لا غضاضة أن يرغب المرء في الفوز ويرجو الظفر والنصر، ولا يعيب المؤمن أن يحب ذلك ويتخذه أمنية وغاية، فطلبه فطرة بشرية وطبيعة إنسانية، لكن دون أن يتمادى الأمر ويطغى على النية وقصد القربة، فهذه آفة قد تفسد العمل وتبطل السعي. أما إذا تحوَّل النصر إلى شاهد على الحق، واتُّخذ دليلاً على رضا الله، فهذا انحراف خطير ينم عن تردٍّ روحي، وخلل عقائدي.
إن القوة والكثرة والنصر والغلبة ليست أدلَّة على الحق، ولا هي علامات على رشد المسلك وصواب المذهب، قد يكون المرء أو الجماعة أو الطائفة، مغلوبة مهزومة، مستضعفة مقهورة، قليلة صغيرة، وتكون ـ في نفس الوقت، وهي على تلك الحال ـ محلاً للرضا الإلهي، بل حاملة له وناهضة به، وحاضنة للحق ومن يمثله في الأرض. هذا المفهوم الديني الذي كان حتى الأمس القريب مسلَّماً به في الوسط الشيعي، يبلغ البديهة التي لا تحتاج إلى استدلال، مرتكزاً في الأذهان إلى حدود اليقين… أسقطته أحزاب الحركة الإسلامية وأرباب الحداثة الدينية، وأطاح به التيار الثوري، وقلَبه لصالح فهم آخر! بمغالطات صوَّرت الضعف في حديث “إنَّ الله تعالى ليبغض المؤمن الضعيف”، وحوَّرت العزَّة في قوله تعالى “ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين”، على غير الوجه الصحيح، في جملة ما قلبت من مفاهيم دينية، أنزلتها حيث شاءت من خطابها الحداثي الحركي الثوري. وراحت في هذا إلى حدود التخبُّط الذي يتنكَّر لتاريخ الشيعة والتشيع، مرتكزة على مقاطع استثنائية، وحقب عابرة، خرجت فيها الطائفة عن حالة حَكَمتها فصارت سِمَتها منذ العاشر من محرم عام إحدى وستين، بل منذ وفاة رسول الله وتخلُّف الأُمة وانقلابها على بيعة الغدير. حتى عاد اليوم ليتسرب إلى النفوس ويغلب العقول، ويستقر فيها أن القهر والهزيمة والضعف والعجز والقلة، علامة على بطلان النهج! وأن لو كان الله مع قوم لنصرهم، ولو كانوا على الحق لما هزموا. الفكرة التي كانت تغذي الواقع المتردي الذي واجه دولة أميرالمؤمنين وشاغلها بالصراعات والحروب الداخلية. ولك أن تتصوَّر المعاناة من الإرجاف والارتياب الذي كان يُبث ويُشاع، والعبث الخطير في هذا المفهوم، من كلمة الصحابي الجليل عمار بن ياسر يوم صفين، حين خرج، وهو شيخ كبير طوال قد أخذ الحربة بيده، ويده ترعد، كما تذكر الرواية، فقال: “والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث مرات، وهذه الرابعة، والذي نفسي بيده، لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر، لعرفت أن صاحبنا على الحق وأنهم على الباطل”.
من الكوارث الفكرية والمآسي العلمية، إقحام الحسِّ والمادة في الفهم الديني، والتعاطي مع المعارف الإلهية، بل السلوك الروحاني والعبادة والطاعة، بجمود وصلافة، ولغة تجارية وسياسة تعتمد الكسب وتراعي المصلحة. كل ذلك باسم البناء على العقل والتأسيس على المنطق… ما صنع بُنية متداعية وخلق بيئة مريضة وفضاءً موبوءاً، من أبرز معالم انحطاطه أنه يرى البكاء ضعفاً وذلة لا فخراً ورقَّة، فهو صفة النساء، ولغة الخوَر، وعلامة الضراعة والهوان، وأخطر مؤشرات ضلاله أنه يحسب الدعاء والابتهال فشلاً وعاراً لا سلاحاً وعزّاً! ذلك أنه ـ في قاموسهم ـ حيلة العاجز ووسيلة المهزوم الخائب! أما الاعتراف بالعجز وعدم القدرة، والإقرار بالضعف وقلة الحيلة، فهو عين الاندحار وقمة العار، وذروة الهزيمة والفرار!
إنَّ ما قامت به الحركة الإسلامية والنظام الديني في إيران من زرع الزهو والفخر، ورعته من غرس الغطرسة والطغيان في نفوس هزيلة، غذتها وأذكت الغرور والخيلاء فيها، صنع نماذج خاوية خائرة، من الوهن والضعف ما لا تعف عن نظرة حرام، ولا تأنف من مال حرام، فكيف بهذه الأثقال والأعباء العظام؟! أهملت تهذيب النفس وغادرت جبهة الجهاد الأكبر، وراحت تنفخ وتزرِّق ما أورث القاعدة تخلفاً عقائدياً مهلكاً، وتردياً روحياً فاضحاً، يعيش أحدهم زهو الملوك، ويمضي في غطرسة الطواغيت وخيلاء الجبابرة، وهو ـ في واقعه، كما تبين وظهر ـ مسكين عاجز مغلوب! إنه عطاء ثقافة إخوانية شريعتية، ولك أن تنسبها إلى من شئت، لكنها ليست إمامية إثني عشرية، أفكار تتجاهل سيرة الأئمة الأطهار وهم أعظم خلق الله، كذا الأنبياء والصلحاء، وحتى كبار المصلحين في التاريخ، الذين اعترفوا ـ في غير فترة ومناسبة ـ بالضعف والعجز، واستسلموا لسلاطين أزمنتهم وأباطرة أيامهم وطواغيت عصورهم، لم يأخذهم الفخر والعزة بالزهو، ولا غلبهم الكبر والاستعلاء.
إنها التربية الخاطئة والنشأة المنحرفة والتلقين الحزبي والفضاء الإعلامي المغلق الذي قاد إلى هذا الهلاك والدمار، ما زالت القيادة، العليا في طهران، والسفلى في لبنان، ومن بعدها فتات ولقاط وسقط متاع في بلاد الخليج وأحزاب العراق، لُقنوا ذلك وأُشربوه، حتى آمنوا به وصدَّقوه، نفخ وضخ يوهم بالقوة والقدرة على تحقيق الانتصارات، أورث تباهٍ وخيلاء، وغطرسة وتجبُّر لم يجعل في حسابه أن ما يحققه قد يكون من الكيد والاستدراج نحو ضربة قاصمة قاضية، أو مما أخلاه العدو من ميادين ونطاقات، لهدف وغرض، ولربما للهو وعبث، كما تسمح لطفل أن يسبقك أو يصرعك، تتأوه من ضربته “الموجعة”، وتتباكى من “هزيمتك” الماحقة، علَّه يشبع غروره ويطفئ تعطشه، يعود إلى مكانه ويلزم حدَّه، فلا يسرف ويغرق!
فاعرف السر في تغليظ شرائط المرجعية، والتشدُّد في عدالة القيادة. لا بدَّ من نفس مرتاضة وروح مهذَّبة سامية، وعين مشبعة لا ظامية وملأى غير فارغة، تنفتح لها البصيرة وتنحدر عليها الألطاف الخاصة وهي تتصل بقناة الفيض الإلهي: النيابة الحقة عن صاحب العصر والزمان. ذلك أننا حين نستخف بشعائر عزاء سيد الشهداء، فنحن نغلق بأيدينا أبواب السماء، وعندما نزدري المقدسات، ولا نرى قيمة لمقامات وخصائص الأئمة، ننسفها نسفاً ولا نرى لها خطراً وخطباً، فنحن نصدُّ عن الناحية المقدسة ونعرض، بل نظاهر بحرب ساكنها “القاعد” عن القيام، و”الساكت” عن الظلم والقهر وما يعصف بالدنيا من جور وبغي وطغيان! ثم نرجو أن يجبر ضعفنا ويعوِّض نقصنا، وينصرنا بجنود الغيب، الذي نمتهن ونستخف ونسخر!؟
قبل ألف وأربعة مئة سنة، قال أميرالمؤمنين عليه السلام: “الزموا الأرض، واصبروا على البلاء، ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجل الله لكم، فإنه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيداً، ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته بسيفه، فإنَّ لكل شيء مدة وأجلاً”… ومن نافلة القول أن هذا لا يعني التخلي عن الأحكام الشرعية في وجوب الدفاع عن النفس والعرض والمال، إنما هو إعادة تنظيم لخطاب تحرير القدس والصلاة في الأقصى، الذي تهدر في سبيله كل هذي الدماء، وتهدم الدور والبيوت، وتُدمَّر القرى والبلدات، وتشرَّد المخدرات، وتبتذل الكرامات في الطرقات.
غابت ثقافة الانتظار وسادت روح القوة والسلطة والانتصار، فطغت الشيطنة وغلبت، تمرَّد الشباب، وظهرت دولة الصبيان وحكومة الرعيان، حفنة من مُحدثي النعمة في عالم الزعامة والسلطة، استفاقوا على دولة عريضة وميزانيات خرافية، وقاعدة مطيعة مضحية، فما عادت تسعهم ثيابهم، ولا تحملهم أرضهم. والبلاء أننا جميعاً علينا أن ندفع الثمن ونتحمل الكُلفة، من عدو طائفي حاقد لا يميِّز بين الإنسان والحجر، ولا يفرِّق بين حق الدفاع عن النفس والمال والعرض، وبين شيطنات سياسية ومناورات تقدم من عالمه وتجري على شاكلته!
عندما تعجز النوائب عن تذكيرهم بالله، وتخفق الكوارث عن أخذهم للتوبة والإنابة، فإن هذا التيار يكون قد كتب على نفسه الهلاك والهزيمة، وإن خلص ونجا، وأبقت حكومة العالم الخفية على شيء منه وبقية، فهذا لحاجة في نفسها وغرض طالما خدمها!
على طريقة الوليد بن عبدالملك الذي استفتح بالمصحف الشريف فكانت آية: “واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد”… فأمر بقوسه وأنشب فيها وجعل المصحف غرضاً، ثم سدَّد نحوه وهو ينشد: تهددني بجبار عنيد؟ فها أنا ذاك جبار عنيد، إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزَّقني الوليد! يبدو أن الخامنئية يشعرون، أو أنهم يجيبون على من ينادي أن السبب الغيبي والداعي الحقيقي لما يجري عليهم اليوم يرجع إلى جرأتهم على حرمات أهل البيت ومقدساتهم… فأرسلوا صعلوكاً من صعاليكهم يقتبس من شعر أبي طالب عليه السلام في النبي صلى الله عليه وآله: وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه، ثمال اليتامى عصمة للأرامل، ليطبقه على قائدهم، ثم يرفعه ليكون حُسينه، ويلحق به نصرالله ليكون عباسه!.. هكذا يصرُّ وصولي متملِّق على العبث بديننا، ويمعن مداهن متزلِّف في النيل من مقدساتنا، يستأكل بها غير متأثم ولا مستعظم! يبرز بالحرب لأولياء الله، بل يتحدَّى الله، يستنزل غضبه ويستمطر نقمته. حتى إذا رأيت قائده يتململ ويطأطئ برأسه، وكأنه لا يرتضي هذا ويأباه، والقاصي قبل الداني يعلم أنَّ النص قد عُرض عليه قبل إلقائه، فليس لصعلوك مثل هذا أن يرتجل ويهرف بما شاء في محضر هذا السلطان… علمت حجم المأساة ومدى الكارثة، ومن أين أُخذنا؟
باختصار وإيجاز، يبدو أنهم لم يتلقُّوا الدرس، ولا تعلموا من الكارثة التي جرُّوها على الطائفة…
ليست هذه ساعة إطالة ولا لحظة محاسبة، إنما هي مشورة حرص وإشارة خطر، أن يبادر من تبقَّى من قيادة هذا التيار المنحرف فكرياً، قبل أن يكون عاجزاً عسكرياً وأمنياً وسياسياً، ويعلن استسلامه واستعداده لتوقيع تسوية، تطوي صفحة القدس وقضايا القومية العربية، في مقابل التمسك بالدين والموت دونه، مما راح في سبيله الشهيد الأول والثاني والثالث، وجميع شهداء الفضيلة في تاريخنا الناصع. لن تكون نهاية الدنيا، ولا آخر العالم وخاتمة الحياة، ولندفع الثمن شماتة، خير من إراقة دماء حقنها الله وكرامات صانها. ولكم في سيرة السيد السيستاني أُسوة حسنة، حين توقَّف في المقاومة المسلحة للاحتلال الأمريكي، ثم أفتى بالدفاع ضد من يكيد بعتباتنا المقدسة، يريد هدم قبابها وتعطيل شعائر ومعالم المذهب الحق… عسى أن يقوم من هذا الحزب رجل رشيد، ينتفض ويعلن تمرده على قائد لا يعبأ أن يُقتل شعب بأسره ويشرَّد، في سبيل أن لا تُكسر كلمته، فيتراجع عنها ويسجَّل مهزوماً مغلوباً؟!
ليس الأمر من تهالك على الدنيا وتشبث بها، بل هو الحرص على إصابة الحكم الشرعي، والتثبت من “الراية” التي نكثِّر السواد تحتها، والدعوة التي نخدم ونضحي في سبيلها. وإلا فهذا الحطام الزائل والعمر العليل الراحل، لن تقصِّره حرب ولن يطيله سلم.
التعليقات