في بداية السبعينات من القرن الماضي، انشقَّت جماعة من حزب الدعوة، أخذت عليه تواضع مستواه الفكري وضعف مبانيه العلمية، وتأثره الشديد بالآخر، وغلبة اللامذهبية أو مسحة التسنن عليه، مما كان مشهوداً في فقر ولائياته، وميوعة هويته الشيعية لصالح الإسلامية، وتنكُّره لعلماء الدين واستخفافه بالحوزة والمرجعية… في التسعينات، انتهى أمر هذا الانشقاق بموقف لسامي البدري، أحد أبرز قادته، أعلنه في ندوة أُقيمت في لندن، ذهب فيها إلى أنَّ ولاية أميرالمؤمنين التي أخذ رسول الله البيعة عليها في الغدير، كانت خياراً قدَّمه للأُمة، مجرَّد ترشيح وترجيح منه، ولم تكن تعييناً مُلزماً من الله تعالى. ولما ضجَّ المؤمنون من مقولته وهاجموه ووبَّخوه، قال إنه استقاها من مرتضى العسكري، فكان كمن عمد لإخماد الحريق بصبِّ الزيت! الغريب الملفت، أنَّ هذا “القائد” كان من عائلة مستبصرة من أهالي سامراء!

اليوم تعاودنا حمَّى شبيهة تقدم من غزَّة، يقودها أيضاً مستبصر ويذكيها آخر، استيقظ الأول على معضلة “كبرى” يعيشها الشيعة، هي بناء عقيدتهم على أحاديث ضعيفة أو موضوعة، فآلى الصنديد على نفسه إرشادهم وتقويم زيغهم، فقأ في وجهه كحبِّ الرمان من معجزة أو كرامة لآل محمد، فقحم الميدان ليبطلها ويفنِّدها، ويثبت أنَّ المدينة المنوَّرة لم تشهد في عهد الإمام زين العابدين هزَّة أو زلزالاً أحدثه خيط حرَّكه ابنه الباقر! وراح الثاني يصحِّح عقائدنا، ويعلِّمنا مَن تكون والدة إمام زماننا، وأنها ليست ابنة قيصر الروم ولا سليلة شمعون!

وفي نوبات هذه السخونة ونزلاتها، ترى مَن لا يعقلون لأميرالمؤمنين خطاباً، فيحكمون ـ جازمين ـ ببطلان نسبته إليه! لا لخلل في سنده وسقم في رواته، بل لمخالفته فكراً ارتهنهم يُطلقون عليه “العقل”، أو فهماً مغلوطاً يحسبونه “المنطق”، والحال أنَّ ما “عُبد به الرحمن واكتسب به الجنان” بريء، براءة أرسطو من هزيل بنائهم، وخاوي مقدماتهم وباطل استنتاجاتهم! يمضي بعضهم بسذاجة الذي ابتاع الأهرام والقطار، يحمل قراءة سمجة سخيفة تسقط الحديث على أصلٍ افترضه، فيخلص إلى النفي والإنكار، يرى أنَّ الخطاب فيه تغرير بالمخاطب، يفتح باباً يقود إلى الشرك والغلو، وأميرالمؤمنين منزَّه عن ذلك، لا يغوي الناس، وحاشاه أن يأخذهم إلى الكفر والضلال، فالحديث إذاً مكذوب موضوع! والأمر ليس من تسجيل العثرات والتقاط الزلات، بل هو شاهد عابر على نزعة ومشرب، ويكفيك أن تلاحق “بحوث” الرجل لتجدها في كثير من مواضعها أشبه بتقريرات لمباحث حيدر حب الله ودراساته، ولكن العوام لا يقرأون، فينبهرون، والمثقفون ـ في حقيقتهم ـ حسيُّون غير إيمانيين، يبحثون عن مسعف ينجدهم في صحراء قحولهم ومحولهم، فينتعشون! أما البصراء، المستنيرة قلوبهم بأنوار الولاية، فيكفيهم موقفه من الشهادة الثالثة ليقفوا على الداء، ويميِّزوا بين السعادة والشقاء.

يتساءل الرجل الذي نشأ في أحضان زائر فضل الله، ومن ورائه المستبصر السامرائي: ما لكم كلما ذكر “سند الحديث” تبكون؟! مستنكراً أو هازئاً، لست أدري. هكذا يريد الفتى أن يمضي في دربه الشاذ، محمولاً على أكتاف الذباب، بحسابات وهمية وأرقام خيالية، صدَّق المسكين أنها بلغت عشرات ومئات الآلاف، يأخذ معه المغترين من أيتام آل محمد، بلا معارضة أو عراقيل، ودون مساءلة تستوقفه عند بدع ومُحدَثات يريد أن تكون نهجاً يغيِّر السائد الذي يمضي عليه الشيعة منذ مئات السنين!

ولو كان الأمر من مستبصر أو نكرة، مجهول لا يُعرف له أصل ولا انتماء، فِطْر فقعت عنه الأرض، لقاحه الرعد والبرق، ومنبته البراري، وإن باتت له في التطوير الزراعي، محميَّات وبيوت مظلمة يجري استنباته فيها من بكتيريا تُستخلص من عفن الثمار أو روث الأحصنة والبغال.. لما عجب أحدٌ ولا استنكر، ولا استغرب من هتكه المقدسات دون تحرُّز ولا وجل، وبمزيد جرأة واستخفاف، فالصعلوك لا يأنف ولا يتعفف، يقحم ويهتك، ثم ينادي بالفتح والظفر، لم يدفع ثمناً في جمع التراث، ولا كابد آباؤه أو عانى أسلافه في هذا السبيل، فعلامَ يتألَّم وممَّ يتوجع؟! ولكن هذا السيد المسكين الذي جعلوه في الواجهة، واتخذوه مطيَّة، معروف في أصله ومنبته، مشهود له في دينه ونسبه.

وحتى يفهم ما يُبكينا، عليه أن يعشق سيد الشهداء بعد أن يعرفه، ويتفطَّن أسباب إحلاله سلام الله عليه من إحرامه وإعراضه عن حجه في يوم التروية، فيدرك أن الولاية هي جوهر الإسلام، وأنَّ الإمام أعظم من الأحكام، وحرمته تفوق الحج والكعبة والمسجد الحرام. ويفهم كيف ولماذا سمع النبي خطاب ربه بصوت علي عند سدرة المنتهى؟! وكيف نجَّى أميرالمؤمنين سفينة نوح من الطوفان، وخلَّص إبراهيم من نار النمرود، وعلَّم موسى التوراة، وأنطق عيسى في المهد، وأخرج يوسف من البئر، وسخَّر الريح لسليمان، إذا تخطى حُجب الرجال والأسانيد حين تعمل في غير موردها، واستطاع أن يعقل كيف يباشر “بشرٌ” أدواراً في حياة الأنبياء، ويتدخل فيغيِّر مصائر أُمم وحضارات، وهو لم يولد بعد!.. سوف يفهم لماذا وعلامَ نبكي.

إننا نبكي ديننا يا هذا، نبكي سماسم لا يلتقطها إلا أهلها، معارف أرق من النسيم، وعقائد ألطف من زجاج القناديل، يهوي عليها حمقى بمعاول جهلهم، يعيث متطفلون في أرجائها فساداً، ويبتدرون في أنحائها خبطاً وتهشيماً. نبكي تراثنا العزيز، كنوزاً من درر نفيسة وجواهر فريدة ولآلئ لا تقدَّر بثمن، يبتذلها صعاليك ويفرِّط بها زعاطيط، عرفوا شيئاً وغابت عنهم أشياء. نبكي مستغفلين ومستضعفين تنطلي عليهم مغالطة نقل بحث أسانيد الحديث، اللازم والضروري في الفقه والواجب في استنباط الأحكام، إلى دائرة التاريخ وتفاصيل العقيدة والتفسير (في غير آيات الأحكام) وحتى الدعاء والمزار.. ويرتهنون الساحة لهذه المغالطة كلما اعترض عليهم فاضل ونهض في وجههم غيور، يرمونه بمحاربة التحقيق ورفض البحث في الأسانيد! يشهِّرون بممتنع عن دواء السعال، ويغفلون أنه يشكو آلاماً في المفاصل، فما شأن عقارهم ومحل دوائهم؟ والهمج الرعاع يرمونه بجحد الطب والتنكُّر للدواء ورفض العلاج!

إننا نبكي يا سيد لأننا لسنا أنبياء ولا أئمة نعلم الغيب، فنرى مآل دعوتكم الهدامة، والحضيض الذي ستهوون إليه بعد حين، وكيف ستلحقون بمن سبقكم، من الأفغاني ومحمد عبده وسيد قطب وحسن البنا، إلى طالب الرفاعي ومرتضى العسكري، ثم فضل الله وحب الله والحيدري وآصف محسني.. نخشى البداء ومزيد البلاء، نبكي تقصيرنا وذنوبنا، أن نتلقى عليها عقوبة أشد من الطوفان والقمل والجراد، تجتاحنا فتن من ضرب تشريع المثلية والاختلاط والمساواة بين الجنسين وضروب الميوعة التي نراها في غير صعيد، وأشدها على عرى الإيمان أن يسلِّط الله الحداثوية على الدين. إنه بكاء الوريث الذي يرى أو يخاف تبديد التركة وتضييعها. وعندما لا تتخذ دينك لهواً ولعباً، ولا تركبه مطية للشهرة وآلة للرئاسة والإمرة، ستبكي مثلنا، ولن يعيبك هذا أو يشينك، بل يرفعك ويزينك.

قد يعيش الرجل ألق طوره السابق، وزهو مرحلة ماضية قطعها، منتشياً بالتهاب الأكف بالتصفيق له، وما كان يلقاه في جولة تصديه للإلحاد ومحاربته مناهجه وواجهاته، فمضى مستصحباً ذلك، متوهماً استمراره وهو في حرب الولاء وجولة إسقاط مراتب الأئمة الأطهار والاستخفاف بالحديث والشعائر الحسينية، فصدم وفوجئ بما لاقى، ثم امتعض واستنكر من “تشدد” الولائيين في مواجهته! وهذا أول السقوط، أن يخلط بين الحقلين، ولا يميز رجال هذه الجبهة عن تلك، فيحسب التخنث الذي لاقاه به الملحدون، والخنوع الذي ظهر من أرباب تلك المقولات، هو الأصل في المعارك العقائدية والصراعات الفكرية. غاب عنه حال رجال هنا كزبر الحديد، لا يزيدهم الطرْق إلا صلابة، ولا الحوادث والخطوب إلا مضاء وحِدَّة، يبترون سُوق الضلال ويقطعون جذوعه، يجتثون جذوره ويقتلعون أصوله، يسحقون حشائشه أو يدوسون حشوه وطغامه بالأقدام، لا يبالون بتبعة ولا يكترثون بعاقبة، قد أعاروا الله جماجمهم، وباعوا أئمتهم أرواحهم. ينتزعون حقهم من عيون أعدائهم، فإن عصت الأعين، فقأوها أو سملوها من محاجرها.

قد يسجِّل بعض السذج إنجازاً للقوم هنا وخدمة هناك ترحمهم وترفق بهم، تماماً كما كان يجري مع فضل الله في أمر المقاومة، والحيدري ومناظرة المخالفين… غافلين أن هيئة الإذاعة البريطانية البي بي سي، كانت وما زالت تبث تسع حقائق، حتى تدس العاشرة أكذوبة، فتحقق العائد المرجو، على بساط من المصداقية، فرشه الضحايا!

Posted in

التعليقات