لا جدال في  أحقية القضية الفلسطينية، ولا ريب في ظلامة أطفال غزَّة، كما أنه لا شكَّ في “لتجدنَّ أشدَّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود”، وحقدهم الدفين على الإسلام والمسلمين، هذه قضية لا تحتمل التوقف والتأمل، وهي تمتثل في الوجدان الشيعي كحالة عقائدية ومسلَّمة تاريخية، انعكست في المواقف التي يتخذون، وظهرت في سلوكٍ غير مظنون. ولا يخفى أنَّ الخيارات المبذولة والنطاقات المتاحة على هذا الصعيد محدودة، فالقضية الفلسطينية وإن بدأت نزيهة، لكنها لم تستمر كذلك بسبب خيانات بعضهم وصفقات بيع الأراضي، وتفريط العرب وتخلُّفهم، وسرعان ما تحوَّلت إلى سياسية واستعراضية، مع شعار إلقاء اليهود في البحر، الذي أطلقه عبدالرحمن عزام أول أمين عام لجامعة الدول العربية وكرَّره عبدالناصر وجملة من الزعماء العرب، وانتهت عند مقولة السيد الخميني “إسرائيل غدَّة سرطانية”… نكص العروبيون على مقولتهم وارتدُّوا عنها، وتنكَّر الإيرانيون لشعارهم وتبرَّؤوا منه، وبات الجميع يدعون لمشروع الدولتين، والنزول على حكم سكان فلسطين من مختلف الأديان والأعراق، فهم وما يرون في مستقبل بلادهم، وهذا اعتراف بدولة إسرائيل وشرعية الكيان الصهيوني.

في ظل هذا الواقع المرير، وما نشهده من تعاطٍ دولي وإقليمي، حكومي وشعبي، خلق حالة وفرض معادلة لا يمكن تجاوزها، اللهم إلا بفعل ثوري، لن يلبث ـ بدوره ـ أن يخمد ويؤول للانزواء ثم الزوال (كما كان من الخمينية، والماركسية من قبل، والماوية من بعد)، أو مغامرة تفضي إلى الانتحار وتحميل النفس ما لا يُطاق، من قبيل ما يجري في لبنان، الذي قدَّم ـ حتى الآن ـ نحو مئة نفس محترمة في هذا الطوفان، ما زالت “الجزيرة” تستنكف أو “تتورَّع” أن تطلق عليهم شهداء! هذا هو الأداء الذي يريده أتباع إيران وحلفاء الإخوان، وإن في نطاق محدود، يشكِّل صندوق بريد لرسائلهم، ولعمري كم هي مكلفةٌ القرابين، وأثمان “الطوابع البريدية” لهذه الرسائل! وفي هذا السياق تجد أحد الأبواق الرخيصة، يغني “الصولة العراقية”، وكأنَّ العراق ينقصه القردة، تنزو على منابره، حتى أسرجوا لهذا البغل الذي دمَّر بلده من قبل، وأرسلوه ليشعلها حرباً على القواعد الأمريكية، لا يبالي أن يحترق العراق ويُدمَّر، ولا يعنيه رأي المرجع الأعلى وموقفه، الرافض للمواجهة المسلحة. وماذا عسى نتائج هذه الأغاني والمسيَّرات والمفرقعات أن تكون، غير الفوضى التي تعبِّد الطريق، وهي تخلق حالة وأزمة ترسم الحل في عودة النظام السابق أو نظير له، سبيلاً حصرياً لتحقيق الأمان والاستقرار؟!

إنَّ واقع الحال يجعل الممكن المتاح، عقلاً وشرعاً، يدور بين تقديم تبرعات نقدية وعينية، والتزام مقاطعة السلع والشركات التي أعلنت تأييدها للصهيونية، ثم أنشطة وفعاليات رمزية كالتظاهرات السلمية والاعتصامات المدنية. هذا ما فعله المسلمون كافة، شيعة وسنة على السواء، في مختلف بلادهم وشتى بقاع الأرض، ما خلا اليمن والعراق ولبنان، التي يحاول فيها ويناور أتباعُ إيران.

أما الخيار الأسوأ عقائدياً والأخطر دينياً، فهو الانخراط في الأداء الإعلامي والخطاب الثقافي الذي تبنَّته الجمهورية الإسلامية والأحزاب التابعة لها، الذي يجعل فلسطين هي القضية الدينية والاجتماعية الأُولى، عقيدة في النفوس وحضوراً في الحياة، ما يتهدد معالم المذهب الإمامي بالطمس، والهوية الشيعية بالدفن، والسمة الروحية والشخصية الولائية لأبناء الطائفة بالتقويض والمحق… لقد أقحموا فلسطين في شعائرنا الدينية، من أقصاها، في المنابر الحسينية ولطميات العزاء، إلى أدناها، في الزي المتعارف لرجال الدين، أضافوا إلى العمامة والجبة والعباءة، كوفية فلسطينية تلف الأعناق، وسمِّها إن شئت طوق استرقاق!

والأمر لا يقدم من تعصُّب وتحسُّس وريبة، بقدر ما هو وعي وحكمة وبصيرة، إذ لا بأس أن نشارك الآخر إحياء مناسباته، ما دامت حقاً، فلا ضير أن نحتفل بميلاد المسيح، على سبيل المثال، لكن في حدود ونطاق يُبقي على مكانة أئمتنا، ولا يمس شعائرنا الخاصة، ولا قضايانا الأصلية وتراثنا وتقاليدنا الموروثة، لا يُخلُّ بها ولا يغيِّر طابعها، من هنا لا يسمح الشيعة لأي شخصية أو قضية أو حادثة، ماضية أو حاضرة، أن تكون الأُولى ولا الدائمة الثابتة، على حساب معالم المذهب الحق وشعائره.

إنَّ هذا المسعى المريب الذي يريد إقحام فلسطين في الدين، ينطلق من حيثيتين، أو هو قيح ينزُّ من ورمين خبيثين أو بؤرتين ملتهبتين، الأولى حزبية تؤمن باللامذهبية، تجمع الإخوان المسلمين (حماس والجهاد وغيرها) بحزب الدعوة بالخامنئية، والثانية نفسيَّة مرَضيَّة، تنطلق من الضعة والهوان وعقدة الدونية التي تتملك بعض الشيعة، يستشعرون وجوب “إثبات” إيجابيتهم للآخر، وإظهار التحاقهم بالركب العام في سبيل تحقيق ذواتهم، شخصيات مهزوزة وروحيات خاوية، عقول ضحلة وأفهام سخيفة، والمؤلم أنَّ بعض هؤلاء هم من الأكاديميين والمثقفين، وإن جاء أغلبهم وقدُم أكثرهم من بيئة حزبية، عاش في حماها ودار في فلكها ومضى في ركبها، متأثراً بالبؤرة والعامل الأول… حالة خلقت ثقافة مشوَّهة وأورثت انقياداً وإمعيَّة أو رعاعية إن صحَّ التعبير، تذكِّرك بأهل الشام حين أقام فيهم معاوية الجمعة يوم الأربعاء!

ومن غريب أحوال هذه الشريحة الناشطة في الساحة الإيمانية، أنَّ منطلقاتها تقدمية ومزاعمها حداثوية وخطابها علمي، بينما سلوكها مغرق في الرجعية والشعبوية الغبية، وفعلها مسرف في الجهالة والفوضوية! ترى أحدهم يحمل شهادة عُليا، تفرض فهمه لأوَّليات العلم وضرورة التخصُّص، وإذا به يقحم ميادين لا علاقة له بها، ويخوض في حقول لا يُحسن، ناهيك بأن يُتقن، ألِف بائها! لا يرون في هذا عيباً ولا نقصاً، فلا غضاضة أن يشخِّص مهندس المرض، ويصف ممرض العلاج والدواء، الذي ركَّبه من قبل شاعر مفلق! من هنا يقحمون الحقل الديني، ويخوضون في مواقع تتطلب رتبة علمية عالية، ولربما ملكة اجتهاد، ويتبعون في تكتلاتهم نكرات، يلوذون بشباب مغامر قفز على المراحل، أخذ عن المخالفين، وحمل وهو بعدُ غرٌّ راية إصلاح الدين، ويلوذون بمستبصرين مشبوهين ومعقَّدين، يلهثون وراء الأضواء، يترصَّدون كلَّ مفخرة للمذهب ومأثرة ومعجزة للأئمة الأطهار، ويتتبعون كلَّ يد لهم على المخالفين وفضل على سائر الأُمم، فيُجحد ويُنكر! هذا ينفي تتلمذ أبي حنيفة على الصادق، وذاك يتهالك ليثبت أن جابر بن حيان شخصية وهمية، ويتحايل ليُسقط فضل الإمام الصادق على علم الكيمياء، وإبطال ما يعترف به الغرب في أعرق الجامعات! والقوم يتبعون ويصفقون ويرقصون… ومن هذا السبيل يلحقون بالدبكة الحمساوية.

وللإنصاف، فإنَّ حركة حماس ليست تنظيم الدولة الإسلامية، وما يجري في غزَّة ليس من قبيل أفعال القاعدة، ولا هم يتبعونها تنظيمياً، هذه حقيقة يقرُّ بها التحليل والتحقيق الموضوعي، ولكنهم ـ من جهة أُخرى ـ مدرسة ومذهب واحد في العقيدة، وحتى في الموقف والاصطفاف السياسي، ذلك أنَّ حماس متى رأت الحاضنة التي تؤويها، أكثر حقداً ونصباً من داعش، فهي ستميل إلى التكفير، وتبني طرحهم العقائدي، وترتب على خطابهم الثقافي، وتتخذ موقفهم السياسي، وقد فعلت في سوريا.

ببساطة شديدة، هؤلاء أبناء الرنتيسي الذي أُبعد عام 1992 إلى لبنان ومعه نحو أربعمئة ناشط إسلامي، من الضفة وغزة المحتلتين آنذاك، جلُّهم من حماس وقلَّة من الجهاد، أقاموا مخيماً في مرج الزهور، وصاحب رباطهم هذا حملة إعلامية وسياسية عربية وعالمية أرغمت سلطات الاحتلال على إرجاعهم، وقد باشرت إسرائيل بإعادتهم إلى وطنهم عام 1993 على دفعات. ولك أن تتلمس طبيعة هذه الجماعة، وتقف على هويتهم الحقيقية، دون تكلُّف أو تعسُّف، ودون كُره لهذا الشعب ولا حقد عليه، وأنت ترى هؤلاء المبعدين، الذين كانوا ضيوفاً على الجنوب الشيعي، يأتيهم المدد من مأكل وملبس إلى وقود تدفئة، إلى ميزانية حرَّة وأموال غير مشروطة، كلها من الشيعة، الذين ألحقوا ذلك بتسخير أجهزتهم الإعلامية، إذاعة وتلفزيون وصحافة، نصرة لهم ودفاعاً عنهم… ثم تشهد بعد كلِّ هذا، كيف غلبهم التعصُّب وأعماهم الحقد حتى أدخلهم في معركة وهمية حملتهم على تسمية مدرسة دينية أسسوها في مخيمهم (من الأموال التي بذلها لهم الشيعة)، باسم “ابن تيمية”! لم يختاروا غيره من الصحابة الذين يقدِّسون، والتابعين والعلماء الذين يحبُّون ويجلُّون! وليست هذه حالة فردية ولا استثناءً عارضاً لا ينبغي البناء عليه، بل هي الأصل في الإسلاميين (دون العلمانيين وسائر الشعب الفلسطيني)، ولو نظرت في أحوالهم الداخلية وتتبعت انشغالاتهم الحالية، لوجدت الهامش الأكبر من جدالهم اليوم يتوجَّه لمعضلة تلقِّي العون من الرافضة؟! وأكثرهم اعتدالاً يفتي بالجواز مستدلاً باستعانة رسول الله والخلفاء الراشدين بـ “الكفار”! لا كريم فيهم يستحي، ولا شهم يعتذر، ولا عاقل يقول كم هو معيب هذا البحث والجدال، والشيعة هم الجهة الوحيدة التي تعيننا!

إنها طبيعة في الإسلاميين، فلسطينيين وغير فلسطينيين، لا وفاء للحزبيين ولا مروءة، لا نبل فيهم ولا كرامة. إنَّ سهك البحر ونتنه لا تذهب به قارورة طيب تدلقها في مياهه، وفساد هذه البُنية لا يصلحه إحسان ولا يداويه إفضال… إنَّ الأحزاب الدينية والحركات الإسلامية تتاجر بقيم الدين وتعبث بحرمات الله وتمارس ما يهز العرش، فلا ترجُ من اللئام خيراً ولا ترقب منهم إنصافاً وعدلاً. الشيعة المنخرطون في رقصة أو دبكة الموت هذه، يخبطون الأرض بأقدامهم، ويلوِّحون بسبحات صلاتهم، وآخرون يشرعون صدورهم لتلقي الرصاص، ويستشهدون في سبيل إشغال الجيش الإسرائيلي وصرف تركيزه ومنع تفرُّغه لغزَّة، ولا أحد منهم يسأل: مَن هم هؤلاء الذين نضحِّي في سبيلهم؟ هل نبض عرق إنسانية في أحدهم يوماً فسمعتم منه استنكاراً أو إدانة لجريمة واحدة اقترفها الإرهاب التكفيري؟ أو حتى مواساة ومجاملة، لظلامة نزلت بنا، دون نزال ومعركة، من قبيل تفجير حرم الإمامين العسكريين عليهما السلام في سامراء! صدق المتنبي إذ قال: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمرَّدا.

بين اندفاع الإسلاميين وتهورهم، وبين سلبية المتدينين الذين لم ولن يشاركوا في مظاهرة، ولا تعنيهم المقاطعة، ولا يبذلون فلساً لغير إخوانهم، تأتي المرجعية الشيعية نمرقة وسطى.

Posted in

التعليقات