أطلعني أحد الإخوة الغيارى على حوار يجري بينه وبين مجهول “افتراضي”، منتحل هوية ومتنكر بشخصية، يُسقط دعاء الجوشن، ويشكِّك بعده بالمناجاة الخمس عشرة والصحيفة السجادية ودعاء الصباح وحديث الكساء، ويغالب ليُحدث قواعد ويُرسي ضوابط تسقط مفاتيح الجنان والمصباح والإقبال وجملة كتب الدعاء، ما يقوِّض ركناً أساساً في المذهب، يخرج الناس من الروحانية إلى جفاف الحسيَّة، ومن نداوة العمل والأمل إلى الرتابة والإحباط، ومن الإيمان والولاء إلى الشك والارتياب، فالتعس والشقاء! وما انفك الرجل، بلغة ملؤها خُرق الثقة بالنفس، وتمام السفه والحمق، يدعو للمناظرة، وينادي بالبحث العلمي!.. غافلاً، أو متغافلاً فمستغفلاً، أنَّ للدين حقل تخصصي ونطاق بحثي استشاري، هو الحوزات العلمية وحلقات الدروس الدينية، تجري فيها الدراسات وتدور الحوارات، ولربما وقعت الاختلافات واحتدمت النزاعات، وهناك تكون الاستدلالات الفقهية، وتداول الآراء العقائدية، ومناقشة أسانيد الحديث والنظر في أحوال رجاله، وما إلى ذلك من خلفيات بناء المعارف الدينية واستنباطها.. لتُقدَّم المخرَجات والخلاصات للساحة الإيمانية كرسائل عمليَّة للمراجع العظام في العبادات والمعاملات، وكتب في الدعاء والمزار لذوي الشأن والباع، وكذا في التفسير وعلوم القرآن لأهله ورجاله، وفي الفلسفة والحكمة لأربابها وأتباعها.. ثم مساحة منبسطة مبذولة للمتبنيات الدينية التي لا تخضع للتقليد. في المجموع هي حالة أشبه بالمعمل الذي تجري فيه التجارب والتحليلات، وتعدُّ العناصر الأولية التي تركَّب منها العقاقير والأدوية، فتخلص لنتائج ومعالجات تقدَّم للناس، تلبي حاجاتهم وتداوي أمراضهم. أو قُل هو المطبخ الذي يُعدُّ فيه الطعام الزكي والغذاء الروحي، ويقدَّم لمتناوليه على مائدة الطاعة والقربة إلى الله تعالى.

المحدَث المستجد على هذا الصعيد، هو الخلط بين النطاقين، فما هو من شأن الحوزة بات العوام يتداولونه ويناقشونه، أُمور تخصصية وقضايا علمية، دقيقة وعميقة، غدت الألسن تلوكها، والمحافل الشعبية تتناولها وتخوض فيها! وفي المقابل، نفذ العوام بخطابهم وتوغلوا بثقافتهم وأدواتهم في الحوزة، وأصبح لعوامل السياسة ووسائل الإعلام والتواصل دورها وتأثيرها في توجيه الطلبة وخلق حركات وتيارات وتأسيس نوَيات أحزاب، وإن عجزت، أو تعجَّلت فكأنها وُلدت ميتة وسقطت قبل أن تَدرُج، لكن محض المحاولة والجرأة في التعدِّي على الحوزة والسعي لاختراقها، هو خطب لا ينبغي الاستهانة به، ولا سيما مع ملاحظة الدور “الأمني” وخطط الدوائر التي كانت تبتعث، ضمن مشروع “الربيع الحوزوي” أو “الربيع المذهبي الشيعي”، الموازي لحراك “الربيع العربي”، مجموعات من المثقفين الشيعة وغير الشيعة (بغطاء المستبصرين)، للبقاء في الحوزة فترات متقطعة، تمتد بعضها لأشهر ولربما سنوات، يكوِّنون فيها علاقات ويبنون جسوراً حسبها بعض العلماء والفضلاء بريئة، وتفاعل معها آخرون طمعاً في ما تحمل من مال وشهرة! هكذا حصَّل هؤلاء معلومات لا علوماً، وصاروا يلمُّون بمصطلحات لا حقائق، وحظوا بنزر يتيح لهم لغة “علمية” توحي بمعرفة واطلاع! ولا سيما أنَّ بعضهم استقر في الحوزة وانتسب ـ بالفعل ـ إليها، اكتفى بمقدمات مهلهلة، وثقافة عامة رثَّة، صبَّها في محاكاة الواقع وما يتوهمه من “العقل”، وعاد معمماً يحمل خطاباً شعبوياً بمسحة علمية، ولغة تخصصية بلهجة عامية، قريبة من الشباب، خلقت زخماً استقطبهم. ولربما وظَّف نهجه الأكاديمي في تقديم بحوث ودراسات، لفتت إليه الأنظار. ولا يُغفل تأثير الدوائر في دعم هؤلاء، سواء عبر جيوش الذباب الألكتروني، أو بإفساحها لانبعاثهم، وعدم ممانعتها من بروزهم واجتماع الشباب حولهم.

تخطَّى بعضهم المقدمات والسطوح، وهو يقفز على مراحل التحصيل ويطفر كعلجوم أو كنغر! ولعله طواها بسرعة الخفاش والسلوقي، لا تدري متى بدأ حتى أخذ يفتي، ولا ما قرأ حتى صار يصحِّح الأسانيد ويسقط رجال الحديث، فبلغ في خمس ما يُستغرق في العادة خمسيناً! هكذا بتنا أمام ممارسة ميدانية فجَّة لهذه الفوضى، وصورة صارخة للتداخل بين النطاقين، وصارت تلك العلاجم والسلوقية، أو الزعاطيط كما باتوا يُعرفون في الحوزة، تطالبك بردِّ شبهاتهم، وتدعوك لمناظرتهم في تويتر والفيسبوك!

إنَّ الخلفية التي ينطلق منها هذا المشروع، والملاكات المطروحة في علل وجوده وفلسفة ظهوره، هي عينها في الحركات الضلالية السابقة: عقلنة المعارف الدينية، إصلاحها وتنزيهها، تنقيتها من الأساطير والخرافات التي تشوهها… ولعمري، الإسرائيليات! إنه الذئب نفسه، لكن بثياب الحمَل ووداعة خطابه أو ثغائه! ففي الحقيقة والعمق، هي حركيَّة وفضلاوية مقنَّعة، فلا فرق بين هذا التيار الجديد المحدَث وبين فضل الله والحيدري وحب الله وأضرابهم، لا في الأفكار والأهداف، ولا في الطريق والنهج، اللهم إلا مداخل مستحدثة للمناورة، وأساليب جديدة في المنازلة، ثم في اللاعبين الجدد والجنود الأغرار (حتى أنَّ القادة من “الحرس القديم”، آثروا أو أُمروا بالاختفاء وعدم الظهور مطلقاً!)… فقد انتقل القوم من الاكتفاء بالإثارة وكسر حاجز الخطوط الحمراء، مما كان يعمد إليه فضل الله عبر التساؤل والتشكيك، إلى الحرص على إثبات المدعى وبلوغ الغاية في التبني، وتجاهل الردود المتلاحقة، وإن صفعت المدَّعي وطرحته أرضاً، وأبطلت دعواه ونقضتها جملة وتفصيلاً. كما انتقلوا من التحدِّي العشوائي وفوضى الإثارة، التي كانت طابعاً لممارسات الحيدري، حتى أخذته من تلقائه نحو الخروج الطوعي من المذهب، إلى الهجوم المنظَّم الذي يقصد أهدافاً محددة، ويرمي حصوناً معيَّنة، لا يتقدم إلى غيرها حتى يُسقطها ويحتلها. وهكذا من النصب والفجور في الخصومة والعداء الذي ظهر في أداء حيدر حب الله، إلى مسحة اعتدال، بل ولاء، يتصنَّعها أو يعيشها فعلاً بعض هؤلاء! وقد جاء البديل في مستبصر ما زال نتَن النصب يفوح منه، وصديد النشأة يتسرَّب أينما وطأ، ويظهر حيث خطا وحضر، ومعه أحمق ألكع يريد أن يكون بخاري الشيعة، تمج ذائقته قولاً منسوباً لأميرالمؤمنين، فيصنع من سقيم مزاجه ويفذلك من عليل ذائقته ما يتوهمه دليلاً عقلياً، يُسقط فيه القول، باتاً جازماً! وثالث يذكرك فرط ورعه وتقواه، وألق وقاره وسمته بابن الأزرق أو ابن الكوَّاء، قبل أن يكون منهما ما كان، فمهلاً، فما أُكلنا إلا من أضراب هؤلاء!

قد يعترض بعض المؤمنين الأخيار ويرى أن هذا أخذ بالجريرة قبل الجريمة، وأنَّ المجسَّات هنا أفرطت في التحسُّس، وأطلقت إنذاراً مبكراً يفتقد الأدلة الشرعية! وطالما فعل هؤلاء ذلك في الفتن السابقة و”النوازل” التي لحقت بنا، فرأى في فضل الله واجهة للمقاومة والحالة الإسلامية الفتيَّة في لبنان، لا ينبغي أن يؤخذ بظنون وشكوك. وفي الحيدري وجهاً ظافراً في محاججة المخالفين، يتقصَّده المنافسون ويكيد به الحاسدون. وفي حب الله “أفندياً” مغموراً، من أتم مصاديق الباطل يموت بتركه، فلا ينبغي التهويل والذهاب في صنع أزمة من تافه حقير… وما زال هؤلاء الكرام على عقليتهم، لا من الويلات التي سبق أن جرُّوها على المذهب يعتبرون، ولا بقصورهم وفشلهم في الريادة، إذ الرائد لا يكذب أهله، يعترفون! يسدون نصائحهم كعارفين بالخفايا ومطَّلعين على الأسرار، يحسب أحدهم نفسه لقمان الحكيم، وما كأنهم أنزلونا من قبل في قفر لا كلأ فيه ولا ماء، وحلوا بنا عراءً لا حرز فيه ولا وقاء!

وبعد، فلا يعني هذا خلو الحزب أو التكتل الجديد من مخلصين مستغفَلين… ولكن إصرارهم على مواقفهم، بعد أن تمَّ إبطال مدعياتهم بأدلَّة واحتجاجات علمية من التي يطالبون بها ويندبون إليها، كما جرى في دعواهم على الجوشن، وتجاهلهم الردود، واستمرارهم في المكابرة والغي، يدلِّل على الغرض والمرض، وأنَّ الأمر مؤامرة وحركة حزبية منظمة، لا طلب معرفة ولا تحرٍّ عن حقيقة! ناهيك بأن يكون تقويماً لـ”تراث الإمامية في الحديث وعلومه”، يقوم به، من هوان الدهر، مستبصر، من أبناء الأمس، فتح للتوِّ عينه على تراثنا! إنَّ القضية تتحرَّك بين شحنٍ وإغواء، ودعاية جذبت لهؤلاء الصبية الأضواء، وتسويق أظهر ترَّهاتهم طروحات مبتكرة، أعجبت العوام وراقت حتى لأنصاف المثقفين، فظنَّوا أن “ليس وراء عبادان قرية”! فحقَّ أن يتمثَّل: “أبوسعد له ثوب مليح، ولكن حشو ذاك الثوب خريه. فإن جاوزت كسوته إليه، فليس وراء عبادان قرية”.

في المجموع، علينا الرفق بالمخلصين من هؤلاء، وإخراجهم من شبهتين استحكمتا في أذهانهم، وباتتا تحكمان تفكيرهم، تلقوهما من أوهام عقل جمعي ما زال يلقِّنهم، فأصبحوا يعيشونهما كقضية، الأولى: إفهامهم حقيقة أن لا أحد يريد إلغاء علم الرجال، ولا أحد يصحِّح التراث كله، وليس في حوزتنا من يدعو إلى الجمود، يحظر نقد الآراء ومحاكمة النصوص والنتاجات، نحن مخطِّئة وحوزتنا متجدِّدة… غاية ما هناك أننا نحرص أن لا تشدَّ السروج على الحمير والبغال، ويبقى للخيل مضمارها وللفروسية أربابها ومكانتها، من هنا نقوم بردع المتطفلين، وزجر المدَّعين.

الشبهة الثانية: البحث العلمي التخصصي في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي! إنَّ موافقة القوم على البحث في مسلَّمات المذهب وموروثاته، يحقق لهم صدق مشكوكيتها، وأنها بعد أجيال من التلقي بالقبول وأحقاب من التسليم والإذعان، صارت محل كلام وبحث ونقاش! وأنَّ زعطوطاً جاءنا من وراء التلال أو البحار، تنبَّه لما غاب عن الطوسي والمفيد وفات الخوئي والوحيد! من السهولة بمكان أن يفتح أي باحث كتاباً أو كُتباً في التفسير، ينقل منها ما جاء في آية التطهير، على سبيل المثال، وفي مؤونة أقل، يلجأ إلى البحث الإلكتروني، ثم يملأ صفحات يثريها بالاستدلال على آية التطهير ونزولها في أهل الكساء الخمسة، فينعت كلُّ ضحل مقالته بالعلمية، وينزهها عن الخطابة والإنشائية!

لا يخفى على الغرب الإباحي أنَّ المثلية الجنسية أمر يناقض الفطرة والطبيعة البشرية، وأنَّ رفضها بديهة مسلَّمة، لكنهم لما يسعون لإشاعتها وترويجها، يعمدون لتغيير هذه الحقيقة.. وأُولى الخطوات أن تكون محلاً للحوار والنقاش، ما ينزلها من موقع القبح والرفض الذي لا جدال فيه، إلى ما فيه الاختلاف وتعدد الأقوال والآراء!

الكبير أو الكبار الذين يحركون هؤلاء المشاغبين الصغار، قايسوا الحال بما جرى في الساحات السياسية في لبنان والعراق وإيران وحيثما أرادوا، والنجاحات التي حققوها فيها، لكنهم أغفلوا هنا عنصراً أساساً، وعاملاً محورياً، هو دور الغيب وفعله، العناية الربانية والرعاية المهدوية التي تقصم ظهر كل من أراد بتراث آل محمد وحوزة جعفر بن محمد سوءاً.. فعاد وسيعودون بالخيبة والهزيمة.

Posted in

التعليقات