حتى نكون على بصيرة من أمرنا في هذه الحرب المحتدمة، وبيِّنة من معاركها الضارية المتلاحقة، نعرف مواضع أقدامنا ومواقع اصطفافنا، وندرك نطاق فعلنا ومدى تأثيرنا، علينا أن نعي حقيقة قد تغيب في خضم التفاعل والحماس، ويُغفل عنها في غمار الإقدام وحمَّى الاندفاع… وهي أنَّ الإعلام القائم والحاكم في عصرنا هو ميدانهم، والنشر والدعاية والترويج ساحتهم، الأجهزة والمعدات من صنعهم، والأدوات في ملكهم، والوسائل والقنوات تحت سيطرتهم، لا يفسحون إلا لمن معهم، ولا يوسِّعون إلا لخدامهم. بل حتى المادة الإعلامية، التي لم تعد شعراً وحكمة أو قصة ومقامة، وصارت فيلماً سينمائياً ومسلسلاً تلفزيونياً وبحوثاً تحقيقية ودراسات وثائقية، وضروباً أخرى من الفن، باتت لهم، وغدوا هم أبطالها…
من هنا، فإنَّ أي طفرة حادة في شعبية رجل، أي تصاعد شديد في أعداد متابعيه ومعجبيه، أي رواج لشخصية دينية، لا يكون إلا عن توافق واحتضان، وهو مؤشر على دعم خفي وإسناد شيطاني. والقدر المتيقن، أن علينا التوقف والتدبُّر في أسباب الصيت والانتشار، وأسرار الرواج والشهرة التي يحظى بها أحدهم دون أقرانه؟ فإذا بحثت ونقَّبت وجدت أنَّه ابن تلك المدارس والتيارات، وسليل تلك الأحزاب والمنظمات، أو أنه يمضي في خدمتهم ولصالح مشروعهم! إنَّ القنوات الفضائية التي تحسبها شيعية، والمؤسسات والمنظمات والمراكز الدينية الناشطة في الساحة الإعلامية، كلها مخترقة، إن لم تكن ساقطة من رأسها وقائمة على أيديهم من أصلها. حتى إدارة بعض المواقع المقدَّسة كالعتبات العاليات لمراقد الأئمة عليهم السلام، هي مخترقة، تحتضن الأعداء وتتبنى الضلال وتغطي أربابه!
أمام هذا المدِّ الغامر الكاسح والفضاء الملبَّد الكالح، علينا أن نعرف حجمنا ونعي دورنا، لا نتوهم الندية ولا نتصوَّر في أنفسنا القوة والشدَّة، اللهم إلا بمكان الرهان على المدد الغيبي والنصرة الإلهية، نخوض المعركة بإخلاص، من منطلق أداء التكليف وإفراغ الذمة والسعي لنيل شرف الدفاع عن الحق، واليقين بأن الثمرة والنتيجة هي في يوم الحساب والكتاب والميزان، لا في الدنيا ومتعلقاتها، كل ما هناك، أننا بهذا النزر اليسير الذي لا يعدو تغريدات ومقالات وكتباً ومجالس وزيارات، نرجو أن نُسجَّل في مَن انتصر الله بهم لدينه ولم يستبدل بهم غيرهم، أما حقيقة النصر، وأصل بقاء الدين وحفظ المذهب والذود عن تراثه، ودفع الزيف والتحريف عنه، واستمرار نقائه وأصالته، فأمر غيبي، يتولاه المولى من الناحية المقدسة، هو الذي يدير المعركة من هناك، ويتدخَّل متى اقتضت الحاجة ودعت الضرورة، يرسل جنده ومدده من ملائكة مردفين وجن صالحين، وآيات أخرى لا توفر حتى تسخير الطغاة وبطش الظالمين!
علينا أن نعي طبيعة المعركة، ولا نغفل عن مرتكزها: تضييع الحق وتغييبه، عبر الحصار والإقصاء والتهميش، وكل ما يصرف الناس عنه، وعن رجاله وعلمائه وحملته والصادحين به… ما زال العدو يعمد إلى المُكاء والتصدية، للتشويش والتخليط على صوت الحق، ويلجأ إلى العُري والإباحية لهتك حرمة المقدسات، وإن اختلفت الذرائع والمبرِّرات، وتفاوتت الوسائل والطرُق، فكانت في صدر الدعوة بالصلاة عرايا، وهي اليوم بدعوى الحريات والحداثة والتطوير، والتنقية والتصحيح والتنزيه!.. ما زالوا يحاصرون المؤمنين ويصدُّون عن الدين، يدسون القطن في آذان الناس، ويغطون بالغمائم عيونهم، تماماً كما كانوا في بدايات الدعوة، مهدها وأيامها الأولى… وفي الرواية أنَّ أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس قدما مكة، في موسم من مواسم العرب، وهما من الخزرج، وكان بين الأوس والخزرج حرب بقوا فيها دهراً طويلاً، وكانوا لا يضعون السلاح لا بليل ولا نهار، فخرج أسعد وذكوان إلى مكة يسألان الحلف على الأوس. وكان أسعد بن زرارة صديقاً لعتبة بن ربيعة، فنزل عليه، وقصَّ عليه ما جاء من أجله. فقال عتبة بن ربيعة في جوابه: بعدت دارنا من داركم، ولنا شغلٌ لا نتفرغ لشيء. قال أسعد: وما شغَلكم وأنتم في حرَمكم وأمنكم؟ قال عتبة: خرج فينا رجُل يدَّعي أنه رسول الله، سفَّه أحلامنا، وسبَّ آلهتنا، وأفسد شبابنا، وفرَّق جماعتنا. فقال له أسعد: هو منكم؟ قال: ابن عبدالله بن عبدالمطلب، من أوسطنا شرفاً (من توسط الرئيس المجلس في قومه، فيكون الوسط هو الصدر، لا ما يكون بين الأعلى والأدنى)، وأعظمنا بيتاً. فلمَّا سمع أسعد وذكوان ذلك، أخذا يفكِّران فيه، ووقع في قلبهما ما كانا يسمعانه من اليهود، أنَّ هذا أوانُ نبي يخرج بمكة يكون مُهاجَره بالمدينة. فقال أسعد: أين هو؟ قال عتبة: جالس في الحِجر (حجر إسماعيل) وأنهم (أي المسلمون) لا يخرجون من شِعبهم إلا في المواسم. فلا تسمع منه، ولا تكلِّمه، فإنَّه ساحر يسحرك بكلامه. وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشِّعب. فقال أسعد لعتبة: فكيف أصنع، وأنا مُحرم للعمرة، لا بدَّ لي أن أطوف بالبيت؟ قال: ضَع في أُذنيك القطن! فدخل أسعد المسجد، وقد حشا أُذنيه بالقطن، فطافَ بالبيت ورسول الله جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة فجازه. فلمَّا كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهَل منِّي، أيكون مثل هذا الحديثُ بمكة فلا أتعرَّفه حتى أرجع إلى قومي فأُخبرهم؟ فأخذ القطن من أُذنيه ورمى به، وقال لرسول الله صلى الله عليه وآله: أنعِم صباحاً. فرفع رسولُ الله صلى الله عليه وآله رأسه إليه، وقال: قد أبدَلنا الله به ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة، السلام عليكم. فقال له أسعد: إلامَ تدعو يا محمد؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسول الله، وأدعوكم “ألا تُشْرِكُوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلُوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإيَّاهم ولا تقرَبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النَّفسَ التي حرَّمَ الله إلا بالحق ذلكُم وصَّاكُم به لعلَّكُم تعقِلُون، ولا تَقرَبوا مالَ اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتَّى يبلغ أشُدَّهُ وأوْفُوا الكَيْل والميزانَ بالقسط لا نُكَلِّف نفساً إلا وُسعَهَا وإذا قلتم فاعْدِلوا ولو كان ذا قُربى وبعهد الله أوْفُوا ذلكم وصَّاكُم به لعلَّكُم تذكَّرون”. فلمَّا سمع أسعد هذا قال له: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّك رسول الله. يا رسول الله بأبي أنت وأُمي، أنا من أهل يثرب من الخزرج، وبيننا وبين أُخوتنا من الأوس حبال مقطوعة، فإن وصَلَها الله بك، ولا أجدُ أعزَّ منك، ومعي رجلٌ من قومي، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمِّم الله لنا أمرَنا فيك. والله يا رسول الله، لقد كنُّا نسمع من اليهود خبَرك، يبشروننا بمخرجك، ويخبروننا بصفتك، وأرجو أن تكون دارنا دار هجرتك وعندنا مقامك فقد أعلمنا اليهودُ ذلك، فالحمد لله الذي ساقني إليك، والله ما جئتُ إلا لنطلب الحلفَ على قومنا، وقد آتانا الله بأفضل ممَّا أتيتُ له. ثم أسلم رفيقُ أسعد ذكوان أيضاً.
إنها المقادير ويد الغيب، التي أزالت القطن من أُذن أسعد وصاحبه، وإلا فالحرب الإعلامية والحصار والغلبة والمكنة هي لحزب الشيطان وأوليائه، كانت، وهي كائنة، وستبقى كذلك إلى يوم الظهور الشريف…
أيُّ سعي لركوب موجات الإعلام، أيُّ تطلُّع لأداء يحقِّق “الترند” في وسائل التواصل الاجتماعي، أيُّ تكالب على حصد أكبر عدد من المشاهدين والمتابعين في الفضائيات والإذاعات، هو مطيَّة شيطانية تحمل صاحبها إلى الهلاك، والبلاء أنه سيأخذ معه المعجبين به ويسقطهم في الهاوية التي يتدهور فيها!
وكذا قد يتوغل عامل للحق وينجح في تسخير شبكات الإعلام ووسائله وقنواته، لصالح عقيدته ورسالته، لكنه لن يلبث أن ينكشف ويُرصد كنشاز نافر نابٍ، لذا سيُحجَّم ويُلفظ سريعاً وينبذ عاجلاً، ويعود الضلاليون للعلو والسبق والتربع على عرشهم من جديد، ولن يتركوا هذا المخترق حتى يحتلبوه ويكلِّفوه دفع ثمن.
لقد وقع في هذا الخطأ وعثر في هذا المطب، بل سقط في هذه الكناسة وانغمس في هذا الوضر، بعض الرواديد والخطباء، وكذا طلبة صغار تهالكوا على الظهور واستماتوا على الشهرة، تسرَّعوا وتعجَّلوا، فلم يكن لهم بدٌّ من الشذوذ اللافت، والانحراف الجاذب، حتى أعادوا صياغة رسائل ضلال سابقة لفضل الله والحيدري وحب الله، ومن قبلهم شريعتي والبرقعي وحكمي زادة وسنگلجي، بخطاب يوهم العوام بأصالة مزيفة وعلم مدَّعىً، فاحتضنهم وسوَّق لهم الشيطان، ورفعتهم محطات ومواقع الإعلام… ولحقهم العوام!
أخطر ما يواجهنا في الحرب الإعلامية، توهُّم المؤمن العامل أنَّ النصر في تضخم أرقام المتابعين وزيادة أعداد المشاهدين، ما يحمله على السعي للكسب والعمل للجذب، وإغماض الحق ليرضي هذا ويستميل ذاك. والخطر الآخر أن يحسب في ورم النفوس المريضة وتضخم الأرواح السقيمة، قيمة، ويظن أنَّ معيار النجاح ومؤشر الفلاح هو التفاف الجموع وإقبال الناس، وتحقيق الشهرة والنجومية، وكل ذلك من حطام الدنيا، وفي الحديث “يا أبا ذر، والذي نفس محمد بيده لو أن الدنيا كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر والفاجر منها شربة من ماء”.
التعليقات