من موارد العثرة في الفهم والغفلة عن الفكرة، ومواقع الخطأ في تحليل الوضع الديني وقراءة الواقع الإيماني في العراق، تجاهل تعرُّض الالتزام الديني (الشيعي) هناك للبتر عن جذوره والانفصال عن أصوله، والانقطاع عن تراثه وأمجاده، وأنه بات اليوم ـ في عمدته ـ مُحدَثاً طارئاً، عارضاً طارفاً. الحقيقة التي تظهر في غير موقع وتسري في غير مظهر، كتعداد المراكز الدينية من مساجد وحسينيات ومقامات حيَّة مزدهرة ومدارس دينية ومعاهد حوزوية ومكتبات ومؤسسات بحثية، وكأن عجلة الزمن توقفت في هذه وتلك على ما يخدم نحو خمسة ملايين نسمة (كان عدد سكان العراق عام 1950 يقارب ستة ملايين، في حين أنه اليوم يتجاوز الأربعين مليوناً)، وكذا الحال في قطاع رجال الدين وطلبة العلم، وتواضعه كماً وكيفاً، أما في الشعائر الحسينية والممارسات المذهبية، سواء في كثافتها ومدى انتشارها أو في كيفيتها ونوعيتها، فحدِّث عن انخفاض المناسيب وتراجع المؤشرات ولا حرج.
هكذا يظهر أنَّ النمو والتطوُّر الديني في العراق يعيش اليوم طفرة كبيرة ويخضع لمنعطف حاد ونمو سريع كثيف، كأنه يستدرك عطباً وتعطيلاً امتد قرابة قرن، يجبر كسراً ويسد ثلماً ناهز الانهيار والزوال والقضاء المبرم!
العراق مهد التشيع وقلبه النابض، كان في ماضيه عاصمة لعلي عليه السلام، وسيرجع في مستقبله عاصمة للمهدي عجل الله فرجه. منطلق الحوزات العلمية ولبنتها الأولى، مركزها وقاعدتها في بغداد والنجف الأشرف والحلة، وهو بلد العتبات المقدسة ومراقد الأولياء، أبواب السماء ومعارج تنفتح على العرش والملكوت الأعلى، بحر زاخر وتاريخ حافل، موارد بشرية لا تنضب، فرات الولاء ونبعه الفياض، بخصال لا تُبارى وكمالات ولا تُجارى، كرم وشجاعة وغيرة وحمية، ثم ذكاء وألمعية، أفرزت نُخباً فريدة وصفوة متميزة في نوعها وحجمها، وهنا، من بعد، تيار حسيني شعائري عريض، بنى عظمة وشيَّد مجداً، وأقام صرحاً قلَّ له النظير…
المعضلة في فهم الحالة العراقية تكمن في الغفلة عن البتر والانقطاع، وتجاهل تبعات الانفصال عن المذهب ومعالمه، الذي دام نحو قرن.. بدأ بنزعات القومية والشيوعية، وتلاحق بمقولات الوطنية، حتى إذا وصل الابتذال البعثي، بلغ الانحطاط والانهيار قعره، وتحقق الانقطاع الكامل والبتر الشامل! ثلاثة أجيال متعاقبة نشأت وترعرعت بعيداً عن الهوية الشيعية، في فقهها وعباداتها، وفي شعائرها ومظاهرها، وكل ما يمس روحها ومعالمها! عشرات الملايين من الشباب ألقوا في أتون الحروب، لا يعرفون أوليات الالتزام، لا صلاة ولا صيام، لم يسمعوا مجالس حسينية، ناهيك بالحضور والمشاركة فيها، فشريط “كاسيت” لمجلس حسيني كان يساوي المعتقل والدخول في متاهة إن لم تنته إلى الإعدام، فالتنكيل والاضطهاد والملاحقة في الوظيفة ولقمة العيش… حتى إذا استيقظوا على الدين، اطلعوا عليه من نافذة بعثية، فُتحت في فترة الحصار كمتنفَّس يمنع النظام من الانهيار، يطل على قاعدة مضعضعة وهياكل مهترئة نالت منها ثلاث حروب مدمرة ما نالت!
إن الشاب العراقي المأخوذ بعاصفة الإعلام وحمَّى الشهرة في دوامة وسائل التواصل الاجتماعي، غريب عن أعماق العبادة في الشعائر الحسينية، وجاهل بأسرار الإخلاص فيها، وكم كان آباؤه وأجداده يعانون في الجمع بين وجوب الإعلان والإذاعة، فهو قوام الشعيرة، وبين ضبط النيات ومنع الرياء! وبعد هذا تراه لا يطيق “ثقيل” عبدالرضا، ولا يدرك عمق “باب من جذوع وثجيلة وزن”، ولا يتذوَّق “جينه ننشد كربلا مضيعينها”، تذوقه وإدراكه للألحان والإيقاعات التي تباهي وتتغنى بالمضايف على امتداد “الوطن”، من الموصل إلى البصرة، فهنا مفردة حاضرة في وجدانه، ثقافة ولحناً، تلقَّاها في المدرسة والإذاعة والتلفزيون، كما لا ينفر من “الله يا دين البهرة”، التي تنساب في وسائل التواصل الاجتماعي، تحملها في عميق خطابها، وهي تسوِّق للتعددية، ما يجعلها مقولة مهضومة، ومفردة مقبولة، ويستغرب المواجهة “الحادة” التي تعرضت لها، وسمحت للرادود أن يحتال، فيسقط الكلمة ويبقى على الفكرة في مشروع الديانة الإبراهيمية!
هذا جيل لا يعرف عبود غفلة وعبدالحسين الشرع ولا امتدادهما، فمن الطبيعي أن يجتذبه الشور والمور والكور، إنه سليل الانقطاع والبتر الذي نال من هذا الشعب المنكوب، خلافاً ـ على سبيل المثال ـ للخليجي الذي ما زال الجيل المعاصر ينهل من ملا عطية وابن فايز، فالنمو هنا طبيعي والتطور تراكمي، لا يعاني شدَّة الطفرات ولا يكابد حدَّة المنعطفات، اللهم إلا من الأحزاب والمؤامرات!
على من يريد دراسة الحال في العراق وامتداداته، وفهم ظواهر أزياء الرواديد وتسريحات شعورهم، والتراقص على المنصات، والبرامج التلفزيونية التي تحاكي مسابقات الغناء، وأطوار على ألحان الراب، وجمهور متعطش لتلقُّف ما لُفظ وانحسر في إيران من أنماط محدثة، ليُحتضن ويروج في العراق، كل ذلك تسابقاً على المال والشهرة، وتهالكاً على تسجيل الأرقام القياسية و“الترندات”، وما إلى ذلك من معطيات الطيش والرعونة وفي الأقل الأدنى الخفة وعدم الوقار… لا بد له، باحثاً محققاً كان أو ناقداً، أن يعي تلك الفجوة والفراغ. دون أن يغفل ـ بطبيعة الحال ـ الدور التآمري للدول والأحزاب والتيار الحداثي، وأغراضه في تشويه الشعائر الحسينية، وما يزري بالهوية ويعود بها إلى عهود الظلام والبعثية.
لم يعد العراق ـ في حقيقته ـ عريقاً في البرهة التي يقطعها اليوم، ولا هو سليل ماضيه التليد وأمجاده الرفيعة، وهو يعيش حالة شبيهة بالواقع الشيعي في لبنان المنفتح للتو (في النطاق الجماهيري العام) في هذا الجيل، على العزاء الحسيني، بعد عقود من الانقطاع والتغييب، فقد الدمعة والجزع، وحصر الأمر في نطاق ضيق لا يتجاوز عشر معشار المجتمع، ثم ـ للعموم ـ في يوم واحد من السنة، سريعاً ما يستدرك ويلحق بـ”الفلة”، أي الفراغ من العزاء والانصراف إلى الحياة والعودة للمعاش!
من هنا علينا أن نقرأ عزاء “الشور”، ونتعامل معه كظاهرة طارئة في هذا السياق… ومع التسليم بخطأ الظاهرة، بل بالخطيئة في بعض الصور والموارد، إلا أن قطاعاً عريضاً من المؤمنين الولائيين والحسينيين الشعائريين، يتوقفون في آلية المعالجة وطريقة العودة للربط بالماضي والاتصال بالعراقة التي طالما عرف بها عراق المقدسات. والقدر المتيقن أنَّ إدارة العتبة الحسينية غير مؤهلة لهذا الدور، وهناك خطر ومحذور جدِّي، يأتي من كونها مخترقة من حزب الدعوة وعناصر إيرانية تحمل مقولات الحداثة وتسوِّق لها، وهنا سوابق تسجَّل بخجل وعار يندى له الجبين، لم تكن المعازف بين الحرمين أولها، ولن يكون اللطم على غزة في صحن سيد الشهداء آخرها. ولو تنازلنا عن إدراجهم في الضلال ورميهم بالانحراف، فالقدر المتيقن أنهم لا يزنون الشعائر بميزانها، ولا يعرفون حقها وقدرها، ويكفيك في التدليل تبني بيان سيد منير، وتوكيل أمر التبليغ والإرشاد الديني الذي يتولى توجيه عشرين مليون زائر إلى الإشكوري! هذا يعني أن الشعائر والزيارة عندهم لا تساوي دانقاً! فهل يؤتمن هؤلاء عليها؟! لا والله، لا هم ولا أقرانهم في النجف الأشرف، من شعراء ورواديد ينشدون في السياسة وشؤونها، بين إدانة لرئيس الوزراء والمحافظ، وتمجيد لهذا وذاك. إنَّ من يريد أن ينزِّه الشعائر الحسينية عن الأنماط الدخيلة والصوَر المشوَّهة المريبة، عليه أن يكون من الجسم الحسيني روحاً وقالباً، أي “تهذيب” و”تقويم” للشعائر، يجب أن يكون نابعاً من داخل البيت الولائي الشعائري، ويكون بعيداً عن الحداثويين، إيرانيين وحزب دعوة وحزب الله وحزب شيطان وكل من يدور في هذا الفلك المنحرف… هؤلاء لا يؤتمنون على ديننا وشعائرنا، فبعد السياسة والولوغ في الدماء ودفع العالم بأسره وحمله على ملاقاتنا بالعداء، فإنهم ينهلون من الإخوان المسلمين، من سيد قطب وحسن البنا، وفي أحسن الأحوال من علي شريعتي وعلي خامنئي وفضل الله، وهؤلاء لو خلي لهم وأُفسح، لطووا صفحة الشعائر الحسينية وأنهوها من رأسها، وحوَّلوها دروساً ثقافية ومحاضرات سياسية، وأداة تعبئة عسكرية، لا يعنيهم قميص الحسين الممزق بالسهام الذي ينشر في السماء أول ليلة من محرم الحرام، ولا يفقهون ما يعني البكاء واللطم والجزع، وما قال الصادق في الفضيل بن يسار: “من ذُكرنا عنده ففاضت عيناه، ولو مثل جناح الذباب، غفر الله له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر”. ولا ما قال الرضا: “فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون، فإنّ البكاء يحطّ الذنوب العظام”…
أما ما يعقب هذا ويلي ذاك من أمر الشور وأهله، فهيِّن يسير، فمصير هذه الهيئات ـ لا محالة ـ الاندماج في الجسم الإيماني، وفي الحد الأدنى النطاق الحسيني الشعائري، فمن غير المعهود أن تتخصص هيئة بنمط شعائري دون غيره، فالهيئات الحسينية تحضر المجلس وتبكي ثم تلطم وتقوم بالتشابيه وتمارس التطبير وتقيم المواكب وتستضيف المعزين، وانصراف الإخوة إلى نمط بعينه لا يُعرفون بغيره سينتهي، وتزول بذلك إحدى أهم مداخل الأزمة وروافدها، ولا سيما إذا انتفى ما يتعلق بارتباطاتهم المريبة، كالعلاقة بالمشعوذ “المولى”، الذي ترجع إليه أغلب هيئات الشور في البصرة والسماوة، فتنتفي جملة أخرى من أسباب التحسس التي تثير الآخرين ولا يعود للحذر ولا للخوف من نزعات صوفية وعلي اللهية تغوي شباب الشيعة وتغرر بهم، محل ومكان، وكذا تنقطع الطعون في تعاطي المنبهات وأنها التي تمكنهم من الاستمرار في اللطم المتواصل لساعات… والرهان على قيادات ملتزمة واعية تشق طريقها بين جموع هذه الهيئات لتقود مسيرة العودة للأصالة والاندماج المبارك في مجموع الشعائريين.
التعليقات