من أخبث أساليب الضلال وأكثرها تلبيساً على العوام وشيطنة، تصوير قضايا خطيرة وحوادث جليلة، معلولة لأسباب وضيعة، كحافز المال، ونشاطات هامشية وفعاليات عابرة من صنع صغار!

السقوط المدوِّي لفضل الله، الذي صنع زلزالاً في الساحة الإيمانية ما زالت ارتداداته ماثلة فاعلة، ما كان ليكون إلا بعد معركة كبرى حشد فيها الطرفان طاقاتهم وإمكانياتهم، وعبأوا قواهم وأنصارهم، المرجعية والحوزة العلمية والأصالة الشيعية في جبهة، والحركة الإسلامية بأحزابها ومؤسسات النظام الإيراني في أخرى، مع هؤلاء التيار الحداثي العلماني (التنويري والعقلاني)، ومع أولئك جمهور الشيعة وعامة المؤمنين المعظِّمين لمقدساتهم والمتمسكين بعقائدهم وولائهم لأهل البيت علبهم السلام. ناهيك بالبعد الغيبي، وهو العمدة والأساس في الفهم الإيماني، فالمعركة نشبت في ثغر عزيز على الله وأوليائه، فكان انتصار أهل الحق جزماً، وغلبتهم حتماً.

عظماء من قمم الهرم العلمي الشيعي، على رأسهم الميرزا التبريزي والوحيد الخراساني والشيخ بهجت والسيد تقي القمي والسيد صادق الروحاني والسيد محمد الوحيدي، ومعهم نخبة من كبار أساتذة الحوزة العلمية وكوكبة من أعلام الطائفة، بذلوا جهوداً مضنية ومجاهدات يعجز القلم عن بيانها، ولا سيما في ظروف القمع الأمني والاضطهاد العقائدي الذي مارسته المحكمة الخاصة برجال الدين (دادگاه ويژه روحانيت)، ووزارة الاطلاعات (المخابرات) الإيرانية، بأداء بلغ في بعض الموارد التنكيل! لكن رجال الله، من تلك القمم حتى أصغر العناصر وأقل العاملين في سبيل الدين، تصدُّوا بشجاعة ووقفوا بصلابة وثبتوا ببطولة، حتى أسقطوا رأس الضلال وعنوانه وطووا صفحة انحرافاته. في المقابل بذلت مؤسسات الجمهورية الإسلامية، الدينية والإعلامية، من سفارات وملحقيات ثقافية وقنوات فضائية ومراكز تبليغية وصحف ومطبوعات، كل جهدها ووسعها لمنع السقوط، ولحقتها الأحزاب الإسلامية التابعة، التي هالها سحب البساط الشعبي من تحتها لصالح الولاء لأهل البيت وحرمة مقدسات المذهب، وبات يهددها في قاعدتها والمنتسبين إليها، فصدر الأمر بمنع تناقل أخبار الحكم بضلال فضل الله وإسقاطه، ومنع تداول الأمر حتى في المجالس الخاصة المغلقة!

هذه حقائق موثَّقة في بيانات رسمية، وإصدارات منشورة، ورصد صحفي واجتماعي، لن تطمسه دعاوى ومماحكات تحتال بتصوير الواقعة وكأنها من فعل شخصيات هامشية، ضئيلة في خطبها وخطرها، ضامرة في دورها وتأثيرها. ولسان حالها: “شرف لا أدعيه”!..

وفي الحديث الشريف أنه قيل للصادق عليه السلام: إن عماراً الدهني شهد اليوم عند ابن أبي ليلى قاضي الكوفة بشهادة، فقال له القاضي: قم يا عمار، فقد عرفناك لا تُقبل شهادتك لأنك رافضي. فقام عمار وقد ارتعدت فرائصه واستفرغه البكاء. فقال له ابن أبي ليلى: أنت رجل من أهل العلم والحديث إن كان يسوؤك أن يقال لك رافضي فتبرأ من الرفض فأنت من إخواننا. فقال له عمار: يا هذا ما ذهبت والله حيث ذهبت، ولكن بكيت عليك وعليَّ، أما بكائي على نفسي فإنك نسبتني إلى رتبة شريفة لست من أهلها زعمت أني رافضي، ويحك لقد حدثني الصادق عليه السلام أنَّ أول من سُمِّي الرفضة السحرة الذين لما شاهدوا آية موسى في عصاه آمنوا به واتبعوه، ورفضوا أمر فرعون، واستسلموا لكل ما نزل بهم، فسماهم فرعون الرافضة لما رفضوا دينه، فالرافضي كل من رفض جميع ما كره الله، وفعل كل ما أمره الله، فأين في هذا الزمان مثل هذا؟ وإن ما بكيت على نفسي خشيت أن يطلع الله عز وجل على قلبي وقد تلقبت هذا الاسم الشريف على نفسي فيعاتبني ربي عزَّ وجل ويقول: يا عمار أكنت رافضاً للأباطيل، عاملاً بالطاعات كما قال لك؟ فيكون ذلك بي مقصراً في الدرجات إن سامحني، وموجباً لشديد العقاب عليَّ إن ناقشني، إلا أن يتداركني موالي بشفاعتهم. وأما بكائي عليك فلعظم كذبك في تسميتي بغير اسمي، وشفقتي الشديدة عليك من عذاب الله، أن صرفت أشرف الأسماء إليَّ، وإن جعلته من أرذلها، كيف يصبر بدنك على عذاب كلمتك هذه؟ فقال الصادق عليه السلام: لو أنَّ على عمار من الذنوب ما هو أعظم من السماوات والأرضين لمحيت عنه بهذه الكلمات، وإنها لتزيد في حسناته عند ربه عز وجل حتى يجعل كل خردلة منها أعظم من الدنيا ألف مرة.

Posted in

التعليقات