمنة المعنوية، فتجد بلداً ومجتمعاً بأسره يصبح بعيداً عن الفكاهة والمرح، تبعاً لملِكه أو سلطانه المتجهم العابس، أو امبراطوره الجاد! حتى ترى الدراما في الأعمال الفنية لهذا البلد، تغلب على الكوميديا، فإذا أنتج الفنانون مسرحية فكاهية، رأيتها تُبكي المشاهدين، لا تضحكهم!

إنَّ إيران تعيش منذ ثلاث عقود ونيف، حقبة في منتهى الخطورة، إذا قدِّر لها الدوام والاستمرار، فهي ذاهبة لتقويض البنية العقائدية وتعطيل الشعائرية وإلغاء الهوية الشيعية (الحقيقية) في هذا البلد، وآخذة في تأسيس بديل مرتكزه “اللامذهبية”. ولو نظر المراقب في تاريخ تشيُّع إيران، وقرأ الحقبة التي انتقلت بالإيرانيين (الفرس منهم والأتراك) من التسنن إلى التشيُّع، لعَلِم أن لا إغراق في هذه الدعوى، ولا تهويل في التوجُّس من هذا الخطر، ولوقف على أن الانتقال إلى مذهب جديد، والانقلاب على القائم، ممكن مُستطاع ومبذول متاح، وأنَّه في المحتمل المرجوِّ لأهله، بل المرجَّح المؤمَّل لأربابه! إننا نعيش في فضاء متلبِّد وأُفق مكفهر، استولت فيه الحركة الإسلامية على الساحة الشيعية، حكمت سياستها، وراجت ثقافتها، حتى طبعت أبناء الطائفة بهويتها المتميعة وصبغتها الباهتة. وذهبت بها في الشأن السياسي، واستغرقت في مقولات “الجهاد” و”المقاومة”، كما أمعنت ـ على نحو موازٍ ـ في التمسك بمبدأ وشعار الوحدة الإسلامية والتزام مقتضياته. إنَّ الأداء السياسي للتشيُّع، وإصرار الأحزاب على خلع هذا الثوب عليه، وإقحامه في تعريفه وقوامه، بما ينفي الشيعة الآخرين، الرافضين لولاية الفقيه وحمل السلاح والانخراط في المشاريع السياسية… سوف يقتل المذهب ويقضي عليه، لا كمدرسة فقهية ومذهب عقائدي فحسب، بل كوجود اجتماعي، وطائفة مستقلَّة وأُمة قائمة!

في ساحة مكتظَّة مزدحمة، وميدان غاصٍّ بالنشاط والحراك على جميع الأصعدة، يضيع العاملون المستغرقون في مهامهم، ويغفل الناهضون المنشغلون بوظائفهم، عن خطر  داهم يحدق بالمذهب، وتهديد خطير عظيم يتوجه للطائفة، أنَّ جلَّ أبنائها ما عادوا يعيشون هاجس الحفاظ عليها، وما عاد دوام مذهبهم وبقاؤه، بمعالمه العقائدية وخصوصياته الفقهية، يشكِّل قضية مُلحَّة عندهم، بل صاروا يميلون للاندماج في مجتمعهم الكبير “السني” أو”المسيحي الغربي” أو “المدني” في العموم، فيتخلصون من عقدة الأقلية، ويتحرَّرون من ضغوط التمييز الطائفي، وما يستتبعه من اضطهاد وسطوة، وأحياناً بغي وتنكيل.

إنَّ الرهان على السير التاريخي الذي مضى عليه المذهب حتى الآن، وبدا فيه عصياً على التغيير والتحويل، ناهيك بالزوال والاندثار، وقد قاوم مختلف الظروف، وصمد أمام صنوف العلل والنكبات… والتعويل عليه، يبدو مغامرة خطيرة غير مأمونة الجانب، ولا سليمة العواقب. وإذا كان الشاه إسماعيل الصفوي أعمَل القوة والضغط الأمني، في إحداث التغيير المذهبي، فإنَّ النقلة النوعية في وسائل الاتصال وطرق الإعلام، ماضية في فرض نمط غير معهود من خلق العقل الجمعي، وسبيل غير معروف في بناء التيارات والمدارس الفكرية، فنحن نشهد اليوم، بالحسِّ والوجدان، تغيُّر العادات والتقاليد وأنماط العيش المعهودة والمأثورة لأجيال سابقة وغابرة، كانت في الثوابت الراسخة، والأصول التي لا يمكن تصوُِّر تغيُّرها… لم يسبق للبشرية أن عهدت ظاهرة ـ من قبيل ـ اجتماع حشدٍ في محفل، دون أن يتبادلوا الحديث فيما بينهم، يمضون لساعات في صمت، وكلٌّ مستغرق في هاتفه النقال، يتواصل عبره مع قرين له في أقصى البلاد أو أدناها! إننا أمام مفاهيم جديدة ومحدثة لمعنى الخروج من البيت، والتزام الحجاب، والعفة والشرف، وكذا مظاهر البغض والعداء والحرب، كل هذا قد يجري بين اثنين يمضيان معاً في قاعة واحدة، يشنَّان حرباً شعواء على بعضهما من خلال وسائل التواصل، أو يتبادلان رسائل الغرام! هذه الحالة سوف تستتبع في قادم الأيام ما يهدم أسوار الهوية المذهبية والحمية الدينية، ويجعل كلَّ شيء ممكناً وقابلًا للتنفيذ والسريان، سوف يتغيَّر التحسس من الأُمور، والغضب على الوقائع والحوادث، وبعد أن زال مفهوم الحزن على القطيعة والسفر، فالإْبن منقطع عن أبيه في الحضر، قد يزول الحزن على موت عزيز، ويختفي مفهوم الحداد ويزول معناه!… لن يعود ما يثير الحفيظة مثيراً، ولا شيء في عالم المعاني والقيم يعدُّ خطباً أو طامة أو كارثة.

إنَّ أبناء البادية اليوم يأكلون السوشي، والباريسيون الأقحاح صار إفطارهم الحمص والفول، والعراقي في الناصرية ما عاد يطيب له الكرواسان إلا بالزبدة الهولندية، وفي الكويت صفوف طويلة لا ينتظر المنتظمون فيها تلقي إعاشة، أو التصويت لانتخابات نيابية، بل مقعداً في ستاربكس، فإن عزَّ فكوباً أو قدحاً من قهوتها! وهذه لبنان تخرج بهدوء من الفرانكوفونية، وهي تتخلى عن الفرنسية، فالعولمة تقتضي الإنجليزية، فلتذهب الأم الحنون حيث تشاء… ما كان منعطفاً تاريخياً عصيباً في التصنيف والتبويب العلمي، صار يُطوى كطيِّ السجل، أو تقليب صفحات جريدة! مَن الذي سيضمن أنَّ الولاء لأهل البيت، هذه العقيدة الموغلة في الاستيحاش، ستمضي على حالها لا ينالها تغيير وتبديل؟ هناك واقع عصري يلتهم أبناء المذهب ويبتلع الشيعة ابتلاعاً… والبلاء الأعظم أنَّ النخبة الواعية والطليعة الرائدة من أبناء المذهب، لا يلمسون هذا الخطر ولا يعيشونه! وهم يمضون في خدرهم (ولك أن تفتح الخاء وبعدها الدال، أو تكسرها ثم تسكن ما بعدها!)، وادعين فاكهين، بين الرهان على التاريخ، دون لحظ لسُننه وفهم لنواميسه، ولا مراقبة لحركته، ولا اعتبار من سوابقه، وبين معزٍّ نفسه ومُسليها بـ “للبيت رب يحميه”! ثم لا يكتفي القاعد المتخاذل، حتى تثور حميته، وتنهض غيرته للوقوف في وجه فتية أقامهم وعيهم، ونهضت بهم بصيرتهم، فيثبِّطون هممهم، ويُعرقلون مسيرتهم…!

لم ينحسر المشهد بعد عن أجيال ما زالت في الابتدائية والمتوسطة والثانوية، فتحت أعينها على صورة السيد القائد، وخضعت لتلقينٍ نفسي ومنهج تربوي وإعلامي مُحكم، وردَّدت دعاء الفرج كنشيد طابور الصباح، ثم عقدته وربطته بـ “سلام فرمنده”!

إنَّ تفكيك زيارة الأربعين، وتمييع هذه الشعيرة الحسينية الأعظم في زماننا، بالتوغل الهادئ للنشاط السياسي والجهادي، أو قُل الحركي: مؤتمرات تدسُّ القدس في طريق كربلاء، وتستضيف أيتام صدام، وترفع صوَر الشهداء (الذين لا خلاف عليهم ولا توقُّف في ضرورة تكريمهم)، وأعمال فنية استعراضية (لموكب أولاد عامر) تشكِّل لوحات بين الحرمين، على غرار ما تقوم به الفرق الكشفية أو المدرسية في الملاعب الرياضية والمهرجانات الوطنية، وقد سبق ذلك ضرب المعازف في نفس المكان المقدَّس قبيل محرم، حتى تختم المسيرة على أعتاب الدخول لكربلاء، بالترخيص لمدينة ملاهٍ للأطفال، تتوهج ليلة أربعين الحسين بالأنوار، وقافلة الأسرى تحمل الرؤوس، تتهيأ لموافاة المزار، وإقامة المناحة وتجديد الأحزان على الفاجعة العظمى!

إنَّ هذا غزو فكري، احتلال وإحلال، لن يعوزهم معه محاربة الشعائر، ولا استفزاز المشاعر، وخلق ردود الأفعال والصراعات، التي رأوا نتائجها وشهدوا خسائرهم فيها! إنهم يسحبون البساط، أو قل يحفرون الأرض تحت أنماط الجزع، ويتركونها لتهوي من تلقائها، أو أنها ستتراجع حكماً وفق قانون الإزاحة!.. ليست القضية أحمد الإشكوري أو عبدالمهدي الكربلائي أو غيرهما من المشاركين في هذه المؤامرة، عن علم وعمد، أم جهل وغفلة… البلاء في مفردات تتسرب، وثقافة تسود، وإعلام يهيمن، يخلق العقل الجمعي الذي يريده الشيطان، تلحق قناة العتبة الحسينية بقنوات العالم والميادين والمنار والصراط والكوثر، وتنساق في منظومة الحداثة والتطوير والحركة الإسلامية، تسبقها أجواء مريضة شاعت، فحكمت، وأتاحت إسقاط الشهادة الثالثة من الأذان في منارة حرم سيد الشهداء… سهواً!

هذا قرع منبِّه لناقوس الخطر، ونداء في آذان القادة الولائيين، والمسؤولين في الحوزات والحسينيات والمساجد، والطلائع من الناشطين في وسائل التواصل، وكافة العاملين لنصرة الدين… لم يبلغ الصرخة ولا الإزعاج بالنفير، فإن سمعوه ووعوه فبها، وإلا سيظهر الفتية لهؤلاء بين سطور المكاسب والكفاية، وسينتصبون أمام عمائمهم وهم يتوجون بها رؤوسهم قبل الخروج من دورهم، وسيتمثلون أمامهم وهم يعتلون المنابر وينتصبون وراء المنصات، حتى يستفيقوا، ويخرجوا من السبات. “ألم تر أن المرء تدوي يمينه، فيقطعها عمداً ليسلم سائرهْ”..

Posted in

التعليقات