“هل تريد نقض بناء، رُصَّت لبِناته لبِنة فلبنة بأيدٍ تشققت حتى مجلت وتقرَّحت؟ وخُدم بأشفار العيون حتى ضعفت وكاد يذهب نورها؟ جُبلت خرسانة رفعت قواعده بدماء الشهداء وماء الأماقي، تذرفه أُمهاتهم وأيتامهم؟ هل تريد نسف جهود أربعين سنة أقرب إلى نحت الصخر ونقر الحجر؟ من حفر الأنفاق بالأزاميل، بل بالأيدي والأظافير، حتى لتزول الجبال وتنقل عن مواضعها؟ فقطعة السلاح، من الصواريخ والقذائف إلى رصاص البنادق وطلقات المسدسات، ما كانت لتصل أماكنها وتبلغ المستودعات التي ستخزَّن فيها، إلا بخوض اللجج وسفك المهج، وعدِّد ما شئت من ضروب المشقة والعناء، ومكابدة ولأواء، وأموال ودماء، وقرابين تذبح أمامها، لا احتفاءً بقدومها وإقامة للولائم على شرف وصولها، بل آلة تمهد الطريق، ومدحلة ترصُّ أحجارها وترصفها… وأنت تريد أن تطمس ذلك كله، تتجاوزه وتنساه، تطوي صفحته وتغادره، هكذا ببساطة، وأنت في دارك تتفنن في إعداد القهوة، وارتشافها مع كتبك الصفراء التي سئمتها حتى الأرفف التي رُصت عليها”؟!
بهذا قابلني أحد “الثوار” الذي لم يغادره الترف ولم يعرف في حياته الشظف، وإن امتاز عني أو اختلف، فبتناول الشاي بدل القهوة، وإلا فكلانا في “القعود” سواء، نعم هو يصرف وقته في مرابع وحانات ابتذال الدين، التي تسمَّى “ديوانيات”، بدل ربيع الكتب وربوع المكتبات!.. ألقى التعس ما عنده بغرور وعمه، ولاقاني بحماقة وسفه، فكان هذا الذي ترى، وهو هذيٌ نمَّقتُه، وهذر هذَّبته، فلا أقدِّم لقرائي هراء عوامٍ وحشو وتخرُّصات طغام.
لم أُجبه، وواعدته بمقالة، لا بثلاثين ليلة وميقات، فلا هو موسى ولا أنا ربه، ولم أتممها بعشر، إن هي إلا شقشقات تهدر، فلا تقرُّ إلا بحمل القلم والنقش في قرطاس، أو بالنقر على لوحة حاسوب أو هاتف محمول.. والمعني هنا والمراد المقصود يطال النوع، لا شخصاً غارقاً في التنكير..
سريعاً ما نسي المسكين إسرائيل التي فعلت ذلك بهم، هي التي قضت عليهم لا أنا (النوع أيضاً) في طرفة عين! هاج اللاشعور في وجدانه، وأخذه ليعرض عما يؤلمه ويوجعه، بل يقتله إذا رهف منه الحسُّ ولطُف الشعور، يتناساه ويتوجه إلينا، يرمي الرقم الأضعف في بيئته، فلا سلاح هنا ولا عتاد: “لم تقفوا معنا، فاستوحدونا وتكاثروا علينا، فأنتم شركاء في إنزال المأساة بنا”! لا أريد البحث في علل النكبة وأسباب موت محور المقاومة، فيكفيهم ما هم فيه، والمُثلة حرام، لا سيما في فرخٍ وقع من وكره، تلاعب به الصبيان حتى هلك أو نفق. إنما هي الندبة التي استوقفتني، فيبدو أنهم أُشربوا حب الطاغوت حتى مسخوا في عقولهم، انتقل السوء والداء من الذائقة والحس إلى الفهم والفكر، فباتوا يفكرون بشكل معوج ويفهمون الأمور على نحو مقلوب، على طريقة أهل الشام في صفين حين رأوا عمار بن ياسر شهيداً في عسكر أميرالمؤمنين، وتذاكروا حديث النبي “تقتله الفئة الباغية”، فقيل لهم إنما قتله من أخرجه للقتال، وهو علي! هكذا قيل اليوم للخامنئية “إنه النصر، أوَ لم ينتصر الحسين على الرغم من قتله وأصحابه، وأسر أهله وعياله”؟! وما زالوا بهم حتى صدَّق كثير منهم أنهم منتصرون ومنصورون، فقصد من براءته قريته في الشريط الحدودي قبل أن يأذن له العدو ويسمح، فلاقاه الرصاص، ولم يجد من يرد عنه ويدفع، فتجدد سيل الدماء!
إخواني أرباب العزاء، إن إسرائيل هي التي سوَّت بنيانكم بالأرض، ومسحت كل ما ذكرتم من كلفة وعدَّدتم من جهود خلال أربعين سنة، في أربعة أسابيع أو أيام، حتى لم يبق من “البنائين”، من يتحسر على شيء من البنيان، ذهبوا وذهب، فطويت الصفحة وأغلق الكتاب، وأنتم في تيه التبرير والتماس الأعذار، والبحث عن إبرة في بيدر قمح أو كومة قش، غارقون في فنجان، فإذا خرجتم من دوامته، انشغلتم بقراءته، واستعنتم بالمشعوذين في استشراف طالعكم ومستقبلكم، ما يبقيكم في متاهته!
وإذا أردت الغيب وعالم الحقائق، فإن هذا ما جنوا على أنفسهم ولم يجن عليهم أحد. ومن راقب “المنار” البارحة، ليلة العزاء باستشهاد الإمام الكاظم عليه السلام، وحضر برامجها اليوم، وأغاني النصر وأفراح الفتح، لعرف علَّة غضب الله، ومن شاهد العائدين إلى قراهم ينفثون دخان النارجيلة، متربعين على ركام بيوتهم المهدمة، يتحدون إسرائيل ويطلبونها للبراز، لعلم سر الهزيمة ومكمن البلاء، وأن الكبر والغرور لا يدع صاحبه حتى يهلكه، فيُصرع في دقائق عشرون ويجرح مئتين لمجرد مناورة إعلامية، دفعت بالعزَّل للتظاهر أمام أعتى جيوش المنطقة والعالم، وكأن دماء الشيعة أنخاب يرفعها القادة في بيروت والأولياء في طهران!
لعمري، ما زالوا في غيهم يعمهون، وما برحوا في جهالتهم يخوضون ويخرصون، ولك أن تتصوَّر الطغيان الذي كانوا سيعيشونه والكفر الذي سيبثونه لو كتب لهم النصر، فنالوا من إسرائيل، أو غلبوا إرادة أمريكا وأثنوها عن سياساتها؟ أو حتى لو بقيت لهم بقية، كما كان الحال في الحرب الماضية (2006)، حين ألجمت أمريكا إسرائيل ومنعتها من الاستمرار، الذي سمحت به اليوم، فوقع الانكسار التام في أيام!؟
كأني بهم يخبطون الناس بعصا السلطة ويسوقونهم بالقهر والقوة، ويحملونهم أفكارهم ومعتقداتهم! أين كان الزهو والغطرسة ستبلغ بهم وتأخذهم بالخامنئي، بعد أن نصبوه إماماً وهو يتلقى الضربات ويعيش الهزائم، فكيف إذا وجَّهها وحقق الانتصارات؟ كم كان الإغواء والإضلال سيستحكم؟!
كأني أرى أعداد “البلوغات” من الفتيات المؤمنات سيبلغ المئات، بعد الآحاد، يملأن وسائل التواصل بعباءاتهن، وابتسامات تُظهر جمال ثغورهن، ومساحيق تجميل دهنت وجوههن بإتقان، حتى لتحسب أن لا مساحيق، وأن الصبية بهذا الجمال! وتخضُّع يفتن الشيوخ قبل الشبان… كانت المعازف والموسيقى ستدخل الصحن الحسيني بعد ما فعلت بين الحرمين، ولعلها وصلت الروضة وارتفع صخبها من جوار الضريح الشريف! كان العزاء واللطم والندب سيهجر مصاب الحسين وينصب على سيد المقاومة وأمينها العام، وصحبه القادة الكرام، وصانعها وبائعها وحاملها وشاربها!
وبعد، كانت الحوزة والمرجعية ستعود إلى عهود البعث وصدام، لكن باسم الدين وعصا الإسلام! كانت مقامات أهل البيت، وعقائد الناس، وولاؤهم لأئمة الهدى، وبراءتهم من أعدائهم ومخالفيهم، ستعود تاريخاً وقصصاً مأثورة لا حضور لها ولا تأثير، حتى إذا انقضى هذا الجيل نسي القادم ما كان عليه آباؤهم وأسلافهم. والإيرانيون ببابك، كانوا من أشد الناس عداوة لأهل البيت وتعصباً ضدهم، حتى إذا أمرهم السلطان، انقلبوا إلى التشيُّع وصاروا أكبر بلاد الولاء! كانت جولة الصعاليك ستكون دولة، والدين سيؤخذ من كتب الحيدري وفضل الله، وآصف محسني وحب الله، فلا كتب للخامنئي، والمذهب يُستقى من الحركة الإسلامية، من حزب الدعوة والحوثيين وسيد قطب وجمال الدين، فإذا غلبه الجفاف وأعوزته النداوة والنضارة، يمَّموا صوب المولوي وابن عربي… وخذ ما شاء الشيطان من هذا الالتقاط.
فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ومع آلام البلايا التي حلت بالناس، فإن الخير كل الخير في قضاء الله وما قدَّر سبحانه وتعالى.
التعليقات