هناك عالم خفي، موازٍ لعالمنا المشهود، يخفق فوق رؤوسنا ويواكب حركتنا، يجللنا من حيث لا ندري، ويسبح في سمائنا ولا نراه، يحرِّك الأسباب بعد أن يبعثها، ويدير المقادير بعد أن يقضي بها. وفي مقاربة قد يفهمها السياسيون، هو العالم الوحيد الذي تحكم فيه “حكومة الظل”، لا تكتفي بالنقد والمعارضة من خارج السلطة، ولا بالنشاط الافتراضي بعيداً عن أروقة صنع القرار!.. يداوي المريض بالصدقة، يدفع البلاء بالفداء، يطيل العمر بصلة الرحم، يطهِّر البيت بدخول الضيف، يرزق الأُمم والمجتمعات والحكام بالتزام الحق “وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً”، ويمكِّن الدول بإقامة دينه “ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم”، وليس التزام الحق والعمل بكتب السماء والاستقامة عليها، إلا في تعظيم آل محمد، أحباء الله وأولياؤه، وأوداؤه وأصفياؤه، التزلف لهم والتقرب منهم، فهو ما يحقق رضا الله ويورث خيره وينزل نعمته ويرسل بركته. دع عنك الأسباب الظاهرية: النسخة المطوَّرة أو الإصدار الجديد من الربيع العربي، وتأكيد “حقوق” الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، حين استُبعد الروس في سايكس بيكو بسبب الثورة البلشيفية، بخارطة محدثة للشرق الأوسط، وإعادة استبعادهم اليوم لغزوهم القرم وحربهم أوكرانيا! ودع عنك منابع النفط والأسواق وطريق الحرير والخطر الصيني، وما إلى ذاك من علل منطقية وعوامل فاعلة في مجريات الأُمور ووقائع هذه الأيام… لا يُنكر ذلك ولا يُغمض، ولكن في الوقت نفسه هناك حقيقة عظمى ستفرض أرقامها في المعادلة، وتنفذ من خفي المسالك والدروب بما يخترق تفكير صنَّاع القرار، ويتحكَّم في إرادتهم ويلهمهم في إدارتهم، فتُدار وتنعطف إلى ما يخدم الإمام من آل محمد، السلطان الحقيقي لهذا الكون والولي المطلق لهذا الوجود!

يروى أنَّ السلطان العثماني مراد الرابع، في غمار حملته لاستعادة العراق من الحكم الصفوي، توجَّه لزيارة النجف الأشرف، فلما قرب منها ولاحت القبة الشريفة، ترجَّل أحد الوزراء الإنكشاريين الذين كانوا معه عن فرسه، وكان يتشيع في الباطن، فسأله السلطان عن السبب؟ فقال هو أحد الخلفاء الراشدين، نزلت إجلالاً له. فقال السلطان: وأنا أنزل أيضاً تعظيماً له. فقال بعض النواصب الذين في معيَّته: إن كان هو خليفة، فأنت أيضاً خليفة ووالٍ على المسلمين، والحيُّ أشد حرمة من الميت! فتردَّد السلطان، ثم تفأل بالقرآن فكانت الآية: “فاخلع نعليك إنك بالوادِ المقدس طوى”، فترجَّل واحتفى، وأمر بضرب عنق الذي نهاه! وأنشد بعضهم في الواقعة: تزاحم تيجان الملوك ببابه * ويكثر عند الاستلام ازدحامها. إذا ما رأته من بعيد ترجَّلت * وإن هي لم تفعل ترجَّل هامها.

في فهم ذوي البصائر والقراءة الروحانية النورانية، واستجلاء ما يدور في عالم الغيب وعلى صعيد التدبير الإلهي الخفي، هناك علَّتان للثورة السورية، وما انتهى إلى انهيار النظام البعثي وسقوط الدولة الأسدية، الأول: حشد الإرهابيين التكفيريين من شتى بقاع الأرض، تجنيدهم وإرسالهم إلى العراق، ليفسدوا في الأرض ويسفكوا الدم الحرام ويهلكوا الحرث والنسل. والعلة الثانية كانت في هتك حرمة الحرم الزينبي! فبعد خمسين عاماً من الحكم كانت منطقة السيدة هي الأسوأ في سوريا على صعيد الخدمات البلدية والصحية والأشغال المدنية والكهرباء والماء.. كانت أكوام القمامة تسدُّ الشوارع وأزقة الحارات، وكأنها تتظافر مع أسوأ تعبيد للطرق عرفته الشام في إلحاق الأذى بالزائرين والمجاورين، لا ينافس هذا الوضر إلا فساد البلدية التي لم يعفَّ موظفوها عن استثمار مداخل الحرم الشريف “أرضيات” لعربات الباعة المتجولين، تزاحم الزوار وتضيِّق عليهم ما استطاعت، لا يوفرون سبيلاً للأذى ولا حيلة لإهانة الحرم الشريف إلا عملوا به وعمدوا إليه!

حتى إذا كانت الحرب بين المعارضة والنظام، تحركت إيران لنصرة البعث، تحت عنوان الدفاع عن الحرم الزينبي والعتبات الأخرى في بلاد الشام، وشعار “لن تسبى زينب مرتين”! وهي خدعة كبرى انطلت على جملة من الشيعة السذج، حملتهم على الاصطفاف مع النظام ضد الثوار، الذين لم تكن نوايا جميع فصائلهم بريئة، ولا كانت مقاصد التكفيريين منهم نزيهة!

على أي حال بعد فشل الثورة في جولتها الأولى، التي حسبها القوم النهاية، صار الحزب هو المتولي الشرعي للحرم الزينبي الشريف، والناظر على شؤونه وإدارته. ولهذه الخطوة صورة وأداء مأساوي لعله لم يُسبق ولن يتكرر على مدى تاريخ الحرم. فالتولية التاريخية والشرعية كانت لآل مرتضى، وآخر قيِّم فاعل منهم كان المرحوم الدكتور سيد هاني مرتضى، وهو رجل حكومي علماني، كان يتعامل مع الحرم كمورد مال ووجاهة، ويد لوزارة الأوقاف التي كانت تتحايل بشتى الطرق والذرائع للتضييق على أنشطة الحرم وزوَّاره! وبعد ردع الإرهابيين التكفيريين و”الانتصار” الذي قيل أن الحزب حقَّقه، انتقلت عملياً الولاية والنظارة على الحرم إليه، وهنا دخل الحرم في حقبة جعلت الزوَّار والمجاورين الذين كانوا ينتقدون الأوقاف السورية وآل مرتضى، يترحَّمون على تلك الأيام، على طريقة: “فيا ليت جور بني مروان عاد لنا، وليت عدل بني العبّاس في النار”. فليت ظلم الأوقاف وآل مرتضى دام لنا، وليت عدل حزب الله في النار!

ومن المفارقات المؤلمة على هذا الصعيد أن منطقة السيدة زينب من ريف دمشق، على الرغم من الكثافة السكانية الشيعية، والحكم العلوي الممتد لخمسة عقود، لم تسمح السلطات ببناء مسجد واحد للشيعة فيها، حذراً من إثارة النعرة الطائفية، وحفاظاً على الهوية المذهبية لعاصمة الأمويين! وكانت طلبات البناء ترد بأن لكم الكفاية في الحرم الزينبي الذي تقام في مصلَّاه الجماعة… وفي استثناء تاريخي شكَّل سابقة، مُنحت ممثلية الخامنئي في الحوزة الزينبية، ترخيص بناء مسجد، اختار له ممثل ولي الفقيه عند وضع حجر الأساس لبنائه اسم “جامع الإمام الخميني”، وقد توجه جملة من وجهاء المنطقة وأعيان الشيعة فيها، بما فيهم أصحاب الحسينيات ومدراء المدارس وممثلي المراجع العظام، بالنصيحة لتجنب التسمية أي مدلول سياسي أو ما يثير نعرة ويشكل استفزازاً، فهو دار عبادة يفترض أن يجمع المؤمنين كافة، وأن يُطلق عليه اسم واحد من أئمة أهل البيت، وكان الرجاء أن يكون الإمام زين العابدين، أو أحد الصحابة الموالين كعمار بن ياسر أو حذيفة بن اليمان، فلم تلق النصائح والتمنيات أُذناً، فالقضية في قاموسهم إتجار سياسي، واستثمار واستئكال، حتى سقطت الدولة ورحل القوم، وها هو يتحوَّل إلى جامع السيدة عائشة!

في الرؤية الإلهية الغيبية، لا المادية الحسية، لم يكن ترامب هو الذي أردى سليماني، ولا إسرائيل هي التي قتلت نصرالله وأنهت حزب الله، ولم تكن هيئة تحرير الشام والجولاني أو الشرع هو الذي أسقط بشار الأسد، ولا تركيا وأمريكا هي التي أنهت حكم البعث في سوريا، هذه علل ظاهرية وأسباب سطحية… فالعلة الحقيقية كانت تدبَّر في السماء، وترجع إلى الشقاء قبل الغباء، تماماً كما لم تكن البطنة ولا المرض هو الذي قتل معاوية، ولا الزمهرير أو داء الأُكلة هو الذي أجهز على الحجاج، بل هو دم حجر بن عدي هناك، وظلامة سعيد بن جبير هنا، والمؤلم أن شقياً مثل الحجاج، أدرك هذه الحقيقة، فمات وهو يردد “ما لي ولسعيد”؟ بينما الخامنئي يمضي في مسيرته غير عابئ ولا مكترث، ويحشد لجنازة سليماني، حتى يُهلك التدافع في زحام التشييع أكثر من خمسين نفس محترمة، فلا يطرف له جفن!.. إنه اليتيم الذي فقد أباه في تفجير الكرادة الذي ضرب منطقة تجارية تعج بالمتسوقين المدنيين في الأيام الأخيرة من شهر رمضان 2016، حين تسببت سيارة مفخخة في اندلاع نيران هائلة في السيارات والحافلات والمتاجر، نتج عنها مقتل أكثر من 292 وجرح أكثر من 200 شخص، إنها فجعة الأُمهات الثكالى وحسرة الآباء المنكوبين وآهات الأقارب والأصدقاء على مصرع الأحبة الأبرياء. ومن نافلة القول أن هذا لا يعفي أي مباشر للقتل أو الجريمة من المسؤولية، لكنها إلفاتة لسلسلة العلل في عالم التكوين، وخضوع هذه الدائرة للإرادة الربانية، ورجوعها ـ مهما تمردت وشطَّت ـ للسنن الإلهية وفق قاعدة: إنَّ الله يمهل ولا يهمل، وقبلها: “بشر القاتل بالقتل ولو بعد حين”! إنها نقمة “العالم الموازي”، سهام الغيب تقدم من سخط الله على من خرج عن عصمته وولاية حجته عليه السلام، إلى ولاية الخامنئي ودولته. إنه الحزب الذي تاجر بقصَّة سبي الحوراء، ورفع شعارات طائفية وهو ينتصر لفضل الله الذي نكأ جراح أهل البيت وجدَّد آلام الزهراء، فلا يلتفت لتدليسه أحد، ولا يرفع صوته بالنكير غيور! يتباكى على حرم العقيلة وقد قلبه مسرحاً لاستعراضه ومحترَفاً لصوَر زعمائه وشهدائه، قطع عنه شعائر العزاء، بالتضييق على الهيئات والخطباء، وأخذه إلى المهرجانات والاحتفالات، فكانت النتيجة أن سُلب هذا الفخر، وزوي عنه هذا الشرف…

“الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر”، لقد مُكِّن الحزب من الحرم لسنين معدودة، هي أيام في تاريخه، فعاث فساداً، وجال ضلالاً وإضلالاً، قلب البقعة الطاهرة والعتبة المقدسة مركزاً ومقراً حزبياً، وصيرها نادياً لكل نشاط وفعالية، إلا الزيارة والعزاء، الوظيفة الأولى والأصلية لهذا الصرح الملكوتي، “ولئن أمهل الله الظالم فلن يفوت أخذه وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه، وبموضع الشجا من مساغ ريقه”…

لم يرتبط التشيع يوماً بدولة، ناهيك بحزب، فكيف إذا كانت حركة على غرار الحشاشين والقرامطة، يحمل عقيدة خاصة هي فذلكة وتركيب مبتدع، يجمع مدرسة الإخوان وفكر شريعتي، ثم يلتقط من مذهب أهل البيت ما يوافقه، وينبذ ما لا يستسيغ…

أهم معطيات الأزمة التي لا يمكن أن تقبل سنن التاريخ بأدنى منها: طي هذه الصفحة السوداء من تاريخ أُلحق زوراً بالشيعة، وإنهاء حقبة دفعتهم ليبذروا في مجرى السيل ويبنوا على جرف هار ويقيموا في هاوية!

Posted in

رد واحد على “من هنا سقط الحزب ولحقه الأسد..”

  1. المصيبة ان الايرانيين حولوا مقام السيدة زينب عليها السلام إلى مركز اقتراع للناخبين علما ان هذا الامر متعارف عليه في السفارات والقنصليات الرسمية ويقال لمثل هذا “عرس ديمقراطي او عرس انتخابي” حيث يعم الفرح والسرور

    والصورة موجودة نشروها بانفسهم في صفحات عديدة لانتخابات عام 2021 منها صفحة “ايران بالعربية” وانا املك نسخة منها

    صورة مؤلمة جدا لكل غيور كيف نرى استغلال المقام لغرض سياسي حيث يعم الفرح في مكان هو بالاساس مكان مصيبة وجزع

    ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم

    Liked by 1 person

التعليقات