على أبواب المعركة في بدر، أطلق رسول الله كلمة حرِيَّة بأن تدرج في نبوءاته وإخباراته الغيبية، رفع يديه إلى السماء وقال: “اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعبد في الأرض أبداً”… تُرى، هل استشرف صلى الله عليه وآله الغيب بنور بصره الملكوتي؟ هل نظر في الجفر والجامعة؟ هل نزل عليه جبرائيل يخبره بالخطر؟ أم هي معطيات موضوعية تستقى من عدَّة المعسكرين وعديدهم، والظروف الموضوعية التي تستشرف الواقع، فتحلِّل وتستنتج؟ وهو احتمال يتضاءل حتى ينعدم، ذلك أنه صلى الله عليه وآله لم يخبر بنتيجة المعركة فحسب، بل قرأ العمق العميق لقادم الأيام، وضرب برؤيته أقصى حدود الحياة البشرية، فرآها خالية ـ لو هزموا ـ من عبادة الحق تعالى، فالراجح أنه إنباء وقراءة للغيب.تظهر علينا في الأيام الأخيرة مقالات موجَّهة ترسم مشهداً سوداوياً متشائماً لمستقبل الشيعة في العالم، تبث الهلع وتزرع اليأس، وتصنع انتحاريين تخيِّرهم بين الموت شهداء أو الموت بخنوع وذلَّة! مقالات تتنبأ بهلاك وفناء ينتظر الشيعة، ضمن مخطط الشرق الأوسط الجديد، وأن أمريكا وإسرائيل قررتا ذلك، يحكون عن انقلاب عسكري يسقط النظام في العراق، وغزو سوري يجتاح لبنان، يلتقي آلاف الخلايا النائمة هناك، تحاصر الشيعة في مناطقهم، وتقطع عليهم طرق التنقل والتواصل، وتفتعل حرباً طائفية تحملهم على الهجرة والرحيل من وطنهم فيخلو لغيرهم، أو تجرُّع الموت الزؤام! الأقلام معروفة في محابرها وأحبارها، مددها وحاضنتها، والمقالات مفضوحة في أهدافها وأغراضها، مكشوفة في أدوائها وأمراضها، غُيِّبت أسماء كتَّابها ونُكِّرت، أم عُرفت وشُخِّصت، مسيحية كانت وسنية تظهر الشفقة، أو شيعية تستبطن الدعوة للنفير العام وتستنهض أبناء الطائفة!.. لا أحد من هؤلاء قرأ في الجفر والجامعة، أو اطلع على مصحف فاطمة، ولا فطحل منهم يُركن إلى تحليله السياسي، وقدرته على استشراف المستقبل بنيت على مقدمات علمية ومعطيات موضوعية، فقد سبق أن أتحفنا أضراب هؤلاء، لنحو أربعة عقود متتالية بخداع زاحف وهراء جارف، جعل العلية والعلماء والقادة، ناهيك بالهمج والعوام، يصدِّقون أنهم سيقضون على الكيان الإسرائيلي ويصلُّون في المسجد الأقصى… حتى قضى أغلبهم في أقبية دورهم وملاجئهم في الضاحية الجنوبية لبيروت!إنَّ نهاية العالم لا يحددها نظام يترنح أو يشرف على الغرق فيحتال بكل حيلة ويلجأ لأي وسيلة… أفل من قبل البويهيون من العراق وبعض بلاد فارس، واندثر الحمدانيون في حلب والموصل، وانتهت دولة الصفويين في إيران، ومن بعدها تلاشى الزنديون، ثم ذهب القاجاريون، كما تلاشت في شمال شرق الهند، على تخوم النيبال والصين، دولة أود،،، وكل واحدة من هذه كان أصحابها وأتباعها يرون أن الدنيا ستنتهي بانقضاء أيامهم وسقوط مُلكهم! من هنا سترحل الخامنئية وتنطمس، لتقبع في أسوأ مدونات التاريخ الشيعي، بوصمة عار لم يلحق مثيله دولة شيعية مضت وحكم إمامي انقضى!ذهبت تلك الدول وستذهب هذه، وسيلحق أربابها بربهم، فيحاكمون ويحاسبون، وسيبقى التشيع محفوظاً ببقاء إمامه وحياة وليه عليه السلام، وسيمضي الشيعة في مسيرتهم وحياتهم المباركة بخير ما دام فيهم، حاضراً في أرواحهم وأمانيهم، لم يحولوا وجهتهم عنه إلى سواه، ولم يحلوا غيره في مكانه ومقامه. والأمر في حياة الدول والشعوب، وفي قيام الأُمم وانهيارها، وازدهار البلاد وإخراج خيراتها، أو انتكاسها وفقرها،،، ليس من شأننا، فهو في مبتدئه وخاتمته، أوله وآخره بيد الولي عجل الله فرجه.إنما نحن مأمومون منتظرون، رعية وأتباع، شيعة وأنصار، لنا إمام يرعانا ويقودنا، ومما صدر من الناحية المقدسة: “نحن وإن كنا نائين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أرانا الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فإنا نحيط علماً بأنبائكم، ولا يعزب عنا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذ العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون”، وفي التوقيع الشريف: “إنَّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء”، ومن دعائه عليه السلام: “اللهم اغفر لشيعتنا من المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وتابع بيننا وبينهم بالخيرات”… ما دام إمامنا سالماً في مغيَّبه، فنحن بخير، كل ما هناك ألا نقطع حبال الوصل به، المتمثلة في العزاء والمزار، بما يجعلنا نعيش معه لحظاته وساعاته، حين يقوم وحين يقعد وحين يقرأ ويبيِّن وحين يصلي ويقنت وحين يركع ويسجد وحين يهلل ويكبِّر وحين يحمد ويستغفر وحين يصبح ويمسي، في الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، فإذا لبينا دعوته وعشنا فجعته وكانت أحوالنا في مشاركته تحكيها الندبة “ليت شعري أين استقرَّت بك النَّوى، بل أيُّ أرض تقلُّك أو ثرى… هل من معين فأُطيل معه العويل والبكاء، هل من جزوع فأُساعد جزعه إذا خلا، هل قذيت عين فساعدتها عيني على القذى، هل إليك يا ابن أحمد سبيل فتلقى، هل يتَّصل يومنا منك بغده فنحظى”… فلن يمسَّنا سوء، ولن يهزمنا عدو، ما دمنا نعيش هذي الرحاب، ونستنشق هذا الأريج ونرفل بهذا الفضاء. اللهم إلا “الظلامة”، وهي السلاح الأعظم الذي فرَّط فيه القوم، فقد جعلت الخامنئية أو الزيدية المبطنة أقوى الأسلحة وأشدها، مادة للتنكُّر والتندُّر، وما ذلك إلا لأن وجهتهم هي الدنيا، والسقطة في حفرها، الشهرة والأضواء والعجب والإغواء. وبالمناسبة، فهو الخطأ الاستراتيجي الذي سقطت فيه إسرائيل نتنياهو، الذي حوَّل صورة “الظلامة” التي عاشها اليهود منذ الهولوكوست إلى الفتك والطغيان والعربدة، والذهاب في التباهي واستعراض القوة، الذي قد ينجح على المدى القريب ويفعل فعله ويحقق نتائجه، لكنه على المدى البعيد، يرسم كارثة تتهدد أصل وجودهم، وترسي أُسس انهيارهم وفنائهم!
بعبارة صريحة وبيان واضح يستنقذ المؤمنين المستضعفين من هذه التعبئة الشريرة والمكيدة الشيطانية الخطيرة، ويتم الحجة على المعاندين: لن يكون النظام في إيران بيضة الإسلام، ولا الكيان الذي دونه التضحية بالنفس والمال والولد، وهو الذي حارب شعائر عزاء سيد الشهداء، ونال من عقائدنا ومقدساتنا وثوابتنا، باحتضان الحداثيين ورعايتهم، وأزرى بحوزاتنا ومرجعياتنا بدعم المزيفين وتغيير مناهج استنباط أحكام الدين، شوَّه مذهبنا وغيَّر محوره وقطب الرحى فيه، وهو الإمام من آل محمد، حتى إذا دارت عجلته شيئاً، وأفسح له العدو ليتقدم ومكَّنه من الهدم، صنع مرجعية مزيفة وفقاهة مزوَّرة وولاية كاذبة، ادعى نيابتها عن الإمام، وتمثيلها بيضة الإسلام!
لن يضحي الشيعة في العالم، بل حتى في إيران، في سبيل بقاء الجمهورية الإسلامية، وهي تتخندق ضد الشيعة في آذربيجان، وتقمع لتهجِّر الأفغان الفارين من طالبان، وتصرف مئات المليارات من بيت المال على حماس والإخوان.. إنها معركة أو حرب أضرموها، سواء بغباء قرار جبهة الإسناد، أو سلسلة السياسات الخاطئة التي دفعت العالم بأسره ليقف في وجهها، ويعمل على إسقاطها. وما زالت الشيطنة وما برحت، ومنها موجة المقالات الملغومة التي تخادع الشيعة في العالم، وتمهد لدفعهم وسوقهم إلى معركتها الخاسرة تحت ظلال التهديد بالمحق والسحق الذي ينتظرهم! لا أحد سيسقط غيركم، العالم كله بات يعلم أنَّ هناك تشيعاً حركياً وثورياً أو قل زيدياً تقوده إيران، وفي المقابل هناك تشيُّع أصيل يتزعمه النجف والمرجعية الأصيلة وعلى رأسها السيد السيستاني، وما الخامنئية في واقعها إلا نسبة ضئيلة لا تذكر، وإنَّ جل قعقعتها وجعجعتها صنيعة إعلام، وقرع طبول جوفاء! ليس لكم منَّا إلا الدعاء، وهو للشعب المؤمن المغلوب على أمره هناك، لا النظام الفاسد والسلطان الجائر، فإن كان له حظ ونصيب، فهو الدعاء بالهداية إلى بعض تواضع، والنزول عن صهوة الغرور، والاعتراف بالهزيمة، والتفاوض على تخفيف الخسائر والأضرار.
التعليقات