لا شيء أكثر لوعة ومرارة من تناول المرجعية العليا بالنقد، وتسليط الضوء على نقاط الضعف، سواء في شخص المرجع الكريم، أو في بيته وإدارته… وذلك لأسباب مختلفة وعلل متعددة، في طليعتها قدسية المقام وحُرمة الدور، ولا سيما في نموذج متفوِّق مثل الذي بين أيدينا، وقد حقَّق أعلى مراتب النجاح، وسجَّل أقصى درجات البراعة والألق في جبهتين، لا تدري أيهما أكثر خطراً وعظمة: مواجهة داعش والقضاء على خطر الإرهاب التكفيري، أم استخلاص المذهب من براثن الجمهورية الإسلامية، والحفاظ على استقلالية الحوزة من تبعية الدولة؟ وهو أداء سيشهد له ويشيد به التاريخ، بعد أن أُدرج من قبل في صحيفة أعمال هذه المرجعية المسدَّدة، وغدا مفخرة لها في السماء قبل الأرض. هكذا تحوَّلت المرجعية إلى واجهة أمامية، وغدت في طليعة من تناصبه داعش وإيران العداء! فلا يسع المنصف أن يلحق بهذه الجبهة الباطلة الظالمة، ويتموضع في خندقها، وهي تشكِّل أكبر تهديد للمذهب وأخطر وعيد للدين.

لكن بارقة ومضت هنا، حين بادر نجل السيد بإصدار بيان تناول فيه وضع الحوزة وحالها، وما يتهدد مستقبلها، فكأنه فتح الباب وأفسح للدخول فيه، ورفع عن النقد ومساعي الإصلاح الحظر، وأزال عنها التعطيل والمنع… وعلى الرغم مما يُقال عن تأخر صدور البيان، والتسويف الكبير الذي خلق واقعاً وأرسى حالة ما عاد من الهيِّن تجاوزها، سلك بها الوصوليون في طريق الشهرة ما صنع منهم نجوماً في الإعلام الديني، وأعلاماً في شؤون الحوزة والمرجعية، فباتوا من الأرقام التي ينتظر العوام إرشاداتها، أين عساهم يوجِّهون وإلى مَن سوف يُرجِعون؟!.. لكن أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً. ومع وجود هذه الثغرة، فإنَّ هذا البيان إذا حظي ببُعد تنفيذي، ونال حصته من التفعيل والإعمال، فإنه قد يوقف التدهور والانحدار، بل ينجح في خلق منعطف تاريخي في مسيرة الحوزة العلمية في النجف الأشرف، يستدرك ما فات.

بادئ ذي بدء، علينا التوافق أن لا ولاية ولا سلطان لأحد على الحوزة، لا فقيه بعينه ولا مرجع تقليد دون غيره، ناهيك بدولة وحكومة. الحرية قوام أصيل، يمثل جوهراً دونه تتحول الحوزة الى شيء آخر. وهناك أصل يتمسَّك به الحوزويون، يقول بتحمُّل الخسائر ودفع أثمان الفوضى، مقابل مكاسب وإيجابيات التنظيم الذي يفضي إلى هيمنة جهة وسيطرة فئة، والتجربة الإيرانية خير برهان، قاموا بتنظيم الحوزة وضبطها، فغدت حزبية وسقطت في أحضان الدولة!.. غاية ما هناك، مما يمكن ممارسته وجرى إهماله، أو طُبِّق بانتقائية، هو القوة الناعمة والسلطة المعنوية، التي تنظر شزراً وترمق من طرف خفي، تهمس غامزة، وتتساءل طاعنة، فتردع وتوقف، تحاسب وتصنِّف، تعرِّض وتسفِّه، وللمرجع الأعلى وإدارته في هذا اليد الطولى، وكل باع يمكن تصوُّره ومتاع… لكن تحقيق الفعلية مترتِّب على مدى المصداقية، وهذا بدوره فرع الالتزام الشخصي، والنزول على القاعدة النبوية في الدعوة الإلهية، التي أرساها صلى الله عليه وآله في خطبة الوداع: “إنَّ ربا الجاهلية موضوع، وإنَّ أول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبدالمطلب. وإنَّ دماء الجاهلية موضوعة، وإنَّ أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب”.

قد لا تملك المرجعية منع اليعقوبي والبديري والبغدادي وأضرابهم من الذين تقف خلفهم أجندات خارجية، دول وأجهزة مخابرات، ومرتزقة من المريدين وشياطين من الأتباع… لكنها تستطيع أن توقف مهزلة الإشكوري وسيد رشيد على سبيل المثال! لا يمكن أن تسمح لرجل بتأسيس جامعة النجف الحوزوية الألكترونية النسوية باسم المرجعية، فينتسب إليها عشرات آلاف النساء والفتيات، ويدعم بميزانية وإمكانيات خرافية، ويولَّى من بعدُ أخطر مرفق إعلامي في الحوزة، ويتصدى لأعظم مناسبة شعائرية على مدار العام… ثم تستنكر انتحاله عنوان “آية الله”، فلا أُستاذ يُعرف له، ولا حضور يُشهد له، لا في قم ولا في النجف، اللهم إلا “حوزة” القائم المُدرسيَّة في طهران؟! لا يمكن أن يُرخى العنان لخطيب الجيلوجيا والكيمياء، ليكتب ما يشاء ويدرج ما يطيب له من تنظيرات في بيان، ثم ينسب البيان إلى المرجعية! حتى إذا غلبه الزهو، وغرَّه التقريب والزلفى التي تخلع العطايا والهبات على كل من حمل كتاب تزكية منه، استُنكر عليه إلقاء البحث، وإطلاق “آية الله”؟! قد تتفهم الحوزة ضرورة هذا الإطلاق على سلطان غشوم، في غمار فورة وحماسة اكتسحت الساحة في ظرف عملية اغتيال بشعة، لم يمكن مقابلتها إلا بالتقية والمداراة، ولكنها لم ولن تتفهم تأبين ضال مضل مثل آصف محسني، أحد أعمدة الانحراف وأقطابه في عصرنا؟! وبعد، فقد يتمتع أحفاد المرجع بنبوغ أو تميُّز فائق يسمح لهم بالاستقلال بالبحث، لكنَّ دور الردع ورسالة النصح والإرشاد، لن تأخذ مكانها حتى يكفَّ الأحفاد عن تبوُّء هذه السدة والتصدِّي لهذا الدور!

لعل تسديداً إلهياً دفع إدارة المرجعية لإصدار هذا البيان التاريخي، فالمعطيات تلح بأن آن أوان إرجاع الأُمور إلى نصابها، قبل أن تصل إلى ما وصلت إليه في إيران، كما ظهر في الانتخابات الأخيرة، فهذا مرشح (يدعى جلال رشيدي) في مدينة “مرودشت” أسقطت السلطة صلاحيته ولم تدرج اسمه في أوراق الانتخاب، حقق المرتبة الأولى وحظي بأعلى نسبة من أصوات المقترعين! وكأن الشعب دخل في عناد ولجاج، لم يعد يعبأ لشيء ولا يكترث لعائد. إنَّ الساحة الإيمانية تقف على أبواب ردَّة تقطع ثقتها بالحوزة، وهي تراها سلبية تجاه العبث بعقائدها، غير مكترثة ولا مبالية بهتك مقدساتها، وهذه تيارات الضلال تستحوذ على الظهور الإعلامي، وتحظى بدعم “حوزوي” من هنا وهناك، ولا يقتصر ذلك على أدعياء العلم، بل حتى من حظي به وتوفر على شرطه، تراه سقط في العدالة وافتقدها، فراح يُفتي بأنَّ قضية الزهراء هي مجرد واقعة تاريخية لا موقع لها في العقيدة، مقابل ريالات قذرة!..

لقد جاء البيان ليضع حداً لهذا التسيُّب، وينهي فصلاً من الهراء الذي تقمَّص لبوس الحوزة والفضيلة! لعلها رسالة لوعة وحسرة من المرجعية، تقف على “خيانة” طبقة استغلت الطابع “النجفي”، فاختلست ما استطاعت في غمرة الغفلة، واغتنمت السكوت الحاكم فسرقت ونهبت ما تمكَّنت! توغل الصعاليك، ونفذوا حتى بلغوا مواقع التأثير، خلقوا فوضى وعاثوا فساداً، فحان حين التصدي، ولزم تصحيح المسار، وإن استدعى الكي بالنار!

وبعد، فالزهد في المسكن والملبس والمأكل، مشهود لا ينكر، خلق من أبناء المرجع الأعلى قدوة، وصنع نموذجاً أتمَّ على كل طالب وعالم الحجَّة، فجزاهم الله عليه كل خير… لكن الأمر في أعماقه يبلغ غوراً يتجاوز هذا وذاك! وهنا لا يملك الناصح إلَّا أن يقبِّل الأنامل ويهمس في أُذن واعية، بأنه كلما سئل فاضل محترم، معتز بكرامته محافظ على رزانته، نأى بجانبه وأعرض ما استطاع عن الدنو والقرب من بيت المرجع؟ هل صحيح ما يقال أنَّ الموظفين هناك ينظرون في وجه ابن المرجع كل صباح، فيصنِّفونه تبعاً لذلك يوم سعد وإقبال، أو تعس وإدبار؟! بالله كيف تحول مزاج ابن المرجع معياراً يترصَّده المحيطون والمراجعون؟ ماذا أبقينا للسلاطين والملوك؟ وصدق الشاعر حيث قال: إذا كان الحديث عن المعالي، رأيتُ حديثكم فينا شجونا.

Posted in

التعليقات