مَن كان يتصوَّر أنَّ التسوُّق سيتم يوماً دون الخروج من البيت، وأنَّ البيع والشراء سيجري دون نقد ورقي يُحمل في الجيب، ولا صكوك وحوالات مصرفية، ناهيك بدنانير ودراهم في صرر؟ مَن كان يحسب أنَّ الأُم ستراقب رضيعها النائم في مهده، وهي تباشر عملها في المطبخ، عبر هاتف جوال أو ساعة معصمية؟ مَن كان يحتمل أنَّ عائلة مشتتة في أنحاء العالم، أو أصحاباً متفرقين في أقاصي البلاد، يمكن أن يلتقوا في اتصال يجمعهم بالصوت والصورة، دون بثٍّ تلفزيوني مباشر تُنتقل فيه آلات التصوير إلى بيوتهم، وتخصص له قنوات فضائية من الأقمار الصناعية؟!.. كل شيء يتغير ويتطوَّر، وعجلة الزمن تأخذ الحياة نحو آفاق خيالية من الهيمنة المطلقة لـ ”منظومة” خفيَّة، ترى الحق في تشريع المثلية، وجحد الغيب قيمة علمية، ونبذ تعاليم وأخلاقيات “يُزعم” أنها جاءت من السماء، فضيلة إنسانية! ستنقلب الأُمور وتتبدَّل، سيتطاول الصغار ويتفوَّق الرعاع على الأسياد. سيحمل المستبدُّون لواء الحريات ويهتفون للكرامة والإباء! ستنادي دول بوليسية وأحزاب شمولية بالديمقراطية والتعددية! كما ستتحول التغذية وتلبية الحاجات الطبيعية للإنسان إلى إشارات وإثارات الكترونية تخاطب الخلايا والأعصاب، تعالج موقعاً في الدماغ يُشعر المرء بتلبية ما يتطلَّع إليه من رغبة في المال أو إمرة أو شهرة أو اية لذة أُخرى، تأخذه إلى البلغة والنشوة، وما يخمد فيه ويطفئ الشهوة، فلا يحسُّ الخاوي الضرِم بالجوع حتى يموت من السغب، ولا يشعر الممتلئُ بالشبع حتى يهلك بالبطنة والتخمة! قد يبلغون الذروة في طغيانهم، فيستنسخون البشر، ويخلقون نماذج خارقة في مواصفات القوة والذكاء، ثم يتحكَّمون بهم ويسيِّرونهم، كما بلغ بالفعل الذكاء الاصطناعي في محاكاة الخوارزميات وبياناتها ما بلغ، ولربما وقعوا في العلوم الغريبة على ما يسخِّرون به الجن، حتى تظهر علناً وهي تبني لهم وتصنع ما يفوق هيكل سليمان وأهرامات الفراعنة وأعمدة الأولمب…

لكنهم، مع كل هذا وذاك، سوف يعجزون في موقع ويُهزمون في موضع! سيخيب مسعاهم في إسقاط الدين، ويخفقون في الهيمنة عليه أو النيل منه بتزييف وتحريف! قد يخضع لهم كلُّ شيء، ويسيطرون على كل بقعة، وتمتلئ الأرض بظلمهم وجورهم، كما ظهر فسادهم في البر والبحر.. لكنهم لن يطوِّعوا مذهب الحق الذي يرعاه ولي الله الأعظم، عبر ربانيين أُمناء، ومجاهدين أتقياء. لن يتمكَّنوا من تغيير الدين وتبديل سنَّة سيد المرسلين، وسيبقى حلال محمد حلالاً إلى يوم القيامة وحرامه حراماً. لا يمكن للتجَّار، العُمَد منهم والكبار أو الأغفال الصغار، الذين يتعاطون الدين بضاعة ويحوطونه صفقة، ويمارسونه ربحاً وخسارة، أن يستنبطوا تعاليمه ويرسموا حدوده. لا يمكن لأجلاف غلاظ أن ينظِّروا للأخلاق والروحانية، ولا لأغراب قضوا حياتهم وعاشوا أعمارهم في الجدَب واليبَس، أن يحملوا النداوة والخضَل، ويعلِّموا الناس المناجاة والتضرُّع والدعاء. لن يفلح حداثيون، من أئمة الضلال، ناهيك بالأذناب والصغار، في حذف مفردة واحدة من تراثنا العزيز، ولا إسقاط لبنة من بُنيتنا الفقهية، ولا طمس مَعلم من مدرستنا العقائدية الولائية، ولا النيل من أيٍّ من مقدساتنا، ولا حتى تعطيل أصغر شعائرنا، ولا يفلح الساحر حيث أتى.. فهنا وليٌّ يدبِّر الأمر، يسطع بنوره كالشمس، وإن جلَّلها سحاب الغيبة، يقرِّعهم بعصاة تلقف ما يأفكون، ما يجعل هذه القوى المادية، “العقلية” الحسيَّة، في وجودها وسعيها، كبيت عنكبوت، وعرش بلقيس، وإرم ذات العماد!

إنَّ التشيُّع هو خشبة الخلاص المتبقية للبشرية، أو قُل سفينة النجاة الوحيدة في هذا الطوفان الجارف. ليس في مذهبنا أدنى مفردة مزيَّفة أو حكم خاطئ أو عقيدة باطلة، ولن يضرَّ هذه الحقيقة، خيانة عاقِّين أو توهُّم معقَّدين، دسَّ الإسرائيليات ونفوذ الأساطير وتوغل البدع والخرافات! حتى يترجَّل شقيٌّ من السفينة طوعاً، ويرتقي جبلاً يحسب أن يعصمه، ولات حين عاصم. التشيُّع بقيَّة الحق وأبناؤه بقيَّة السيف، قُدِّمت على مذبحه أعزُّ القرابين وقضى على طريق جلجلته ودرب آلامه ما لا يُحصى من شهداء الفضيلة، ليخلُص صُراحاً صافياً ويبلغنا خالصاً نقياً، لا دسَّ يعتريه ولا دغل، ولا لوث فيه ولا كدر. إنه تشيُّع الكليني وابن قولويه والصدوق، والمفيد والمرتضى والطوسي، والعلامة وفخر المحققين والشهيد الأول، والمحقق الكركي والشهيد الثاني والمقدَّس الأردبيلي، والبهائي والميرداماد والمجلسي الأول، والأُسترابادي والسبزواري والفيض، إنه تشيُّع العلامة المجلسي والفاضل الهندي ويوسف البحراني والوحيد البهبهاني وبحر العلوم والنراقي وكاشف الغطاء، تشيُّع صاحب الجواهر والشيخ الأعظم وصاحب الكفاية وصاحب العروة، تشيُّع الميرزا النائيني وأبوالحسن الأصفهاني وعبدالكريم الحائري، الذي بلغ الحكيم والبروجردي والخوئي، لينتهي المطاف اليوم عند الوحيد والسيستاني… ومن هذه المدرسة، من صميم عطائها ومبارك فيضها ومقدَّس رشحها، كان السيد ابن طاووس والكفعمي والفاضل الدربندي وجعفر التستري والحرُّ العاملي والمحدِّث النوري وعباس القمي… عبَّاد زهَّاد، ذؤابات تقوى وأسنمة نزاهة، أعيان الورع في بلادهم وأعلام العدول في أمصارهم، تخال أميرالمؤمنين قد عناهم في خطابه همَّاماً. أما في العلم، فقمم شاهقة وهامات شامخة، أساطين وفحول، تضلَّعوا وتبحَّروا، تعمَّقوا ودقَّقوا، خاضوا العباب وسبروا الأغوار ووقفوا على الأسرار، استنبطوا الدفائن واستجلوا الغوامض، فدوَّنوا الأُصول وصنَّفوا الموسوعات، وسطروا أعمق البحوث في شتى العلوم… فصاروا الثقات والأثبات، وغدوا الأسناد والأشهاد، عنهم يأخذ الطلاب، وإليهم يرجع العوام، وبهم يربط الله على قلوب الأيتام، ويقيم حصون الإسلام. هكذا يتصاغر على أعتابهم كل دخيل وغريب، ويندحر كل متطفِّل متحاذق، ويهوي كلُّ وصوليٍّ متسلِّق، يرسم امتداداً لجمال الدين الأفغاني وشريعت سنگلجي وأحمد كسروي وحكَمي زاده وعلي شريعتي… تيار الإصلاح والعقلنة، دعاة التحرُّر والحركية!

لا يمكن أن نسمح لأغرار مهووسين استدرجتهم السفارات، وغلبهم أمل استنساخ الربيع العربي وإسقاطه على الحوزات، أن يعبثوا بديننا وينصبوا أنفسهم رعاة لمذهبنا ومصحِّحين لعقائدنا، فيتطاولون على أولئك الأفذاذ ونتاجاتهم! وهم بين مُعقَّد مسكون بالفلسفة اليونانية يريد عقلنة الدين، ومستبصر يستخف بزعيم الحوزة ليرضي ولي نعمته، ومتهالك على النجومية، لا يميِّز صلاة الآيات عن صلاة العيد، وآخر يُسقط عن سيد الشهداء أحكام الشهيد! ولا لمَن لفَّ لفَّهم من الصعاليك، ومَن باتوا يُعرفون في الحوزة بالزعاطيط… لن نُستغفل عن ديننا، فنحن نعرف أين يُراد بنا، كما نعرف ما يوجع أعداءنا، يكشف خفاياهم ويُسقط في أيديهم، ونعلم جيداً إنَّ الحركة الإضلالية “التنويرية” المعاصرة التي بدأها أولئك الضلال، ما زالت قائمة مستمرة… تصدى للجولة الأولى منها العلمان الميرزا التبريزي والوحيد الخراساني، ومَن لحق بهما من أعلام الطائفة آيات الله العظمى بهجت والشاهرودي والوحيدي، فأُخمدت فتنة فضل الله، حتى إذا هلك، قام الحيدري نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، يخوض في المعارف الإلهية خوض الرقيع القصيع، وقام معه جملة من بني الحداثة والتنوير، كالعسر وحب الله وقصير، حتى إذا انتكث عليه فتله وأجهز عمله وكبا به طيشه، سقط وأقرانه، وكسحتهم الأصالة وجرفتهم إلى مزبلة التاريخ.. ظهر تيار يستدرك ما فات هؤلاء، من التروِّي والتمرحل والاستعانة بالوجوه الجديدة والطاقات الشابة، وتوظيف العالم الافتراضي والاستعانة بالذباب الألكتروني! إنَّ حزب أو تحالف: حوزة الأطهار وجامعة المصطفى وزائر فضل الله وبخاري الشيعة وعروس غزة، التكتُّل الذي يهتف بفعله ورسالته: “الشعب يريد إسقاط التراث”… يمضي على نفس النهج ويريد تحقيق الأهداف التي عجز عنها فضل الله والحيدري، وهي “تنقية” الحديث والدعاء والمزار من روافد الولاء لآل محمد، و“عقلنة” العقائد من الخصائص والكرامات وما يعتبرونه غلوّاً في أهل البيت، و”تهذيب” الشعائر الحسينية وتوجيهها لما يخدم فكر الحداثة، وإنهاء استقلال الحوزة، وإخضاعها للدولة، ثم تكريس رئاسة المذهب وزعامة الطائفة لصالح الحزب أو ولي الفقيه أو مرجع السلطة والنظام… من هنا تراهم يعملون على قطع المدِّ الجماهيري عن الحوزة والمرجعية، وإنهاء الحاضنة الطبيعية للأصالة الإيمانية.

قد يُصدم بعض المنخرطين السذَّج في حراك “الربيع الحوزوي” من هذه الأهداف ويتنكَّر لها، بل يرى أنه يجاهد ضدها، ويعمل لنجاة المذهب وإنقاذ الطائفة منها! تماماً كما ظنَّ ثوار ساحة التحرير، المنادون بإسقاط عادل عبدالمهدي في أنفسهم، خدَّاماً لبلدهم وتحريره من الهيمنة الإيرانية، لصالح الكاظمي ودولته الوطنية، وحسب الثائرون على حسني مبارك أنَّ سبيل النجاة والحرية والديمقراطية وإصلاح البلاد، يكون في إسقاطه، فجاءهم محمد مرسي! وقد يبلغ الصدق في هذه المشاعر حدَّ التضحية بالروح والانتحار على طريقة البوعزيزي، الذي أهلك نفسه، فكانت النتيجة حكم الإخوان في تونس!

الكتلة الحزبية الجديدة، الإصدار أو الصيغة المحدثة للضلال، وإن انطلقت من خلفية أمنية، جرى إعداد خلاياها بإحكام وإتقان، وتحركت في خلسة اللصوصية تحت جنح الظلام، لكن الثغرة كانت في الفراغ الروحي وتواضع التهذيب في قادة الحراك ورموزه، فما إن سجَّل بعض الأرقام، وحقَّق ما لفت الأنظار، حتى غلبه الزهو والفخر، نبت له جناح فطار شكيراً، انطلق من علو وحلَّق من مكان رفيع، حملته فيه الريح، فحسب أن زغبه بات ريشاً، وأنَّه لحق بالكواسر في صفيفها، وما زال يَحسب في التطاول على القمم والنيل من الأعلام علواً وارتفاعاً، حتى سقط في شراك افتضاح رموزه وكشف مخططاته، ما يعني خسارته القدرة على المناورة والاحتماء في الرحبة الخلفية، وفقده إمكانية التآمر في الأقبية السرية، وانتقاله إلى العلن، الأمر الذي أدخله في المواجهة مبكراً، فبات يخوض المعركة على طريقة أسلافه، يريد التحليق مع النسور وهو من الدواجن، يدرج على الأرض، اللهم إلا رفرفة تحمله ليقبع على السياج فينقنق أو يصقع، لكن سرعان ما يعود إلى الخن ليرقد هناك.

لن تكون في التشيُّع سطوة غلمان و”حكم صبيان” وإن هان الزمان، وعلى جولة الصعاليك وصولة الزعاطيط، أن تبحث لنفسها غير صعيد، فهذا عن مذهب الحق بعيد، وفي السياسة متسع، فليلحق هؤلاء بأسيادهم، ويعبثوا هناك ما طاب لهم، لكن إياهم والدنو من حوزتنا ومرجعيتنا وعقائدنا وتراثنا وشعائرنا.

ولا ضير ـ من بعد ـ في بعض شغب وشكس صبياني يعكس القلق الذي يعيشون، ومناوشات تبارز طواحين الهواء، ينفِّسون بها عن غيظ وحنق يتملكهم. فليشتموا ما شاؤوا وليتهموا ويعيبوا وينتقصوا، فهذا يأخذنا إلى درجة مَن عانى ودفع ثمناً لولائه، ويورثنا الأنس بالأجر المعدِّ لذلك… ثم أنه ـ في القوم ـ جوهر “العلم” الذي يحملون، لا ما يدَّعون. هكذا يرتسم مشهد محاضر سقط سرواله دون أن يشعر، وهو لا يجد وجهاً لضحك الجمهور؟!

Posted in

التعليقات