قد يكون أحدهم نابغة في الهندسة أو عبقرياً في الطب أو فلتة في الكيمياء، ينجح في تركيب العقاقير واكتشاف الأدوية للأمراض المستعصية، ما يحقق له ثروة طائلة، لكنك تراه يعيش فقراً ويعاني عسراً! ما زال في عثرات وخسائر متلاحقة، تتبدَّد عوائده وتضيع مكاسبه. ذلك لضعفه في إدارة الأموال، وكثرة ما يُستغفل ويخدع في توظيفها واستثمارها، يحوم حوله المحتالون والسراق، يخدعونه ويستنزفونه! فلا يخرج من أزمته إلا على يد شركة أدوية تحتكره، أو خبير ضليع يتولى تسويق اختراعاته وتنمية أمواله وإدارة استثماراته… هذه الحقيقة المشهودة، تسري في علماء الدين أيضاً، من صغار الطلبة المبتدئين، حتى الكبار ممن بلغ شأواً في بعض الحقول. فقد يكون الرجل أوْحديَّ دهره في الفقه والأُصول، أو فريد عصره في الحديث والمنقول، أو نادرة زمانه في التفسير، أو جهبذاً لا يشق له غبار في الأسانيد والرجال، أو فذّاً لا يُبارى في الفلسفة والمعقول… ولكنه في فهم الحراك الاجتماعي، وإدراك الواقع السياسي، وعموم شؤون العيش والحياة، يعاني فقراً وضحالة، ويشكو فشلاً وسذاجة! وهذا هو مردُّ إحجام بعض الأتقياء عن الخوض في الساحة والتصدِّي للقيادة، بل توقُّفهم عن مجرَّد توجيه الناس وإدارة حركتهم، اللهم إلا في الكليات، دون ما يطال التطبيقات وتشخيص الموارد والإسقاط على الحالات.. وقفوا على عجزهم، فلم يكابروا ويتحايلوا، ويصروا على دخول يفسد أكثر مما يصلح.
يخشون الخديعة والاستغفال، من طبيعة الأشياء المبهمة والمُوهِمة، أو من الصحب والإخوان والحاشية والأعوان. فالمرء دون تلك الإحاطة والمكنة، أو الذكاء والفطنة، وسمها إن شئت الملَكة، تراه يضطرب في آرائه ويتخبَّط في مواقفه، فيهلك ويُهلك، من السهولة بمكان استدراجه بإيحاءات نفسية، وشحنه بأخبار مكذوبة ومعلومات مغلوطة، ولا سيما إذا أتته في حبكة متقنة، وصورة مُحكمة، فتنطلي عليه الحيلة، ويكون لمكائد السياسيين صيداً وفي حبائل الضلَّال المنحرفين فريسة. وقد يخرق هذا استثناء يقدُم من اللطف الإلهي والعناية المهدوية، يسدِّد المولى بها نوابه من المراجع العظام، الذين يقودون الأُمة على نهج الحق، فلا يُمحق الدين ويضيع أهله، ولا يتساوى موالٍ محب بمخالف مبغض. وما تراه من فلاح في الأداء السياسي للسيد السيستاني، خير شاهد على الرعاية والتسديد، صار فيه دون هيئات استشارية ومجالس خبراء، أصابه وبلغه دون أجهزة مخابرات ترصد وتستقصي وترفع له التقارير، بل حتى دون خوض وممارسة تسمح بالبناء، وتتيح للعامل ترتيب الأثر واتخاذ موقفه وصنع قراره.
إنَّ الساحة الإيمانية تعاني معضلة في مواصفات مَن يتصدَّى لإدارتها ويتولى قيادة الحراك فيها، من القمة في الحوزات، حتى القاع في المجاميع والهيئات… وهي، بعد الجهل وتواضع التحصيل وعدم الخبرة، افتقاد النباهة والفطنة، وقل إن شئت: الغباء والسذاجة. ما يترك المتصدِّي لقمة سائغة للأعداء، ويجعله مغنماً سهلاً لأقلِّ مداهمة وأضعف غزو وغارة. تهجم عليه اللوابس، فتخلِّفه مربكاً مضطرباً، قد عقد الذهول لسانه، وأشلَّ العجز أطرافه، فإما أن يقحم دون دراية ويخبط بجهالة، أو يلوذ بالسلبية، ويحتمي بالاعتزال والنأي بالنفس، فيسقط في شباك العدو، ويلحق ـ بنحو وآخر ـ بجبهته، ويغدو رافداً يمد الزيف ويعين على الضلال والانحراف.
والسلبية هنا، هي الوجه الأقل سوءاً وضرراً في القضية، أمام تصدِّي الحمقى والأغبياء للتوجيه والإرشاد، يتولَّون تشخيص الموارد وتطبيق الكليات وتحديد التكاليف للناس! يجزم أحدهم ويقطع، يبتُّ ويفصل، ويرسم للعوام طريق الحق ونهج الصواب، يحفر هنا ويردم هناك، وهو يسوق الجدول و”يتحكَّم” في حركته، ليصب في النهاية في حقل العدو ويسقي زرعه! لا أُريد مجانبة اللباقة وترك الرفق بهؤلاء الإخوة، ولا أتعمد الحدَّة والقسوة، ولا سيما أنهم لا يخلون من مخلصين وفضلاء، ولكنها حقيقة مؤلمة عشتها، فأردت أن يتعظ غيري من تجربتي ويتنبه لأخطائي، حين قحمت حقلاً بسذاجة، وتعاطيت معه بغباء! إنهم اليوم ينشغلون بمعارك وجبهات وهمية ويخوضون في أزمات مختلَقة، يقرعون ناقوس خطر الإلحاد، وإهمال العبادات، وغياب القرآن، وينشطون فيما يتوهمونه تصحيحاً وإصلاحاً. إنَّ هذه وغيرها معارك حق، والسعي فيها مشكور مأجور، لا مراء في ذلك ولا جدال، ولكن الأداء الإعلامي وسياق التوجيه الحزبي والإملاء الذي تمضي فيه هذه الحركات، يصرف عن الصراع والجبهة الحقيقية، فالتحدِّي بين الله عزَّ وجل والشيطان الرجيم لم يكن في الألوهية والتوحيد، ولا على الطاعة والعبادة، بل كان في الولاية، أي الخضوع لآل محمد والتسليم لهم. هذه هي القضية الأصلية والمحورية التي يجب أن ننشغل بها وننذر أنفسنا لها، وتظهر ميادينها في: حفظ آثارهم وردُّ المشككين في أخبارهم، ونصرة شعائر العزاء والمزار، والإبقاء على أصالة الحوزة واستقلال المرجعية.
يرتهن أحدهم نطاق مغلق من فضاء معالجة علمية يعيشها، وأجواء شبابية حماسية لا تدري أمن نزق وفضول تقدُم، أم من خبث وشيطنة، ولا يخلو الأمر من هامش طلب شهرة، ونشوة بالإمارة، ولو على حجارة… تراه يلاحق الأقوال الشاذة، يتصيَّد ويلتقط منها ما يهز المنظومة القائمة، ويشكِّك في المسلَّمات الموروثة، وإن انتهى به إلى القول بالانسداد، وتعطيل كل استدلال!… وفي لحظة غفلة عن الماضي والمستقبل، فلا هو من العاملين السابقين، ولا من العازمين على التحدِّي أو القادرين على تحمل التبعات والصمود في المدِّ العالي، يقحم الساحة مبتوراً، ينطلق بلا تجربة ولا خبرة، غرّاً بكراً يخبط عشواً، لا يدري من أين جاء ولا أين يمضي، لا يشعر بزلزال يهز من تحته، وطوفان يعصف من فوقه، تحمله الأمواج كلَوْح، ويتقاذفه الدُهاة ككرة يتلاعبون بها، وهو يحسب أنَّ الأُمور طراً تحت سيطرته، وأنه حرٌّ في منطلقه، مستقلٌّ في نشاطه وحركته! تراه يهدف تقويم أداء الرواديد في الألحان التي يوظفونها، ويريد نهيهم عن مسيرة انحرافية يشطحون فيها، وهو من البُكم الخُرس في ميدان الشعائر الحسينية! وقف على التل في معارك مصيرية شكَّلت منعطفات في المسيرة، من قبيل التطبير. لم يهمس بنهي عن منكر عبث الرواديد بمحتوى القصائد وصرفها عن العزاء إلى تمجيد الأحزاب والزعماء! بل تراه أعان الحداثوية ونصر الضلال، في دفع المنبر بعيداً عن أصالة الرثاء، وثني الخطباء عن ذكر الفضائل والمعاجز، وما يرفد البنية الولائية ويرسخها في المجتمع والأُمة! وكذا كان في فتنة فضل الله التي أرادت اقتلاع جذر التبري، بإنهاء قضية الزهراء، وطي صفحة ظلامتها، كان يمضي في صمت القبور وعجز الشيوخ ورجاء القواعد!
ثم ترى الحماس يغلبه، فينطلق مجاهداً في إعمال ضوابط الأخذ بالحديث وتصحيح الأسانيد ونقلها من فضاء الحوزة ومواقع الاستنباط الفقهي، إلى الساحة العامة وما يرفد الثقافة الإيمانية والركائز العقائدية للشيعة، فيُسقط ويهدر ـ أراد أو لم يرد ـ نفائس، ويمحق أو يدفن كنوزاً لم تبلغنا إلا بخوض اللجج وسفك المهج! ولا أريد الصغار العابثين، من الجهلة المتشدقين، بل الآفة في الكبار الموجِّهين. ينخرط أحدهم في هذا الخطير وهو عاجز عن إدراك كنه الدين وفهم جوهر الإيمان وحقيقة الإسلام، فيجمد ويتخشَّب أمام ما يعتبره أدلَّة، تنتهي به إلى تقديم الصلاة والصيام على الإمامة والولاية! إنَّ من يحمل هذا الفهم السقيم والرؤية العوراء والملكة الشوهاء، ينبغي أن يُحجر عليه ويمنع من أي حديث، فلا يغوي أهله ويضلُّ عياله، فكيف بالأُمة بعد طلابه!
من السذاجة بمكان أن تحسب الحركات الناشطة والدعوات الفاعلة و”الرايات” المرفوعة في البيئات الشيعية، وعموم ما يجري من الأحزاب والشخصيات الدينية، ما تُحدثه من ظواهر وحراك، وتخلقه من موجات وتيارات.. أمراً عفوياً، يقع بتلقائية ويجري بتراتبية طبيعية! إنَّ هذه الأنشطة، سياسية كانت أم فكرية، علمية أو اجتماعية، تقدُم من تخطيط وتأتي عن سابق قصد وتدبير. لم يأمر رسول الله بالنفير العام ولا عقد الراية لجيش أسامة اعتباطاً، ولم يعيِّن الخليفة الثاني معاوية والياً على الشام غفلة، ولم يصر الخوارج على أبي موسى للتحكيم عرضاً، ولم يُستدرج صدام ويضاء له الضوء الأخضر لغزو الكويت عبثاً، ولا كان الربيع العربي صدفة… هذه كلها خطوات سياسية و”تكتيكات” تهدف أُموراً وراء ظاهرها، الأغبياء فقط هم الذين يعثرون فيها ويسقطون، والسذج فحسب يقرؤونها بسطحية نشرات الأخبار الرسمية.
مما لا شك فيه أنَّ هناك قيادة خفية، شيطانية أو مخابراتية أو حداثوية، استعمارية، استكبارية، صهيونية، ماسونية… سمِّها ما شئت، هي التي تقود وتدبِّر محاربة المذهب الحق، تنظِّم قوى الضلال، تحفِّز هذا وتسكِّن ذاك، بما يوزِّع بين أذرعها الأدوار، وينوِّع في أجنحتها وأفرعها المهام، ويتيح لها كسب السذج وإلحاق الأغبياء وتوظيف العوام، وهم يحسبون أنهم ينصرون العلم ويدعمون المذهب!
القوة الخفية، التي دفعت في مرحلة سابقة، فضل الله والحيدري وحب الله ومن لف لفَّهم من قصير وعودة وعبدالحليم وحثالات من هذا القبيل، إلى الواجهة، قاموا بدور الصدمة، وأنجزوا مهمة كسر حاجز الثابت والمقدَّس، لصالح المشكوك والمتغيِّر. فلما سقط هؤلاء واحترقوا، دخل الصراع مرحلة جديدة، تستدرك أخطاء الأولى وتكمِّل مهمة الهدم، لكن بغير أساليب وأشخاص، مرتكزها وعنوانها هو “الفوضى الخلَّاقة”، بعد أن كان في المرحلة الماضية “الصدمة وكسر الحاجز”.
عرفوا الخطأ الذي ارتكبوه في حربهم الشعائر، لارتجالية حمقاء وطاغوتية توهمت انقياد الأمة بيسر وسهولة، عادت بأثر عكسي روَّج للشعيرة ونشرها وزاد من كرههم ومقتهم… فعمدوا إلى صنع هيئات، وزرع أو استدخال رواديد وتوظيف خطباء، هذا يختلق “فضائل” ويضع لها الأحاديث ويجعل الروايات، ليذهب في الغلو ويبلغ من التشويه مبتغاه، وذاك يقلب اللطم لحناً لهوياً من “البوب”، والجزع إيقاعاً من “الراب”، وثالث يتمايل بغنج ولين، وكأنه اكترع ما طاب له من الأكؤس مثنى ورباع، أو ملأ رأسه من دخنة الخشخاش، فلم يملك خصره ووسطه… والنتيجة تنفُّر الساحة الإيمانية وطلبها البديل في نهج معتدل وسطي يتحدَّث لهم عن السياسة والجهاد، أو المرأة والكيمياء، ثم يختم ببيت رثاء، لزوم إباحة أموال أُوقفت للإبكاء! ومجموعة أُخرى تضطلع بمحاربة الحوزة والمرجعية، تحرِّض على الخمس ومصادر التمويل وعنصر الاستقلال وعامل الاستغناء، وتشجع الصعاليك على ادعاء الفقاهة وتسنم المقام، تدرج من هب ودب في القائمة، وتعرض لرأيه في المقارنة. وجماعة ثالثة تحارب التراث باسم التصحيح والتنقيح، تقطع ارتباط الناس بحديث آل محمد، مصدر الولاء ومستقى الفضائل والكرامات، ولا تبالي أن تهدر في طريقها الزيارة والدعاء، فهو البحر الزاخر الذي يرسِّخ مكانة آل محمد ويعظِّمهم في نفوس شيعتهم، دون الصلاة والصيام!
من أخطر ما في هذه المرحلة، وما يستدركون به أخطاءهم السابقة، أنهم عمدوا إلى شخصيات تُعرف بالالتزام ويُشار إليها بالأخلاق، ولربما بالولاء، فالرموز السابقة (فضل الله والحيدري وحب الله واليعقوبي وقصير) معروفون بالغرض والمرض، طلاب مال ودنيا، شغلهم الاتجار بالدين والاستئكال بالمذهب، على عكس العناصر الجديدة، التي صنعت لها هالات روحانية ولربما ـ في المستقبل ـ مقدَّسة، وظفوا لها ومهَّدوا بعنوان المربي الفاضل والمنبر العميد والمحاضر المنير، وما تنتجه “حوزة الأطهار” و”جامعة المصطفى”، وتتأكَّد الشبهة لما ترى لبعض هؤلاء مواقف رافضة للقوم أو غير مصطفَّة مع أحزابهم.. فتحكم الحبكة وجدل الظفيرة، ما يغري العوام ويخدع السذَّج ويستغفل حتى بعض الخواص!
إن الفوضى التي تغلب الساحة وتطغى على المشهد: مرجعيات مزيفة تختلط بحقيقية، شعائر حسينية مبتدعة مشوهة تغالب الأصيلة الرصينة، وضع وإغراق، مع طعن في الحديث يقطع الصلة بين الأُمة وتراث الأئمة… هو الذي يأخذ المؤمن إلى الشك في كل ما حوله، فالعزوف عن الدين، أو البحث عن بديل، سيوفره القوم برحابة صدر: مرجعية تتبع الحكومة، وشعائر حسينية سياسية أو تجعلك وجيهاً عند الفنانين، ونزعة قرآنية وتوجيه وتركيز على الأحكام والعبادات يرضي عنك المخالفين، ويسقط العقائد ويطوي صفحة الحديث! ما يفتح باب الهلاك على مصراعيه، ويفسح للضلال عند قطع أسباب الاتصال بالثقل الثاني، العترة. هذا هو الخلق الذي ينتظرونه من الفوضى، وأرجو أن لا تسلني عن مؤمن صالح انخرط في مشروع القوم وصار رقماً يرفد خطتهم… إنه الغباء!
التعليقات