لا عِرق غضب يضرب فيهم ولا شريان غَيْرة يهيج، لا أنفة يثيرها امتعاض ولا رجولة تستفزها نخوة، وجوه جامدة بل متجمدة، خمد فيها التأثر والانفعال، وغاب عنها الشعور ومات الإحساس، ونفوس كسولة، تافهة ملولة، انماثت فيها المروءة وهمدت الحميَّة، وزال السخط واندثرت الكرامة، فلا تهبُّ فيهم هذه لتُنهِضهم، ولا تنزل بهم تلك لتنقذهم!.. على هامش الحياة يمضون وإن بدوا واجهات، ولعلَّ بعضهم يلمع كنجوم. ومع أن الدنيا لم تقبل عليهم إلا بفتات، ولا نالوا منها ما بلغ أربابها من سلطة ومال وشهرة، إلا أنهم باعوا آخرتهم بهذا الضئيل، ورضوا أن يكونوا مع الخوالف لهذا البخس اليسير. علماء دين ومثقفون وناشطون متدينون، يفترض أنَّ الشأن الديني هو محور حراكهم ومرتكز نهضتهم ونشاطهم، كما يفترض فيهم الوعي والتنبه لما غفل عنه غيرهم من العوام، وإدراك ما خفي على سائر المؤمنين النيام… لكنهم يتجنَّبون، وهم الطليعة القائدة والكوكبة الرائدة، أيَّ فعل وموقف ينوِّه بهويتهم الطائفية، وأدنى قيام ودفاع عن شخصيتهم المذهبية، كأن الانخراط في قضايا المذهب والدفاع عن شؤون البيت الشيعي، أمر معيب، أو يتعارض مع رسالتهم وانشغالهم في القضايا الإسلامية العامة أو الوطنية الخاصة!؟
إنَّ مقدَّسات المذهب تُهتك، وحمى معالمه تُنتهك، وأبناؤه، ولا سيما الشباب، في اضطراب وضياع، بلغ في بعض الموارد التيه والشتات، والقوم في سكون وسبات! عبث وفوضى تضرب أطنابها في الشعائر الحسينية والحوزة العلمية والمرجعية الدينية والعتبات المقدسة… أداء سحق الأصالة وأودى بكُنه الشعائر وجوهر رسالتها، انحدار وفشل ذريع في مخرجات المناهج المحدَّثة للحوزة، صعاليك يدَّعون الاجتهاد والفقاهة، وأحزاب مريبة اخترقت إدارة العتبات، وتبنَّت آراءً منحرفة ومواقف مخزية، وسقطت في الفساد والخيانة، ما ذهب بحرمة الموقع وحصانة الدور، وألحقته بالإتجار والعبث بعد القداسة والخفر!
والمعنيون بالتصدِّي، المخاطَبون به من علماء ومثقفين وحركيين، يتجاهلون كل ما يجري ويهملون كل ما يقع، ويمضون في صمت وإغضاء وإطراق، كأن الأمر لا يعنيهم، ولا القضية تمسُّهم! وفي أحسن الأحوال، تراهم في ترقُّب، ينتظرون مَن يكفيهم المؤونة، ويقلب الوجوب من العيني إلى الكفائي، وكأن حمى الدين وأُصول المذهب ميتٌ على أحدٍ أن يقوم بتجهيزه والصلاة عليه ودفنه! وخذ هنا في الفذلكات التبريرية، والديباجات المعذِّرة، ما يسطر مطولات، ويصرف طاقات ويهدر المزيد، ويشغل أكثر مما يطلب العدو ويريد! وأدناها ما يتناولونه من قريب: “الباطل يموت بتركه”!
هناك مَن ينزع، في فهم الرجال ومواقفهم، إلى التحليل النفسي، وقراءة الطباع والسجايا، ويصرُّ على تتبع عوامل الوراثة ودورها في البناء الروحي والأداء الأخلاقي للفرد، مع هامش لا ينكر من دور وتأثير للالتزام الشرعي، وتمسُّك الملتزم بالأحكام والآداب… فيخلص إلى أنَّ هناك ضعة وخسة ودناءة، لا تسعف بعضهم للنهوض بأدوار شريفة جليلة، فيها نُبل الدفاع عن الحق، ومجد نصرة الدين، وما يأخذ بهم إلى مصاف العظماء والمصلحين.كما أنَّ هناك جبن وخرع، أو قُل وداعة ورخاوة، وسكون ولين، لا يتيح النهضة والقيام وما تتطلبه من خشونة وشدَّة، وقسوة وحدَّة.
ويقابل هذا الرأي، آخرون يُرجعون أمر هذه السلبية إلى ضعف العقيدة وهزال الالتزام الديني، وأنَّ مَن يُشار إليه بالتصدي لأدوار القيادة والريادة ليس في واقعه أهل لذلك، ولا استوفى الشروط، إنما هي ظروف قادت وصروف أفضت، فشدَّ الناس السروج على الحمير والبغال، وتوَّجوا بالعمائم رؤوساً كان الحق أن يعلوها النعال! وببساطة ووضوح، الرجال هنا طلاب مال وشهرة، وأتباع جاه وسلطة.
وهناك طائفة ثالثة تذهب إلى أن هؤلاء، لا يختلفون، يعانون ـ كما أولئك ـ من الفساد العقائدي والانحراف! فمن يُشار إليهم كعلماء ومثقفين أعلام، يرجى منهم القيام، وتُعلَّق عليهم الآمال في مواجهة الظواهر السلبية والتصدِّي للضلالات التي تهدد المذهب والهوية.. يعانون في حقيقتهم من الضعف والاهتزاز، والخواء وانتفاء الارتكاز، ولربما كان بعضهم ـ فيما يخفي ـ أكثر ضلالاً من أُولئك المفتَضحين أصحاب الرايات، غاية الأمر أنه بقي متوارياً،لم يظهر عقيدته ويكشف سريرته!
ومن هذه العوامل وتلك، يمكنك أن تقرأ علامات الانتكاس والتراجع في بعض الفضلاء ممن كان له شرف المساهمة في نصرة الزهراء ومواجهة الضلال في بدايات فتنة فضل الله، الأمر الذي خلع عليه بُردة الشرف بل تاج الكرامة، وما لحق من شهرة وقبول ومحبة في قلوب المؤمنين… تراه اليوم يتنكَّر لفضل هذا الموقف وذاك الاصطفاف، ويعمد ليخوض الميدان بمقوِّماته الشخصية، يحسب أحدهم أنَّ فضله، وآخر أن بيته وانتسابه، يكفيه ويغنيه، وكفيل بأخذه إلى ما يحقِّق طموحه. غافلاً أنَّ المرجعية لن تكون في مَن زار فضل الله يوماً، أو برَّر لفعله والتمس له الأعذار، وترحَّم عليه وشارك في تأبينه، ولا في مَن انتسب إلى الأحزاب وانخرط في تيار الضلال تحت أي عنوان، ومن أي باب. وكأن هذا من إرادة المقادير وخفي التدبير، ولو تفكَّر المرء في غياب بعض الشخصيات وظهور أُخرى على الساحة، وأُفول بعض النجوم وصعود آخرين، لوقف على جانب من هذه الحقيقة، وعرف شؤم جامعة المصطفى والأحزاب والتيارات السياسية التي تحتضن هذا، ويدفع إعلامها ذاك، ترفع جيوشها الإلكترونية مَن دخل حزبها وتسوِّق لمن التحق بركبها!
لا تريد الساحة الإيمانية موقفاً ثورياً يشهر السلاح ويردع المنحرفين والمتآمرين على الدين، يواجههم بالعنف والقوة، بل تريد شيئاً من الغيرة والحمية التي تخرج واقعنا من السلبية. كان الثوريون في العهد السابق يغارون على عقائدهم وينهضون للدفاع عنها، وكنت تلحظ في بعض الأحيان أن الغيرة عليها أكثر منها على شعاراتهم السياسية، يقفون ضد النيل من الشعائر الحسينية، يوجهون البلاد بأسرها صوب الالتزام بأصالتها والإبقاء عليها تقليدية (سُنتيَّة)، ويتموضعون ضد المسِّ بمناهج الحوزة ويصرُّون على استمرار منهج الجواهري والشيخ الأنصاري، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها على كلمة عابرة أصابت من بعيد مكانة الزهراء عليها السلام، دعت للبحث عن امرأة أُخرى معاصرة تصلح أن تكون قدوة لنساء زماننا. وهكذا كان الغيارى من غير الثوريين، لا يباتون على ضيم مسَّ المذهب، وظلامة طالت سيدة نساء العالمين، جحدت كسر ضلعها وأنكرت إسقاط جنينها، زلزلوا الأرض تحت أقدام فضل الله وأنصاره، حتى انكفأوا وتقزَّموا، وسُحقت مرجعية مزيفة ضالة، كانت مُعدَّة لقيادة انحراف يسلخ عن المذهب هويته، ويمسخ عنه حقيقته… أما اليوم، وقد رجع الثوريون إلى علي شريعتي، والتحقوا بالإخوان المسلمين، ما عادوا يبكون إلا على الأقصى وفلسطين! وأما غير الثوريين، فقد أصبح كل منحرف لا ينافسهم على دنياهم، مكرَّماً مبجلاً، وغدت مادة الضلال التي أسقطت فضلة الشيطان، بضاعة “علمية” ومادة “حوارية”، ينهض “تيار التصحيح” بترويجها وتسويقها، فيحتضنه الدنيويون ويوقِّره الوصوليون!
في الحديث الشريف: “إنَّ الله جلَّ وعلا بعث ملكين إلى مدينة ليقلباها على أهلها، فلما انتهيا إليها وجدا رجلاً يدعو الله ويتضرع إليه، فقال أحدهما لصاحبه: أما ترى هذا الرجل الداعي؟ فقال له: رأيته ولكن أمضي لما أمرني به ربي. فقال الآخر: ولكني لا أُحدث شيئاً حتى أرجع. فعاد إلى ربه فقال: يا رب إني انتهيت إلى المدينة فوجدت عبدك فلاناً يدعو ويتضرع إليك. فقال عزَّ وجل: امض لما أمرتك، فإنَّ ذلك رجل لم يتغير وجهه غضباً لي قط”. وفي حديث آخر عن الباقر عليه السلام: قال علي عليه السلام: أوحى الله تعالى جلَّت قدرته إلى شعيا إني مهلك من قومك مئة ألف: أربعين ألفاً من شرارهم وستين ألفاً من خيارهم. فقال عليه السلام: هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فقال: داهنوا أهل المعاصي فلم يغضبوا لغضبي”.
وقد أورد السيد المرتضى في عيون المعجزات أنه: “لما قبض الرضا كان سن الجواد نحو سبع سنين، فاختلفت الكلمة بين الناس ببغداد وفي الأمصار، واجتمع الريان بن الصلت، وصفوان بن يحيى، ومحمد بن حكيم، وعبدالرحمن بن حجاج، ويونس بن عبدالرحمن، وجماعة من وجوه الشيعة وثقاتهم في دار عبدالرحمن بن الحجاج في بركة زلول، يبكون ويتوجعون من المصيبة. فقال لهم يونس بن عبدالرحمن: دعوا البكاء! من لهذا الأمر، وإلى مَن نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا؟ يعني أبا جعفر عليه السلام؟! فقام إليه الريان بن الصلت، ووضع يده في حلقه، ولم يزل يلطمه، ويقول له: أنت تُظهر الإيمان لنا، وتُبطن الشك والشرك؟ إن كان أمره من الله، فلو أنه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ العالم وفوقه، وإن لم يكن من عند الله فلو عمَّر ألف سنة فهو واحد من الناس، هذا مما ينبغي أن يفكَّر فيه. فأقبلت العصابة عليه تعذله وتوبخه”.
إن أمثال هؤلاء الأفذاذ هم الذين حفظوا المذهب ونقلوا التراث وأوصلوه لنا، ومثل هذه المواقف البطولية التي تتفجَّر غيرة وحميَّة، يسبقها علم ومعرفة وورع، هي التي أبقت المذهب في مساره ومكَّنته من الصمود ومقاومة أكبر المؤامرات تعقيداً وأعتى الهجمات ضراوة وأشد المصائب والمحن ألماً… ومما ينبغي للمتأمل الوقوف عنده في هذه الواقعة، أنَّ المحفل كان يضم نخبة الشيعة وأعلامهم، أعظم فقهائهم في ذلك العصر، ومع ذلك لم يصبر الريان بن الصلت ولم يسمح بغرس أو إثارة شُبهة، بدت عابرة، (أغلب الظن أن طرحها كان مقصوداً إن لم يكن بأمر خفي مُسبق من الإمام، فليس مثل يونس بن عبدالرحمن مَن يقع في هذا). ومع أنَّ النطاق كان خاصاً محفوفاً، ضيقاً محدوداً، ولا خطر على من سمع كلام يونس، ولا سعة لبناء شبهة أو ضلالة تترتب عليه، لكن العالم الرباني لم يصبر أن يأخذ بخناق أخيه، بل أن يوسعه لطماً!
لعمري، كيف بالريان لو كان في عصرنا، يشهد هذا الإفراط في التشكيكات وإلقاء الشبهات، ورأى البطَن أو السلس في التضعيفات والتحريفات، تلقى على الملأ وفي العلن، عبر الفضائيات والإذاعات، ووسائل التواصل والمدوَّنات، والكتب والمطبوعات، ما لا يوفر من الشيعة شاباً أو فتاة، رجلاً أو امرأة، كبيراً أو صغيراً… إنَّ الساحة الإيمانية تتطلَّع إلى موقف ورجل أو جمع على شاكلة الريان بن صلت رضوان الله عليه، لا يكتفي بوضع يده في خناق الطاغوت الذي يرعى تيار الضلال اليوم، ويلطمه على وجهه فحسب، بل يكمل نهضته ويُتم فضله، فيحمل فأساً إبراهيمية يهوي بها على أعوان الشيطان وزبانية السلطان، حتى يجلي عن المذهب كلَّ زيف ألحقه، ويزيح الريب عن المعارف التي طمسها وشوَّهها، ويعيد للشيعة رشدهم الذي فقدوه في عهده وعلى يديه.. سيقيِّض الله لدينه ويبعث من خاصة أوليائه مَن ينهض بهذا الدور ويحظى بهذا الشرف، وتأبى المروءة أن تفارق أهلها، وخلق الله للحروب رجالاً، ورجالاً لقصعة وثريد.
التعليقات