في الساحة الإيمانية المعاصرة، آفات سائدة وأمراض متفشية وظواهر غالبة، ستشكِّل في زمن الظهور مادة افتتان وعنصر إغواء وسقوط في الامتحان!حوانيت وراء تكتُّلات، متاجر صنعت تيارات، رايات ترفع وأحزاب تسود، أوثان تُعبد وزعامات تقود، تيه اتَّخذ إلهه مرجعه، ضلال جعل ربه رئيسه، زيغ نصب حزبه بيضة الإسلام، وشططٌ صنَّفه ملجأ الملة ومأوى الأنام، ثم غيٌّ رسم خطوطاً حمراء دون أُمور، وجهالة ضربت نطاقاً حول رؤى وأفكار، جعلتها شروطاً للإذعان لإمام الزمان! فالإمام الذي يثير الطائفية ولا يعرف السماحة، لن يكون الموعود المرتقب، والمصلح الذي يبدِّل الأحكام ويعدِّل موضع الحِجْر والمقام، لن يكون المهدي المنتظَر، والقائم الذي يسرف في القتل وينشغل بالانتقام، لن يكون الذي يقيم العدل الإلهي ويحقق السلام! سينظر قوم إلى الإمام “بشرط نعم” و”بشرط لا”، كم هو قريب من نهجهم وفكرهم، ومنسجم مع ميولهم وأهوائهم؟ ليتخذوا بعدها قرارهم ويحدِّدوا مكانهم… فلا ينجو في هذه المحنة إلا مَن آمن بالإمام ووالاه “لا بشرط”، تسليم تام وخضوع مطلق.
هناك مغرمون بالمبتدَع المختَرع، مولعون بالمنمَّق المزخرف، يلاحقون كلَّ جديد في الدين، ويتبعون كلَّ مُحدَث في المذهب، على غرار ما يجري في عالم الفن وصيحات الأزياء وحمَّى الكماليات وكافة مناحي الحياة… يريدون أن يعيشوا بهجة دنياهم ويتمتعوا بزهرة حياتهم. وحتى يسوِّقوا بضاعتهم ويبقوا في دائرة الفعل والتأثير، أو حتى يأمنوا تأنيب النفس ووخز الضمير، تجدهم يحرصون على التزام “دين”، ويتمسَّكون بغطاء من شريعة وعقيدة… “دين” يبرِّر لانحلالهم ويتبنَّى مادِّيتهم، يواكبهم ويماشيهم، لا يعرقلهم أو يرجع بهم القهقرى! فإن عزَّ، اخترعوا وابتدعوا، حرَّفوا في المبذول وزيَّفوا، نسبوا إليه ما شاءوا وأدخلوا فيه ما أرادوا. ولا يأبون ـ في هذا السبيل ـ أن يأخذوا عن منحرف مثل آصف محسني، ولغ في دماء المؤمنين في مذبحة “أفشار” التي قضى فيها أكثر من ثمانمئة مظلوم في يوم واحد! يأنسون بآرائه، ويطربون على نشازه، ويرون في ركام أعدَّه لطمر “البحار” علماً وتحقيقاً! لا يبالون بهذا، ولا يكترثون أن يأتوا الكنيف فيلطخهم لوث ونجاسة خبيث مثل حيدر حب الله، نصب نفسه محامياً لأبناء الزنا، وما يحرِّر أعداء آل محمد من وصم أنسابهم وعار أحسابهم! ولا يعبأون أن يلحقوا نكرة لا يُعرف له دين ولا فضل، يقدِّم “دراسات” يُبطل فيها ما أخذه الشيعة عن الكليني والصدوق وتلقَّوه من الطوسي والمفيد، ومضوا فيه على نهج الحلي والمجلسي، يطالب في مفهوم خطابه ومؤدَّى نشاطه، تجاهل الأعاظم ونبذ الأساطين، والتنكُّر لأعلام المذهب، يعمل على طمس علومهم ومنع الأخذ عنهم، ولسان حاله: “أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون”، والحجة: “باب الاجتهاد مفتوح، ولم نعد سنيين”! كأنهم يُفرغون عُقَدهم ويستفرغون قيأهم من فاسد ما طعموه أعمارهم! وكأننا ـ في المقابل ـ مضينا لأكثر من ألف عام ونيف على إيمان خاطئ بعقائدنا، وفكرة باطلة عن كُتبنا، ورأي واهن في معرفة أحاديثنا ورجالاتنا، أنتج موقفاً مفرطاً في أبي لؤلؤة، وعقيدة مغالية بمنازل ومقامات الأئمة، حتى جاء مجهول غامض وغريب مريب، مصروع بالشهرة، متكالب على الدولة والسلطة، ليُصحَّح ديننا ويقوِّم مذهبنا!.. فيلحقهم كلُّ ضحل من محدثي نعمة العقيدة والالتزام، طارئ على العلم والإيمان!
تُرى، كيف سيواجه هؤلاء الإمام وهو يضرب بكل هذا الهراء عرض الجدار؟ ويعود بالدين خالصاً نقياً، غضّاً طرياً، كيوم جاء قبل عشرات القرون؟ بل بالحياة إلى بساطتها وبدائيتها: خيل وبغال وسرح على جمال، السلاح سيوف ودروع، والحرب بِراز ونزال؟! حتى بيوت الله، سيهدِم أبنيتها ويصيِّرها كعريش موسى! ألن يتَّهموه بالتخلُّف والرجعية، وإعاقة ركب الرقي والمدَنيَّة؟ ألن يرموه بعداء الحضارة وقد عرفوها مادية؟.. هكذا سوف يسقطون في الامتحان! فإن سلموا من هذه، ماذا سيفعلون بالمادية الحسية التي تتملكهم، يحسبونها من العلم والعقل، قضوا حياتهم يتنكرون للخوارق، يُسخِّفونها ويفنِّدونها، ويتعسَّفون في التماس وجه حسي للثابت الذي لا يُجحد منها؟.. كيف سيرون المعاجز المتلاحقة التي ستظهر على يد المهدي، وأدناها أنَّ جنده إذا اعترضهم بحر أو خليج، “كتبوا على أقدامهم شيئاً ومشوا على الماء”؟ ألن يرموهم بالسحر والشعوذة؟ ألن تأخذهم الأفكار التي ترسخت فيهم إلى قول: “اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم”؟
وللحداثيين هؤلاء إخوة في الالتقاطية ونظائر في التنكُّر للهوية، يقولون بـ ”عبير الرحمة”، كيَّفوا نهجهم مع معايير دول ترعاهم ودوائر تدبِّرهم، ينادون بالسلم ونبذ العنف، ويدينون بشرعة الأُمم المتحدة لحقوق الإنسان… كيف بهم إذا قرع سمعهم: “أمِت أمِت، يا منصور أمِت”؟ وتحقق قول الباقر عليه السلام: “يذبحهم ـ والذي نفسي بيده ـ كما يذبح القصَّاب”؟ ثم رأوا “تغيُّر ماء الفرات بالدم، ونتن حافتاه بالجيف”؟ تُرى ألن يقولوا: “لو كان من آل محمد لرحم”؟!
هناك تيار عريض انخرط في الحركة الإسلامية، أخذ بمبادئها والتزم أُصولها، المعلنة في الوحدة، والخفية في اللامذهبية، ومن أخطرها إلغاء التبري من قاموسها، أو حسْره عن التاريخ وإزالته عن البُنية الروحية، ثم إسقاطه على الواقع السياسي المُعاش، وحصر إعماله على الأعداء الفعليين للحركة! وقد ترعرع هؤلاء على هذا الفكر وترسَّخ فيهم جيلاً بعد جيل. كيف سيواجهون مظاهر تنسف مقولاتهم وهي تنبش التاريخ؟ بل تنبش القبور وتخرج الأموات من أعداء آل محمد! تصلبهم على جذوع يابسة فتخضرُّ! ألن يحسبوها كرامة تدلُّ على رضا الله؟ وقد ترسَّخ فيهم أنَّ للقوم حسناتهم، وأنهم ليسوا بهذا السوء الذي يصفه تراثٌ دسَّ فيه “الغلاة”، وجمعه “التشيُّع الصفوي”؟ كيف سيفعلون حين ينادي المنادي: فلينفرد كل من أحبهما ويتنحَّ جانباً، فتتجزَّأ الخلائق جزئين، أحدهما موال والآخر متبرئ، فيقتل المهدي كلَّ مَن لم يتبرَّأ؟!
وبعد، هناك المتقدِّسون المتخشِّبون، الذين يؤخِّرون “الإمامة” عن أُصول الدين، يقدِّمون عليها قدس الأحكام الشرعية وحُرمة أركان الإسلام، وقد ترسَّخت عندهم كمعالم للحق وأمارات للصواب… كيف بهم إذا رأوا المهدي يمارس ما لا يستقيم في الفقه، ولا يوافق أُصول الاستدلال والصناعة! يصادر أملاك الإقطاعيين، ويقضي بلا بيِّنات، لا شهود ولا أيْمان!؟ يُعرِض في المواريث عن الولادة والنسب، ويبني على القربى في “عالم الأظلة” والأخوَّة في الدين والعقيدة!؟ يقتصُّ في الجريمة ممن لم يباشرها ولم يشترك فيها، فيقتل ذراري قتلة الحسين، لرضاهم القلبي بأفعال آبائهم، بل أسلافهم الغابرين في أعماق التاريخ! وفي صريح كتاب الله “ولا تزر وازرة وزر أُخرى”؟!
ماذا سيفعل “القرآنيون” أضراب الحبتري الذي أسقط الحديث تمسكاً بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟ ومعهم المأنوسون بالتلاوة وإحياء أمسيات التجويد ومسابقات الحفظ والترتيل؟! وهم يشهدون المهدي “بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد على العرب شديد”؟ يقرأ “كتاب الله عزَّ وجل على حدِّه، ويخرج المصحف الذي كتبه علي”؟! لعمري، كيف بهم والعجم في فساطيط مسجد الكوفة “يعلمون الناس ما مُحي منه. سبعون من قريش، بأسمائهم وأسماء آبائهم، وما ترك أبولهب إلا للازراء على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه عمه”؟
ماذا سيفعل “المتنوِّر” الذي ناصب الشعائر الحسينية العداء، قضى حياته في السخرية بأنماط العزاء، والاستهزاء باللطم والرثاء… حين يُخرج المهدي طفل جدِّه الرضيع من قبره، ويرفعه أمام جيشه لينفجروا بالبكاء وتضج الأرض عولة وفجعة، وتقام مناحة طالما سخر من أمثالها؟ هل سينقلب “الإصلاحي التنويري” على فكرته وعقيدته، ويعود عن رسالته؟ أم سيرى ذلك تكتيكاً إعلامياً وخطاباً تعبوياً يحشد به الإمام العوام؟ وأنه لا يختلف في هذا عن غيره، فهو يمارس أساليب الرجعيين وتكتيكات السياسيين! فيكفر لهذا الخاطر ويهلك في الآن!؟
إنَّ الأعور الدجال لم يُذكر في رواياتنا إلا نزراً، ولعلَّه “حالة” أكثر من أن يكون شخصاً، والعوَر فيه إشارة إلى طبيعة حركته وما يقدِّمه من نظرة إغماضية ورؤية إضلالية، تجانب الصواب والموضوعية. وكذا ما جاء في سلوكه، قد يكون إشارة إلى إغواء الناس بالدنيا وحطامها: طعام يُنقذ من جوع، وأمان يُنجي من خوف، ثم جاه وسلطة وقوة وشُهرة… إنَّ أخطر ما تقوم به الحداثوية وتيارها الإضلالي حين تنادي بالعقلنة والعلمنة، وتطوير الدين وصبِّ عقائده وأحكامه في قوالب تواكب العصر، تغوي الجمهور بالحركية والثورية والقرآنية وحق الاجتهاد والسلمية والانفتاح والتعددية التي تعمل على تنشئة المؤمن وتكوين بُنيته في قالب مطاطي مرِن بعيد عن “القول الثابت”، مما هو ـ في حقيقته ـ عطاء وثمرة “شجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار”… أنها تعمد إلى ذلك كله عبر زرع حبِّ المال والشهرة والسلطة، وهذه هي مادة الأعور الدجال وبضاعته، وهو ما يشكِّل أحد أركان مجابهة الإمام المهدي، ويكوِّن أحد أقطاب محاربة نهضته ومعارضة دولته!
هناك من صاغ شخصيته وأرسى وجوده وبنى كيانه في الساحة الإيمانية، على مبدأ الانفتاح وتكوين شبكة علاقات، يتواصل مع القاصي والداني، ويتعاون مع القريب والبعيد، لا يرقب ضلالاً فيمن ينفتح عليه، ولا يلحظ فساداً فيمن يتعاون معه. أحزاب ومنظمات، زعماء ووجهاء، مشايخ وعلماء، رواديد وخطباء، متهالكون على الشهرة والمال، لا يبالون، في سبيل سطوع نجمهم ونماء أرصدتهم، اندراس الحديث ومحق التراث، ولا يعبأون بانهيار الحوزة العلمية وتقويض بُنية المعارف الدينية، ولا يكترثون بتعطيل الشعائر أو نقلها إلى نطاقات توهنها وتزري بها، تلحقها باللهو ومجالس البطالين.. إن الاصطفاف “الطبيعي” لهؤلاء سيكون في جبهة السفياني والبترية والأعور الدجال!
هذه هي النار التي حذر النص الشريف في الزيارة منها: “وبرئت إلى الله عزَّ وجلَّ من أعدائكم، ومن الجبت والطاغوت والشياطين…. (إلى أن يقول:) ومن كل وليجة دونكم وكل مطاع سواكم، ومن الأئمة الذين يدعون إلى النار”. إنَّ أمامنا جميعاً أخطار وأهوال، فصول متلاحقة من الفتن وصوَر متنوِّعة من الابتلاءات، تتناغم كل واحدة مع هوى المرء وشيطانه، أين يكمن وفيمَ عساه أن يظهر… ولا تحسبن مبالغة أو تهويلاً طال الأمر هنا، فلإدراك حقيقة الخطر، يكفيك النظر إلى شخصيات سياسية في واقعنا المعاش، وهم كتل من الكذب والدجل، وبؤر من القذارة والوضر، ومع ذلك ينخدع بهم الناس ويلتفُّون، حتى ينتخبونهم ممثلين عنهم في المجالس النيابية!
ستتوالى الصدمات وتتعاقب المفاجآت ولن ينجو إلَّا من وطَّن نفسه على التسليم المطلق للإمام. وهذا لن يأتي ويكون إلا بعد إيمان راسخ بخصائصه ومنزلته وقدراته ومكانته، ورأس ذلك وعماده أنه العلة الغائية للخلق والوجود، وأنَّ الله تعالى ما خلق سماء مبنية ولا أرضاً مدحية…. إلا في محبته عليه السلام.
إنَّ المواقف في تلك الساعات الحرجة تتبع عملية تربوية تراكمية عميقة وبعيدة المدى، وطَّنت النفس على حبِّ أُمور وكُره أُخرى، ورسَّخت فيها ميولاً وأهواءً، وكوَّنت قناعات… لن تكون قراراً فورياً يمتثل لرغبة عاجلة منفصلة عن ماضي المرء، ولا طاعة لإرادة مبتورة عن خطِّه وتوجهاته، فيكره شخصاً أو يحبه، يستسيغ شيئاً أو يمجه ويمقته، وفي مرحلة أكثر تعقيداً، يمارس شيئاً ويزاوله، يلتزم طاعة أو يترك معصية، مما نشأ عليه وترعرع، ثم يكتشف فجأة فسادها، ويقف على بطلان كل ما بناه وجمعه، فيعيش الإفلاس وخلو اليد والوفاض، والاضطرار للأخذ ممن كان يزدري ويمتهن!
إنَّ القضية المهدوية في حاضرها ومستقبلها، عند الظهور الشريف، أمر في غاية الغموض والإبهام والتعقيد، مُغرِق في الغيب، منقطع عن أي قراءة وتحليل، كما هو الأمر في حركة الأُمم والمجتمعات، ومصائر العباد ومآل الدول والبلاد. شيء يدور في فلك سفينة تُخرق لمنع مصادرتها ووضع اليد عليها، وغلام يُقتل لمنع وقوع جريمة قادمة تفتك بأبوبه، وجدار يُقام ليحول دون كشف كنز تحته سيغتصبه ملك ظالم!.. والناس يريدون أن يقرأوا الحوادث ويستطلعوا الظهور الشريف بلغتهم السطحية الساذجة، ومنطلقاتهم الالتقاطية السقيمة.
إذا لم يجعل المرء الولاية محوراً ومرتكزاً لحياته، لا الصلاة ولا الصيام، لا القرآن ولا الأحكام، لا الكعبة ولا المقام، لا شيء من معالم الدين التي تلقيناها كأصول ونشأنا عليها كثوابت ومعايير… فإنه سيكون في معرض الهلاك. المعيار والمحك الوحيد هو الإمام، القول قوله والأمر أمره. هذا بطبيعة الحال بعد الفراغ من لوازم ذلك ومقدماته، من التوحيد والنبوة.
علينا أن نوطِّن أنفسنا ونربِّي أبناءنا على أنَّ قمة الوعي والبصيرة، وتمام العلم والحكمة، هي الطاعة العمياء للإمام، وأن لا ثابت ولا أصل إلا شخصه النفيس وإرادته الإلهية، هو الدين وهو الحق، نركز هذا في نفوسنا حتى يغدو طبعاً وسجية وصفة لا تتبدَّل، وعقيدة ثابتة وملكة راسخة لا تزول. وهذا لا يكون إلا بممارسة ومزاولة، وتكرار ومداومة. وفي الحديث عن أبي عبدالله عليه السلام: “من سَرَّه أن يستكمل الإيمان كله فليقل: القول مني في جميع الأشياء قول آل محمد، فيما أسرُّوا وما أعلنوا، وفيما بلغني عنهم وفيما لم يبلغني”.
التعليقات