لن يكون هذا من مؤمن شريف، ولا من حسيب عفيف، لن يسقط في هذا اللوث نجيب، لن يبلغ هذا التسافل طاهر، ولن يجرؤ على هذا الانحطاط عريق، هناك حدود وخطوط لا يتجاوزها الكرام الأُصلاء مهما بلغ بهم الفسق والانحلال، قد يستخف أحدهم بصلاته، ويتهاون بأحكام دينه، حتى يقع في الربا وشرب الخمر وغيرها من الكبائر.. لكنه لن يفرِّط في عقيدته! لن يهتك شيعي حرمة آل محمد ويتطاول على ولايتهم، لن يساوم في هذا ويماكس مهما بلغ فيه الأمر واضطرب الحال، لن يبيع جوهراً تلقاه أباً عن جد، ونشأ عليه خلفاً عن سلف، بحصى أو حجارة من وقود النار… فإذا فعل، فاعلم بأنَّ الشقاء قد وقع والتعس قد استحكم، وأنَّ الشوه قد غلب والمسخ قد تحقق، فما عاد البائس الهالك كما كان، لا بات حيث هدهدته أُمه وأوْدعه أبوه، لقد خلع ثوبه وتعرَّى عن زيِّه، ترك بيته وخرج عن داره! انتقل إلى ماخور شأنه البغاء والفجور، وملهى لازمه السكر والعهر، فما عاد يقبل سابق الطهر، ولا يطيق ماضي السمو، ولا يريد الرفعة التي كان فيها.

ألا فضَّ الله فاك يا لُكع، وسوَّد وجهك يا وضيع، أتقرن مصاب قرَّة عين الرسول وسيدة الإنس والحور، بغزَّة وسكانها؟! أيعدل حرق بيتها الذي رفعت منه ـ وهي تقف في محرابها ـ عمود نور يحمل العرش، بهدم دور في غزَّة ما عُبد الله فيها ـ حق عبادته ـ لحظة، ولا أُدِّيت فيها من الصلاة ـ كما أمر الله ـ ركعة؟! أتساوي ثالث الأسباط المحسن الشهيد، بوليد سُمِّي تيمناً بصدام؟! الزهراء التي تستنزل بزفرتها الأملاك، وتدير بإشارة من سبابتها الأفلاك، وما برحت متشعشعة في الصقع الأول، مع باكورة الوجود، أُمّاً لأبيها وحليلة لصاحب الحوض واللواء، وأصلاً للأئمة الأطهار النجباء، سادة الخلق طرّاً، ممن سكن الأرض وعاش في السماء.. تقاس مصيبتها بمصيبة فلسطين! أُلعوبة الجامعة العربية وعبدالخالق حسونة، وكورت فالدهايم الأمم المتحدة، مهزلة القرن العشرين وصفقة الدولتين!؟.. ألا شُلَّت أيدٍ تصفِّق بخبط صدورها على هذا الهراء، وقُبِّحت وجوهٌ تنتظم في صفوف، تتمايل وتتراقص، على هذا الكفر والفجور.

اللهم إنا براء من هؤلاء، لا علاقة لنا بهم، لا شأن لنا بأحزابهم، لا نرضى بفعالهم، هم ملَّة ونحن ملَّة، اللهم فاشهد! وها نحن ننكر ما وسعنا، ونجاهر ما استطعنا، فأخرجنا اللهم من القرية الظالم أهلها، ولا تجعلنا من خصماء آل محمد ولا من أعدائهم، ولا من أهل الحنق والغيظ عليهم، فإنَّا نعوذ بك من ذلك فأعذنا، ونستجير بك فأجرنا. ثم المعذرة الصديقة الكبرى والإنسية الحوراء فاطمة الزهراء، فلا سبيل لمنع هذا الاعتداء، ولا قدرة لنا على إسكات الأشقياء.

كيف هانت المقدَّسات وسقطت الحُرُمات وهوى وانحدر الإحساس حتى بلغوا هذا الانحطاط والانتكاس؟ كيف سمح مؤمن لنفسه أن ينتقل من قمم ولاء الزهراء إلى حضيض ولاء الإخوان المسلمين، ومن رثاء مصاب آل محمد إلى ندبة حماس؟

يحسب بعضهم أنَّ غضب الله وسخطه لا يكون إلا في ظواهر كونية أو بلاءات مادية حسِّية… تظهر في الوباء والطوفان والجراد والقمَّل والضفادع والدم، أو في حاصب وزلزلة، وخسف وغرق وريح صرصر تجعلهم أعجاز نخل منقعر، وصيحة تخمد الأصوات وتسكت الحركات. أو تراه فقراً ومجاعة وبلاءً، حبساً وتشريداً وتنكيلاً… ولكن الغضب الإلهي له وجوه أُخرى يغفل عنها حتى من تحلُّ به وتنزل عليه، فقد تكون استدراجاً وإملاءً، ذهاباً في المعصية وإغراقاً في المكابرة والعناد، يُسلب شقي نعمة الإيمان، وهو يتبع خطوات الشيطان، خطوة فخطوة، ينكر معاجز أهل البيت وفضائلهم، ويجحد مقاماتهم ودرجاتهم التي أنزلهم الله فيها، ويلحق ذلك بالمصائب التي حلَّت بهم والرزايا والخطوب التي نالتهم، وهو يحسب أنه يحكِّم العقل، أو يُعمِل الضابطة العلمية في التثبت من سند الفضيلة وحقيقة الرزية! حتى يقع في الجحد والإنكار، فيستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، يطيب له القثاء والفوم والبصل، بدل المنِّ والسلوى ومائدة من السماء! يرحل من رحاب الكساء وأنوار العترة الطاهرة والصراط المستقيم، إلى لوث السياسة وقذارة صفقاتها ومتعرِّج مسالكها ومعوج دروبها، وينقلب من ولاء فاطمة والمهدي، إلى نصرة الإخوان وحماس!

على ظهر أبي رغال يُحمل، ومن جسر أبي مُرَّة يعبر، يأخذه اللعين من الشك الذي زرعه فضلته بظلامة الزهراء، إلى التسليم واليقين، لما رأى التغني بالظلامة يخدم قضية فلسطين! إنهم يخرجون من دين الله أفواجاً وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، هل من مصداق أعظم لوقوعهم محلّاً لغضب الله، ومثالاً صارخاً لسخطه؟! أن يخسر المرء جوهرة الولاء، يستبدلها بهذا الهراء؟! جموع الهمج الرعاع تلطم وتلدم، حتى تخال نئيم صدورها وهمهمة أنفاسها تصدع أو تهدم البيت الحرام، وتدمي قلوب حملة العرش، وهم يرون كيف يُستخف بحرمات الله، وتستقبل ألحان الكفر بإيقاع اللطم، فتنزل النقمة بالمرء ويعيش “وأفئدتهم هواء”، وهو حي يرزق، لم يُقبر بعد ولم يُنشر! سرق الأُولى أرضها واغتصبوا إرثها، وهذا الشقي يسلبها مصائبها، ويبذلها نهباً لكل شارد ووارد!

قد نختلف في الفهم السياسي لحقيقة القضية الفلسطينية، ونتفاوت بيننا في القدرة على تحليل حرب غزة وعاصفة الأقصى، بين تعقُّل ورصانة تضع الأُمور في مواضعها المنطقية والشرعية والتاريخية، وبين حماقة وسفاهة قلَّ لها النظير، وحزبية في ذرى الانقياد والإمعية… التيار الضلالي في البحرين، الذي وقف مع فضل الله في تشكيكاته، ومع تعطيل ذكر مصائب الزهراء لسنين، انقلب فجأة لما وجدها فرصة سانحة تخدم مشروعه السياسي بإسقاط مصائب الزهراء على فلسطين! الآن ثبت عندهم كسر الضلع وإسقاط المحسن وإحراق الدار! ليست شطحة ولا أول قارورة تكسر في البحرين، من الواضح الجلي أنَّ هذا نهج، ابتدعه صعاليك كالجانح السهوان، وسار به المستأكل المرتزق الأكرف، وبات طابعاً للفصيل الإيراني هناك وهوية لتيار الضلال في هذا البلد المنكوب بهؤلاء، هذا هو نتاج عيسى قاسم وعبدالله الغريفي، ومن ورائهما فضل الله ومناة الثالثة الأخرى.

وهنا جرائم ثلاث، بحق الزهراء وشعائر العزاء، ثم بحق هذا البلد الطاهر، حاضرة كانت موئلاً للولاء ومركزاً للعزاء، سقطت في الحضيض مذ تولت الحزبية أمرها، من حزب الدعوة إلى فضل الله إلى الخامنئية العمياء.

هناك ألف سبيل وسبيل لنصرة غزة وفلسطين، ليبذل من شاء من جيبه ويصرف من حرِّ ماله، لا ننازع في هذا ولا نمانع… قم بما يسعك، وافعل ما طاب لك، ولكن إياك أن تبذل من ديننا ومذهبنا، وتصرف من رأس مالنا. إنَّ أصل القضية الفلسطينية يعود لوعد بلفور، ومن المحفوظات المدرسية، قصيدة للشاعر القروي، يهاجم فيها بلفور هذا على وعده المشؤوم، وفيها بيت يقول: “لو كنت من أهل المكارم لم تكن، من جيب غيرك محسناً يا بلفرُ”! وها هي الأزمة تعود بوجهها القبيح، وتتكرر على أيدي الذين ينصرون غزَّة باللطم! فالإخوة المضحين، والمجاهدين المستأسدين، يبذلون لها من دينهم وعقيدتهم، ويقدِّمون على مذبح معبدها، وتحت أقدام لاتها وهُبلها، قرابين من أعزِّ حرمات الله وأرفع مقدَّسات الدين! ولو كانوا رجالاً حقاً، لقدَّموا أنفسهم وأبناءهم، وغامروا بأرواحهم كما يفعل اليمنيون! حتى اللفيف الناشط منهم في لبنان، فرَّ مع نذر الحرب إلى إيران، والمعركة ما زالت في أيامها الأولى! فتمَّت المصداقية وظهرت الشجاعة وصدقت التضحية!

Posted in

التعليقات