والدة بعض أعزة أصدقائي في لبنان، ائتمنتها على داري، راحت لتتفقَّدها، وخرجت بمشاهد تحكي شتاتها بين بعل وقور ينتظر عودتها لإعداد طعامه، أو ليعاود سكنه إليها واستئناسه، وأبناء في غربة الوطن وشتات أرض الله الواسعة، وأحفاد ما عاد يسعها أن تلاعبهم، من فرط ما غلبها من الأوجاع والأدواء، والهموم، تحاملت المرأة الصالحة وراحت تؤدي الأمانة، ووافتني بصوَر التقطها هاتفها، بعيداً عن أوليات الاحتراف، لكنها كانت خاضعة لقلب وجَّه العدسة، أرغمها فطاوعته، فأبدعت.

&&&

ليس السرور والجمال والبهجة والكمال هو الملهم الوحيد، فلربما كانت الكآبة والأحزان والآلام والأرزاء باعثاً لينساب القلم بعد وقدة الفكر وفيض الخاطر.

وصلتني صور ومشاهد من الضاحية الجنوبية، تكتنز غصصاً وتفيض كآبة، تنبعث منها رائحة الموت، وتجثم في سمائها كأنها تأخذ بخناق سكَّانها، وتكتم أنفاس من ينظر فيها!

أخذتني للتساؤل: هل هي بعض الأرواح التي ما زالت عالقة هنا بين الركام تنتظر كشف جثامينها، وتشييع جنائزها ومواراة أبدانها؟ أم هي دهشة الحيرة التي وافاها هؤلاء وهم يفارقون الحياة، وفيهم أرواح بريئة لم تحمل سلاحاً ولا انخرطت في مقاومة وجهاد ولا أقحمت نفسها في أتون الدماء، كلُّ ذنبها كان جاراً سكن فوقها أو أو جنبها، في مبنى انهار تحت وطأة الجحود والطغيان والزهو الاستعلاء، قبل أن تنال الصواريخ من عمارته وتفعل القنابل في أحجاره وخرسانته. 

ودهشة تظلل المشهد من هذا المجاهد الصريع، وقد علق في زحام الحساب وأبطأ في غمار العرض، وبقي أسيراً لقيود الراية التي انضوى تحتها ودعا عمره إليها، وهو يحسب أنه سيسقط حين يسقط في حضن حورية، ويُفتح له من برزخه باب إلى روضة من رياض الجنة، ولا سيما أنه شهد ذلك لبعض إخوانه ورفاقه، ممن لم يفقد جوهر ولائه ولا فرَّط في حقيقة إيمانه…

حقاً لقد فاز المخفُّون، لا من حطام الدنيا ولذاتها فحسب، بل من انتساب لهذا والتحاق بذاك، عاش مؤمناً بالحق لا يعرف من الدين إلا الولاء لآل محمد والبراء من أعدائهم، لم يقحم نفسه في السياسة ولا ابتلي بالاشتراك في مخمصة الدماء، فارتحل مخفّاً ولا سيما أن الأجل عاجله على يد عدو غلبه البطش والطغيان، ينادي بصوته وطيرانه وصواريخه: أنا ربكم الأعلى، ليس لكم إلا الرضوخ أو التسليم المهين، وأن تدفعوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإلا فلن يبقى سقف يظلكم دون أن يهوي، ولا أرض تقلكم دون أن تحترق من تحتكم.

مشاهد كئيبة حكتها صوَر، فكيف بالمعايشة، لعمري أي حياة هذه وأي ممات؟ دعوني أهمس في مسامع وجدانكم وأستصرخ، بعد الهمس، ضمائركم وقد انطفأت مواطن الحسِّ وخمدت استشعارات الألم، وطفقت أجول في أزقة الضاحية وشوارع الحارة قد غلبني البهت والذهول وعقدت لساني آلام لا أعرف محلها من بدني، فكأن الوجع ينز وينضح من كل عضو، تحسب لوهلة أنك تفرغه مع نوبات التعرُّق، فيسكن وترتاح، وإذا به يهتف بالمزيد، يستنبط ويرشح ثم يستدعي الجديد… ليس لهذه الحكاية نهاية، جفَّ القلم أو انثلم، وطويت الصحف أو رفعت، لا شيء يفرق، ولا سلام في الختام. 

ما زلت أحمل حقداً دفيناً وإرث ثأر أنتظره لشفاء غليلي من معلِّم صفعني، وأنا على مقاعد المرحلة المتوسطة التي تسمَّى في بعض البلاد الإعدادية، قد جاوزت لتوِّي العاشرة وأنا الآن أذرف على السبعين!…

ماذا يزرع هؤلاء وماذا يرجون أن يحصدوا؟ هل يحسبون أنَّ الأيام ستمسح الدماء؟ وتطم ذكريات الدور والأزقة والحارات في ركام ما زال ينتظر الجرافات؟ هل نسوا مجازر النازية وزال حقدهم بعد قرن يكاد يطويها؟ هيهات…

Posted in

التعليقات