من الفروق الجوهرية التي تميِّز حقل المعارف الدينية الشيعية عن غيره من العلوم، دينية كانت أو تجريبية، فقهية أو عقائدية… أنها تُلحق بالعلم، في مَن يستنبط أحكامه وتؤخذ منه معارفه، شرط العدالة، فأنت تتحرَّى الأعلم في الطب لعلاج مريضك، وفي الهندسة لبناء دارك، لا يعنيك كثيراً دينه ومدى التزامه وتشرعه، إنما هو الحذق في حقله والتخصُّص والتمرُّس في ميدانه، فتقصده وإن كان يهودياً أو نصرانياً، أو كان مؤمناً فاسقاً، أو منحرفاً في عقيدته، ضالاً في دينه… أما في المرجعية الدينية فلا بد من العدالة التامة، وهذا ما تقرره ـ بعد الأصل العقلي ـ جملة من النصوص الشريفة، من قبيل ما روي عن الإمام العسكري عليه السلام: “فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، ومطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدّوه”، بل المطلوب في المرجع مرتبة عالية من العدالة تفوق ما يشترط في إمام الجماعة وشهود التقاضي وثبوت الهلال وغير ذلك، وللفقيد العزيز السيد محمد سعيد الحكيم رؤية ثاقبة ونظرة مبتكرة، في واحدة من التفاتاته المتميِّزة، يشير فيها إلى الأمر، ويتحسس موطن الخطر، حين يقول: “إنَّ أهمية العدالة في مرجع التقليد نابعة من خطر الأمانة، فكُلَّما عظُمَت الأمانة وجلَّت، احتاجت إلى التحصين بقوَّة ملكَة رادعة عن الخيانة بنحو أقوى وآكد. ولا رادع عن التلاعب بالأحكام وتضييعها والتفريط في الوظائف الدينية المناطة بالمرجعية، إلَّا قوَّة العدالة وشدَّة الخوف من الله تعالى. فالمرجع يتعرَّض لضغوط عدَّة لا سبيل لخروجه منها إلَّا بالتحصُّن بتلك الملكَة والدرجة العالية من العدالة”.
دعك عن أخبار الفساد المالي والتكالب على الإثراء التي تطال عدالة الرجل في الصميم، ولا سيما ما ناله وحصَّله من سرقات حزب الفضيلة، وما انتُهب من نفط البصرة بفتواه وإجازته، فكان له ـ عبر اليعقوبي ـ نصيب منها، إلى أموال الوقف الشيعي إبان تولي حزب الدعوة وحسين الشامي لها، مروراً بالبذخ الذي كان في رحلة علاجه إلى لندن ومحطة وقوفه في بيروت، من حجم الوفد المرافق إلى حقيقة الحاجة لهذا السفر وباهظ تكاليفه، وما هي إلا قسطرة عادية جداً كان يسعه إجراؤها في أي مشفى حكومي أو خاص في النجف! انتهاء بما تلقَّاه من أولاد فضل الله وحجي كاظم وعلي المحسن، حتى عرف بلائحة أسعار لكلِّ فتوى، وقيمة مسبقة الدفع لكلِّ موقف وحكم!.. دع عنك ذلك كله، فلم تُشكَّل هنا محكمة لإثبات هذه التهم، ولم يُجرَ التحقيق التام والبحث والتحري الكامل للتثبت من الدعاوى، وإن كانت الأمارات غالبة طاغية، والدلائل جلية واضحة، والآثار والنتائج مشهودة قائمة، لكننا لا نحكم ولا نجزم، ذلك أنه يكفي في خطر المقام وأهمية الدور والرتبة، وقوع الرجل في دائرة الشك ووقوفه في قفص الاتهام… وهلم إلى طامة كبرى لا سبيل للشك فيها، فقد ثبتت بالصوت والصورة عبر فيلم مصور فاضح، حين صار في نهاية المطاف وآخر طريق الخزي ودائرة السوء إلى ما انتزع منه تصريحاً ـ في سياق الحوار ـ يحوِّل ظلامة الزهراء عليها السلام من صميم العقيدة، وموقعها كإحدى أهم أُسس وركائز التبري، إلى مجرد حادثة تاريخية!
ولا يخفى أن رصد أمرَيْ العدالة وصحَّة العقيدة (أي شرط الإيمان، إذ لا تقليد هنا) هو من صميم عمل الأمة، ودورها الرقابي تجاه المرجعية، فبمقدار الخضوع لاستنباطات الأعلم، والأخذ عنه والانقياد له في جزئيات أحكام الفقه وفروعه وكل ما يفتقر إلى التخصص العلمي الذي يفتقده العوام… فإن لهم ملاحقته في عدالته وبقائها، وفي صحة عقائده وسلامتها، فإذا عرض ما يخرجه عن جادة العدالة، وجب البحث والتثبت، وكذا إذا اختل شرط الإيمان وتضعضعت عقيدة أحدهم، وجب التوقف للفحص حتى ينكشف أمره، فإذا تبين الضعف وانكشف الخلل، سقطت المرجعية وانحل عقد الالتزام بها، وإن كان الرجل الأعلم على الإطلاق.
ومما ينبغي الوقوف عنده وتسجيله للتاريخ هنا فلا يغفل، ما كان بينه وبين المرحوم الميرزا جواد التبريزي قدس سره، في زيارته قم قبل السقوط، والحوزة في معترك التصدي لفضل الله، والأجواء ساخنة بل ملتهبة، ما تعرض له من تقريع شديد من الميرزا جواد (الذي كان يراه مجرَّد حافظ لأبحاث السيد الخوئي دون قدرة فهم، ناهيك بدقة وتعمق، بل وحتى دون ملكة استنباط!)، ما حمله حين العودة إلى النجف على حث السيد السيستاني ودفعه للتصريح برأيه واتخاذ موقف علني من القضية، لكن مشورة السيد الخرسان حالت دون ذلك، فبقي موقف السيد المرجع من فضل الله شفاهياً يبثه بعض وكلائه، ويعلنه لمن يسأله، ثم صار يسرُّه للخواص أمثال السيد علي الميلاني. وإن صدر عن مكتبه في قم جواب استفتاء يحمل إدانة في منتهى الشدة والصلابة.
وعلى أي حال، هناك فرق جوهري بين تقدير العالم والفقيه والمرجع لطبيعة موقفه وكيفية مواجهته الضلال، وبين نفيه وقوع الضلال وإنكار صدوره من الضال المضل! فقد يختار بعضهم السكوت وعدم الجهر، فهذا له، فللفقيه أن يشخِّص تكليفه الذي سيُحاسَب عليه أمام ربه وإمامه، وتقدير الكيفية الفضلى في معالجة هذا الخطب وذاك، ولكن ليس له أن يقلب حقائق الدين ويزيِّف في مذهب الحقِّ المبين، لأي سبب كان، اللهم إلا لتقية يعرف المؤمنون وجهها، ويدركون خلفياتها، وكل هذا وذاك منتف في موقف من قبض المال وباع دينه بدنياه!
على جميع العلماء الكرام، من بلغ منهم مقام المرجعية أو من هو في مظانها، أن يدركوا ويتفهموا ويتقبلوا، أنَّ الأمة لن تتهاون ولن تتسامح في قضية دفعت الزهراء عليها السلام جنينها وضلعها وحُرمتها ثمناً لها، فيسوِّف أحدهم في هذه التي يتزلزل العرش لأدناها، وتكاد القيامة أن تقوم ـ لو يعلمون ـ لأقل درجاتها! وأن الساحة الإيمانية بعلمائها وخطبائها ومثقفيها وكتَّابها وسائر الغيارى في أرجائها طولاً وعرضاً، ستتصدى بكل ما تملك لإسقاط من يعتدي على ظلامة الزهراء، ويفرِّط في الموقع الأعظم الذي يُعجز المخالفين ويسقط في أيديهم، وإن كان الاعتداء لم يبلغ الجحد والإنكار، ووقف عند حدود التشكيك، وما يدفع القضية من موقع التسالم والثبوت، إلى المحتمل والمشكوك، فهذا مما يلحق بذاك…
كثيراً ما تتداول الصحف، وأحياناً الأوساط الحوزوية، أمر المرجع القادم بعد العمر المديد للسيد السيستاني، الذي يلهج المؤمنون بالدعاء لسلامته وطول عمره ودوام ظله، ولربما طرحت أسماء وروِّج لشخصيات… على كلِّ مَن يهمه الأمر من عدوٍّ وصديق العلم بأن خيار الشيخ الفياض ساقط، ولو كان على نحو المرحلة الانتقالية، تماماً كما هو خيار اليعقوبي لانتفاء العلم والعدالة، وللحزبية، وافتقاد أدنى الشرائط الشرعية.
كل ما نرجوه، أن لا نضطر لما ينكأ مزيداً من الجراح، ويهيج مزيداً من الآلام…
التعليقات