في البدايات العميقة والجذور البعيدة لفتنة البابية والبهائية، لما كان الأمر مجرَّد تيار شيعي بدأ يتبلور في الربع الأخير من القرن التاسع عشر بعنوان الشيخية أو الكشفية، على يد الشيخ أحمد بن زين الدين، أحد فضلاء الحوزة وأعيانها، ممن حضر ـ كما في ترجمته ـ على أعلام عصره كالوحيد البهبهاني والسيد مهدي بحر العلوم والشيخ جعفر الكبير، وحظي بإجازات رواية وتزكيات تشهد بورعه وتقواه. ومع توجُّس جملة من العلماء وحذرهم من بذرة حزب أو تيار أو جماعة خاصة تراءت لهم في أُفق هذه الحركة، تنشق عن الطائفة، تستقطع من جسمها، تؤسِّس فرقة وتُحدث مدرسة، وأنَّ هناك مرتكزات فكرية خطيرة تُغرس في الساحة، كمقولة الركن الرابع والنيابة الخاصة، والتلقي المباشر عن الإمام، عبر  مكاشفة في يقظة أو مشافهة في منام، لن تلبث أن تحشد أنصاراً وتجمع مريدين وأتباعاً… إلا أنَّ الأمر لم يتجاوز حالة نخبوية ومواقف فردية، أبرزها للشيخ الجواهري والفاضل الدربندي والآغا رضا الهمداني. حتى إذا توفي الشيخ الأحسائي رحمه الله، وبدأ دور السيد كاظم الرشتي، عندها، قامت الحوزة جمعاء ونهض المؤمنون معها في وجهه، فهو مجهول عندهم نكرة، تحفُّه الريبة من عدَّة وجوه، ولا سيما تبشيره بقرب ظهور الموعود، وجزمه الذي بلغ التوقيت! ما أحدث خلافاً شديداً في الساحة الإيمانية. ففي حين تأثرت شريحة من عامة المؤمنين بالدعوة الجديدة، رأت فيها عرضاً متفوِّقاً لمقامات أهل البيت، وتداولاً منصفاً لمعارف ولائية راقية مهملة مهجورة.. كانت الحوزة وعلماؤها بين متهِم له بالغلو والكفر، ورامٍ بالزندقة وعدم الالتزام بالأحكام، وبين مرتاب من الغموض والباطنية التي مسحت الحركة وطبعتها. وبين متوقف يتجنب الطعن، يحمل الأُمور على ظواهرها، ويُجري الأصل الشرعي عليها، مكتفياً بادعاء المرء وإقراره على نفسه، الذي يثبت إسلامه وحرمته، يحقن دمه ويصون عرضه وماله… ولك أن تحيط بالمشهد وتنتزع الصورة مما جاء في “العبقات العنبرية” وهو يتناول جانباً من سيرة الشيخ علي بن الشيخ جعفر الكبير:

{وفي أيامه ظهرت الفتنة العمياء، والداهمة الدهماء، واشتهر وانتشر أمر الفرقة الشيخية، المعبَّر عنهم بالكشفية، وذلك أنَّ جماعة من فضلاء النجف عثروا على بعض رسائل السيد كاظم الرشتي القاطن بكربلاء، فرأوا بها مما ظاهره الكفر أشياء لا تحصى ولا تُعد، وشنائع أقوالٍ لم يأت بها عمر الزمان أحد، فاجتمعوا وكان رئيسهم شيخ موسى ابن الشيخ عيسى بن الشيخ خضر، وكلَّموا الشيخ علي في الحكم بكُفره، فأبى وامتنع، وقال: إنَّ أمر الدماء عندي من أعظم الأشياء، وحقن دماء المسلمين من أعظم المهمات،كيف والحدود تُدرأ بالـشبهات. فلما أيسوا منه، مضوا إلى الشيخ محمد حسن صاحب “الجواهر”، وكان قد استقلَّ بعد الشيخ موسى واستغنى عن الرجوع والحضور إلى أحد (أي بلغ الفقاهة والاجتهاد)، فأطلعوه على الرسائل وأشهدوا جماعة من الثقات أنَّ السيد كاظم يدين الله بما فيها من الأقوال. فقال الشيخ محمد حسن: إنَّ حكمي لا يفيد مع وجود مثل الشيخ علي فيكم، والناس منه أسمَع وله أطوَع. فذهبوا إلى الشيخ علي وقالوا له: إذا حكم الشيخ محمد حسن فما تصنع؟ قال: أُمضي حكومته. حكَم الشيخ محمد حسن بكفر السيد كاظم ومن اتَّبعه، وأحرق رسائله، بعد انتزاع الآيات والأحاديث والأسماء المشرَّفة منها.

وقد استحكم الخلاف واستعر النزاع، واحتدم الأمر واشتد، حتى بلغ المحاكمة وطلب الفصل وإنهاء الفتنة عبر الحكم، إما بالبراءة وما يستتبعها من إخلاء سبيل وعدم تعرُّض، أو بالضلال وإجراء حدِّ الارتداد!… وكثر القيل في هذه المسألة وطال النزاع، حتى شدَّ الرحال السيد المطاع، ذو الحشم والأتباع، والرياسة والامتناع، السيد سعيد ثابت (كليدار كربلاء وحاكمها) فجمع الشيخ علي والشيخ محمد حسن والتمسهم وأصرَّ عليهم بالمسير إلى كربلاء والاجتماع مع السيد كاظم وتحقيق حاله، فأجابوه إلى ذلك وساروا جميعاً. وجمعهم السيد سعيد مع السيد كاظم وأتباعه في الصحن (الحسيني)، ووقف السيد سعيد وبيده سيف مسلول، وقال لهم: بيني وبينه هذا المجلس، فإن حكمتم بكفره ضربت عنقه من حينه وأخمدت نائرة هذه الفتن، وإلَّا ضربت عنق المخالف… فقال الشيخ محمد حسن للسيد كاظم: أنا أسألك عن فقرتين في رسائلك صريحة بالكفر، وهي هذه، فأخرج رسالة كانت تحت ردائه، وقال: هذه الأُولى، وهذه الثانية، فإن كنت تعتقد بهما فأنت ضال، وإلَّا فأنت مضلٌّ فتَّان. فقال السيد كاظم، وعيناه تدوران في أُم رأسه، يتوقع كلَّ حين وقوع السيف على عنقه، مخاطباً الشيخ علي (غير ملتفت إلى الشيخ محمد حسن): يا شيخنا، أنا أعتقد بهاتين الفقرتين، ولكن ليست هي كما يفهمون من ظاهرها، فإنَّ الأُولى لها تعلُّق بما قبلها، فهي كقوله تعالى: “عُزير ابن الله”، فالقائل بها ما لم يقدِّم: “قالت اليهود” يُظنُّ أنه كافر، فإذا ضمَّ إليها ما قبلها، زال ذلك الاشتباه. وكذا الثانية فإنَّ لها تعلُّقاً بما بعدها، فهي كقول القائل: “لا إله”، فإذا قال: “إلا الله”، تمَّ الكلام، وارتفع الإبهام. فلما سمع الشيخ علي ذلك نفض ثيابه وقال: يا سيد سعيد، “الحدود تُدرأ بالشبهات، وحفظ النفوس في شرعنا من أعظم المهمات”، فاترك الناس على غفلاتهم، ولا تكشف عن سوآتهم، وإن أبيتم فاتركوني واصنعوا ما شئتم، فأنا لا ألقى الله وفي عنقي دم المدَّعي للإسلام. فتفرَّق الحاضرون، ونجا السيد كاظم}. انتهى النقل من كتاب كاشف الغطاء.

بعد سنين لم تمتد، تطوَّرت الحركة، واستفحلت الدعوة وتفاقمت، غالت وحادت عن مقاصد مؤسسها، وانحرفت عن عقائد الإمامية، فتجاوزت دعوى السفارة والنيابة الخاصة، إلى زعم الإمامة، بل دعوى النبوة وحلولها في السيد علي محمد الشيرازي الباب، ومن بعده صبح الأزل ميرزا يحيى النوري، ثم بلغت القول بأُلوهية شقيقه بهاء الله! وكانت فتن عمياء وهرج وفوضى وشحناء، صاحبتها مطاردات واغتيالات، تآمرت فيها الابنة الملقَّبة بقُرَّة العين على قتل والدها الفقيه الصالح البرغاني، فكان الشهيد الثالث!

كان العالم يعيش تحولاً وينتقل إلى طور جديد، والقوى العظمى تعدُّ لحرب عالمية تتنافس فيها على أقاليم الدولة العثمانية وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، لتتقاسمها كأسلاب… كانت بريطانيا (ومعها فرنسا) في صراع مع روسيا القيصيرية على الشرق الأوسط، وكان لا بد من إزاحة عائق الهوية الإسلامية لشعوب المنطقة، عبر صيغ جديدة تحوِّر الدين بما يسهِّل الانقلاب عليه ومن ثم التخلي عنه، على غرار ما جرى في عصر النهضة الأوروبية، التي كانت البروتستانتية من أُسس نجاحها في إسقاط الكنيسة وإنهاء دورها. وقد تحركت بريطانيا بالفعل في الجزيرة العربية، ونجحت الحركة الوهابية في الانقلاب على السلطة العثمانية، وتحركت روسيا على إيران، فاستولت على القفقاز وجرجستان (جورجيا)، وتوغلت داخل إيران…

هناك علماء يتمتعون بذهنيات لمَّاحة وقرائح وقَّادة، قرأوا الأمر في بداياته، وقرنوه بالطموح الروسي في إسقاط التشيع، أو إسقاط البنية التي يقوم عليها المذهب، والدخول إلى ذلك من باب ”الإصلاح” وإنتاج صيغة عصرية مرنة، تواكب طموحهم ولا تعيق أو تعرقل مشروعهم… بلغ البصراء ذلك من متابعتهم للحوادث التي تجري في إيران والمنطقة، ونجاحهم في تحليلها وربطها، ثم من تظافر قرائن وشواهد التقطوها في أداء الجماعة، كوجود عناصر مريبة في تلاميذ الرشتي وحاشيته، من قبيل العنصر الروسي كينياز دالكوركي وادعائه الإسلام والاستبصار. ارتابوا بالحركة من إصرارها على التبشير بقرب الظهور، واستشرفوا عواقبها بخروجها عن السائد المألوف، وتنبَّؤوا بنتائجها ومخرجاتها من طبيعة مقدماتها، فواجهوها بما ظهر في حينه قسوة وشدَّة، وصُنِّف تطرفاً وحِدَّة. في مقابل علماء آخرين، اكتفوا بظاهر الأمر وتوقفوا عند ما يشكِّل حجة شرعية أو لا يفعل، دون تحليلات سياسية وقراءات تقفز على المعطيات الحسية الماثلة. أما معرفة أسباب هذا التفاوت في موقف العلماء وفهمهم للأُمور، هل هي السذاجة والبساطة مقابل الذكاء والفطنة والحنكة؟ ولا سيما مع افتراض العلم والعدالة في الطرفين! فهذا له مكانه ومناسبته، فنحن الآن بصدد انتزاع الأفكار واستخلاص العِبر.

ذلك أنه ما نعيش مثيله اليوم، هناك خطر داهم ماحق، يتهدَّد أصل الدين والمذهب، ومعالم مؤامرة عظمى ترعاها “الحركة الإسلامية” بدولتها وأحزابها، ضمن محاور: ابتذال المرجعية وهتكها وجعلها في متناول القاصي والداني, إخضاع الحوزة للدولة بحجة تنظيمها وإخراجها من الفوضى، وتغيير مناهجها التي تهدر الطاقات وتضيِّع الأوقات. تبديد التراث وتضييعه بحجة تنقيته وتصحيحه. العبث بالشعائر الحسينية بذريعة إصلاحها… ومع شواهد صارخة، وخطوات تصاعدية متلاحقة، لكن قلَّ من العلماء مَن يلتفت لهذا الخطر ويقف عليه بوعي وبصيرة، والأقل من بينهم من يتصدَّى له ويواجهه. الغالبية العظمى يرون القول تكلُّفاً في التحليل ومبالغة في استشعار الخطر، فهم مأخوذون بالقدرة والقوة، وبإنجازات ظاهرية ملموسة (الحجة التي كانت دول الجَور تتشدَّق بها على مدى التاريخ لتستغفل الناس: الازدهار، التقدم العلمي، الفتوحات، حفظ الظاهر الديني، الأمن والاستقرار)! بل لعلَّ بعض العلماء الأصيلين، ممن يعارض فوضى المرجعية ويتمسَّك باستقلال الحوزة ويدعم رواج الشعائر الحسينية، تراه يمارس ما يرفد المؤامرة ويعين القوم على أهدافهم الشيطانية! فإذا حاورته وحاججته، رأيت ساذجاً بسيطاً سقيم الفهم، لا ينظر أبعد من أنفه، تحدِّثه عن الحيلة والمكيدة الكبرى، وعن استراتيجيات تمضي عليها، ستكون لها تبعات مدمرة في المستقبل القريب، فيشير إليك بثمار حصول الطلبة على شهادات جامعية (من جامعة المصطفى) تتيح لهم الالتحاق بوظائف حكومية، تؤمِّن لهم راتباً شهرياً ومعيشة هنيئة!

يُقال أنَّ صِداماً دامياً وقع في البصرة إبان الحكم العثماني، لما أمر الوالي بمنع تقدُّم حصان لمسيرة العزاء الحسيني، يشبِّهه أهل الموكب بـ”ذي الجناح”، فرفض صاحب الموكب إزاحته، وأصرَّ على وجوده، فالتحم العسكر بالموكب، وكانت فاجعة ومأساة، لام بعدها بعض الوجهاء صاحب الموكب: وما خطر الحصان وأهميته، هلَّا طاوعتهم وأطفأت الفتنة؟! أجاب: يبدأون بالحصان، ثم الرايات، ثم الطبول والدمامات، ثم كوكبة القامات، فجوقات اللطامة، وهكذا حتى ينكفئ العزاء ويختفي!

في بداية محاولات الدولة تغيير مناهج الحوزة، هدَّد السيد الكلبيكاني قدس سره، بالخروج إلى الطريق العام وشقِّ جيبه في الملأ، فكفَّت الدولة، حتى رحيله… ليت بعض العلماء الكرام، ورجال الحوزة الأعلام، يتمتعون بشجاعة الكلبيكاني وغيرته، فإن عزَّ ذلك فبحسِّ ووعي وغيرة صاحب ذلك الموكب، فيحافظون على المكاسب والرسائل والكفاية كما حافظ هو على الحصان!

Posted in

التعليقات