لا يعرف أبناء هذا الجيل الحوادث التي صاحبت نشوء الحركة الشيرازية، وظهور شخص السيد محمد الشيرازي مؤسساً لمرجعية عائلية وراثية، وتيار اجتماعي وسياسي بات حاضراً في غير ساحة وبلد. لم يأت الشيرازي ولم يكن بالحالة السلبية النافرة التي يعكسها عنه خصومه وأعداؤه، وإن صحَّت في كثير من جوانبها وصدقت في أغلب مفرداتها، فكان مريباً في أهدافه وأغراضه، مشبوهاً بالقوة التي تدعمه وتدفعه، متهماً في علاقاته وارتباطاته، كما لم يكن من الخفة والسخرية، ما بلغ التندُّر على طريقة كلامه وعُجمة بيانه، وإن أسعفهم على ذلك حشو مؤلفاته، وتواضع علمه، وانتحاله الفقاهة وادعاؤه المرجعية، مفتقداً شهادة أُستاذ، أو إجازة واعتراف الحوزة.
فالحق أنه إلى جانب سلسلة السلبيات التي تتابعت وتلاحقت معه، والسيئات التي شانته وأهانته، وأخطرها طامة شكَّلت “أوَّل قارورة كُسرت في المرجعية”، وفوضى خلقها من تجاوز أعراف الحوزة، ما زال المذهب يعاني من تبعاتها ويشكو آثارها وارتداداتها… كان في المقابل ـ وفقاً لمعايير الحركة الإسلامية، لو أنصفت ـ يتمتع بإيجابيات، ويحمل أرقام تميُّز، تبعاً لفكر الحركيين الذين كانوا يحاربونه، ولا سيما في الكويت، مهد انطلاقه ومركز نشاطه، فالحقيقة أنَّ محاربته لم تكن إلا منافسة سياسية وصراعاً حزبياً خاضه وأداره حزب الدعوة، حمل على إغماض “إيجابياته” وتجاهل حسناته! وإلا فالرجل ـ مثلهم ـ جاء يحمل لواء الإصلاح والتطوير، وراية الحركة والعطاء والفعل المنتج، والتمرُّد على الجمود ورفض الرتابة وكل “سلبيات” الواقع الديني آنذاك، التي أُلحقت بالحوزة وأُلصقت بمرجعية النجف الأشرف! كان يحاكي آلام الناس وتطلعاتهم في مرجعية شعبية، قريبة منهم، تتواصل معهم وتتواضع لهم، تنزل إلى مستواهم وتتلمس معاناتهم، وتسد عطشهم وتلبي لهفتهم. كان شاباً، يستثير همَّة الشباب ويحفِّز طاقاتهم. وقد نجح في كثير من الميادين التي طَرَقها والساحات التي ولجها، فأسس مدارس تحفيظ القرآن، وعمل ببراغماتية وعملانية جمعت توظيف الشعائر الحسينية إلى خطاب علي شريعتي والحث على قراءة كتبه! وعزَّز الانتماء الطائفي، بل أسس حزباً سياسياً… ولولا الحرب الشعواء التي ووجه بها، لاكتسح الساحة واحتوى الحركة في كثير من البلدان.
لم يكن لهذه الحالة المربكة للواقع الشيعي والنموذج الجانح في الساحة الإيمانية، أن يتوقف عند الشيرازي والشيرازية الآخذة في الانحسار والتقوقع، فالأحزاب لم تعقم، والمذاهب المعادية والمحافل المعنية لم تهتدِ وتتخلى عن شيطنتها، فتترك الساحة الإيمانية تنعم بالأمان والاستقرار وما يأخذها إلى التنمية والإنتاج… حتى تضخ فيها نماذج أُخرى وتدسَّ شخصيات وتصنع حالات وظواهر جديدة، وأخطرها النموذج الخفي، المتقن في الزيف والموغل في اللبس.
من الضرورة بمكان رصد وفهم بعض الحالات والرجال والحركات، ومعرفة أيها المرشحة لتكون “ظواهر” وخلق تيارات، أشخاص الفتنة ومراكزها المفعَّلة الناشطة، والأُخرى الخامدة الكامنة التي تنتظر التفعيل والبروز. وكذا تشخيص المواقع والجبهات التي يعمل فيها هؤلاء، المتطرِّفة الصارخة، والأُخرى الناعمة الآخذة باللطف المُغوِي والمهادنة الخادعة، حتى يحسبها الساذج في صفِّه وجبهته!
ولهذه الشخصيات ـ الظواهر، مشاريع الفتنة وبؤر الضلال، علامات، منها: حجم الإمكانيات، أموال متكفِّلة ومراكز مساندة وأندية وجمعيات حاضنة، مع غطاء سياسي ودعم إعلامي مُلفت، إما أن ينجح في حمل الشخص وتسويقه، أو يوحي ويوهم، عبر فضاء افتراضي وجيوش الذباب الإلكتروني، بنجاحه وقدرته على الاستقطاب وكثافة الالتفاف حوله… فالغرض النهائي تحقيق ما يسمح ويفسح لطرح الأفكار، ويتيح قيادة الساحة وأخذها إلى التشكيك في المبذول القائم، وتضعيف الموروث الحاكم، ما يفضي إلى صنع مذهب جديد، ومن بعده بلوغ اللامذهبية، الهدف الأصلي للحركة الإسلامية.
ولهؤلاء صفات يُعرفون بها، وقواسم مشتركة تجمعهم… أول ما يميزهم، أنها عمائم كاذبة تنتحل هوية علماء الدين الشيعة دون أن تلتزم بثوابت الحوزة ونهجها وعلومها وطُرقها في التحصيل. وهم بين مَن غلبه الجهل، ومَن تركَّب فيه وتحكَّم، عرف شيئاً وحصَّل قدراً يسيراً، فحسب أنه بلغ القمة، وقد طاب له المنزل والمقام هناك، فراح يجتهد ويستنبط على هواه. يزعم أنها ليست علوماً غريبة وطلاسم وأحاجي مبهمة، لتكون حكراً على طبقة، ووقفاً على مشيخة وحلقة، بل هي علوم مبذولة في كتب، باتت متوفرة في تسجيلات، يمكن تناولها من أي موقع ومكان، فإذا تمتَّع المرء بقدرة ذهنية كافية وذكاء، تمكَّن من هضمها ونيلها بسهولة! من هنا، إذا رأيت أحدهم مندفعاً في مواقفه، جازماً بآرائه ونظرياته، يلقيها بثقة الخبير الضليع، وكأنه اطَّلع على اللوح المحفوظ، فاعلم أنه لم يتلق علومه في الحوزة! وما هذا الهزال والخوَر، والتيه والضياع إلا من ذاك الفقد والعدم. وإن كان حوزوياً، فاعلم أنه لم يعش الحوزة على أُصولها، إما كان منعزلاً منطوياً على شياطينه، أو كان متسكِّعاً فيها يمضي على هامش لا يبلغ صميمها، تراه قضى أيامه المعدودة هناك في مدارس خاصة أو نطاقات حزبية مغلقة، تسيِّره بما يسلبه الحرية، لم يعرف الآداب والتقاليد التي أنتجت الفحول وقدمت العظماء.
إنَّ التلقِّي من أستاذ يخلق مشيخة، والحضور في درس وحلقة يقدح الإشكال ويتيح السؤال، ويفسح لحوار ومناقشة، وبين هذا وذاك تُصحَّح الأخطاء، ويتقوَّم ما تلقَّاه الطالب وحسبه صواباً. فإذا غلب الطمس وحكمت الغفلة، جاءت “المباحثة” سيرة أصيلة لتقوِّم وتنقذ المخطئ الواهم، وتُنجي ابن الميدان من الجهل المركَّب… من هنا لا تجد لعنصر الغواية والضلال، مشايخ وأساتذة، فهو إما مغرق في الجهالة، أو مثقف (معمم) تلقَّى ما لديه من مطالعة وتحصيل ذاتي يشكِّل طامَّة! تعرفهم من جنوح ورهق، ووحشة وغموض، متسلِّقون ينشدون الارتقاء، ومغمورون يعشقون الظهور. ينبتون بلا غرس، ينشأون على قارعة الطريق، لا في الحقول والبساتين، ثم يصعدون بلا سُلَّم، يطفرون فيسحبون ويصنِّفون أنفسهم في العلماء، يطوون المراحل ويجتازون المسافات، كطيِّ السجل، أو كتقليب صحيفة ورقية مليئة بأخبار وإعلانات لا تعني القارئ… لا يطيقون الرتابة فيبعثون الريبة، يتقمصون الإبداع وينتحلون العظمة، ويظهرون مصلحين مجدِّدين، وهم لا يعدون أرباع علماء وأنصاف مثقفين!
على هذه الشاكلة كان الحيدري وفضل الله وآصف محسني وحب الله، وهو ما تراه من الغزي وياسر في لندن، واليعقوبي والمدرسي في العراق، وحمود والخشن في لبنان، وغيرهم من المفرقعات والمتفجرات، وكذا الألغام الأرضية التي لا تدري متى تدوِّي لتدمِّر… وستجد دائماً مشجباً تُعلَّق عليه دعوى التتلمذ، وغطاءً من عثير يثيره أو يوفِّره اسم وِتْر يُدسُّ في البين، مثل لافتة “حلال” على واجهات المطاعم في أوروبا، يأخذ بها المستخف بدينه، وهو يرى أنواع الخمور تقدَّم لمرتاديها! وعلى نفس الخطى وفي ذات السياق يظهر اليوم في الكويت “بخاري الشيعة”، ومن سخرية القدر، أنه منح بالأمس أحد علماء البلاد شهادة فقاهة! لم يدَّعها السيد الجليل لنفسه، لورعه وإحاطته بالأُصول التي يجب التزامها في المقام، ومنها التواجد في الحوزة والتلمذ على الأساتذة، ثم إجازتهم له… ولا يرتاب حصيف أنَّ المتحاذق خلعها على الرجل مقدمة لادعائها وتمهيداً لإعلان نفسه مجتهداً، فـ “لأمر جدع قصير أنفه”!
إنَّ هذا المسكين الذي بدأ مسيرته بالالتفاف على الشهادة الثالثة ومحاولة إسقاطها، ومضى ساعياً لجحد معاجز الأئمة والإزراء بمقاماتهم، وراح في عبث صبياني بالحديث وعلومه، كل ذلك بثقة واختيال وغرور، وسفَه وتهوِّر وغفلة، ورعونة الحدث وطيش المراهقة… هو مجرَّد معنى حرفي لا قيمة مستقلة لشخصه ولا كرامة، شأنه شأن غيره من دعاة الضلال وعناصر الإضلال، عواتق تُرقى وظهور تُركب، قناطر تُجتاز وجسور تُعبر، تأخذ إلى مشروع الغواية الذي يقف خلفه أولياء الشيطان. وهم جميعاً يحملون في الجوهر نفس الخطاب، لكنهم يتفاوتون في مهارة صياغة مفرداته المنبوذة، والتحايل على مقولاته المستهجنة، وإخراج الصورة من قبحها، بما يتجنَّب معوقات تسويقها، وينأى بها عن الردِّ والرفض، فالمؤدى واحد، يفضي إلى الاستخفاف بالتراث والاستهانة بنتاجات أعلام الطائفة وما عليه أساطينها، حتى يبلغ الأمر منهم إسقاط معالم المذهب وخصائصه ومميزاته، وإعادة تشكيله بلغة حديثة وخطاب عصري يطيب للماسون وكل ملعون!
والحسرة هنا على مؤمنين سذَّج يدعمون هؤلاء ويتبنون مشروعهم “الإصلاحي”، حين يكتشفون أيَّ جمَل أصعدوا المئذنة، ولات حين مندم. أما الأذكياء الخبثاء، الموظفون المكلفون بالدعم، فموعدهم المعاد وقبله القبر، الذي حسبوا لكلِّ شيء، وأغفلوه! وبعد، فلا تعجب من لفيف يحفُّ بهذا، ولا تُؤخذ بجمع يصفِّق لذاك، يكفيك التدبُّر في الأرقام الفلكية من المتابعين والمعجبين التي سجلها غناء الرواديد، فتعرف في أي انحطاط يتخبط العوام وأي سياق يخلق هذا “المجد”!
التعليقات