بعد سنين متمادية من ثرثرة السيد القائد ولغوه، تبجُّحه وزهوه، ثم كيده ومكره بل قل بطشه وبأسه، مما قابلته الحوزة والمرجعية بصمت وسلبية، وواجهته بنأي وإعراض، إهمالاً له وترفعاً على سخفه وتفاهته، أو عجزاً أمام قدرته وسطوته، الأمنية والإعلامية والسياسية والاجتماعية، والأخيرة هي التي كانت تكبِّل أغلب البصراء وتقيِّدهم، فالشيعة لا يطيقون معارضة الدولة الشيعية الوحيدة في هذا العالم، والوجدان الإيماني الساذج يستوحش الاصطفاف في جبهة أمريكا وإسرائيل، وحكومات لم يرَ الشيعة من أكثرها إلا الكيد والعداء، والشر والاضطهاد!.. بعد نحو أربعة عقود من الصمت المقدس، يبدو أن الحوزة والمرجعية قررت تدشين مرحلة جديدة في صراعها مع الباطل الخفي، والبدء في سعيها لكشف الزيف والانحراف الذي يتقادم باسم المذهب، يدَّعي تمثيله، وينتحل زعامته، ويستولي على مقدراته، ويدخله في صراعات مهلكة وحروب مدمرة، ما يفسد على الناس دينهم ويزري بدنياهم.. ألقت المرجعية كلمتها بهدوء، تاركة للساحة خياراتها، ومفسحة لها في كيفية التفاعل معها والأخذ بها، أو تركها تطوي مراحلها من تلقائها، لكنها على أي حال، خرجت من شرنقتها، وانطلقت في مسيرة المواجهة والتصحيح.
وهذا من أبرز معطيات هزيمة إيران في الحرب الأخيرة، وتبعات تهاوي محورها وتفكيك مفاصله، وسقوط جبهاته الواحدة تلو الأخرى، من الحزب في لبنان، إلى البعث في سوريا، ثم تحييد فصائل الحشد في العراق، بانسحاب تكتيكي وانحناء عقلائي، هو في حقيقته اندحار وفرار من الزحف والمواجهة، وكذا ما يعيشه قلب المحور ويعانيه أصل النظام في طهران، من انهيار مأساوي للعملة وتردٍّ غير مسبوق للاقتصاد، وعجز مفضوح للحرس الثوري، مع خروج منظومة الدفاع الجوي عن العمل بعد الضربة الإسرائيلية المدمرة، ما طال أولياته وركائزه، ناهيك بصورته ومظاهره، فالسفور والرقص (وجلُّه من صيغ المعارضة وتحدِّي النظام) بات علنياً في الشوارع، والطعن والاستخفاف بأركان السلطة ورموزها، بما فيهم ولي الفقيه، أصبح طرفة العام والخاص، مُلحة المجالس ونادرة المحافل، وكذا انكشاف فضائح الفساد والسرقات المليارية لا المليونية، الذي أزكم الأنوف، وحصر نطاق أنصار النظام في المستفيدين المباشرين، وشريحة ما زالت تتقلَّص من الأغبياء المخدوعين… إنهم في وضع لا يحسدون عليه، وفي حيرة أقعدتهم، فلا يعرفون للأزمة مخرجاً، فكلما عمدوا إلى حلٍّ وجدوه يفاقم الوضع ويزيده سوءاً، حتى كأنهم عزموا على الاستسلام، وتركوا الأمر للمقادير، ولا أظنها ستقابلهم إلا بانتقام!
من أهم نتائج ذلك، انحسار نفوذ إيران وتراجع سلطتها على الحوزات العلمية، ولا سيما في النجف الأشرف، وتنفُّس العلماء والفضلاء فيها الصعداء، بعد عقود من تضييق الخناق ورصد الأنفاس، والقهر والحشر في زاوية تفرض على الورعين التقية، وتأخذهم في أشكالها ودرجاتها، وتذهب بضعاف النفوس والمستأكلين إلى الرقص على أنغام المعزوفة الإيرانية، وهؤلاء أيضاً ـ في المقابل ـ على نسب ودرجات، بين ماجن فاضح، ومستخفٍ متستر.
وفي سياق هذا الانفراج، يأتي ما صدر منذ حين عن السيد محمد رضا السيستاني حفظه الله من إدانة للنهج الحداثي الذي ترعاه إيران، وما عمد إليه من تسقيط للرموز التي تعمل معها، والعناصر التي تغرسها وتصنع منها بؤر فتنة، ورؤوس جسور لغزوها وإنزال قواتها (الثقافية)، وتحويل النجف إلى قم أُخرى، بعد أن دسَّت هناك قبل عشرين عاماً نحو ستة عشر ألف عنصر مخابرات، أدخلتهم الحوزة وجعلت من طلب العلم والتحصيل الجاد وظيفتهم الوحيدة، فباتوا الآن في الفضلاء وصاروا من المدرسين، ومن ذوي الخبرة والعلماء، الذين سيحدِّدون للأُمة مرجع تقليدها! فتأمل في كيد الشيطان وتدبَّر في مكره وخبثه!
قال السيد محمد رضا السيستاني في معرض بيان وظيفة الفقيه: “من المعلوم أنَّ وظيفة الفقيه هي استنباط الحكم من أدلَّته الشرعية، وليس هو مشرِّعاً ليحقَّ له أن يغيِّر في الأحكام حسب ما يظنُّه من مستجدَّات، بزعم جعلها بذلك ملائمة للعصر، كما يلاحظ مثله في سلوك بعض أدعياء الفقاهة ممَّن يحاولون إضفاء صيغة صناعيَّة علميَّة على ما يزعمون أنَّه مقتضى ملائمة الدين الإسلامي لكلِّ عصر وزمان، وهذا منحى خطير يجرُّ صاحبه إلى مخالفة أحكام مسلَّمة واضحة الثبات، كما وقع فيها عدد منهم في جملة من الموارد”.
وسواء كان هذا الحديث عن خطَّة معدَّة، وسابق رسم وتدبير، أو كان عفوياً عارضاً، فمما لا شك فيه أن الأجواء الجديدة أشعرت الرجل، وجملة العلماء في الحوزة، بهامش أكبر من الحرية، وسمحت لهم بمزيد فسحة وسعة للتعبير عن رؤاهم وأفكارهم.
وعلى الرغم من أن هزيمة إيران وعموم العجز والوهن الذي يصيب المؤمنين هنا وهناك أمر مؤلم للمرجع الأعلى، ما كان نجله السيد محمد رضا يرضاه ولا يتمناه، إلا أنه قد يندرج في “عسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً”، وإن ذهب جمع عريض من النخب الشيعية في الحوزة وخارجها أنها جمهورية بني العباس، وفي سقوطها ستقام الأفراح والمسرات، وفي الأقل الأدنى لن يأسف واع بصير على سقوطها وزوال ملك طاغيتها، فإن حديث سماحة السيد لا ينبغي أن يحمل على ذلك، ولعله جاء بتلقائية، كانعكاس عفوي لشعور عام انتاب الساحات الإيمانية جمعاء، ومنها الحوزة في النجف الأشرف، من زوال السطوة والتهديد، وتراجع الإرهاب والوعيد!
تماماً كما تستبشر الهيئات الحسينية اليوم بموسم قادم خالٍ من محاربة الشعائر، مما كنا نراه خلال ثلاثين عاماً مضت في فتن منع التطبير، ودس البدع، وزرع الرواديد المستأكلين والخطباء المنحرفين… فلا نظن أن القوم الآن وهم يخلون للسفور ويفسحون للرقص في الطرقات، ولا يتعرضون حتى لثياب البحر على شواطئ قزوين، أن يتصدوا للمواكب الحسينية والهيئات؟! فإن غلبهم السفه والشقاء وفعلوها، فستتفاقم أزمتهم وانفضاض الناس من حولهم، ثم سيكون التصدي لهم أقل مؤونة وكلفة، وسيشارك فيه كثيرون، كانوا حتى الأمس القريب يتحفَّظون ويتوقفون.
هكذا ستنطلق الحوزة حرة مستقلة، فإن كتب من بعدُ صراع هنا بين تيارات وصدام بين شخصيات، فهو في دائرته الطبيعية، التي طالما وُجدت وسبقت، ولا يكون مقارعة لدولة وسلطان مدجج بالسلاح وبجيش من المخابرات، ويقف على آبار لا تنضب من الذهب الأسود.
قد لا يكون السيد السيستاني الابن ناظراً إلى نهج إيران وشيطنتها في الحوزة، ولا دافعاً تجاه كشف وإسقاط مرجعيتها المزيفة، ويكون منطلقه بحت المسؤولية الشرعية ومحض استشعارها، مسترسلاً يقدم من حرص على مستقبلها، وحذر وخوف على أصالتها… لكنها على أي حال خطوة للأمام، وبشارة ومَسرَّة، وأول الغيث قطر ثم ينهمر.
التعليقات