مما يعيبه التاريخ ويتندر به على أهل بغداد حين غزاهم المغول، أنَّ الجندي منهم كان يخط بسيفه أو رمحه دائرة على الأرض، يُدخل في نطاقها أسيره أو أسراه، يتوعدهم بالفتك إن خرج أحد منها. ثم يذهب لشأنه في جمع الغنائم وتناول الطعام، ولربما الاستراحة والمنام! وفي هذه الأثناء يحدِّث الأسير نفسه بالهروب، فيعود ليزجرها على ما تسوِّل له، يحسبها حيلة من الجندي المغولي ومكيدة، فهو في الجوار، لعلَّه يكمن وراء هذا الجدار، أو يترصَّد خلف تلك الدار. يهم آخر بالذهاب لبيته وعياله والإفلات من أسره وإذلاله، فيردُّ على رغبته بإدانة التهور وتقبيح الاندفاع، فالمغولي بدا عاقلاً يحسب لمآل الأُمور، ويدرك أنه في غير ميدانه، بعيد عن وطنه، ولا بد له في ساعة أن يحتاج لنا في أمر نقضيه له، أو لشأن من استقرار ملكه ومنع الفوضى عن بلاد فتحه، فيُبقي علينا لذلك ولن يهلكنا، من هنا فالأمل بالخلاص أرجح من المغامرة والصبر أجدى من التهور.. فيبقون في مكانهم حتى يعود المغولي ويقطع رؤوسهم، أو يبيعهم للنخاسين عبيداً أرقاء وبضاعة مزجاة!

تُرى بمَ تفرق هذه الحالة عن وضع محور المقاومة في جبهات سوريا ولبنان وإيران، عندما امتدت الحرب وانقلب “الإسناد” إلى جبهة قتال حقيقية، وأخذت الضربات الإسرائيلية تتلاحق على القرى والبلدات اللبنانية؟!

كان الحزب الذي دخل “الدائرة” التي رسمتها أو استدرجته إليها إسرائيل طوعاً، بين الإقدام على ردٍّ يردع، والخوف من تصعيد لا طاقة له به، بين الحفاظ على مخزون السلاح والذخيرة لحرب قد تطول، ورجاء تدخُّل دولي يكبح جماح العدو ويوقف تماديه… استمر الحزب ملتزماً البقاء داخل “الدائرة المرسومة”، حتى قضت إسرائيل على حماس وانتهت من غزة، فتوجهت شمالاً متفرغة للبنان! كل ذلك في أداء علني تواكبه تصريحات صحفية وتغطية إعلامية مصوَّرة، بلا خفاء ولا مراء! والحزب يباهي بإنجازات “الهدهد” واصور يلتقطها لموانئ حيفا ومطاراتها ومعسكرات العدو وثكناته، ثم بضربات يوجهها لعمود زُرع على السياج الحدودي، نُصبت عليه أجهزة مراقبة ورصد، فلا تسقطه!

إن الرقم الحاسم في القيادة والدور الحقيقي الذي يميِّز القائد عن غيره، والملَكة التي يجب أن يتمتع بها دون الجندي البسيط أو المدني المغلوب على أمره، هو القدرة على اتخاذ القرار، والشجاعة في الإقدام على ردع العدو، وإرجاع الحرب لمعناها الحقيقي، بعد الهزلي الاستعراضي الذي كانت فيه، وهذا ما لم يكن!

بل هذا ما قامت به إسرائيل وبادرت إليه،  فاستهدفت المستودعات ودمرت سلاح الحزب وهو في مخازنه، أعطبت الصواريخ قبل تشغيل بطارياتها، ودمرت المدافع والقذائف قبل أن يتسنى إخراجها ونقلها إلى مرابضها، وقتلت القادة وهم في مكاتبهم في بيروت أو مقراتهم المتأخرة عن الخطوط الأمامية للجبهة، وتمت تصفيتهم وهم في دورهم وبيوتهم في الضاحية! يقال أن بين الشجاعة والتهور خيط رفيع، ويقال أيضاً أن الخيط نفسه هو الذي يفصل بين الحكمة والجبن، أو بينها وبين الغرور والغباء. 

لم تكن المأساة في الدقائق الثلاث التي أخرجت ثلاثة آلاف مقاتل من الميدان، قتلتهم أو ألحقت بهم إعاقة أقعدتهم، عبر رسالة إلكترونية واحدة في ملحمة “البيجرات”، ولا في إسقاط مروحية رئيسي وقطع سبل إنقاذه بالعجز عن تحديد مكانه، ولا بالقضاء على قادة الصف الأول والثاني والثالث، مع أمينهم العام، وكأنهم قرابين تساق إلى المذبح، مستسلمة لقدرها، عاجزة عن الدفاع عن نفسها، قهرت قبل أن تشهر سيوفها وتملأ سماء إسرائيل وتحجب عنها الشمس بصواريخها! 

إنما المأساة في دعوى تمكين المهدي عليه السلام وتجهيزه بالسلاح وتوفير أسباب ظهوره! وهم يتصورونه في عقيدتهم حيث يصفونه من الصفات، وينزلونه من الإمكانيات، ويحسبونه من الطاقات والقدرات، ثم يرجون أن يصدِّقهم في دعواهم، كما يصدقهم سذج المؤمنين في مقولة التمهيد لظهور المهدي!

في الحديث الشريف عن مأمون الرقي قال: “كنت عند سيدي الصادق عليه السلام إذ دخل سهل بن الحسن الخراساني، فسلَّم عليه ثم جلس. فقال له: يا ابن رسول الله لكم الرأفة والرحمة، وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حق تقعد عنه!؟ وأنت تجد من شيعتك مئة ألف يضربون بين يديك بالسيف!؟ فقال له عليه السلام: اجلس يا خراساني رعى الله حقك. ثم قال: يا حنيفة، أسجري التنور.  فسجرته حتى صار كالجمرة وابيض علوه، ثم قال: يا خراساني! قم فاجلس في التنور! فقال الخراساني: يا سيدي يا ابن رسول الله لا تعذبني بالنار، أقلني أقالك الله! قال: قد أقلتك. فبينما نحن كذلك إذ أقبل هارون المكي، ونعله في سبابته، فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله، فقال له الصادق عليه السلام: ألق النعل من يدك، واجلس في التنور. قال: فألقى النعل من سبابته ثم جلس في التنور. وأقبل الإمام عليه السلام يحدِّث الخراساني حديث خراسان حتى كأنه شاهد لها، ثم قال: قم يا خراساني وانظر ما في التنور، قال: فقمت إليه فرأيته متربعاً، فخرج إلينا وسلَّم علينا، فقال له الإمام عليه السلام: كم تجد بخراسان مثل هذا؟ فقال: والله ولا واحداً فقال عليه السلام: لا والله ولا واحداً، فقال: أما إنا في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت”. 

ومن لطيف الصدف أنَّ السيد حسن نصرالله ادَّعى قبل هذه الحرب بفترة وجيزة أنَّ لديه مئة ألف يضربون بين يديه، ومن سخرية القدر أنَّ القوم يطلقون على الخامنئي “الخراساني”… ثم لا المئة ألف حضروا للقتال، ولا الخامنئي دخل التنور، فتأمل!

Posted in

التعليقات