إلى جانب نخبة أصيلة من علماء الدين الربانيين، وصفوة من العاملين المخلصين، حمَلة المعتقد الصحيح وناشري أحكام الشرع المبين، الذين طلبوا العلم وانتسبوا للحوزة قربة إلى الله، لا يريدون من كسب المعارف الدينية والانخراط في هذا السلك المقدَّس إلا وجهه تعالى، وشرف خدمة إمام زمانهم، والنهوض بواجب تكفُّل أيتام آل محمد… إلى جانب هؤلاء، هناك طائفة من أهل العلم ـ يتبعون مرجعيات مختلفة ـ فيهم أساتذة وفضلاء، وجملة من أبناء الأُسر العلمية، وآخرون منسوبون لمشاهير وأعلام، يسعون لتكوين بيوتات تحاول اللحاق، ثم سواد من طلبة صغار، غرَّهم وهْم الوقار وطاب لهم سمت الكبار! يشكِّلون في المجموع تكتلاً ويصنعون محوراً، يسعى للسيطرة على الحوزة العلمية، ويكافح ليظفر بتمثيل الروحانية الشيعية. هذا التكتُّل، هو العنصر الثالث في ساحة تتفاعل فيها اليوم وتتنافس مع النفوذ الإيراني ودور الأحزاب.
إنَّ هذه الشريحة العلمائية، التي تشكِّل إحدى المحاور الأساس في الحوزة العلمية، الفاعلة في تكوين العقل الجمعي لطلابها، والنافذة في صنع القرار فيها، والعمدة في رسم طابعها وما يشار به إليها… هي من أكبر أسباب عجز الحوزة ووهنها، وعلل هزالها وتقصيرها، مما يظهر في اضطراب أطروحتها وتخبُّط خطابها بين الحداثة والتطوير مقابل الأصالة، وبين الثورية والحركية مقابل التقية، ما مكَّن الأحزاب من التفوُّق، وأعان النظام في مغالبته وإخضاعه هذا الكيان العريق! بل إليها يرجع التردِّي المشهود في عموم الساحة الإيمانية، فضلاً عن الحوزوية. وما تراه من طغيان الضلال والبدع، وتفشِّي الرأي المخترع، هو انعكاس لهذه الحقيقة، وثمرة سوء لهذا الواقع المرير. والمعضلة أنها ليست فئة دخيلة ولا عميلة، بل حالة تحكي تاريخاً متقدِّماً، غاية الأمر أنها كانت بين جزر ومد، تغلب الحكمة والأصالة والإخلاص تارة، أو تنحسر لصالح التكسب والاستئكال، ثم الخُرق والغباء أُخرى، وهي تعيش اليوم أوْجاً في المنسوب وارتفاعاً غير مسبوق!
لذا، من الضرورة بمكان تسليط الضوء عليها، والتفتيش في دورها وتأثيرها، بعد معرفة مواصفاتها وبيان معالمها. إنها كتلة الحياد والامتناع… لا يجيب هؤلاء على سؤال، ولا يردُّون شبهة ولا يتصدُّون لضلال! وأوَّل ما يستوقف الباحث، ويلزم المؤمن الفاحص، التنبُّه والالتفات إلى أنَّها جماعة تتوارى وراء خمودها، وتختبئ خلف سلبيتها، التي تجنِّبها الصدام وتوفِّر لها السلامة والأمان، وتتكفَّل بقاءها في موضع يؤمِّن دنياها ورغد عيشها، كما يحقِّق عنوان الالتزام الشرعي (في المنظور العام). ثم يلحق ذلك البراغماتية، الأخذ بالمصالح ودرء المفاسد، سمة غالبة وصفة لازمة، ما يعينها على التكيُّف الذي لا يلتزم مبدأ، ولا تحكمه قيمة وأُمثولة، فكلُّ تكليف شرعي يمكن تجاوزه وتخطيه تحت عنوان المصلحة والتقية، بتفريعات هذه واشتقاقات تلك، وكلُّ خطْب، مهما كان جللاً، يمكن إغفاله وتجاهله، بذريعة ضيق الخناق وعدم الوسع، والمشجب الحمول: “القدرة شرط التكليف”… فتقع الكوارث على الدين، وتحلُّ المصائب بالمذهب، وتنزل الرزايا على المقدَّسات، ولا أحد يحرِّك ساكناً! هناك حقائق بمنتهى الخطورة يجري تزييفها باسم التطوير، وعقائد في صلب المذهب وقوامه، يطالها التحريف بغطاء الاعتدال ونفي الغلو، وحرب شرسة ضد الشعائر الحسينية في العزاء والمزار، بدعوى التنزيه وذريعة مواكبة العصر.. وهذا تراث لاقى السلف في جمعه وتصنيفه الأمرَّين، وتحمَّل لحفظه ونقله الأقورين، بات مادة للعبث ومسرحاً للاستعراض! ساحة قحمها غرٌّ سفيه اتخذ الأحاديث ألعوبة يلهو بها باسم التصحيح، وآخر غلبه الزهو والغرور، حسب أنه يفوق الأولين والآخرين، راح يحكِّم سقيم ذائقته ومريض مزاجه، ويطلق العنان لعُقده النفسية وآفاته الروحية، يهدم ويسقط ما شاء من التراث المعصوم!
والقوم في سبات، وكأن الأحد يلي السبت والخميس يسبق الجمعة!.. ومن هنا تظهر الصفة الأهم ويرتسم المعلم الأخطر: إسقاط التبري من سلوك القوم وقاموسهم! فالسعي للمكانة الاجتماعية وكسب المال، وجمع المريدين وحشد الأنصار، بناء المؤسسات وإرساء المرجعيات، يفرض تقوية “الجذب”، ويقتضي نفي التبري والطرد، واختفاء المواجهة، حتى إذا حكمت موازينهم الباهتة بضلال أحد، فلا صدام ولا قطيعة! كأن سلب التشيُّع جوهره، وتقويض أُسسه ونفي ثوابته وهدم مسلَّماته، مسألة فيها نظر! فلا غضاضة إذا رأيت الأضداد يمرحون في رحابهم، والنقائض يتآلفون في أجوائهم! حرائق شبَّت، وعواصف هبَّت، وبقاع زلزلت، والإخوة الكرام في شغل، بين فرار بذريعة حرِّ التنازع بين المؤمنين، وقعودٍ بحجة برد الفتنة وشقِّ عصا المسلمين، وتقريع أميرالمؤمنين يدوِّي في كلِّ أُذن واعية: “فتواكلتم وتخاذلتم حتى شُنَّت عليكم الغارات…… فقبحاً لكم وترَحاً حين صرتم غرَضاً يُرمى، يُغار عليكم ولا تغيرون، ويُعصى الله وترضون! فإذا أمرتكم بالسير إليهم أيام الحرِّ قلتم: هذه حمارَّة القيظ أمهلنا يُسبَّخ عنَّا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبَّارة القُرِّ، أمهلنا ينسلخ عنَّا البرد… فإذا كنتم من الحرِّ والقرِّ تفرُّون، فأنتم والله من السيف أفرُّ”! وهنا أصدر صلوات الله عليه حكمه الخالد وأرسل سهمه النافذ، يخترق الآفاق ويعبر الدهور، ويتم الحجة على الأجيال، وما زال نئيم رميته يدوي، ورنين قوسه ينادي: “يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال وعقول ربَّات الحجال، لوددت أني لم أرَكُم ولم أعرفكم، معرفة ـ والله ـ جرَّت ندماً وأعقبت سدماً، قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيحاً وشحنتم صدري غيظاً، وجرَّعتموني نُغب التهمام أنفاساً”.
الكارثة أنَّ هذه السلبية القاتلة ما زالت تُجلَّل بالتعقل والوقار، وأربابها يظهرون حكماء استبقوا الحوادث وأحسنوا قراءتها، حين خلصوا إلى التروي والتأني، يدَّعون التنبُّه للاستدراج واليقظة عن الاحتيال، ويزعمون الوعي بالكمائن والدسائس! وهم بين حريص على دنياه، وموافق لأرباب الضلال! وعلى سبيل المثال الذي ضربه بعض الفضلاء، لولا العلَمان، التبريزي والوحيد، ثم الشيخ بهجت وآغا تقي القمي، لكانت مقولات فضل الله الضلالية سائدة في الوسط الشيعي، ولكنت رأيت جمعاً من الصامتين اليوم، ناطقين ومجاهرين بأنَّ الرجل لم يقل كفراً ولا أتى بدعة ومنكراً، وأنَّ الذهاب إلى تفسيقه والحكم بضلاله، كان تسرُّعاً من الأعلام، وتوثباً حملتهم عليه الغضبة وغلبتهم الغفلة!
يعمل هؤلاء على استقطاب بقية الطلبة والعلماء، وإخضاعهم لهيمنتهم وسلطتهم المعنوية، وقد نجحوا في ذلك إلى حدٍّ كبير، فهناك كثرة منتظمة في سلكهم، ماضية في ركبهم!.. وباستثناء ثلة مباركة من الطلبة الأحرار المستقلين، فإنَّ البقية يعيشون حالة أشبه بالحزبية، يتحركون بانضباط، وينساقون بانقياد، وإن لم ينتسبوا لتنظيم يحكمهم، ولا قيادة تصدر أوامر أو تعليمات تديرهم! تكفيهم تلميحات خاطفة، وإشارات صامتة، يلتقطونها وهي تسبح في الفضاء، يحملها أثير يبث في دائرة مغلقة، ويتردَّد في نطاق خاص، يستمطرونها وإن كانت سحب صيف، يستنطقون إرشادات وتوجيهات تحملها، ثم يغالون في التزامها، حتى تجعلهم ملكيين أكثر من قيصر!
إنَّ مجسَّات الخطر عند هذه الجماعة لا تعمل أو تنبض ولا تشير للتهديدات الحقيقية التي تتوجَّه إلى الدين، وصافرات الإنذار لا تدق، وأجراس التحذير لا تقرع عند الاختراقات التي تطال عقائد المؤمنين، ولا مع حرائق تشتعل في معالم وثوابت مذهب الحق المبين، كأن التحسُّس والانزعاج والامتعاض، ناهيك بالمواجهة والتصدي، وقفٌ على ما يمسُّ مصالحهم ويطال أشخاصهم، وحكر على ما ينال من هيمنتهم ونفوذهم، ويتهدَّد سيطرتهم وصبغة الحوزة بطابعهم! ترى الحالة العائلية والشخصية هي ما يحكم الأداء، والأعراف السائدة بينهم هي ما يحدِّد المواقف ويرسم المواضع. إنهم يتمتعون بقدرة خاصة وطاقة غريبة على امتصاص الصدمات واحتواء المعضلات! وهم أبرع الناس في المناورة، وأكثرهم كفاية في المراوغة والالتفاف، فكل ما يتحايلون به ويتذرعون ويعتذرون، يُنسب إلى الدين ومصلحة الإسلام والمسلمين!
ولك أن تتأمل في نفوذ شيرازي جاهل يُدعى رشيد، وتوغله الذي بلغ تولي بيان الأحكام باسم الحوزة، قادماً من قلبها ومن قِبلها، يلحق به أخوه حميد، رجل الإطلاعات الإيرانية، لينظِّم حراك الحوزة وأنشطة العتبات في قضية غزة! وثالثهم الأشكوري رأس الجسر في انتقال المناهج والمشارب الإيرانية للحوزة، والثلاثي يشكِّلون بطانة المرجعية المرشحة بعد الحاضرة، فيا لله والمستقبل المرجو والآمال المعقودة! وهنا حقَّ الدعاء للمرجع الأعلى بطول العمر والابتهال إلى الباري تعالى أن يقيِّض للأُمة من بعده مَن يعي الخطر ويدرك أبعاد المؤامرة، فلا يكون من النيام ومن ميِّتي الأحياء!
خذها ممن عاش القضية بتفاصيلها، وقرأ “الكتاب” حتى نهايته: لا ترجو من هذه الكتلة المنطوية على مصالحها موقفاً فيه صدام ومواجهة، إنهم لا يشعرون بقضيتنا ولا تعنيهم همومنا، لن ينصر هؤلاء الدين، ولن ينجدوا عقيدة للتشيع ولا فضيلة لأميرالمؤمنين، طالما خذلونا عند الوثبة، فرُّوا من الزحف وتخلَّفوا عن القتال، قبل أن يحمى الوطيس ويستعر النزال، عرفناهم في فتنة فضل الله متربِّصين، وفي عاصفة الحيدري على مقاعد المتفرِّجين.. أبناؤنا يُسرقون، ومجتمعاتنا في تيه، يعبث بها المتردية والنطيحة، يأخذون دينهم من اليعقوبي وأمير، وپناهيان وقصير، عشرات الملايين يقلِّدون مرجعيات زائفة باطلة، لو قارنت الموقف منها، بالانتفاضة التي صاحبت مرجعية سيد محمد الشيرازي في السبعينات، لعرفت حجم الكارثة التي تعيشها الطائفة اليوم. وهذه أمواج الضلال تعصف بنا، تقدم من لندن وطهران والبصرة ولبنان، بين بابية مقنَّعة، ووهابية مبطَّنة، و”العلماء” في صمت القبور! ولو سبرت موقف الحوزة في عهد الشيخ محمد حسن الجواهري والشيخ علي كاشف الغطاء والفاضل الدربندي وآغا رضا الهمداني وعشرات من علمائنا الأعلام، حماة المذهب وجنود صاحب الزمان، لما تردَّدت في لفظ من يدبِّر الأمر، وإدانة هذه الكتلة الميتة التي تقود المسيرة اليوم! والبلاء الأكبر، كما الشيطان الأكبر، أن يحسب أحدهم نفسه الخضر أو العبد الصالح! يريدنا أن نُمضي خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، نمتثل ونصمت، ونحن نرى كم هو مكبٌّ على دنياه، مطيع لهواه، مخالف لمولاه…
لن يلبث الأطهار في سدوم، سيرحلون مع إمامهم، ولن يكونوا في قوم لوط.. ولا نامت أعين الجبناء.
التعليقات