تتشعَّب الحرب بين الحق والباطل وتتوزَّع على جبهات، بعد المعركة العلمية، الكلامية والفقهية، هناك معركة ساخنة وحرب طاحنة على الاستحواذ الجماهيري وتحقيق الأكثرية العددية… “الرواديد” في الواقع الشيعي الأصيل، في الأوساط الولائية الحقة، وفي منظومة الشعائر الحسينية المقدَّسة، هم رجال هذه الجبهة، عناصر التعبئة والتحشيد، وجنود الاحتواء وعوامل الجذب الشعبي. يقابلهم في الأحزاب والتيار الحداثي، صعاليك الصحافة ومرتزقة الإعلام وناشطو التواصل الاجتماعي، أولئك يكثِّرون السواد في المجالس والحسينيات، يروِّجون العقائد الإيمانية ويربطون على القلوب ويرسِّخون ما يثبِّت الحالة الولائية، وهؤلاء يزرعون الشك في العقائد ونزعة نبذ الثوابت، يجمعون الحمقى حول الأحزاب، يرفدون المحافل السياسية بالمستغفلين، يسوِّقون مقولات الزيدية وأفكار شريعتي والدعوة والإخوان المسلمين.

تعتمد الشعائر الحسينية وتقوم على ركائز مكينة، وتنطلق من أسس تضرب في أعماق المذهب الحق، من قبيل حديث أبي هارون المكفوف، قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: يا أبا هارون أنشدني في الحسين. قال: فأنشدته فبكى. فقال: أنشدني كما تنشدون ـ يعني بالرِّقَّة ـ قال: فأنشدته: امرر على جدث الحسين فقل لأعظمه الزكية. قال: فبكى، ثم قال: زِدني. قال: فأنشدته القصيدة الأُخرى، قال: فبكى، وسمعتُ البكاء من خلف الستر. قال: فلما فرغت قال لي: يا أبا هارون مَن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى عشراً كُتبت لهم الجنة… إلى أن قال: مَن ذُكر الحسين عنده فخرج من عينه من الدُّموع مقدار جناح ذُباب، كان ثوابه على الله، ولم يَرضَ له دون الجنة. ونظيره عن أبي عُمارة المنشد، وعن عبدالله بن غالب، وهو الذي قال له الصادق عليه السلام: إنَّ ملَكاً يلقِّنك الشعر، وإني لأعرف ذلك الملَك. وقد يكون هؤلاء هم أوائل مَن امتهن الرثاء والقراءة الحسينية، وقل إن شئت أوائل الخطباء و”الرواديد”. وفي الأحاديث ما يفيد أنَّ الإمام بذل المال للقرَّاء الحسينيين، وعمل على تكفُّلهم وتأمين حاجاتهم… ففي الكافي الشريف رواية كاشفة عن عناية الصادق عليه السلام بأبي هارون، فما زال يتفقد حاله في كلِّ موسم، وقد منحه ثلاثين ديناراً يتخذ بها خادماً يقوده، ثم خمسة وعشرين ليشتري جارية، مما يثبت مشروعية المهنة، وترغيب الإمام وحثه عليها…

هكذا تأسست المجالس بشكلها الحاضر، مُنشد يرقى فيرثي، وحضور ينتحب ويبكي، ومنها انطلقت بقية الشعائر الحسينية وتبلورت صوَرها وانتظمت أنماطها، على عين الإمام صُنعت، ألقى عليها محبة منه، واصطنعها لنفسه ليبلِّغ رسالة ربه. ولنمائها ندب ولازدهارها حبَّب، وبذل أغلى الأُجور والأثمان، حتى جعل البكاء كفيلاً بمحو الذنوب، صغيرها وكبيرها، قليلها وكثيرها، وكان خروج دمعة بقدر جناح بعوضة، يوجب غفران الخطايا ولو كانت مثل زبد البحر. ومن الرثاء والبكاء، والجزع والافتجاع، وما تفرَّع عنه وعاد ليرفده ويصب فيه، كانت الشعائر التي تميَّز بها الشيعة عن باقي الفرق الإسلامية، وارتسمت معلَماً صار، في مقام الظهور والممارسة، الأكبر والأخطر في المذهب… تفرَّغت شريحة اتخذتها مهنة، تأسست حسينيات وهيئات ومواكب، أُوقفت أموال وأعيان وأملاك، وقامت مدن وتجارات وأسواق، وطرق ومطارات تربط الشيعة وتجمعهم في مواسم ومناسبات, حتى باتت منظومة متكاملة في الوجدان الشيعي، لا يزيحها شيء، وعنواناً ثابتاً في هوية التشيع لا يتغيَّر بعارض أو طارئ.

عرف العدو أنَّ مساعيه في حرب الشعائر، ناعمة كانت عبر مقولة التطوير والتحديث وهراء الإصلاح والتنزيه، أو عنيفة جاءت بالقمع والاضطهاد والتنكيل والتضييق، لن تجدي نفعاً ولن تغيِّر شيئاً… وأنَّ السبيل الوحيد هو التوغل والنفوذ في جسم الشعائر، والعمل من هناك على تفتيت بنيتها وهدم منظومتها، ولا سيما عبر النيل من أصلها وإفراغها من جوهرها ومسخ حقيقتها، أي البكاء! والسد الأول الذي يقف في وجه هذا الاعتداء ويمنع هذا الاختراق، هم “الرواديد” والخطباء، شريحة الراثين والمنشدين ومن ورائهم الشعراء، وفضلاً عن الدوافع الدينية، فإنَّ الرثاء صنعتهم والإبكاء بضاعتهم، ولن يفرِّط عاقل برأس ماله…

من هنا توجَّه العدو إلى هذا القطاع، لعب فيه على الأهواء، ولا سيما حب الشهرة والمال، ووجَّه سهامه إلى أعلامه من أساتذة الصنعة والمعتقين في الخدمة، دسَّ بينهم أدعياء مزيفين، وزرع طارئين متطفلين. ومضى بمكْره، حتى إذا توغَّل ونفذ، وأرسى صغار أبالسته في الساحة، وثبَّت وجودهم في الحقل… زرع آفة المنافسة الدنيوية، وأذكى داء المغالبة، سوَّغ اللهث وروَّج التسابق على حطام الدنيا، من مال وشهرة، وراح في كل ما يزري بالإخلاص، وينال من النية ووقفها على القربة! هكذا تمكَّن من إفساد الأصل الذي قامت عليه هذه المنظومة الربانية، أي طلب الأجر الأُخروي ونيل رضا أهل البيت، واستطاع إفراغها من محتواها، أي البكاء والرثاء والذهاب بها إلى السياسة والغناء، وما خلَّفها خاوية جوفاء!

بدأت الأزمة العملية في الشعائر الحسينية مع انحراف شريحة “الرواديد” والخطباء، وأول ما وقع ذلك وجرى كان في البحرين، مهد الولاء وموئل العزاء، التي كانت تحسب تالية كربلاء، كما كان يطلق على القطيف النجف الصغرى، هذه لحوزتها وعلمائها، وتلك لوفائها وإحيائها الشعائر! عُزل الأُصلاء ونبذوا بالإرهاب الفكري وسطوة الأحزاب، وصار الأمر إلى الصبيان، الذين عمدوا إلى إفراغ الشعيرة من الرثاء والافتجاع، وقلبها إلى مواعظ بالية، ونشاط اجتماعي تافه، وسياسي قذر، يسعى لتسجيل الأرقام في موسوعة غينس، ويدين تسريحات الشعر على طريقة المارينز، ويمجِّد الجهاد في البوسنة والهرسك، ويلعن إسرائيل ويتوعَّدها. مسخوا العزاء جوهراً ومضموناً، وشوَّهوه شكلاً وطريقة! راحوا يلطمون بإيقاع نشاز على وقع أشعار لا علاقة لوزنها وقافيتها باللطم، ما أزرى بالشعيرة على الصعيدين، وما زالوا في هذا حتى أتلفوا الحس والذائقة العامة!

نحن نعرف جيداً خصوم الشعائر الحسينية الجبناء وأعداءها الألدَّاء، أهل الحنق والغيظ على الرثاء والعزاء، ونعرف سر نهضتهم ضد “الرواديد”، سواء من العلمانيين أو الحداثيين كانوا، أم من المتخشبين الأغبياء، مصححي الحديث، الذين لم يسمع لهم صوت يدين تضييع البكاء، وإتلاف محتوى الشعائر وقلبها إلى طقوس سياسية وأنشطة اجتماعية! وهنا وقفة ضرورية: مَن أراد أن يفرض احترامه في هذا الحقل، ويُسمع لأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فعليه أن يحدِّد موقفه من أقطاب الضلال وأحزابه، ومن المرجعيات المزيفة، وإذا كان أقصى الموقف ونهايته هي المواجهة والتصريح، فإنَّ أدنى مراتب ذلك هو الوضوح، وهذا مطلوب في سائر القضايا المصيرية التي تستهدف المذهب والطائفة، ولا سيما إخضاع الحوزة والمرجعية لسلطة الدولة… أما أن يُبقى ذلك في المواربة والغموض ويكتفى بمهاجمة “الرواديد” فهذا غير مقبول، وإن احتجَّ أحد بالتقية، فعليه أن يُعملها هنا أيضاً ويكف عن التدخل، فقد خلق الله للحروب رجالاً، ورجال لقصعة وثريد. إن عرض الاستدلالات الحوزوية وتداولها في مواقع التواصل، مما عمد إليه أحدهم، فنقل كلاماً للوحيد البهبهاني، لا يخلص القارئ إلى مؤداه من فرط اضطرابه في فهم العوام، الذين لن يستفيدوا من “ربما” و”لعل” وأُحجية إرجاع الضمائر! ما هو إلا التشكيك وحيلة العاجز! ولربما تشويه رأس الأصوليين وهو يعرضه بهذا الخطاب المضطرب؟ ولو تدبرت في المشهد وتعمَّقت، لوقفت على سرِّ هذا الأداء، وهو أنَّ الرجل لم يخدم في حسينية، ولم يشتغل في هذا الحقل، فهو لا يعرف مكمن الداء وموقع المعضلة في الأزمة!

هناك فرق جوهري في موضوع النزاع، يخلط بين الغناء والتغني، وبين الكيفية اللهوية وما يناسب مجالس أهل الطرب… إنَّ المرفوض من “الرواديد” هو محاكاة مجالس الفسقة والبطَّالين، وما يزري بحرمة المجالس الحسينية ووقارها، أما نقل الألحان أو الأطوار مما هو مشترك بين الغناء والرثاء، أو مُدرج في المشكوك، فقد أفتى بعض المراجع بجوازه. النقطة الأُخرى هي القفز على البحث في اللائق المناسب، وصبُّه على الجائز المباح أو المحرَّم المحظور! حتى لو جاز التشبه بثياب الغربيين وتقمُّص شخصية دوق ادنبرة، وقلب ندبة الحجة غناءً (مباحاً بفتوى نكرة!)، وجاز الإنشاد بالأسبانية وتوظيف الأغاني الهندية، واعتبارها من اللحن المشترك، فهل يليق هذا بعنوان خادم الحسين، أو بخفر المناسبة وخطر الموضوع؟ هل يليق ذلك بمؤمن ملتزم من سائر الناس، ناهيك بالجنود المرابطين في جبهة الشعائر وثغر الإعلام الديني؟! وماذا عن الأداء الراقص؟! إذا جاز توظيف اللحن المشترك، فهل يليق بخادم الحسين محاكاة خدَر المغنين ونشوتهم التي تظهر في الاهتزاز والتمايل طرباً، والزَفْن والقَلْس، وتخضُّع يوحي بالسكر؟ ومن الغريب الملفت، أن يجتمع هذا التميُّع والتفريط مع نظيره النوعي في الأداء المتهتك الذي قوَّض العزاء في البحرين، ويلتقي في أشخاصهم وكأنهم مشروع واحد!

إنَّ النظرة التجزيئية، التي تقتطع مشهداً من مجموع، وتحاكم أداء “الرادود” على نحو مستقل، ينظر إلى حادث بعينه منفصلاً عن خلفياته وجذوره، تبتره عن علله وأسبابه، وتقطعه عن روافده ودواعي استمراره.. هو خطأ فادح يظلم الشعيرة، ويظلم الرادود الناهض بها. كما أنَّ كلمات الحق التي تنادي بالصورة النموذجية للعمل، والحالة المثالية للعبادة، فلا يبذل في المواكب وينفق على المجالس إلا من مال طاهر مخمَّس، ولا يحضرها إلا ملتزم، ولا يرقى المنبر إلا العلماء الفضلاء، ولا ينشد إلا بضوابط صارمة… نتيجتها الأولى هي سقوط العزاء الحسيني عن الحالة الشعبية التي تحقق الشعائرية، وتحولها إلى أداء نخبوي خاص.

لا يخفى على أحد أنَّ “الرواديد” ـ نوعاً ـ هم من عوام المؤمنين البسطاء، ليسوا من أهل العلم والفضل ولا الثقافة والمطالعة، لا يملكون شيئاً على هذا الصعيد، اللهم إلا ما تلقوه من المنابر والمساجد (هذا لأهلها منهم، وإلا فأغلبهم لا تراهم تحت منبر ولا في صف جماعة!)، كما أنهم ليسوا من أهل السير والسلوك، ولا خاضوا دورات في تهذيب النفس ولا تلقوا دروساً في الأخلاق، ولعلهم لم يطالعوا في جامع السعادات ولا حتى مرآة الرشاد! إنهم ببساطة فتية يتميزون بالصوت والأداء، ارتهن بعضهم طلب المجد والشهرة والمال، كما فعل وكان في جملة من الناشطين في وسائل التواصل، وفيهم طلبة علم ومعممين! يطلون على الساحة بطلعاتهم الغبية كلما فتحت الهاتف الذكي، لم يتركوا جحراً إلا دخلوه، ولا موقعاً إلا ولجوه.

اخترق العدو جبهتهم، فقابلهم بعض هؤلاء بالمثل! نفذ الحداثويون في المآتم والحسينيات وسيَّسوا الحقل الديني، فعمد “الرواديد” إلى أساليبهم وعمدوا لاستعمال أدواتهم وتوظيف وسائلهم، وكل ما يجذب الشباب ويكثِّر الشعبية والسواد! “الرواديد” فئة من عامة المؤمنين، ممن نطق لسان دعاء أبي حمزة فينا وفيهم، سوَّلت لهم أنفسهم وأعانهم على ذلك شقوتهم وغرَّهم ستر الله المرخى، وحصانة عنوان خدام الحسين، فأسرفوا وأغرقوا، وتمادوا وبطروا… كانت المقارنات التي تعقد بين صوت هذا “الرادود” وذاك المطرب، في الطبقة والقوة، وفي العذوبة والجمال، ثم في الأداء والقدرة، هي المدخل الذي أذكى الهاجس في ضعاف النفوس، وباتت حمّىً تنتاب بعضهم، وداءً يلازمهم، وصار أحدهم يعيش في خياله ما يوسوس به شيطانه، أن لو كان مطرباً لكان من الشهرة والثراء أضعاف ما هو عليه!.. هكذا بدأ الانتقال إلى الاستديوهات والاستعاضة عن المجلس واللطامة والمستهلات بإيقاعات ألكترونية ومؤثرات صوتية، وبلغ الأمر أن تحوَّل المجلس الحسيني عند بعض الرواديد إلى مجرَّد قاعة للتسجيل، حتى صار يعقد فيها “بروفات”!وانتقل رهانه في الشهرة والكسب إلى الانتشار في مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات! لحق هذا وصحبه تمثيل وحركات بلغت التراقص، والقدر المتيقَّن أنها خرجت عن الوقار وما يليق بالحزن والافتجاع، وما يفصل مجالس ذكر أهل البيت، عن مجالس اللهو واللعب والسماع.

ومما زاد في اسوداد الأُفق وظلمة الفضاء، أنَّ كل رادود صار يلاحق ابتداع طور خاص به وطريقة تميزه، وأن اتخذ قدوة، فمن وجود افتراضي يكوِّن له حجماً أكبر في المتابعين، وحظاً أوفر من المعجبين! حتى بات الأصلاء الذين يقودون اللطم بوقار الفاجعة ورزانة المناسبة، هم قلة نادرة، يعيشون الغربة والوحشة، والمعاناة التي تدفعهم للالتحاق بقافلة الضلال، وتستحثهم لركوب الموجة الطاغية! ومع الخلط بين هؤلاء وأولئك، والتداخل بين الأُصلاء وبين أشباههم ونظائرهم، وقع الخلط بين الثكلى والمستأجرة، المفجوع الجازع والممثل البارع! وقد تحتاج المسيرة إلى الصنفين وتفتح الشعائر باعها وترحِّب بالنوعين، إذ ليس لأحد أن يطرد داخلاً أو لاجئاً إلى خيمة الحسين، فالقضية من الخطر والضرورة، ما يستدعي كل جهد ويطلب كل فعل ونشاط، وإن كان استعراضياً متباكياً، ولكن دون خلط وتمييع يسقط الضوابط والخصائص، وعلى مَن يقدُم من خارج الوسط الديني، مطرباً كان أو ملحناً ومخرجاً، أن يعرف ويحفظ حرمة البيت الجديد، ويلتزم حدود آدابه وأعرافه وضوابط شريعته وأحكامه، لا أن ينقل الشعيرة إلى أجوائه ويمسحها بطابعه.

لا أحد يدعي أنها أنماط منصوصة ومأثورة، أو توقيفية لا يضاف إليها ولا تتغير، لكن هناك حياضاً وحدوداً تفصلها عن باقي الحقول، على الإخوة “الرواديد” أن يفهموا جيداً ويعوا أنهم ليسوا مطربين ولا نجوم سينما أو كرة قدم، ويعرفوا الفرق بين المنبر والحسينية، وبين المسرح والملعب والسينما. الرثاء عبادة، مثل الصلاة والصيام، ومحوره ما يثير الأحزان ويستدر الدمعة ويبعث على البكاء، ومن يريد قلب العزاء الحسيني الى محض وسيلة إعلام، له أن يُنشئ سينما إسلامية أو كليبات دينية، لينسب نفسه وينخرط في أي حقل يشاء، هذا شأنه، وهو حرٌّ فيه، سيحاسب على خياره ويجازى خيراً بخير وعقاباً بِشر، فهذا كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولكن ليفصلوا أنفسهم عن شعائر العزاء الحسيني، فما يقومون به هو شيء آخر، عمل فني، إعلامي، تجاري، سمِّه ما شئت، ولكنه ليس ولن يكون من الشعائر الحسينية!

قد يؤخذ بعضهم بالشعبية الطاغية وأعداد المتابعين والمعجبين، التي تفوق ما يملكه العلماء الأعلام وحتى المراجع العظام، هذا ليس بدعاً ولا يعكس حقيقة أو عمقاً، بل هو مؤشر لطبيعة البشر، ففي غير حقل الدين، يعظِّم الناس المغنين وتعشق الجماهير نجوم السينما أو لاعبي كرة القدم، بينما تراها لا تقدِّر، بل لا تعرف، مَن اكتشف الأدوية التي تنقذ أرواح أبنائهم المرضى! والسؤال الكبير: كيف عسى”الرادود” أن يطيق حمل الشهرة والنجومية؟! وهو عبء لم يطقه بطل مثل الشيخ عباس القمي، الذي لم يكتب في مفاتيح الجنان عملاً إلا قام به أولاً، ألحُّوا عليه بالتصدِّي لصلاة الجماعة في الصحن الرضوي، فلما رأى حجم الجماعة، خاف على نفسه الإغواء، فانصرف وعزف! بينما “الرادود” فتى ليِّن العظم هشُّ البنية ومضعضع القوام، لا من بيت علم جاء ولا زعامة ولا وجاهة ولا ثراء ومال، ولا أي موجب أن يشار إليه وينوَّه به، وإذا به يغدو وجيهاً، بل يصبح علماً ونجماً، ولربما ملكاً متوجاً يتلهف الناس على منديل مسح به عرقه! ولا أدل على التخلف والسقوط، أن يُقيَّض لأحدهم متابعين ومعجبين بمئات الآلاف ولعلَّه بالملايين، فلا يوظِّف هذه النعمة في غرس مبدأ عقائدي أو حكم شرعي، ولا يمارس ما يعكس إنكار الذات، فيكون قدوة للشباب، يأخذ بيدهم إلى الورع والتقوى والصلاح، بل يقبع في حضيضه ويستنزل اللاحقين به، فيقلدونه في تراقصه وحركاته الإيقاعية، ويقتدون به ويتمنون التاج والمناديل الورقية، ليكون النتاج ـ غير المباشر ـ مسكين أخذته العزة بالإثم فأصر على نشر فيلم مشين له، ولسان حاله من المكابرة والعناد: ليخبط من لا يعجبه رأسه بالجدار أو يشرب من ماء البحر! وهنا تحضر صورة المرحوم عبود غفلة متحزِّماً، يتناول اللبن من زميله ليرصه على جدارٍ يبنيه، يتبلل ثوبه من العرق حتى كأنه غُسل، ثم ينشف من حرارة الشمس… وبعد، فلا أملك إلا الترحم على “صديقة الملاية” وطلب الغفران لها، فقد تركت الحقل لما عزمت على الغناء، ولم تسمح بالتداخل والتشويه، ونزَّهت مهنتها الشريفة عن لوث ما انتقلت إليه!

ولعمري، فالمشهد يستحضر الوعي العميق للميرزا التبريزي الذي منع التصفيق في المواليد، وكيف كان يدرك أنَّ الشيطان يعمل بسياسة الخطوات، “خطوة فخطوة”، وأن الباب التي افتح على تمييع الخطوط وتداخلها مع مجالس أهل اللهو والطرب يجب أن توصد بل تُسد ببناء جدار. إنَّ نزاهة المجالس وتشخيصات الغيارى من القمم الشامخة كالوحيد الخراساني دام ظله والميرزا التبريزي قدس سره، ومن ورائهم الأشداء الذين نهضوا بالحروب العقائدية والمعارك الولائية، هي ما ينبغي أن تمضي عليه الساحة، وإلا وقعت في تشخيصات الحزبيين ومن يدور في فلكهم ويرفد نهجهم ويصب في خزائنهم. إن أي تراخٍ وتسامح على هذا الصعيد يجعلنا شركاء في مأساة تدمير الشعائر الحسينية والعياذ بالله.

Posted in

التعليقات