أقرَّ الإسلام بعض العادات والتقاليد التي كانت سائدة في الجاهلية، وأبقى على أحكام ورثها العرب من ملَّة إبراهيم وإسماعيل، بعضها تفاصيل جزئية من قبيل الاستنجاء من النجاسة وغسل الجنابة وختان الأطفال وقطع يد السارق، وأخرى كبيرة بارزة كتعظيم الكعبة وحج البيت الحرام، وتحريم القتال في الأشهر الحرم. تلقوها كتراث، لكنهم غيَّروا فيها وبدَّلوا، أدخلوا في الحج المُكاء والتصدية، وهو التصفيق والصفير، وأعفوا قريشاً وأهل مكة (وهم الحُمْس) من الوقوف في عرفة، وكانوا لا يأتون البيوت من أبوابها وهم محرمون، بل يتسوَّرونها من ظهورها، كما كان أهل الحِلِّ (سائر الناس من غير سكَّان الحرم) لا يطوفون بالبيت إذا قدموا إلا في ثياب الحُمْس، وكان أهل مكة يتكرمون ويحتسبون على الناس، يعطي الرجلُ الرجلَ الثيابَ يطوف فيها، وتعطي المرأةُ المرأةَ الثيابَ تطوف فيها، فإن لم يجدوا شيئاً طاف الرجال عراة، ووضعت المرأة ثيابها كلها إلا درعاً مفرجاً (مشقوقاً من الأمام والخلف) ثم تطوف فيه.
كما تلاعب العرب بالأشهر الحرم، وغيَّروا ترتيبها ومواقيتها، يقدِّمون فيها ويؤخِّرون، ثم يحتجُّون بأنهم التزموا عدتها، أربعة! تُلجئهم الحاجة إلى الغزو والقتال، تنفذ ميرتهم وما ادَّخروه من طعام، وغير ذلك من علل وأسباب تطال وضعهم السياسي في مواقف القبائل من بعضها، وتشكيل الأحلاف وتموضع الجبهات، وتخدم مصالحهم الاقتصادية والمعيشية، كأن يعرض لهم “صيد” ثمين يخشون فوته، قافلة مثقلة ببضاعة تحملها من الشرق أو الغرب، يوافي دخولها حمى القبيلة شهر المحرَّم، فيحلونه ويجعلون صفراً بدلاً عنه، ثم يعودون من قابل إلى ما كانوا عليه! وهو النسيء الذي أنزل الله فيه “إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلُّونه عاماً ويحرِّمونه عاماً ليواطئوا عدَّة ما حرَّم الله فيحلُّوا ما حرَّم الله زُيِّن لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين”.
وهو لو تدبَّرتَ، كالقذَّة بالقذَّة مما يفعله الإسلاميون الحركيون مع شعائر المذهب ومعالم التشيُّع! انقلبوا عليها وبدَّلوها خدمة لقضاياهم السياسية وشعاراتهم في الوحدة الإسلامية، وعوناً لأهدافهم وأغراضهم في تحقيق اللامذهبية، رفعوا القرآن وأفشوا جلسات التلاوة والأنس وحلقات الحفظ والترتيل، جعلوها مقابل الشعائر الحسينية من عزاء ومزار، فلما وجدوا من الشيعة تمسكاً بها، أقحموا في العزاء خطاباً يغيِّر صورته ويبدِّل جوهره، فالشارع المقدَّس ندب إلى البكاء على أهل البيت، عظَّم الدمعة التي تراق في هذا السبيل، ما حمل الشيعة على تأسيس الحسينيات ووقف الأموال عليها والبذل في سبيلها، وتحمَّلوا لتحقيق ذلك المشاق ودفعوا الأثمان… والقوم ينادون بالبكاء على مصائب الانتكاسات السياسية التي نزلت بهم، والرثاء على فجائع طالتهم في حركتهم وتضحياتهم في سبيلها، فيندبون ضحايا غزَّة ويبكون فلسطين!
فإذا أعوزهم الخطاب السابق والتقت سياستهم معه، خدمت اللغة الولائية مصالحهم ووافقت أغراضهم، عادوا إليها، كما فعلوا في سوريا، صاروا يبكون الحرم الزينبي، ويندبون حرمات أهل البيت التي يتهددها الدواعش الوهابيون! وينادون: لن تسبى زينب مرتين، ولن يسمح عباس الزمان بدنو يزيد العصر من حرم زينب كما هتك خباءها من قبل!
الحسين سطر معجزة حين نادى رأسه الشريف: إذا سمعتم بشهيد أو قتيل فاندبوني، والقوم إذا سمعوا بشهيد مؤمن أو قتيل مسلم يتركون الحسين ويندبون قتلى حماس وضحايا غزة! ففي الحديث عن الصادق عليه السلام: مَن ذُكرنا عنده ففاضت عيناه حرَّم الله وجهه على النار، لكل شيء ثواب إلَّا الدمعة فينا. وعن الرضا عليه السلام: على مثل الحسين فليبك الباكون، فإنَّ البكاء عليه يحطُّ الذنوب العظام. وفي آخر: من تذكَّر مصابنا وبكى لما ارتكب منَّا كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن ذكر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يُحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب… والأحزاب تعرض عن هذا ومئات مثله، تحضُّ على تركه واستبداله بغيره! وعن الرضا عليه السلام أيضاً: يا بن شبيب، إن كنت باكياً لشيء فابك الحسين بن علي عليه السلام، فإنه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً، ما لهم في الأرض شبيهون، ولقد بكت السموات السبع والأرضون لقتله، إلى أن قال: يا بن شبيب، إن بكيت على الحسين عليه السلام حتى تصير دموعك على خديك غفر الله لك كل ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً… والتيار الحداثي التنويري يدعو لتأويل عصري يأخذ هذه النصوص والأوامر المقدسة لما يرفد الحركة الإسلامية ويخدم الثورة والجهاد، وإلا رمى هذه الشعائر والعبادات بالرجعية، وقذفها بالتخلُّف والجمود!
بالأمس عقد في دار إحدى المؤمنات مجلس نسائي بمناسبة الفاطمية، نهضت به “ملاية” دعتها صاحبة الدار، لسمعة سبقتها بالاستقامة ورقة الإنشاد والإبكاء. بعد الديباجة والمقدمات، نوَّهت المسكينة، بأنَّ قضية الزهراء ومصيبتها معلومة معروفة، طالما بكيناها وعدَّدنا صوَر المأساة فيها، فدعونا نذهب إلى فاجعة نعيشها، هي مأساة غزة، وراحت تنقل صوَر قناة الجزيرة، وتقارن بأن إحدانا يؤرقها جرح صغير أصاب وليدها، والفلسطينيات يتناولن أطفالهن الرضع أشلاءً من تحت الركام.. فتقوم الضجة من المستمعات، وتنقلب المصيبة وتتبدل صورة وجوهراً!
إنه النسيء المعاصر، قلب الدين وتبديله على أيدي أتباع إيران وربائب الإخوان!
الملاية المؤمنة ـ كما علمت ـ ليست منحرفة مندسة بيننا، ولا حزبية متوغلة في صفوفنا، وهي امرأة صالحة، غاية ما هناك أنها متواضعة في مستواها العلمي والثقافي، تمضي على سذاجتها وبساطتها، غلبها الإعلام وأسرتها أجواء العوام، انفعلت وتأثرت، وأخذها العقل الجمعي الحاكم، فطرحت ما حُمِّلت وقالت ما لُقِّنت! فانظر إلى درجة الخطر وحجم الخرق والفتق، وقد غزينا في عقر دارنا، وانظر في مدى تقاعسنا وتهاوننا، الذي أفسح لهذا الخرق وتركه لينمو، وأخلى له حتى اتسع وبلغ هذي الحدود، فجلُّ مجالس الفاطمية الثالثة هذا العام انصرفت إلى غزة، ندبت ظلامتها وبكت قتلاها!
على خطى الجاهلية، يمضي أرباب الحداثة والتنوير، ويسلك أتباع الحركة الإسلامية!.. عبث في شعائر العزاء، لك أن تقرأه في إعلانات المجالس التي جعلت للراثي الناعي (وهو الأصل) ثلثاً بل ربعاً، بعد قارئ القرآن والمحاضر والرادود! ناهيك بتغيير في ماهية العزاء، خلط اللطم والرثاء بالسياسة والغناء، وتجاهل المصاب وقلبها دعوى، فالحسين في زعمهم يريدها ثورة، والبكاء شأن الضعفاء أو النساء، فإذا قضت السياسة عدم دخولهم في الحرب، عادوا للطقوس التي قبَّحوها، وانخرطوا في اللطم والبكاء! لكن صرفوه لقتلاهم ووجهوه لمحنتهم.
“إنَّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم”.. إنها حقائق قرآنية وعبادات توقيفية، ليس لنا أن نزيد فيها أو ننقص، ولا أن نسقطها على حوادث مقطعية، نعبث بالحج كما فعل عبدالملك بن مروان، فنجعله إلى القدس، ولا في شعائر العزاء، نصرفها عن الوجهة التي شُرِّعت لها، إلى مصلحة سياسية نرتئيها، وحكمة نقدِّرها.
إنما استحل أول ما استحل من دم سيد الشهداء بضربٍ من النسيء، قياس وتطبيق، جعل حفظ بيضة الإسلام، بحرب مَن خرج على “إمام الزمان”، وإباحة دم سبط رسول الله، فقتل “بسيف جدِّه”! وجعل من قبل، ما “اجتمع” عليه المهاجرون والأنصار في السقيفة أهم من حقِّ علي الثابت في الغدير، وصيَّر حفظ النظام واستقرار الدولة وتمركز السلطة، أولى من ضياع حق الزهراء في إرثها وحفظ حُرمتها… هكذا هي السياسة، وهذا ما تفعله بالدين. فنزِّهوا ديننا عن سياستكم يرحمكم الله، وخوضوا فيما شئتم، اخنقوا أنفسكم بالكوفية الفلسطينية، قاطعوا البضائع التي تريدون، اخرجوا في المظاهرات التي ترغبون، أنتم أحرار في دنياكم، لكن إياكم والدنو من ديننا، عقائده وأحكامه وشعائره، سنشير إلى ضلالكم، وندس أصابعنا في عيونكم ونحن ننادي ونحذر أبناءنا: إياكم والبدع وأهل الرأي المخترع.
مضى الشهداء وقضوا نحبهم، وبقي المنتظرون، لا يبدِّلون ولا يغيِّرون، إمامهم المنتظر في بكاء وجزع على الحسين والزهراء، وهم به مقتدون… غزة قضية محقة لكنها عابرة، والفلسطينيون مظلومون، نتعاطف معهم ونعينهم ما استطعنا، لكننا لا نبيعهم ديننا، ولا نفقد بسببهم آخرتنا.
التعليقات