هناك حالة مهملة من حياتنا، ومشهد مغفول عنه في عيشنا، يشغل المساحة بين سعي الانسان وفعله وبين تدبير الله وتقديره، الثقة بالنفس والركون إلى ما يتمتع به المرء من قدرات وطاقات في الفكر والإبداع فالتصنيع والإنتاج، وبين التوكُّل على الله في حوله وقوته والتسليم لأمره وتدبيره… قد يحسبها بعضهم مقابلة مصطنعة ومقارنة متكلَّفة، فلا أحد ينكر جبار السماوات والأرض ويجحد إرادته الغالبة، حتى طواغيت العصر وأعتى قوى العالم، تتخذ من “على الله توكلنا” شعاراً لها وتنقشه على عملتها! ولكن لو خلي الإنسان ونفسه، لوجد حياته قائمة، من ألفها إلى يائها، على سعيه وتخطيطه، مرتكزة على فعله وتدبيره، اللهم إلا في الكوارث، ومواقع تتعطَّل فيها الأسباب، فيعجز الطب وينبو المال وينكفئ السلطان وتتوقف الآلة! من جهة أخرى، لا عاقل أو متشرِّع يدعو للتواكل، ويتبنَّى استسلام الإنسان لفقره ومرضه وجهله، فيمتنع عن الكسب والعلاج والتعلُّم، اعتماداً على الغيب ومدده.

القضية أننا بحاجة لمعرفة حدود التوكُّل الحق ونطاقه، والأداء الصحيح في ميدان الحركة والعمل، لا نتواكل ونذهب إلى جبرية باطلة، ولا نغرق ونتمادى، ونحسب في أنفسنا البأس والحول والقوة، ما يبلغ بنا الاعتداد والزهو، وينتقل بذكر الله، من حضور إيماني فاعل، وحالة روحية حاكمة، إلى لقلقة لسان، ولوحة مُهملة في خلفية المشهد، دون تسليم وإيمان.

المقالة لا تريد حكم الدفاع والجهاد، فهي قضايا يعود فيها المكلف إلى مرجعه، سواء في أصل الحكم، أو في انطباق المورد وتحقُّق المصداق، كما لا تريد ـ بطبيعة الحال ـ إلغاء آيات “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوَّكم”، و“قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله”، فهذه يرجع في تفسيرها ومدلولها إلى أهل الاختصاص من الفقهاء جامعي الشرائط… إنما الكلام والبحث في فكر ومدرسة وحزب، يحسب أنه بدوره الدفاعي وفعله الجهادي ينقذ الدين ويحفظه، وأنه الذي ينصره ويعزُّه، تيار سياسي يظن أنه بقوَّته وسلاحه يحمي الطائفة ويمنع استضعافها ويحول دون إبادتها، لا على نحو مقطعي عابر، مما يعرض في مكان محدَّد وبقعة ضيقة محصورة، بل بما يرتبط بالتمهيد لوراثة الأرض، وينهض بأسباب إقامة حكومة العدل الإلهي وعلل تحقُّقها!.. الحالة الحاضرة في واقعنا والحقيقة الفاعلة في حياتنا، المسكوت أو المغفول عنها، هي شيطانية هذا الفكر، وأنَّ إعداد السلاح وتصنيعه، والانخراط في أحزاب وتنظيمات مسلحة، يمضي في مناحي وسياقات لا شأن لها بالدين، ولا تأثير له في ثباته وحماية أهله، اللهم إلا من باب الاستغلال والاستئكال، هؤلاء قوم سياسيون، جعلوا الدين مطيَّتهم لبلوغ أهدافهم، والبرهان الصارخ على هذه الحقيقة، تغيير أحكامه وقلب أُصوله إذا تعارضت مع أهدافهم وأغراضهم!.. أما في صحيح الدين فالأمر يقضي أنَّ هناك نطاقات وميادين لم نكلَّف بها في زمن غيبة الإمام عليه السلام، يكون دخولنا وإقحام أنفسنا فيها من التكلُّف وطلب العناء، والتعرُّض للبلايا والإخفاق، ودفع الأثمان بلا عائد ودون أجر وجزاء.

كل ما علينا هو الدفاع عن أنفسنا وديننا وردِّ الاعتداءات التي تتهدَّد وجودنا، دون افتعال صوَر واختلاق حالات، تنتقل بالمواجهة إلى صراع مع العالم كلِّه. ذلك أنَّ نشر العدل وتحرير البلاد وتخليصها من الظلم والطغيان، لا يكون إلا بقيادة الإمام، الذي لا يقوم إلا عند اكتمال الأسباب. وليس لأحد أن يفرض أمره على ولي الأمر، ولا أن يستعجله على ما يرغب فيه ويتشوَّق إليه، إنَّ طريقة عمل سنن الله ونواميسه في حفظ دينه، وأسباب الدفاع عن أهل الحق، هي طراً في أزِمَّتها ومقاليدها، بيد الإمام من آل محمد، هو مَن يحدد ساعة إعمالها وكيفية تنفيذها ونطاق حركتها. وهو عليه السلام حي حاضر شاهد، ترفع إليه التقارير كل إثنين وخميس، بل يوافي الحوادث حيث تجري ويواكب الخطوب أينما تحل، يتدخَّل حين يكون الأمر في غير السياق الذي يخدم تكامل الإنسان عبر الابتلاء والامتحان، وحين يعرض ما يتهدَّد وجود أهل الحق، ويبلغ الطغيان مداه من الأعداء! إنه دون غيره، من يملك القوة والبأس اللازم لهذا التدخل.

وفي تراثنا ذخائر وكنوز، نفائس ولآلئ لا تقدَّر بثمن، ادخرها لنا سادتنا لتعيننا في تكوين عقائدنا وبناء معارفنا، وتأسيس قواعد وإرساء ركائز يقوم عليها صرح الحق، لا يحيد فيميل ولا ينحني فيهوي، بقيت بعضها مدَّخرة في أصدافها ومناجمها، واستخرجت أخرى لتكون في متناولنا، ولعلَّ بعضها يعكس ويشير إلينا بتلك الحقيقة، وينبِّه إلى ذاك الخطير…

من قبيل ما روي عن فاطمة عليها السلام أنها قالت: أصاب الناس زلزلة على عهد أبي بكر ففزع الناس إلى أبي بكر وعمر، فوجدوهما قد خرجا فزعين إلى علي، فتبعهما الناس إلى أن انتهوا إلى باب علي، فخرج إليهم غير مكترث لما هم فيه، فمضى واتبعه الناس حتى انتهوا إلى تلعة، فقعد عليها وقعدوا حوله وهم ينظرون إلى حيطان المدينة ترتج جائية وذاهبة، فقال لهم علي عليه السلام: كأنكم قد هالكم ما ترون؟ قالوا أو كيف لا يهولنا ولم نر مثلها قط؟ فحرَّك شفتيه، ثم ضرب الأرض بيده الشريفة، ثم قال: ما لك؟ اسكني! فسكنت بإذن الله…

وعن جابر الجعفي قال: لما أفضت الخلافة إلى بني أُمية، سفكوا في أيامهم الدم الحرام، ولعنوا أميرالمؤمنين على منابرهم ألف شهر… اشتكت الشيعة إلى زين العابدين وقالوا: يا ابن رسول الله أجلونا عن البلدان، وأفنونا بالقتل الذريع، وقد أعلنوا لعن أميرالمؤمنين في البلدان وفي مسجد رسول الله وعلى منبره، ولا ينكر عليهم منكر، ولا يغيِّر عليهم مغيِّر، فإن أنكر واحد منَّا على لعنه، قالوا: هذا ترابي، ورُفع ذلك إلى سلطانهم، وكُتب إليه إنَّ هذا ذكَر أبا تراب بخير، حتى ضُرب وحُبس ثم قُتل، فلما سمع ذلك، نظر إلى السماء… ثم دعا بابنه محمد بن علي الباقر فقال: إذا كان غداً فاغدُ إلى مسجد رسول الله، وخذ الخيط الذي نزل به جبرئيل على رسول الله، فحركه تحريكاً ليِّناً، ولا تحركه تحريكاً شديداً فيهلكوا جميعاً. قال جابر الجعفي، فبقيت متعجباً من قوله لا أدري ما أقول، فلما كان من الغد جئته… قال الباقر: لولا الوقت المعلوم والأجل المحتوم والقدر المقدور لخسفت بهذا الخلق المنكوس في طرفة عين، بل في لحظة، ولكنَّا عباد مكرمون لا نسبقه بالقول وبأمره نعمل… إنه أمرني أن أرعبهم لعلهم ينتهون، وكنت أحب أن تهلك طائفة منهم ويطهِّر الله البلاد والعباد منهم. قال جابر: فقلت: سيدي ومولاي كيف ترعبهم وهم أكثر من أن يُحصوا؟ فقال الباقر: امض بنا إلى مسجد رسول الله لأريك قدرة من قدرة الله تعالى التي خصَّنا بها، وما منَّ به علينا من دون الناس. قال جابر: فمضيت معه إلى المسجد فصلى ركعتين ثم وضع خده على التراب وتكلَّم بكلام ثم رفع رأسه وأخرج من كمه خيطاً دقيقاً فاحت منه رائحة المسك، فكان في المنظر أدق من سَمِّ الخياط، ثم قال لي: خذ يا جابر إليك طرف الخيط وامض رويداً، وإياك أن تحرِّكه. قال: فأخذت طرف الخيط ومشيت رويداً، فقال: قف يا جابر فوقفت، ثم حرَّك الخيط تحريكاً خفيفاً ما ظننت أنه حرَّكه من لينه، ثم قال: ناولني طرف الخيط فناولته وقلت: ما فعلت به يا سيدي؟ قال: ويحك اخرج فانظر ما حال الناس! قال جابر: فخرجت من المسجد وإذا الناس في صياح واحد، والصائحة من كل جانب، فإذا بالمدينة قد زلزلت زلزلة شديدة وأخذتهم الرجفة والهدمة، وقد خربت أكثر دور المدينة وهلك منها أكثر من ثلاثين ألفاً رجالاً ونساءً دون الولدان، وإذ الناس في صياح وبكاء وعويل، وهم يقولون إنا لله وإنا إليه راجعون، خربت دار فلان وخرب أهلها، ورأيت الناس فزعين إلى مسجد رسول الله وهم يقولون: كانت هدمة عظيمة، وبعضهم يقول: قد كانت زلزلة، وبعضهم يقول: كيف لا نخسف وقد تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وظهر فينا الفسق والفجور، وظلم آل رسول الله، والله ليزلزل بنا أشد من هذا وأعظم أو نصلح من أنفسنا ما أفسدنا. قال جابر: فبقيت متحيراً أنظر إلى الناس حيارى يبكون، فأبكاني بكاؤهم وهم لا يدرون من أين أُتوا، فانصرفت إلى الباقر وقد حفَّ به الناس في مسجد رسول الله وهم يقولون يا ابن رسول الله أما ترى ما نزل بنا؟ فادع الله لنا، فقال لهم: افزعوا إلى الصلاة والدعاء والصدقة، ثم أخذ بيدي وسار بي، فقال لي: ما حال الناس؟ فقلت: لا تسأل يا ابن رسول الله، خربت الدور والمساكن، وهلك الناس ورأيتهم بحال رحمتهم، فقال: لا رحمهم الله، أما إنه قد أبقيت عليك بقية، ولولا ذلك لم ترحم أعداءنا وأعداء أوليائنا. ثم قال: سحقاً سحقاً وبُعداً للقوم الظالمين، والله لولا مخافة مخالفة والدي لزدت في التحريك وأهلكتهم أجمعين، وجعلت أعلاها أسفلها، فكان لا يبقى فيها دار ولا جدار، فما أنزلنا وأولياءنا من أعدائنا هذه المنزلة غيرهم، ولكن أمرني مولاي أن أحرِّك تحريكاً ساكناً. ثم صعد المنارة وأنا أراه والناس لا يرونه، فمدَّ يده وأدارها حول المنارة، فزلزلت المدينة زلزلة خفيفة وتهدمت دور، ثم تلا الباقر “ذلك جزيناهم ببغيهم وهل نجازي إلا الكفور” وتلا أيضاً “فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها” وتلا “فخرَّ عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون”. قال جابر: فخرجت العواتق من خدورهن في الزلزلة الثانية يبكين و يتضرعن منكشفات لا يلتفت إليهن أحد، فلما نظر الباقر إلى تحيُّر العواتق رقَّ لهن، فوضع الخيط في كمه وسكنت الزلزلة، ثم نزل عن المنارة والناس لا يرونه، وأخذ بيدي حتى خرجنا من المسجد… وللحديث بقية، وحري أن يطلب بتمامه من مصدره.

نحن في هذي الرحاب نمضي، بها نؤمن وإياها نلتزم، لا نأخذ ديننا من الصبيان، ولا نلتف لغرٍّ متطفِّل سكنه العُجب وخرقه سفود الاختيال، يقلِّبه على جمر النزق. لا يصرفنا عن الحقيقة إعلام وتهريج، ولا يغوينا شيطان وإن رفع الأذان وتلا القرآن، ومن نرى لأضاليله أثراً في إفساد شبابنا، قطعنا يده ورجله من خلاف، وخلَّفناه أكتع أعرج يتسوَّل على قارعة الطريق…

القضية أعظم من استعراضات عسكرية، وأخطر من محاسبات اقتصادية، وأجلُّ من مناورات سياسية، إنها الولاية العظمى والسلطان المطلق، تعرفه وتشهده حين يترنَّح الجندي أو الضابط المولج إليه إدخال الرمز وضغط مفتاح إطلاق صاروخه النووي، لا يدري هل السماء من فوقه تدور، أم الأرض من تحته تموج وتمور، فإذا سكن وأخذ قراره، عاد الصاروخ لينفجر في مربضه أو بطاريته، وينطلق على نفسه في قاعدته، لزلزال وقع وصدع أفرغ الأرض وأخلاها من تحته!

من نافلة القول أنَّ الدفاع واجب شرعي والجهاد باب فتحه الله لخاصة أوليائه… لا أحد في وارد أن يتطاول على حُرمة هذا ولا مشروعية ذاك، إنما هو بيان يغلق الأفواه ويخرس الأصوات التي تزعم أنها مَن يدافع عن الحرم، ويرد الدواعش عن أعراض المؤمنين، وتحسب في نفسها البأس والحول والقوة… إن الحزبيين، المجاهدين والمدافعين والممانعين، وقائدهم وصواريخه ومسيَّراته، وكل ما ومَن يدعون من دون الله، عليهم أن يستيقظوا ويعوا ويتدبَّروا ويتفكَّروا في الآية التي ظهرت قبل أيام! وهي تهتف وتنادي: إنَّ مَن أضناكم قتالهم وأنهككم واستنزفكم حربهم، وعجزتم عن ملاحقتهم واستئصال شأفتهم، فأوهمتم أنفسكم وأتباعكم، ورحتم تفاخرون بهزيمتهم والنيل منهم، وتعاميتم عن قرارات سياسية عالمية وتوافقات دولية، أفضت إلى انسحابهم، وأخذهم وتجميعهم في بقعة، انتظاراً لجولة قادمة… وقعت عليهم نقمة ونزل بهم خسف! لقد ضُرب لكم مثَلٌ، فاستمعوا له وتدبَّروا فيه، لقد زلزلت الأرض من تحت عدوِّكم، أُخذوا بياتاً وهم نائمون وضحىً وهم يلعبون، ولو وكِّل الأمر إليكم، وركنت الأُمة واعتمد الدين عليكم، لما قدرتم على ذبابة، ولو اجتمعتم بقضِّكم وقضيضكم، وإن يسلبكم الذباب شيئاً لن تستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب! كل ما نرجوه أن يتوقف التبجح والمنِّ على العتبات المقدسة بالدفاع عنها، ويكفَّ التطاول على زوار السيدة زينب ومجاوريها بتحريرهم، وأن تنتهي دعاوى البطولات الزائفة، والشجاعة المتوهمة، حتى لا نضطر لكشف حقيقتها، وبيان كم كانت نكالاً على المؤمنين وبلاءً على الدين!

Posted in

التعليقات