قد يطيب لأحدهم طبَق لفائف ورق العريش مع شرائح اللحم ووصلات الضلوع الناضجة على أبخرة المحاشي، أو حزمة من سفافيد الشواء تقلَّب في موقد ليستوي ما شُكَّ فيها على نار هادئة، ويستحسن آخر الخوخ والرمان والتين، أو أكباش التوت ومثاني الكرز وعناقيد العنب، فيتغنى بهذه ويلتقط لتلك الصوَر وينشد فيها الأشعار… ولكنه في النهاية، ومنذ البداية، كان يريد أكلها وما زال ينوي التهامها!

تُرى، ألا تعرف المرأة إلامَ ينظر الرجل فيها؟ وماذا يريد ويرجو منها؟ هل تثق امرأة بالغة ناضجة وتفرض النزاهة والبراءة والعفوية في رجل أجنبي؟ ولا سيما الذي يدنو منها ويتقرَّب إليها، يدَّعي التحنُّن على ضعفها، أو الإعجاب بمهارتها، أو الاستفادة من علومها والتزوُّد من معارفها؟ هل تصدِّق فتاة وينطلي على امرأة أن رجلاً يهش لها ويبش، يلقاها طلقاً متهللاً، يتودَّد إليها ويتحبب، ويرفق بها ويحنو عليها، قربة إلى الله تعالى؟ أو شغفاً بالعلم الذي تحمل والمعرفة التي تتمتع بها؟ هل ينطلي على امرأة أن الجمع المنتظم على مقاعد المتفرجين في قاعة المسرح الذي انتصبت على خشبته، أو آلاف المتابعين الذين يلاحقون أفلام الفيديو التي تبثها على وسائل التواصل الاجتماعي، يبحثون عن الترفيه البريء، أو الحلول التي تطرحها لمشاكلهم الاجتماعية وأزماتهم الروحية والأخلاقية؟ وأنهم ينتظرون كلماتها وتنظيراتها ونفيس معلوماتها على هذا الصعيد وذاك؟!

وليس الأمر وليد حرمان وشبق، ولا إفراز بيئة مغلقة ومجتمعات معقدة، كما تحاول بعضهن التبرير، والتذاكي للالتفاف على هذه الحقيقة… بل هو ما يجول في ذهن كل رجل، من مصمم الأزياء الفرنسي الذي  يعيش أعلى درجات الإباحية، يمرح ويرتع، ويزدرد من الجنس ما شاء ويبلع، فتراه يصمم من الثياب ما يثير، يعرف أين يستر وأين يحسر، ويجيد التركيز على ما يأخذ بمجامع قلوب الرجل ويسيل لعابه. إلى البدوي في الصحراء والقروي في الحقل وكل بيئة قاحلة من الجنس مغلقة، تحمل على وطء الدواب وإتيان البهائم! كل الرجال يفكرون في المرأة غرضاً ووسيلة لإشباع الرغبة وإطفاء الشهوة.

في الغور العميق لكل امرأة، والسرِّ المكنون لكل فتاة، أنَّ الرجل حين ينظر إليها، بلمحة خاطفة، أو يرمقها ويحدق فيها، إنما يسعى جهده ويحفز طاقته ويشحذ خبرته، ويوظف حصيلة تجاربه، ليستشف ثيابها وينفذ إلى ما تحتها مما تستر! الهدف الأول لكل رجل ينظر إلى امرأة أجنبية هو أن يعرِّيها، فيعرف جمال قامتها وتفاصيل محاسنها، مدى انتصاب وتكوُّر أثدائها، وامتلاء سيقانها، والتفاف أفخاذها، واكتناز أردافها! وقد يبدأ من بياض نحرها ونعومة كفِّها، وكل ثغرة (جزء غير مستور) يبني خياله عليها رأس جسر يأخذه إلى بقية الأجزاء والأعضاء المتوارية في حجاب. ويبلغ المرض في بعضهم الذهاب إلى تصوُّر ما ترتدي من ملابس داخلية، تخيُّل أنواعها وألوانها!

هذه حقيقة تعرفها كل امرأة، فلاحة أُميَّة كانت أم متعلمة تعيش في أرقى المدن وأكثرها انفتاحاً، تعرف بفطرتها وتدرك بعميق إحساسها وفهمها، أن الأمر بينها وبين الجنس الآخر، من نظرة إلى سلام فابتسام، هو حيلة ومكيدة، طُعم وشباك لصيدها، وما يأخذها إلى موعد فلقاء، والهدف النهائي هو نيلها، والسلطان الحاكم على جميع مراحل التواصل هو الطمع في تذوقها والتهامها!

لم يحظر الإسلام بشريعته السمحاء النظر للمرأة ولمسها ومصاحبتها ومفاكهتها، وحتى الجلوس في مقعد أخلته للتوِّ، ولا نشر عطرها، وسائر ضروب التواصل معها والاقتراب منها، تعسفاً وتشدداً، كما لم يفرض الحجاب والفصل وعدم الاختلاط بين الجنسين، من إفراط وامتهان لهذا المخلوق الذي يمكن أن يرقى فيبلغ قمم الفضل والطاعة والتقوى، كما يمكن أن يتسافل ويكون مجرد النظر إليه “سهماً من سهام إبليس”، ويبلغ أن تصبح المرأة “كلها شر، وشرُّ ما فيها أنه لا بد منها”!

إنَّ هذا الكم الهائل من دعائم وروافد تزيين المرأة، وإذكاء عوامل الجمال والإغراء والإغواء فيها: حُلي ومجوهرات، أزياء وصرعات، مساحيق وعطور، زراعة وعمليات تجميل، أفلام سينمائية وأعمال تلفزيونية، مجلات ومطبوعات، كلها تشير إلى العنوان الحقيقي لظهور المرأة في الملأ العام، وأنَّ القضية هي الجنس والنكاح والعلاقة الشهوية، وما عدا ذلك فضلة، وما يسجَّل من خلاف له لا يعدو مقدمة أو نتيجة، مصاحبة وملازمة أو تابعة لاحقة. حتى التناسل وطلب الذرية كان الجنس طريقه والشهوة سبيله وسببه… فمن الاستخفاف بالعقول أن تُقحَم المرأة في الملأ العام ولا يلحظ هذا العنوان، وتظهر على الرجال وتختلط بهم، وكأن لا وجود هنا للجنس والشهوة، والبلاء الأعظم أن لا يكون هذا التجاهل والاستغفال من شطط وطيش ونزوة أفراد، فقد انتقل ليتحول إلى خطاب ديني، يعمد إلى فذلكة شرعية، تدعو لدخول المؤمنة المحجبة، بعد حقل الإعلام والتلفزيون، إلى ميادين “اللايف كاوتش”، و”استاند اب كوميدي”!

قد يكون في النساء من تبلغ بها السذاجة والغباء والغفلة عن طبيعة النوع، مبلغاً يصعب تصوُّره، فتجحد وتنكر الدور الجنسي والعامل الشهواني لظهورها، وتدَّعي أنَّ الحجاب الشرعي كفيل بحفظ عفَّتها ودرء الأعين والنوايا الشيطانية التي تلحظها وترمقها.. و”قد” هذه هي أخت “لو” تلك، التي تفتح عمل الشيطان! ومن نافلة القول أنَّ هذا لا ينفي الحالات الخاصة، و أن لكل قاعدة شواذ ولكل عموم تخصيص ولكل إطلاق تقييد، ولكنه هنا من الضيق ما لم تسعه عصمة نبي، حتى قال “وما أبرئ نفسي إنَّ النفس لأمارة بالسوء”، ولكنه على كل حال لم يسقط “إلا ما رحم ربي”… فالطعن والمؤاخذة على الظاهرة ولا يتوجه لأسماء وأشخاص بعينها.

لا بضاعة اليوم في سوق الفساد الديني والانحراف العقائدي مثل استمالة قطاع النساء، ودغدغة مشاعر المرأة، إطرائها وكيل المدح لها والثناء على دورها ومكانتها، ودفعها للعمل والمشاركة والظهور، وما إلى ذلك من أسباب كسبها وإلحاقها بسواد الحركة الإسلامية.

لم يكن هذا السقوط والانحدار إلا بعد تضييع مفهوم الخدر، الذي هُتك تحت عنوان الضرورات التي تبيح المحظورات، وفتح باب تعليم الفتيات لسد فراغ الحاجة إلى القوابل والممرضات والطبيبات اللاتي يعالجن النساء، ويحفظ المؤمنة المريضة من الانكشاف على أطباء رجال… وما زالت الصخور تتدحرج على هذا السفح الخادع وتهوي في الوادي الشيطاني، حتى فاقت أعداد الفتيات ونسبهن في الجامعات وسائر الكليات التي يتخصصن فيها نِسب الفتيان، وصرن يزاحمنهم في مختلف الوظائف وأسواق العمل، والاستثناء الوحيد كان التخصص في  أمراض النساء والولادة! ما زالت نسبة الذكور فيها تفوق على الإناث، فتأمل في الخدعة وانظر إلى الكذبة الكبرى!

كثيراً ما يحتج الحداثيون والحزبيون وعموم الحركيين الإسلاميين في رفض الشعائر الحسينية بسيرة المراجع العظام، وأنَّ التطبير ـ على سبيل المثال ـ لو كان فضيلة لسبقكم إليها المراجع، لكننا لا نرى أحداً منهم يفعل ذلك… وهنا حق أن يُسألوا ويُحتج عليهم فيُفحموا: هل أبرز أحدٌ من المراجع ابنته أو زوجته في الملأ العام؟ هل عرضها في التلفاز ووسائل التواصل، يتصفح وجهها القريب والبعيد والدنيء والشريف؟!

Posted in

التعليقات