من معطيات ونتائج تردِّي الأداء الإسلامي، والفوضى التي صار فيها الدين في زماننا، التخبُّط الذي حلَّ بقيَمه ونزل بشريعته، كما طال أحكامه وعقيدته، وقلب أفكاره وشوَّه مفاهيمه، نتيجة لإقحامه في الشأن السياسي، والإصرار على تطويره وتحديثه بما يوافق العصر ويجاري الزمان، ويحاكي مقتضيات وحاجات المنظومة الحاكمة… وقوع طلاق وانفصال بين النخب الإيمانية الملتزمة بالأصالة الدينية، التي تحمل همَّ الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال القادمة، وبين القائمين على الأداء السقيم، وعموم القائلين والناهضين بالنهج الحاكم في هذا العصر، وهم أعمُّ من الضالين المضلين، أرباب البدع والانحرافات بشتى صوَرها وأشكالها، ومَن يلحق بهم من الممضين ضلالهم بالخنوع والسكوت! فهؤلاء روافد أولئك، مدعِّمة ملكهم وحافظة حاكميتهم وناشرة سطوتهم. فبعد الأحزاب الإسلامية والجماعات المنظمة، تهاوت الثقة في جملة من العلماء، ولم يعد بالإمكان التعويل عليهم، لا في استقاء المعارف الدينية الأصيلة، ولا في الرهان على حفظها.
فمن الأخطاء التاريخية الفاحشة، ولك أن تقول الكارثية المدمِّرة، التي وقع فيها كثير من العلماء المخلصين والفضلاء المحترمين، ممن لا يحمل ضلالات في عقيدته ولا انحرافات في فكره، غفلتهم عن حركة الضلال التي تتهدَّد الدين، وتراخيهم في إدراك وتلقِّي الخطر الذي تحمله، ولا سيما الاستراتيجي، بعيد المدى. وهم في الجملة لا يبالون ولا يكترثون، ولك أن تقول يستهترون، ومن ثم يتقاعسون وينكفئون عن المواجهة، يحسبون كلَّ أمر وخطر سحابة صيف ستمضي دون مطر، وأنَّ الدين سيبقى محفوظاً مُصاناً! ويستشهدون بالماضي القريب والبعيد، وحجم المؤامرات التي حيكت ضد التشيع، فسقطت كلُّها، وها هو الدين قائم والمذهب قد وصلنا سالماً، نقياً خالصاً، فنحن الموعودون بالاستخلاف والمبشَّرون بوراثة الأرض… وهذه حقيقة، لكنها تواجه بأمرين: الأول: أنَّ التكليف الشرعي والدور الرسالي شيء آخر، لا علاقة له بالوقائع الغيبية وما يترتب على الإعجاز والتدخل الإلهي الخارق للعادة والطبيعة، فالركون إلى وقوع النصر بالمعجزة أشبه شيء بما يحكى عن عيسى عليه السلام، بأن لله أن يمتحن عبده، وليس للعبد أن يمتحن ربه. الثاني: إغفال سُنَّة الاستبدال وخطر التغيير، فالسلبية التي تعطِّل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتخرس الأفواه وتكبِّل الأيدي، حتى بلغت عند بعضهم، ملاحقة مَن ينهض بوظيفته، تؤاخذه وتنكر عليه… مهدَّد بإعمال: “إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً”.
وليس المراد هنا العلماء الذين يعملون بالتقية ويلتزمونها، ممن يعيش محاذير حقيقية تتهدَّد حياته، أو أنفس محترمة يُسأل عنها، فيؤدي البلاغ في دائرته الآمنة، ويكتفي في موقفه المعلن ما يخرجه عن سواد القوم… بل هم المراوغون الذين لا تعرف لهم رأياً في أكثر المواضيع حساسية وخطورة وأهمية! يضعون قدماً هنا وأُخرى هناك، في الضفة الأخرى والجبهة المقابلة، حتى تنجلي الغبرة وتظهر لمن الغلبة، فيصطفون معه ويجنون المكاسب، أو ينجون بكياناتهم الحزبية وشخصياتهم الفردية والعائلية. أداء أقرب إلى الدجل والاستئكال، وإن توارى بدثار التشرُّع والورع، وغطاء الاحتياط!
ولو سألت أحدهم أو اعترضت على سلبيَّته، لفتح لك أبواباً لا تقفل من الذرائع، وبسط في هذا عرائض مطوَّلات، ومقالات تضاهي المقامات، وقصائد تقارع المعلَّقات، لا النابغة نظم مثلها، ولا الحريري بلغ فخرها، ليثبتوا أنَّ الأخذ بالقعود، والتزام الصمت والسكوت، هو الحق، وأنَّ التكليف المدَّعى من النهوض بالبيان والدفاع عن المذهب ورد الأباطيل التي تلصق به، لا يستند إلى ركن وثيق، وأنَّ دورهم هو حفظ أنفسهم النفيسة، وبها يحفظ الدين ويدوم بقاء المؤمنين! ولكنَّ كلَّ ما يدرجونه في صحائف احتجاجهم، ويسطرونه من ملاحم مبارزة طواحين الهواء، لن يجد معنىً لـ “الإنذار” في قوله تعالى: “فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم”، ولن يوقف صدى تأنيب يقرع ضمائرهم، وكلَّ أُذن واعية “نفرت” يوماً، على أمل أن تعود فتنذر، وها هي قابعة تلوذ بالذرائع والتبريرات، وتختبئ وراء الأعذار والمسوِّغات، لتسلم الدار ويعلو المقام ويرضى الأشرار، أو في آخرين، ليظهر يوماً في قنوات المعارف والغدير أو الصراط والمنار!
لن يكون هؤلاء من أهل الخبرة في المرجعية القادمة، لن نتخذ منهم روَّاداً يستطلعون لنا وأدلَّاء يقودوننا نحو الأعلم. هذه شريحة تعيش همومها الخاصة، سواء مشاريع تؤسس لأشخاص أو تحفظ عائلات… لا يؤتمن هؤلاء على الدين والعقيدة، ولا يُستحفظون على الفقه والشريعة. ولك أن تتبيَّن الهوان في هذه الشريحة من عجزهم عن تشخيص اختراق فاضح يقع في جبهتهم بغطاء الاستبصار، فيقصرون عن تمييز أدعياء يفيضون ريبة، ويتخلَّفون عن ملاحقة غامضين يقطرون شُبهة ومرية، ما زالوا يعبثون بالمذهب، يصولون طولاً ويجولون عرضاً، في سعة تتيحها سذاجة القوم، ومندوحة يبذلونها لهم من حُسن ظن مفرط، وثقة يمنحونها لهم من البناء على أصل البراءة، وكأننا في المدينة الفاضلة، ترعى الأغنام في كنف الذئاب!
بين عهر الغزي وتهتك ياسر، ومكر الحزبيين وكيدهم بالدين، وفساد المتمصلحين المستأكلين، وغرارة أكثر المتحمسين، ثم سلبية غالبية العلماء الصالحين، دون قيمة لهؤلاء، ولا كرامة لأُولئك… لا يبقى إلا الاعتماد والتعويل على شريحة تعيش الولاء قضية، بعيداً عن أي شخصنة وحزبية مبطنة، عسى أن تنزل على أيديهم الرحمة، وتكون محلاً لعناية الحجة بن الحسن عليه السلام، فتحظى بالسداد لتنهض بدورها وتقدِّم للأمة مرجعها القادم. على هؤلاء ينصبُّ التركيز، وعلى هذه النخبة المعوَّل في خلق الوعي في الأمة.
حتى لا ينتحلها الأدعياء، يسرقها حيدري قم وصنوه في بغداد، هذا زيدي ينادي بأن الدين عند الله الخامنئي، وذاك ملحد يحسبه عند سقراط… يرسم العلماء المستقلون، الولائيون الأحرار في الحوزة، وفي ساحات التبليغ والصدام والالتحام، خارطة دقيقة للحدود والخطوط الحمراء التي قحمها تيار الانحراف، وهتكها أئمة الضلال، يبيِّنون فيها مسار الحوزة ومستقبلها، ويحدِّدون مكان المرشحين للمرجعية من الموقع المختار، أو المعيار المتمثل في محاور ثلاثة: استقلالية الحوزة والمرجعية، ثم سلامة العقيدة في معرفة الأئمة والولاء لآل محمد، فالحرص على الحديث وشعائر الدين. لن يدلِّس هؤلاء المؤتمنون على الأُمة، ولن يقعوا في المجاملة والمداهنة والمحاباة… ويبقى السؤال بانتظار تفاعل المعطيات، ومنها هذا الرافد الخطير، فهو ملاذنا من وقوع المرجعية في أحضان المنحرفين أو الغافلين والمستغفلين.
تُرى أين يقف الشيخ هادي آل راضي من منظومة تراثنا وعقائدنا وشعائرنا؟ كم يبلغ وعيه بالخطر الذي يتهدَّد استقلال الحوزة وإخضاع المرجعية للدولة، وما هو السقف عنده في هذا الشأن؟ وأين يقف السيد علي السبزواري، والشيخ حسن الجواهري والسيد محمد صادق الخرسان، والسيد محمد باقر أو السيد محمد جعفر الحكيم، من الأضلاع الثلاثة وملحقاتها؟! أين هذا وذاك من أطروحة الشيخ محمد السند؟
أين يقف السيد أحمد المددي والسيد مرتضى المهري والطبقة الأعلى من تلاميذ السيد السيستاني، ولا سيما نجله السيد محمد رضا من هذه الخطوط؟ وهم الأقرب للتقييم بعد تجربة عملية تسنمت فيها هذه الكتلة العلمية الوازنة المرجعية العليا، فقادت الأُمة بأداء مشهود له بالنزاهة والحكمة على الصعيد السياسي والاجتماعي، والحسم والأصالة في مسألة استقلال الحوزة والمرجعية عن الدولة، بما قطع الطريق على المتآمرين، وأنقذ الطائفة من أخطار عظيمة… ليبقى أمر الشعائر والعقائد والحديث، وهنا أداء لا يخفى على أحد، يبدو أنه ناتج عن مبنى مشيَّد ومنهج مُلتزم، تراه سارياً في جميع الأفراد، وإن وجدت في بعضهم نفحات ولاء وتعلُّق بأهل البيت، أو تقديس وحرمة لأنوار حديثهم، فمردُّه مزيد ورع يتمتع به هذا، وسعادة طالت ذاك. وبعد، فأين عسى يكون موقع السيد العلوي البروجردي والسيد علي الميلاني في هذه الخارطة، بعد تحقق وانكشاف مصداقية عالية لطروحاتهم، في ظل انهيار أو انشغال الجمهورية الإسلامية، وارتخاء قبضتها على الحوزة في قم؟!
إن مرجعية الوحيد الخراساني، والآغا تقي القمي، والسيد سعيد الحكيم المفعمة بعد العلم، بالولاء وسلامة العقيدة، والمتمتعة بالوقوف على ذرى الورع والعدالة، والآخذة بأقصى مراتب الحرص على الدين، وجوهره العقيدة والولاء، ومظاهره في المزار وشعائر العزاء… قابلة للتكرار والاستمرار. وعن بعض الأفاضل، إن الله يحفظ الأسرار المصونة عن الأغيار، ويفسح لمن شاء أن يبلغ حقائق الدين ويسرح في المعارف اللاهوتية والعلوم الملكوتية، التي جلَّت عن أن تكون شرعة لكل وارد، أو يطَّلع عليها جماعة، إلَّا واحداً بعد واحد.
(يتبع)
التعليقات