من موارد الاختلاف التي كنت أسعى لتغييرها في السيد جعفر مرتضى، التزامه بتزكية السيد القائد وتأييده النظام في إيران، ولا أريد الخوض في نسبة الحقيقة والواقع في هذا الأمر من التقية والمداراة، لكن الأمر ـ على أي حال ـ كان يشكِّل رقماً مزعجاً للولائيين، ولعله مانعاً لبعضهم من نصرة السيد جعفر والدفاع عنه، على الرغم من انخراطه المشهود في الجبهة الولائية، واصطفافه الرائع في أكثر مواقعها وثغورها، وتقديمه خدمات وتضحيات لا ينكرها إلا مجحف. أما الاختلاف الآخر فقد كان حرصه على حسن الخلق واللين والرفق في مخاطبة فضل الله، وأن تخلو أعماله وإصداراته عن أدنى مسٍّ به ناهيك بطعن فيه، فخلَت كتاباته التي يردُّ بها على أباطيله من أي إساءة شخصية وطعن يطال سلوكه ويكشف دجله وخبث سريرته، وبيان حقيقة أنها مؤامرة شيطانية، لا مجرد اجتهادات خاطئة، مكتفياً بالنهج العلمي البحت، في تناول الأفكار وردِّها بالإبطال، وبدرجات عالية من الأمانة والموضوعية. وهو أمر يعود لطبع في الرجل وخلق، فهو دمث هادئ سمح، هشٌّ بش، يتجنب الصدام ويتحاشى ما استطاع الصراع، ثم خدمة لمشروع مواجهة الانحراف وكيفية إبطال مقولات المنحرفين، كما كان يرى ويحسب، يقول إن اللغة الحادة والخطاب الشديد يفقدنا آذان الشريحة القريبة من فضل الله، ويبعدنا عن قلوب المنخدعين به. وكنت ـ وما أزال ـ أرى ضرورة الشدَّة والحدَّة، وأن الضلال الذي بلغه فضل الله يتطلب تعريته وإسقاطه، عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وآله: “إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبهم، والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الاسلام، ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة”، نحن مكلَّفون بصنع نموذج “عبرة” وخلق “عوامل ردع” تحمل مَن لم يجاهر بضلالاته بعد (وما أكثرهم في الساحة)، على الكفِّ والامتناع، وترسم صورة من العقاب والسقوط الذي سيلقاه مَن يتجرأ على مقدساتنا وينال من مسلَّماتنا. ولم يكن اللقاء بيننا يخلو من إثارة لهذا الخلاف، تلويحاً أو تصريحاً، مباشرة أو إشارة، وطالما عمد رحمه الله إلى استدراك أي طعن علني يصدر مني في محضره، فيتنصل منه بلطف وكياسة، بما يشعر الحضور ويبلغهم أنَّ هذا رأي قائله فحسب، فيخرج عن الإقرار وتبعات الإمضاء.

ولك أن تقف على حجم الصدمة التي عاشها، والضربة التي تلقاها السيد رحمه الله، في أول لقاء جمعه بالسيد الخامنئي، بعد دخوله الصراع مع فضل الله وانخراطه في جبهة المدافعين عن الزهراء عليها السلام. وكيف تلقَّاه القائد بهجوم كاسح وطعن لاذع قامع!: “ماذا تفعل يا سيد جعفر؟ ما هذا السُّباب والهراء الذي تنشره بحق السيد محمد حسين فضل الله”!؟ صُدم السيد جعفر وذهل! أدار نظره في أركان الغرفة وكأنه يبحث عن منجد ومعين، فلم يجد إلا متشفياً شامتاً أو خائفاً يختبئ في ثيابه، فأركان المكتب حضور، ولا سيما الصقور، محمدي كلبيكاني وعلي أصغر حجازي! فعاد وتوجه إلى الخامنئي: سيدنا أرجوك أن تقرأ ما كتبت، ولا تعتمد على تقارير ومنقولات؟! فيرد عليه الخامنئي بحسم وغلظة: دعك عن هذا يا سيد، وراح في الاعتراض عليه وملامته إلى حدود “التوبيخ” و”التقريع”، ما أخرج السيد جعفر عن وقاره وهدوئه المعروف به، وحمله على بسط الكتب التي ردَّ بها على فضل الله بينه وبين الخامنئي وقال: “أريد أن تستخرج لي مورداً واحداً فيه سب أو شتم، أو حتى إساءة أدب أو عدم مراعاة للاحترام، وإن كان بالتلويح من بعيد، سأقبل حتى بعبارة غير صريحة في الشتم! بالله عليك دلني على مورد واحد فقط”!

كان السيد جعفر مسبوقاً بموقف السيد القائد، سواء مما بلغه من الشيخ الآصفي أو من السيد محمود الهاشمي وغيرهما ممن أوفده الخامنئي إلى بيروت لثنيه عن موقفه، والضغط عليه لتغييره، وكانت الوفود على اختلافها وتفاوت خطابها بين ترغيب وتهديد، ووعد ووعيد، تؤكد أن هذا هو رأي الخامنئي وموقف الجمهورية الإسلامية الرسمي، إنَّ فضل الله رقم في صميم الخط والنهج الذي تريد إيران له الرواج والانتشار في الأوساط الشيعية في العالم كله! لكن السيد جعفر، مع كلِّ هذا وذاك، كان يطمع ويتطلع أن يغيِّره، وكان يحسب اللقاء المباشر فرصة لحوار علمي يدور بينه وبين السيد القائد، يطالبه فيه بالأدلة على طعونه بفضل الله ومسببات موقفه منه، فيقدمها موثقة مسندة، فيكسب السيد القائد إلى جبهة الولاء والدفاع عن الزهراء!.. وإذا به ـ من لحظة دخوله وجلوسه ـ يجد نفسه في موقع الإدانة، وفضاء من الإرهاب الفكري لم يعرفه في حياته! لا يُسمح له بالدفاع عن نفسه ولا بالاستدلال على شيء من قوله، بل يواجه بتهمة ملفقة من جذرها حتى رأسها: رميه بالسب والشتم، والافتراء عليه بما تخلو منه كتبه كلها، التي لن تجد فيها نقضاً لهذا الأمر في مورد واحد على نحو الحصر! انتهت الجلسة بأسىً وكدر، وانزعاج وصدمة، فقام السيد جعفر بعد ما يقارب الساعة لينصرف، دون أن يتناول الضيافة ولا أن يرتشف رشفة من الشاي الذي قدِّم له، حتى أن السيد الخامنئي غمز له بأنه فهم الرسالة ولوَّح بما ينتظره قائلاً: لم تتناول شاينا؟! فشكره السيد وانصرف مصراً أن يعبِّر عن سخطه! والحق أن عدم تناوله شيئاً في بيت الخامنئي كان رد فعل طبيعي لم يتكلَّفه السيد جعفر ولا تصنَّعه لإرسال رسائل وإبلاغ مواقف، فالسيد يعيش الأُمور بتلقائية وصفاء نادرين في تلك الأوساط الملوثة والبيئة السياسية القذرة، لقد تقزز الرجل وقرف وما عادت نفسه تشتهي أي فاكهة أو شراب!

كتم السيد جعفر الأمر وجحده، ومضى في التزامه بولاية الفقيه وإعلانه تأييد النظام في الجمهورية الإسلامية، وإن بوتيرة أضعف وأقل ظهوراً، وهو ما كنت وسائر المؤمنين الولائيين يخالفونه فيه، لكننا لم ننجح في ثنيه وتغيير موقفه العلني، حتى في أعقاب حرب 2006، حين تعرضت داره للقصف والهدم، فذهبت جهود عشرات السنين وضاعت دراسات ثمينة فرغ من إعدادها في ركام طيش أسر الأسيرين! وهو من الحالات النادرة التي رأيته يعلن فيها موقفه ويوجه نقداً لاذعاً لقيادة الحزب والجمهورية الإسلامية، يرميهم بسوء التدبير وافتقاد الحكمة، والاستخفاف بحرمة الدماء ناهيك بتقدير ميزان القوة بيننا والعدو! لكنه سرعان ما عاد للسكوت وكتم الغصَّة وإخفاء الرأي. بقي المرحوم على مُداراته للخامنئي ونصرالله، والتقية من الحزب والجمهورية، وقد همس مرة لأحدهم وهو يعاتبه ويؤاخذه، ويرميه أنه بموقفه هذا يفتتن الموالين ويغويهم ويغرِّر بهم، حين يرون منه هذه المصانعة والمداهنة! وأسهب في بيان التبعات التي يخلِّفها موقفه ويشكِّلها اصطفافه، وبلغ الأمر أن صارح السيد بالعلل التي يحتملها الناس والأسباب التي يعزون إليها موقفه، وكلها مادية مصلحية! فردَّ رحمه الله بحزن وغصَّة، فهو لم يسلم من الثوريين الحركيين ولا من الولائيين المتدينين! قال إنه لا يفكر في ميزانية حوزته ببيروت (حوزة الإمام علي، التي يتكفلها الحزب)، لا في بقائها ولا في رواتب طلابها وأساتذتها، ولا يعنيه ما يتلقاه من دعم إعلامي، ولا سيما بعد أن أسقطه الحزب عن كلِّ دور وموقع، واستعاض به تافهاً مثل الشيخ كاظم ياسين… إن الأمر في رؤية السيد جعفر يتمحور في خطر استغلال جماعة فضل الله تصنيفه “معادٍ للمقاومة”، ماذا سيبقى له من رصيد لإنقاذ الشيعة الذين تستضعفهم الأفكار ويعبث بهم الإعلام!؟

لم يحل هذا وذاك دون استمراره في نهجه والمضي في عمله ودفاعه عن الزهراء ونصرة أهل البيت عليهم السلام. ولا نال من ولائه ودينه، فبقي رأيه السياسي بحجم دوره المحدود ونطاقه المحصور، لم يسمح له أن ينال من موقفه العقائدي ولا أفسح له ليتمادى فيسقطه في الكذب والدجل والزيف الذي عليه القوم. وما زال في هذا حتى وفاته، رضوان الله عليه.

كل الخوف والحسرة أن نفقد قامة مثل السيد جعفر، لعمالة ابن له ظهر مؤخراً على الساحة الإعلامية، لا علم وفضيلة ولا ثقافة وأكاديمية، قطعة من نسيج النظام الإيراني بامتياز، أوكلت إليه مسؤولية “مركز نشر وترجمة وحفظ آثار العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى”. الاستراتيجية التي سيعمل بها “المركز” ترتكز على أصلين: الأول: محو رمزية السيد وعزل شخصيته عن حاضنة الولاء، إبعاده وفصله عن أوساط الدفاع عن أهل البيت ونصرة المذهب، وإلقائه في مقولات أو متاهة الوحدة الإسلامية، والقرآن الكريم، ودعم المقاومة وولاية الفقيه ونصرة الجمهورية الإسلامية! الثاني: “تنقية” تراث السيد (وجاء التعبير الفارسي بما ترجمته “ترميم”!)، وإعادة نشره خالياً من كلِّ مسٍّ بفضل الله وتيار الحداثة، تحت ذريعة نقل الخطاب إلى كليات تترفع عن تناول الجزئيات ومعالجة الحالات الفردية للشخصيات، وما يحصرها في برهة زمنية وحوادث آنية، وحتى مراحل تاريخية، من هنا سيجري تغيير كل ما يحتمل إعادة الصياغة، وحذف ما لا يحتمل! الرجل مُنح الجنسية الإيرانية، وبات يعيش في بحبوحة ورغد لم يحلم به، ورفاه ورخاء لم يعرفه في حياته، وراح يغرِّد في قفص الجمهورية ويغني على اللحن الذي تعزف، ويحلِّق في سماء الولاية الخامنئية ويسبح في الأفق الذي تريد.. لا يبالي أن يهدم ويقوِّض كلَّ مجدٍ بناه أبوه قدس سره، فيصوِّر طوداً شامخاً مثل السيد جعفر عميلاً رخيصاً للمخابرات الإيرانية، مثله مثل العمائم الحزبية التي تباع في هذا السوق وتُشترى بالأرطال وتكال بالقبان!

في نهج البلاغة عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنه قال: “ما زال الزبير منَّا أهل البيت حتى نشأ ابنه عبدالله”… يبدو أن “محمد جعفر” نشأ وقام، والويل للدين من جمعة الآلام وحج ينتظرنا بلا إحرام!

Posted in

التعليقات