هذه وقفة تفكُّر وتدبُّر على هامش الجولة الأخيرة بين الفلسطينيين وإسرائيل، أخذت إلى أُفق لا يملك المرء إلا أن يرثي فيه لحال هذا الشعب المقهور والمأساة التي يعيشها، فيتألم ويشفق ويرقُّ ويرفق، ولا سيما أنَّ الطيران الحربي الإسرائيلي لا يكفُّ عن دكِّ بيوت غزَّة وتقويضها على رؤوس أصحابها، حتى يستأنف عدوانه ويُعاود طغيانه، وكأنه أخذ على نفسه تخريبها كلَّما رُمِّمت وأُعيد بناؤها. فإذا وسَّع المتأمل نطاق رؤيته وتعمَّق في المشهد، غرق في المحنة والنكسة بعد النكبة، وهو يستعرض سيرة شعب يقف على أبواب قرن من الشتات والتشريد، والتيه والتهجير، وهوان التسكُّع في بلاد الآخرين، وذلِّ مخيمات اللاجئين، ومن بقي في أرضه ولم يترك بلاده، بات محاصراً بحائط فصل عنصري، أمضاه العالم المتمدِّن، ولم يثر حفيظة الذين ثاروا على حائط برلين!.. هذا في جانب، وفي الآخر مصيبة أعظم، وهي أنَّ كلَّ ما يجري على هذا الشعب المنكوب يقع دون أدنى أجر وثواب، وبلا عوَض ولا خلَف! فما ينتظر “الضحايا” في عقباهم، أسوأ مما قاسوه في دنياهم! فالموت على حالهم، والانتقال إلى الآخرة بعقيدتهم ودينهم، يعني أنهم راحلون ـ مع الأسف الشديد ـ إلى جهنم وبئس المصير! والنصوص في هذه الحقيقة لا تحتال عليها فذلكات رجالية، ولا تتلاعب بها مهارات شيطانية، تلتف على أصل الدين ومحوره، وانحصار النجاة في الفرقة المحقَّة. فإذا نظر باحث أو مراقب واستعرض ما نزل بالعراق منذ سقوط الطاغية، من مآسٍ وويلات حمَّلت العراقيين من الضحايا والقرابين والدمار ـ في فترة وجيزة ـ ما حمَّلت، لوجد أرقاماً فلكية تفوق مأساة فلسطين على امتدادها الذي يناهز قرناً!.. لكن فارقاً جوهرياً هنا يغيِّر المشهد ويقلب المعادلة، فالمظلوم الذي قضى في انفجار انتحاري تكفيري، تناثرت أشلاؤه وهو في طريق زيارة سيد الشهداء، أو يتسوَّق لعياله، أو يتوجَّه إلى عمله، يرحل بإيمان وولاية لآل محمد وبراءة من أعدائهم، تنجيه في برزخه ناهيك بمعاده، بينما الفلسطيني المنكوب، يرحل بغير هذا، فيهلك وقد حبط عمله!

من هنا يأخذ التأمل والتدبُّر المرء ليرجو ويتمنى أن ينهض أحد أبناء هذا الوطن السليب ليصحِّح المعادلة فينجي شعبه ويخلِّص أُمته، ليت بعض أبناء فلسطين الحبيبة يعرف الحق ويستبصر، ثم ينفر إلى الحوزة العلمية، فإذا قطع شوطاً وبلغ كفاية، عاد لينذر قومه إذا رجع إليهم… يهتف فيهم بقول رسول الله: “ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن، الطاعة للإمام بعد معرفته، إن الله عز وجل يقول: «من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً»، أما لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله جل وعز حق في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان”، فيدعوهم إلى ما تسمو به الأرواح، وتزكو الأعمال، وقبل هذا وذاك، ما يطهرهم ويأخذهم إلى النجابة وطيب الولادة.

ليت أحد أبنائهم ينبري لينقذهم من مذاهب باطلة ترتهنهم، وعقائد فاسدة تضلُّهم، فيزيح من قلوبهم غلّاً يضطرم على آل محمد، ويطفئ حقداً وحنقاً على شيعتهم، فإنَّ الناصب مخلَّد في النار، وفي الحديث عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: “ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد رجلاً يقول: أنا أُبغض محمداً وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وتتبرؤون من عدونا وأنكم من شيعتنا”، وقد روي عنهم عليهم السلام: “لو أنَّ كلَّ ملك خلقه الله عزَّ وجل، وكلَّ نبي بعثه الله، وكلَّ صدِّيق، وكلَّ شهيد شفعوا في ناصب لنا أهل البيت أن يخرجه الله عزَّ وجل من النار ما أخرجه الله أبداً”. فإن نجا بعضهم من النصب، وسلمت نفسه من البغض،  سقط في حبِّ أعداء آل محمد وموالاة غاصبي حقهم، وفي تفسير العياشي عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله تعالى «وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء»، قال: “حقيق على الله أن لا يُدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من حبهما”. ولو قلبت تلك البلاد رأساً على عقب وركستها لتفرغ سكَّانها في غربال ينخل ويصفي الموالين لآل محمد، لما خلص إلا آحاد!

ليت عالماً عادلاً ورعاً زاهداً في الدنيا غير مكبٍّ عليها ولا متهالك على حطامها، يقف على جذور الولاية وأعماق الإيمان، ويعرف تبعات الأعمال وآثار الأفعال، القلبية الخفية منها والجوارحية العلنية، يحذِّر قومه من الهلكة التي تنتظرهم لطلبهم الاشتراك ـ الطوعي ـ في جرائم صدام، حين يرضون بفعاله ويهيمون بحبه، ومن قبله وبعده، يعشقون التكفيريين الذين لا تعمل أحزمتهم الناسفة إلا في الشيعة ومراقد أئمة أهل البيت وعتباتهم المقدَّسة، لم تنل يوماً من يهوديٍّ ولا صهيوني! ليت في أبناء فلسطين مَن يبصِّرهم أنَّ إقامة الأفراح في مآتم الشيعة على فجائع أنزلتها بهم داعش، هو تدهور أخلاقي وتردٍّ إنساني، وانحطاط وحقارة، سيعقبها خزي ونكال، ثم سقر لا تبقي ولا تذر، ونار موقدة تطَّلع على الأفئدة.

والداء عضالٌ والعلَّة مستحكمة، فبعد اللتيا والتي، ظهر مَن يُفترض أنه عرف الحق والصواب وأدرك الخطر والبلاء، فاستبصر أحدهم! لكنه بدل أن يرجع لينذر قومه وينقذ شعبه، وينهض بما هو الحق من الجهاد، آثر أن يقضي وادعاً فاكهاً مترفاً، لاهياً عابثاً مضارباً… اندسَّ في الحوزة كما أُريد له وتوغل، انصرف لبناء الشهرة وخلق الوجاهة، وانهمك في كسب الإجازات وجمع الشهادات، ثم انغمر في البحث عن زلات علماء المذهب، وتلقُّط عثرات في حنايا التراث وزوايا المؤلَّفات، والتنقيب عن هفوات هنا وهناك، تظهره ناقداً محققاً، وباحثاً فاحصاً، مجتهداً لا يقلِّد، وقائداً لا يُقاد، ثم رائداً ومُصلحاً لمذهب لم يعرفه إلا بالأمس، اللهم إلا ما تلقَّاه عنه في نشأته، وانغرس فيه وسكنه مع تربيته!

هكذا التحق الرجل بمنظومة الحداثة في إصدارها الجديد ونسختها المتطوِّرة، التي وإن اختلفت مع آباء الحركة في آليات العمل وأساليب الدعوة، لكنها تحدو نفس الأهداف التي لاحقها رواد الإصلاح الديني الأوائل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والطهطاوي والكواكبي ورشيد رضا وعلي شريعتي: عقلنة الدين، والاقتصار على القرآن والأحاديث الصحيحة فحسب، ونبذ المعتقدات الخرافية والتقاليد الرجعية، وتطوير الخطاب بما يوائم العصر، والعمدة في ذلك السعي نحو “اللامذهبية”! قام حزب الائتلاف بين جامعة المصطفى وحوزة الأطهار وطرف ثالث، على هذا النهج، وتبنَّى منظومة تلحق الحيدري وحب الله، وتخلُف شريعتي وفضل الله، دون أن تجاهر بضلالات أولئك وانحلالهم، أو تتبنى بصراحة آراءهم، فتقول بإباحة السماع، أو التنكُّر لمصاب الزهراء،  كما فعل لكع مثل علي الصالح ومنحطٌّ مثل رحيم أبورغيف، وتذهب في إسقاط الحوزة وعلومها على طريقة سافل مثل الغزي.. بل هم على نهج حزب الدعوة والإخوان المسلمين، في الأخذ بالمرحلية، وسياسة الخطوة فخطوة، وهم الآن في طور التشكيك، وإثارات تستدعي إعادة بناء المعارف الدينية، بعد تنقيح المصادر الموروثة، سواء من تراث أئمة الهدى، أو نتاجات أعلام الطائفة.

والطامة هنا أنَّ الخطة أو الخديعة الجديدة انطلت على فضلاء، وخدعت سذَّجاً أغرتهم الظواهر، وخفي عنهم الدعم السري المريب الذي يحظى به هؤلاء، ما سمح لهم بحرية الحركة في أوساط المثقفين، ليشكِّلوا بعد حين حزباً ضمَّ أنواعاً: الأول: غثاء رعاع، سواد كلِّ جديد مبتدَع، وحاضنة كلِّ محدَث وشاذ وغريب، مصروعون بحمَّى “الحركة الشبابية”، وهوس ”الدماء الجديدة”، والهراء الذي يخلق مدّاً، كان حتى الخمسينات أحمر يحكي اليسار، صار في السبعينات إسلامياً، وهو اليوم هجين ينطلق من الحداثة ويريد تطوير الدين، ليصنع علمانية (دينية لا سياسية) مبطَّنة! وهؤلاء، كما يغلبهم هوس النزعة الشبابية، تراهم مسكونين بقاعدة “مغنية الحي لا تطرب”! يرقصون فرحاً بأجنبي أسلم أو تشيَّع، يرون دخول غريب في مذهبهم فتحاً ومغنماً يباهون به. الثاني: حسيُّون يحملون لواء العقل، يحاربون الغيب وما وراء الطبيعة، وينكرون المعجزة وخرق العادة، ويستهزؤون بالفضائل والمنازل والمراتب التي رتَّب الله فيها أئمة الهدى… يرون أنَّ ذلك كله يزري بالعقل ويجانب العلم. فهم في حقيقتهم وأعماق نفوسهم “تنويريون” (ولك أن تراجع جذور هذا الإطلاق لتقف على خلفية الدعم الذي يحظون به!)، ينشطون في البيت الشيعي والساحة الإيمانية، وقد توغل بعضهم في الحوزة. الثالث: حركيون إسلاميون، من شتات الأحزاب الشيعية المنخرطة في السياسة، المنادية بتكييف الشريعة وتحويرها، وتغيير العقيدة وتبديلها، والتهالك على صيغة متطوِّرة مرنة، ولك أن تقول رخوة متميعة، تتيح لهم بلوغ السلطة، وتمكِّنهم من تحقيق “الحكم الإسلامي”!

إنَّ هذا الحزب وإن تواضع حجمه وتضعضع تنظيمه قبل أن يشتدَّ عوده، نتيجة تهور واغترار أقطابه، فهان خطبه ولم يستحق الإرصاد والاستهداف، لكن الناهضين بالدفاع عن الأصالة والمرابطين على ثغور الساحة الإيمانية، لا يلحظونه بما هو هو، بل بما يمثل من امتداد، ويتمتع به من دعم، ويحمل من خطاب، هو تكرار لخطاب الضلال، ومحاكاة ذكية لجوهر الأهداف التي يتوخاها.

عوداً على بدء… نريد فلسطينياً مستبصراً، ونريده نزيهاً واضحاً صريحاً، على نهج الحوزة وطريقة طلب العلم السائدة فيها، بعيداً عن مواطن الريبة، سواء في الانتماء الحزبي والدور السياسي، أو الارتباط بدوائر المخابرت والأغراض الخفية الغامضة والسرية. نريده مستشعراً حال شعبه المنتهكة حرمته، المغتصبة أرضه، المشتت في تيه كان صفة أعدائه. نريده أن ينصرف عن الترف الفكري بعد المعيشي، وأن يدرك بديهية الأولويات ويحسن ترتيبها، ثم ينصرف للعمل والأخذ بها. وليته يجعل فتح حرم سيدنا هاشم بن عبدالمناف، جد نبينا الأعظم، وإخراجه من الإهمال والتعطيل، رأس اهتماماته وباكورة إنجازاته، فهذا من الحسرات التي لا يتعلق بها عذر، ولعل ببركة هذا القبر الشريف، سيعم الخير ويتدفق الحق ويغمر الولاء تلك الأرض المقدسة ويشمل شعبها المظلوم. قد لا تطيق البيئة الفلسطينية الناصبية ذلك، وستلفظ من يجاهر بتشيُّعه، ناهيك بأن يكون داعية، نفرَ ليتفقه في الدين وها هو يرجع إلى قومه لينذرهم! ولكن هذا هو ميدان الشجاعة وساحتها الحقيقية، لا ما يفعله الذي عاد بمعوله على التشيع وراح خبطاً في تراثه وهدماً في شعائره ومقدساته ونيلاً من مراجعه وأعلامه!

Posted in

التعليقات