من الأداء المشهود والنهج الملحوظ في سيرة أئمة الهدى عليهم السلام، في تربيتهم شيعتهم وتأديبهم أصحابهم، بل في وضع أُسس المذهب الحق، وتشييد معالم الفرقة الناجية، بعد إكمال الفقه وضبط الشريعة، وإنجاز ما يمثل القوام الثابت والأساس المكين، من خلال منظومة تامة، تشمل جميع الأحكام، من الطهارة إلى الديات، عبادات ومعاملات، مع إرساء أُصول وقواعد للاجتهاد، تتيح التوسع والأخذ بما يواكب العصور المختلفة، ويفي بحاجات الأزمنة المتغيرة، ويسمح بالاطراد، كل ذلك بإحكام وسداد لا يمكن اخترامه بثغرة، ورشد وصواب لا يُنال منه بغمز وتلويح ناهيك بمواجهة وتصريح… مع بناء هذا الخطير وإنجاز هذا العظيم الجليل، كان لهم صلوات الله عليهم ـ على نحو موازٍ ومقارن ـ سعيهم على غير صُعُد، عقائدية إيمانية، وأخلاقية تربوية. ومن ذلك عملهم على ما يحقق الموازنة والمعادلة بين ركني: الولاية والتوحيد، وحرصهم الشديد أن لا يطغى أحدهما على الآخر بما يبخسه حقه، وتترسخ مكانته على حساب صنوه وعِدله، ولا سيما عند الانتقال بهما من مقام المعتقَد الذي ينطوي عليه القلب، ويعيشه المؤمن في دخيلته، إلى الظهور في الممارسة العبادية، الفردية منها والشعائرية. هذان الأصلان، يمضيان في المذهب، وفي نهج أتباعه، على نحو متعادل متوازن، تماماً كما يمضي أو يحضر “الثقلان” (الكتاب والعترة) في الوجدان الشيعي، فإنَّ ذاك استلَّ وأُخذ من هذا، فهما ينتهيان، في الكُنه والجوهر، إلى حقيقة واحدة، فأهل البيت هم القرآن الناطق، والولاية هي التجلي الأتم والنهج الأقوم للتوحيد.
من هنا تجد في مقابل جرعات الولاء ورشفات عشق أهل البيت، التي تحمل مقاماتهم، وتشتمل على فضائلهم، تقوم بعرضها وتنهض ببيانها، وتنزلهم في مراتبهم التي رتبهم الله فيها، مما تلقاه بوفرة في الأحاديث الشريفة، وتراه بإشباع في نصوص المزار والتوسل والتشفع بهم، وما خلص إلى بُنية كلامية وأُسس عقائدية، تصف تلك الحالات وتكشفها وهي تعرضها، وتقدِّم “الإمام” في إطار القدرات الخارقة، والمميزات الاستثنائية، والصفات العجائبية… مما جعله الأعداء والخصوم، وحتى بعض أبناء الطائفة من الحسيين والقشريين، منفذاً للمز والغمز، واتخذوه حربة لطعن الشيعة بالغلو والشرك!.. في مقابل هذا التراث الثري الذي يبني ويرسخ الولاء، هناك، بعد أحاديث ونصوص التوحيد، ركن متكامل يحمل عنوان “الدعاء”، يقدِّم، هو الآخر في تراث غني عريض زاخر، جذوات توحيدية، تتقدَّم تلك الباقات، وتواكب هاتيك الجرعات، تقودها كمصابيح تضيء درب المتزوِّدين العاملين بها، وتصاحبها كقبسات تشعل مواقد إعداد الطاهر الزكي من الطعام المتخذ منها! وهي على درجة من التفوق والألق، ومستوى من العظمة والرفعة، لا تجده في أي مدرسة أُخرى غير مذهب أهل البيت عليهم السلام، ودع عنك مخترعات الصوفية، والمادة الهزيلة التي يقدِّمونها على هذا الصعيد، فالكلام هنا عن تراث زاخر يحوي نصوصاً مسبوكة في قوالب في غاية البراعة والبلاغة، وبيان في قمة الإحكام والجودة، ومضامين في منتهى العمق العقائدي… ما انتزع لقب “القرآن الصاعد” بجدارة، ورفد الشيعة، على مدى الدهور، ووفَّر حاجتهم على هذا الصعيد، وأورثهم روحانية ورقة لا تجدها في غيرهم.
ويكفيك أن تتناول “مفاتيح الجنان” الكتاب الأكثر تداولاً بين الشيعة اليوم بعد المصحف الشريف، وتنظر في نصيب التوحيد فيه على باقي معالم الدين، لتقف على هذه الحقيقة، وتتأمل في نصوص أدعية “الصباح” و“كميل” و”العشرات” و”السمات” و”المشلول” و”يستشير” و”المجير” و”المناجاة الشعبانية” و”المناجاة الخمس عشرة” وعموم أدعية الصحيفة السجادية، وأدعية شهر رمضان والسحر وليالي القدر، ولا سيما “أبي حمزة الثمالي” والتسبيحات والأذكار، ناهيك بالأدعية اليومية وتعقيبات الصلوات… لتقف على هذه الحقيقة.
وكما حقق ذلك التوازن والتعادل بين ركني التوحيد والولاية، مما ترى الحرص عليه في الغاية والنهاية، وتجري مراعاته في كل موارد الضرورة، من قبيل أنهم يقدِّمون على الزيارة الجامعة مئة تكبيرة، حذر ما فيها من مضامين ولائية، قد يخطئ مؤمن ساذج في فهمها وتلقيها، فوجب تحصينه بجرعة مركزة من التهليل والتكبير الذي يعالج الاحتمالات، ويسد منافذ الشيطان، ويقطع طريق الجهالة ونزعة الاستعراض والاستئكال التي يسقط فيها بعضهم، فيجعل المزايدة سبيله، يغالي ويفرط، يحسب أنه تفوَّق في الولاء وغلب في التمسك به!..
إضافة لهذا، قام بقطع الطريق على قذف المذهب ورميه، وحال دون الافتراء بالغلو والشرك على أتباعه. إنَّ تعظيم كتاب الله والتشفُّع به إلى جانب عِدْله وثقله، بوضعه على الرؤوس وتلاوة الدرر من النصوص، وكذا فقرات الجوشن الكبير من قبيل فصله الخامس والثلاثين :”يا مَن هو في عهده وفيّ، يا مَن هو في وفائه قوي، يا مَن هو في قوَّته عليّ، يا مَن هو في عُلوِّه قريبٌ، يا مَن هو في قُربه لطيفٌ، يا مَن هو في لُطفه شريفٌ، يا مَن هو في شرفه عزيزٌ ، يا مَن هو في عزِّه عظيمٌ، يا مَن هو في عظَمته مجيدٌ، يا مَن هو في مجده حميدٌ”. أو الثامن والخمسين: “يا مَن في السَّماء عظمته، يا مَن في الأرض آياته، يا مَن في كلِّ شيء دلائلُه، يا مَن في البحار عجائبه، يا مَن في الجبال خزائنه، يا مَن يُبدئُ الخلق ثم يُعيده، يا مَن إليه يَرجِع الأمرُ كُلُّه، يا مَن أظهر في كلِّ شيءٍ لطفَه، يا مَن أحسَن كلَّ شيءٍ خلقهُ،يا مَن تصرَّف في الخلائق قدرته”… كفيل بدحر وإبطال حجة كلِّ إرهابي تكفيري يستبيح دماء الشيعة ويرميهم، بعد كل هذا التوحيد، بالشرك؟! فهذه الفرية تفقد كل قوامها ومادتها أمام طقوس وشعائر تحمل القرآن على الرأس وتقضي الليل بالتضرَّع وتكرار: “يا مَن خلقني وسوَّاني، يا مَن رزقني وربَّاني، يا مَن أطعمني وسقاني، يا مَن قرَّبني وأدناني، يا مَن عصمَني وكفاني، يا مَن حفظني وكلاني، يا مَن أعزَّني وأغناني، يا مَن وفَّقني وهداني، يا مَن آنسني وآواني، يا مَن أماتني وأحياني”؟!..
إنَّ موقف المستبصر النزق، الذي ندب إلى طرح قراءة دعاء الجوشن الكبير في ليالي القدر، وحذفه من الحضور والظهور في التجمعات الشيعية الشعبية، وإلغائه من الحالة الشعائرية التي تحكم هذه الليالي، توفيراً ـ في زعمه ـ للوقت، والتماساً للأهم الأنفع!.. يبعث على الريبة، وكأنه يتعمَّد خلع درع التوحيد عن المؤمنين، وسلبهم إحدى أتم وأوضح الحجج التي تسقط في يد كل مفترٍ على الشيعة وطاعن عليهم بالشرك والغلو.
قد يُحمل موقف الرجل على حداثة سنِّه، وخُرْق وسفَه دفعه لقحم ميادين لا مؤونة له فيها ولا خبرة، بل لا شأن له بها ولا علاقة. وكذا على طلب الشهرة، وديدنه في تعمُّد ما يثير اللغط والصخب، ويلفت الأنظار ويجتذب الأضواء، مما هو مستغرق فيه على غير صعيد، متهالك على أسباب جذب الذباب، واستقطاب الخاوين من أنصاف المثقفين… وأنه سيترك هذه الشيطنة إذا رزق الولاء الخالص من كل وليجة دونهم، سياسية أو جهادية، وكل مطاع سواهم، يرقص على ألحانه في عداء شعائر عزاء سيد الشهداء. لا يعنينا ذلك ولا يهمُّنا، فالقضايا الشخصية والشؤون الخاصة للأفراد، هي في نفسها من حبائل الشيطان، ومواطن الاستدراج إلى ما يصرف عن الجبهة الحقيقية للصراع. الأمر هو في ما يتهدد المذهب والطائفة، من المتوغلين والمتسللين، ومن المقولات الباطلة التي قد تغوي وتخدع المؤمنين.. ومَن يريد أن ينزع عنا الجوشن، ولك أن تراجع اللغة لتقف على الوجه في هذه التسمية، والسر في هذه الدرع السابغة والجُنة الواقية التي خلعها علينا الإمام، ترد عنَّا حراب التكفيريين وسهام الجاهليين.
التعليقات