الجولة الأخيرة من حرب صفين، كانت تسعة أيام طاحنة، لم يرَ العرب لها نظيراً، خطَّت ملحمة هي الأعنف والأشرس في تاريخ الإسلام، قتل فيها نحو سبعين ألفاً، ثلثاهم من جيش الشام، وثلث من جيش العراق، فيهم الصحابيان الجليلان عمار بن ياسر وخزيمة ذو الشهادتين. في اليوم التاسع، حين بلغ القتال ذروته، وصار في أوجه وقمته، بدأ جيش الشام بالانهيار، تفككت ألويته، وسقطت خطوطه، وتداخلت صفوفه، وعمَّه التقهقر والانكسار، ألقى كثير من جنده أسلحتهم وضربوا في البيداء، مدبرين فارِّين، لا متحفِّزين ولا مناورين. ظهرت بشائر النصر، ولاح الفتح، ولم تكن إلا سويعات، عبَّر عنها مالك الأشتر وهو يقرِّع المتخاذلين: “أمهلوني فوَاق ناقة”، أو “عدوة فرس” (وثبة)… عندها عمد جند الشام لمكيدة رفع المصاحف، جعلوها على الأسنَّة وهم يصيحون: “يا أهل العراق، بيننا وبينكم كتاب الله”! أقعت الذئاب، وكفَّت عن العواء، وراحت تطلب الحوار للنجاة، والمصاحف لفوز البغاة!

انطلت الحيلة، اهتز الحمقى وتقلقل السذَّج، أمسك المتشرِّعون الورعون، ذوو الجباه السود، وتوقفوا عن القتال لينظروا في أمر عسكر الشام، فقد “جنحوا للسلم” ونزلوا على حكم الله!… بحَّت من أميرالمؤمنين وأصحابه وشيعته الأصوات وهم يبيِّنون لهم المكيدة، ويعرُّون الخديعة، والمهتبَلون يردُّون بحرمة كتاب الله ووجوب حقن الدماء، و”ظاهر” حسبوه حجة تمَّت، فألزمتهم التفاوض والسعي إلى الصلح! كانوا غلاظ أذهان بُلداء، لم يسعفهم ذكاؤهم التفطن لما وراء “الظاهر”، وعجزوا عن إدراك أن العدو يتجنَّب بالحيلة هزيمة ماحقة حالَّة به لا محالة. وقد تمادوا في المكابرة والعناد، حتى أنزلوا الإمام على التحكيم، ثم لم يكتفوا حتى أصروا أن يكون أبو موسى الأشعري اللين الهيِّن، المرن المعتدل، هو من يمثلهم، لا ابن عباس المتطرِّف المتشدِّد، والحادِّ القاطع، فهذا يتهدَّد المفاوضات بالفشل!

على مدى التاريخ، كان هؤلاء المغفَّلون السذَّج، هم الذين يخذلون الحق ويقصمون ظهر أهله وحمَلَته، ولا سيما روَّاده وقادته، وفي الحديث عن أميرالمؤمنين: “قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك”، والجهل له وجوه، منها تردِّي الوعي وتخلُّف النباهة، وافتقاد الفطنة وانعدام الحصافة. وقد لا يُدرج هؤلاء في طبقة العوام وشريحة الجهلة، حين ترى بينهم علماء ومثقفين، وذوي باع لا ينكر في بعض العلوم، ولكنَّ مخادعاً صغيراً، ومراوغاً حقيراً، يحسن رسم الصوَر وحبك القصص وتمثيل المشاهد، يمكنه أن يسيطر عليهم جميعاً ويسخِّرهم لما يريد، وهو يترنم بحدائه أو يعزفه بمزماره وينفخ في نايِه! وإذا رأيت كيف يقود صبي في التاسعة قافلة مقطورة بأحمالها ومحاملها، تعرف كيف تُدرج الرجال في البغال والجِمال!

تعال اليوم وانظر في مصاحف مرفوعة، وأباعر باركة أمامها، مخدَّرة سكراً باستبصار مُخالفٍ ودخوله في مذهب الحق، ومنتشية طرباً بمعزوفة شيطانية، تحسبها مزامير داوود عليه السلام! يحتجون على أهل البصائر: كيف لنا الحكم على كلمة حق، أنَّ ما يراد منها باطل؟ فلا صدراً شققنا، ولا قلباً كشفنا؟!

بعد تدخلات فجَّة في صميم العقيدة والدين، واقتحام جريء لأخصِّ خصوصيات المذهب، من قبيل الشعائر الحسينية والتطبير، وسيَر المقاتل، وفرحة الزهراء، ومزارات الأولياء، ونقد لاذع لكتب فحول العلماء ونتاجات أساطين المذهب! وما إلى ذلك من قضايا حساسة يتجنبها أغلب المؤمنين، ويحذرها أكثر المغامرين، لما يكتنفها من خفر ويحفُّها من خطر، وكلُّها مما يفتقد الوقوف على الحق فيها ويتطلَّب إدراك حقائقها، مؤونة وباعاً، وتخصصاً واجتهاداً، لا يملك الرجل أدناه ولا يتوفر على أقلِّه… عمد هذا الطائش مؤخراً، فقحم ساحة الصراع السياسي في إيران، وهي في ذروة التأزم والاحتقان!

الحقيقة أنه أمر يستحق التوقف عنده، بل البحث والدراسة فيه وحوله، أن يُسمح لغريب بالتطاول على السيد العلوي البروجردي، وهو شخصية علمية وروحية، تحظى بمكانة كبيرة ومنزلة متميزة، ويهتكه علانية! هل هو مؤشر على تطوُّر الأداء الإيراني وارتقائه، وكأنه تفوَّق على العصبية القومية وقهر النزعة الوطنية الضيقة، حتى صار ينظر إلى اللاجئ الفلسطيني، نظرته إلى الكرماني والأصفهاني؟ هل الأُممية الدينية بلغت عهدها الذهبي وجمهوريتها الأفلاطونية الفاضلة، حتى سمحت للمسلم العربي، من “الحفاة وأكلَة الجراد”، أو المؤمن الأجنبي المقيم في البلاد، بالتدخل والخوض في أدقِّ خصوصيات المجتمع الإيراني؟ ولم تمانع أن يدسَّ الدخيل أنفه في الواقع السياسي للنظام، ما يبلغ ثلب أحد أبرز الأعلام؟ لا لشيء إلا لنصح أسداه السيد الجليل للسلطة، ونقد وجهه إليها؟! هل تجاوَز الإيرانيون العصبية القومية ومقولة تفوُّق العرق الفارسي؟ هل تخلوا عن النظرة الدونية للعرب وبقية الأُمم غير الآرية؟!.. هذه تساؤلات تفرض نفسها في تحليل الواقعة، اللهم إلا أن ينتهي البحث ويخلص إلى أنَّه يندرج في تحريش الرعاع، وإرسال الأوباش، لمنابزة الأعيان ومشاكسة الأشراف! يعرِّض بهم لكعٌ، يرمي السيد الجليل بالسفه! فيترفَّع العلوي عن الرد ويأنف الانحدار، ثم لا يملك إلا الشكوى، أن كفُّوا أراذلكم وصبيانكم!

لست معاتباً هذا المتطفِّل، ولا العُصبة الحزبية التي تسوقه، والخلية الأمنية التي توجِّهه وتقوده، فهؤلاء مكلَّفون، وتلك وظيفتهم ومهمتهم، ولا أنا ممن ينخدع بالظواهر ويؤخذ بالمظاهر… إنما العتب على الحاضنة الغبية التي تنصره، والزمرة المستغفَلة التي تبرِّر له وتدافع عنه بسذاجة قاتلة وأفن!

وهؤلاء ـ نوعاً ـ من المؤمنين الأخيار، لكنهم يفتقدون الخبرة، لم يشتركوا في أي نشاط حركي، ولم يخوضوا أي تجربة على هذا الصعيد، لا سياسية ولا اجتماعية ولا أمنية، ولعلهم ممن يفتقد الحس والاستعداد الأوَّلي لذلك، فنحن هنا أمام ذهنية سطحية بليدة، أُحادية الأداء، تعجز عن تركيب أكثر من عنصر في تلقي الحوادث وفهمها، ولا سيما إذا كانت عِللاً متعارضة ومظاهر متناقضة، فالمصلي الملتزم يُستبعد من دائرة الظنة أو التهمة في تحقيق يباشره أحدهم حول سرقة، والموت والفقد حزن وخسارة، لا يجتمع معها التبريك والتهنئة، كما تفعل بعض الشعوب في الشهيد، وما إلى ذلك من قضايا عميقة وحوادث مركَّبة ومتداخلة في عللها، وحالات متقاطعة مع أُخرى، معارضة لها ومضادة، يواجهونها بسذاجة ويتلقونها بسخف ويتعاطون بخمول، وهي تتطلب حِذقاً وفطنة وحصافة. طالما ابتلت الأُمة بهذه النوعية… يتعاطى مع القضايا السياسية والاجتماعية والإنسانية جملة بالمنطق الرياضي، فحاصل جمع العدد 2 إلى مثيله، هو دائماً وأبداً 4، فيحسب أنَّ الأحكام الشرعية والمواقف الإسلامية والحركة الإنسانية تحكمها معادلات رياضية، ويرفض التحليل والتتبع، ويصر على الوقوف الأوَّلي عند المعطيات الظاهرية والحمل على الصحة… هذا هو ما حمل الخوارج على قبول التحكيم، وهو ما يحمل خلَفهم على السقوط في هذه المهالك اليوم، يحسبون أنهم التزموا الدين ونصروا الحق، وكانوا في سلامة من الوقوع في المحاذير ومخالفة الحدود الشرعية!

ومما لا ينبغي إغفاله، أنَّ عنوان “الأخيار السذَّج” هذا، لا يبقى ليلازم هؤلاء أبداً، فإنَّ الحجة تتم عليهم بنحو وآخر، حتى ليجحد أحدهم الحق وقد ركن إليه وسكن في نفسه واستيقن به! فأنت تراه لا يلتزم هذا الجمود والتخشُّب في قضاياه الخاصة وأحواله الشخصية، فهو لا يأتمن ماله أو يشارك تجارته أحداً بناء على حسن ظاهره، ولا يكتفي بحسن الظاهر وعدم صدور المنافي، ليزوج ابنته من خاطبٍ، حتى يتحقَّق من صدق سلوكه وحسن خلقه، ويتثبت من مدَّعياته في عمله ومعيشته، فلا تُخدع ابنته وتنتقل إلى بيت فقير مسكين كان يتظاهر بالثراء مثلاً. ستتم الحجة على هؤلاء في سرائرهم، فيقفون في وجدانهم على أنَّ ما منعهم من اتخاذ الموقف والاصطفاف ضد هذا المنحرف وذاك المبتدع، ليس قصور الأدلة والعجز عن إدراك فساد ما يضمر أولئك وخطر ما ينتظر الدين والمذهب من ضلالاتهم، بل هي المصالح والمحافظة على العلاقات، والأثمان والكلفة التي لا يريدون دفعها وتحملها… لقد وقفوا على أدلة قضايا أُخرى، تثبتوا منها وفرغوا من ثبوتها، كبطلان بعض المرجعيات، لكنهم مع ذلك التزموا الصمت ولم يحركوا ساكناً تجاهها، ولم يفعلوا شيئاً لتنبيه العوام الغافلين عنها، بل لعلَّ كثيراً منهم انخرط في مؤسساتها، فتراه يدرس أو يدرِّس في جامعة المصطفى! إنها الكلفة والثمن، وهم يدارون هذا بذاك، وأحياناً يتحايلون على وخز الضمير وتأنيب الذات، فيمن يتنزه عن المصالح والحاجات!

لعمري، كيف يؤخذ الكيِّس بالظواهر في زمن التظاهر؟ ويصدِّق الفطن الدعاوى في عصر الخداع والدجل؟ وقضايا فضل الله وانخداع سيد جعفر به ودفاعه عنه حتى حين، والحيدري الذي حظي بنصرة الملايين.. حاضرة ماثلة أمامهم، أ فلا يتَّعِظون؟! إنَّ الطعنة تأتينا من غافلين جاهلين لا يدرون كيف يدار العمل الأمني والمخابراتي والسياسي في حوزة قم، ولا سيما مع الطلاب الأجانب والحوزة العربية، ما هو دور “السربرستي” ومن هو المدير الفعلي هناك، ما هو موقع “بيت رهبري” وغرف العمل التي تتبعه، يحسبون أنَّ الفضاء (الافتراضي قبل الواقعي) في قم، مفتوح على مصراعيه، مشرعة أبوابه للولوج متى شئت والخروج متى اشتهيت!.. والحال أن هناك قبضة أمنية تحسب الأنفاس، وترصد اللفتات وتحصي أدنى الحركات، والسفه كل السفه، تصوُّر بعضهم أن ينطلق أحدهم بحُريَّة مطلقة، يصول ويجول، حتى يتطاول على رموز الحوزة وأحد أبرز مرشحي المرجعية القادمة، دون أوامر عمليات، وتكاليف ومهمات، وغطاء ووقاء!

إنَّ مسيرة الحق ماضية في طريقها، والركب يتقدَّم نحو النصر والظفر، لا يعيقه شيء، لا يتوقف في محطة، ولا ينتظر أحداً، والأسماء أُدرجت في ديوان من انتصر لظلامة الزهراء، ودافع عن الشعائر الحسينية، وانتفض على تشويه التراث، وقاوم تضييع أحاديث آل محمد، وردَّ عن الحوزة العلمية والمرجعية هجمات التطويع والهيمنة الحكومية… وصفحات السجل تُطوى على عنوان “اللهم اجعلني ممن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري”، والفرص تمر مرَّ السحاب، والمغفَّل الهُجعة يحسب أنه نجا بالسكوت وسلم بالوقوف على التل، متفرِّجاً، لا يبالي بما يقع ولا يكترث بما يكون، والغيث ينهمر في غير مكان، والغنائم تُجمع وتدَّخر ليوم لا ينفع مال ولا بنون!

ليتنح الأغبياء، وليصمت من عُدِم الخبرة، لم يعش التجربة ولا خاض في الميدان، ويكفَّ عن بثِّ جهله وسذاجته، وتعميمها ثقافة ينخدع بها العوام… ولا نامت أعين الجبناء!

Posted in

رد واحد على “الأغبياء يمهِّدون للضلال طريقه…”

  1. ناشط على التواصل الاجتماعي، يعمل مع المنظمات الحوزوية التابعة للحكومة الإيرانية، يدعى إبراهيم جواد..

    إعجاب

التعليقات