من طبائع الشيطان ومناهج أوليائه، أنهم يستطلعون الحالة ويتحرَّون عن الشخص الذي يستهدفونه، يدرسون الساحة ويتفحصون الميدان أو الثغر الذي يريدون إسقاطه، لا يرمون اعتباطاً ولا يسددون شططاً، إلا نحو ما يتطلعون للاستيلاء عليه ويقصدون احتلاله وإفساده. ولا شيء يُطمعهم في الإغارة ويشجعهم على الهجوم مثل الغفلة عن الحمى واللهو عن الثغور! عندما يلحظ جنود إبليس الحدود الحقيقية للدين والإيمان خالية من الرباط، والقلاع والحصون متروكة مهملة، لا عنايةً تلقى ولا باهتمام تحظى، ثم يرون الجبهات الوهمية، التافهة في مواضيعها وموادها، الساقطة في خطرها وأهميتها، مزدحمة بالجند، مكتظة بالطاقات والإمكانيات، ملتهبة بالفعاليات والنشاطات! فإنهم يقدُمون بهدوء، يتسللون من هنا ويتوغلون هناك، يشنون غاراتهم ويوجهون ضرباتهم، والمؤمنون نيام، يهتفون هناك للجهاد وينادون بالقيام، وقد أُفرغت الأرضية العقائدية من تحت أقدامهم، وأُخليت بنيتهم الروحية والأخلاقية من مادتها الحقيقية، واستبدلت بأُخرى خاوية مسمومة، تزري بالأرواح وتسقم الأنفس، غرور وكبر وزهو وطغيان، فهي هالكة قبل أن يتوجه رصاص العدو إلى صدورها، ومتقوِّضة قبل أن تهوي صواريخه على مواقعها ودورها!
من أعظم الجرائم التي قام بها النظام الإيراني وأشد البغي الذي جرى على يد تيار الخامنئي، السعي لخلق مقدَّسات مبتدَعة مُحدثة، تحت عناوين تصحيح العقائد وتنزيه الشعائر، وتنقية التراث وتهذيبه من الخرافات، وتوجيه الحراك الشيعي من السلبية الملتزمة بحرمة الدماء وحقنها، العاملة بالتقية وحكمها، إلى مسار ثوري وأداء صدامي على نهج زيدي، لا يمتُّ للمذهب الإمامي بصلة، ما أقحم الشيعة بمجموعهم الصغير في الأمة، في صراع مرير مع المحيط والعالم الكبير. صرفوا جهودهم ومليارات بيت المال، وثروات الشعب الإيراني المغصوب الساخط، على قضايا تافهة في الميزان الديني، لا تمثل ثقلاً عقائدياً، ولا تشكِّل جبهات صدام وصراع مع الشيطان، بل هي ـ في جوهرها ـ انخراط في معسكره، والتحاق بجبهته في صف المتآمرين على رسول الله، المنقلبين على وصيه، والولاية التي أمر بها ونصَّ عليها!
الشيطان لا يؤخذ بالدعاية والإعلام، ولا بالجعجعة وكثرة الضجيج، بل ينظر ويخشى مَن يدخل حقاً في الحجيج، لا تعنيه آلاف العناصر المسلحة والمواقع المدججة بالصواريخ، وقد رأينا كيف راحت هباء منثوراً في ساعات وأيام، لأنها قامت على إرضاء أعداء الزهراء والتفريط بمعالم الدين والتنكُّر لمسلَّمات المذهب، أداء بنى ثقافة وأسس مدرسة، بل قل أبدع ديناً ونهج مذهباً مُحدثاً، قوامه أفكار علي شريعتي وسيد قطب، وسبيله مع الإخوان المسلمين، ما أخرجهم من التشيع ولم يدخلهم في التسنن، لا هم صوفية وعرفاء، ولا فلاسفة ومتكلمين، لا ماديين حسيين ولا إلهيين مسلِّمين! وراحوا يعبثون بتراثنا ويقلبون فقهنا ويهتكون مقدساتنا ويشوِّهون شعائرنا.. لا بالغيب يؤمنون، ولا بالرجعة يعتقدون، ولا بالشفاعة يقولون، ولا بالتوسل يعملون، جهدهم بخس مراتب الأئمة وجحد المنزلة التي أنزلهم الله فيها، حذر غلوٍّ زعموه، وغايتهم نسف “الحواجز” التي تحول دون التحاق الأمة بحزبهم.
وحتى نعرف كيف وصل بنا الحال لهذا الانحدار، وبلغنا هذا الوضع العصيب، دعونا نحلل مفردة الزيارة الأربعينية وما أصابها، للدراسة، كنموذج ومدخل لفهم كيفية عمل الشياطين..
سوف نلحظ ونسجِّل أن أخطر المؤشرات التي التقطها إبليس هي ما رصده من سلبية المؤمنين في حفظ الحرمة، وتراخيهم في حيطتهم على قدس المكان وخفر المناسبة. وجد فيهم ليونة ورخاوة، بل إهمالاً ورعونة، ثم تفريطاً واستعداداً للتنازل والمساومة، حوَّلوا العتبات المقدسة إلى ستديوهات للمقابلات التلفزيونية والبرامج المصوَّرة، وكأنها مواقع تاريخية ومعالم سياحية! أفسحوا لمن هبَّ ودبَّ بارتقاء المنبر المقدس في الصحن الشريف، ومكنوهم من إمارة الزوَّار في عرفة وصلاة العيد وخطبتهم في الملايين. حتى ولجوا الحرم براياتهم الصفراء ولافتات الجحد والطغيان، ومواكبهم تهتف بقبضات مرفوعة، لا أكفّاً لاطمةً ولا قلوباً جازعة، فإن لطموا فعلى زعمائهم وصحبهم لا سيد الشهداء وصحبه! والقائمون على الحرم بين مَن قبض ثمن سكوته، ومَن يخشى الفتنة والشقاق، ومَن هو منهم، اندسَّ في طاقم العتبة حتى إذا ملك وتحكَّم قام بفعلته وأدَّى دوره! ثم أدخلوا المعازف بين الحرمين وغنوا “سلام فرمانده” (لقائدهم الخامنئي)، بتلبيس إبليسي رسمها بالعربية “سلام يا مهدي” ليخفف قبحها ويداري عارها، فلم يجدوا بأساً، بل احتضنوهم ورحبوا بهم! حتى بلغ السيل الزبى هذا العام بعسكرة المواكب وحمل مجسمات الصواريخ والمسيَّرات داخل الصحن الشريف!
تُرى كيف تجرأ وتمادى الخامنئيون؟ من أين أُخذنا، ومن أين راحوا يتوثبون على أعزِّ شعائرنا، يسجِّلون حضورهم ويُقحمون ثقافتهم ويثبتون هويتهم ويسقطون المواقع واحدة تلو الأخرى؟ ما هي العلل، وكيف جرى الاستدراج، كيف عمل القوم بكيدهم الحزبي وبذهنيتهم المخابراتية، وتلقيناهم نحن بسذاجة وبدائية؟!
بدأ الأمر بالتهاون والاستخفاف بالشعائر، العزاء منها والمزار.. تصوَّر أن يكون رئيس نقابة الكسبة أو رئيس غرفة التجارة، حداداً أو نجاراً، أو طبيباً أو ضابط إطفاء! لا علاقة له من قريب أو بعيد بالكسب والتجارة، لم يعرف دكاناً ولا أدار بقالة. أين الإشكوري من الزيارة والشعائر الحسينية؟! الرجل ناهيك بأنه لم يُقم مأتماً ولا أدار حسينية حياته كلها، فهو لم يسجل حضوراً في المآتم والحسينيات العامة، لا خدم بماعون ولا ساهم بدانق! الرجل غريب عن الفضاء، بعيد عن الأجواء، لا هو ابن صنعة ولا صاحب حرفة، كيف توكل إليه الإدارة التثقيفية والتبليغية لما يفوق عشرين مليون نسمة على مدار عشرين يوماً استثنائية في عمر العراق كل عام فتكون هذه المخرجات؟ ترى، ألم يُشعِر هذا التراخي في التعيين والإدارة، الإيرانيين بضعف القبضة، وهوان القضية عند المتولين الكرام وأولياء الأمر العظام، ألم يوحي بهامشيتها وأنها قضية عابرة عند أصحاب القرار؟ ألم يُلمسهم لين الجانب ويحسِّسهم برخاوة الخاصرة، فطعنوا فيها وولجوا منها؟ وما هذا التردي والهتك الذي ترى في النشاط التبليغي والإعلامي، إلا من تداعيات فساد الرأس ورداءة من في قمته، ما جعل الحرم الأقدس موضعاً للمجاملات السياسية، ومورداً للصفقات، وفي أحسن المحامل، جعله محلاً للعمل برؤية خاصة ونظرة لا تتوافق مع أصل الوضع والوقف.
لست مُرجِعاً هذه الكوارث كلها إلى الإشكوري، فالتعس أقل من هذا شأناً وأضعف كيداً، ولكن عندما ينحدر الأمر بالتبليغ الديني ويهوي إلى هذي الحدود، فمن الطبيعي أن يتحول العزاء إلى استعراض لوحات “تيفو” على غرار التشجيع الجماهيري في مدرجات الملاعب والمهرجانات الشعبية، صار يشكلها “المعزون” بتقليب آلاف القطع لترسم لوحات قرآنية! غير مبالين بتعطيل مئات آلاف الزوار لساعات امتدت هذا العام لأكثر من أربع، في ازدحام خانق وتدافع قاتل، بانتظار أن يفرغ استعراض الفقاعات الصابونية التي أُطلقت من ألعاب أطفال يحملها رجال، تنثر رغوة تصنع أمواج سفينة! ثم جاءت الطامة الكبرى باستعراض عسكري حمل هياكل لأشكال صواريخ ومسيَّرات، كأنهم وقروا عما أصاب النسخ الحقيقية لها في لبنان ولمصانعها في إيران نفسها، فما هو عائد هذا الاستعراض الفج غير التبجح ودعوى الحضور وسط مناسبة دينية، بعد أن عجزوا عن الظهور العلني في معسكراتهم ومقراتهم؟! أي شجاعة هذه وأي استعراض للقوة هذا؟
لو كانوا يعرفون حرمة الزائر، وقدس الحرم، وقيمة الدمعة، والعظمة الحقيقية للمناسبة لما سمحوا لهذا الإسفاف وما بلغوا هذا الانحدار. إن الغرض الأول والأعظم المتمثل في الجزع والبكاء والإبكاء لم يكن له نصيب، لا في الممثلين المصطفين في صفوف استعراضية لـ “تيفو” أولاد عامر، من أبناء الفرقة الكرمانية، ولا من المشاهدين المغلوب على أمرهم.
في المثل، “لا يمكن أن تعدَّ العجَّة دون أن تكسر البيض”، وفي الواقع المؤلم، لا يمكن أن تستأصل الزائدة الدودية الملتهبة دون عملية جراحية، هذا الوجود الحركي الإخواني، ليس من الجسم الشيعي الأصيل، لا في عقائده وأفكاره ولا في شعائره ولا في عباداته، الحشد الشعبي الذي تصدَّى لداعش بعفوية الفتوى المقدسة، وإخلاص الدفاع البطولي، ونبل التضحية الإلهية، ليس هو الحشد اليوم الطامع في المغانم واللاهث وراء المكاسب والمرتبط بإيران. والزيارة الأربعينية أبرزت هذا الفرق وأكَّدت الانفصال والفرز، فما يقارب 22 مليون زائر في جانب، ومئة ألف (إن بالغنا في التقدير) في جانب آخر، حتى الزوار الإيرانيين، كانوا في غالبيتهم العظمى مندمجين في الجسم الشيعي الطبيعي، هذه الفئة العصية الشاذة، تأبى إلا أن تحرف المذهب وتحرق الطائفة معها! لا شأن لنا بالجانب السياسي والأمني، فهذا دور الحكومات وسلطاتها وتقديراتها، وهو شأن الشعب العراقي، ليس لأحد أن يتطفل عليه في هذا الدور الخطير، أما في الجانب الديني ولا سيما الشعائري، فهو شأن كل شيعي، ومن هنا يجب قطع دابر هؤلاء، ومنع حضورهم البتة، اللهم إلا مذابين داخل الجسم الشيعي العام، مدمجين في هيئات مناطقهم وحسينيات بلادهم، وبالشعائر الحسينية التقليدية. وهذا يفتقر إلى يد أصيلة تدير القضية، وقبضة شجاعة تتصدى لها، ووقفة حسينية فدائية تحسمها.
وليعلموا أن سعيهم سبق إليه العباسيون… وكل الأمل أن يكون في القوم مثل المستنصر العباسي الذي وصل سامراء فسأل عن قبور آبائه، فدلُّوه على موضع جمعت فيه القاذورات وصار مزبلة يغطِّيها ذرق الطيور والخفافيش، فلمَّا تشرَّف بزيارة العسكريين رأى القناديل الثمينة معلَّقة، والسجَّاد الفاخر مبسوطاً، والشموع الكافوريَّة مشتعلة، والمجامر والبخور والطيب منتشر، وشذى العطور يملأ الأجواء، والروضة الشريفة مزدحمة بالزوَّار، رجالاً ونساءً، شيباً وشباناً، يطوفون حول القبر الشريف ويطلبون الحاجات. فقال أحد الحاضرين للمستنصر: كانت الدنيا بأيديكم تحكمون البلاد وتتسلَّطون على رقاب الناس، وما خدمت الدنيا أحداً كما خدمتكم، ولا سلَّطت أحداً كما سلَّطتكم وألقت بمقاليدها إليكم، وهذه قبوركم خربة ومزابل ترمى فيها قاذورات الناس والبهائم، بينما كان العلويُّون والفاطميُّون مقهورين ومغلوبين، انزوت الدنيا عنهم، فلم تمكِّن منهم أحداً، فلا سلطان ولا حكم ولا اقتدار دنيوي. عاشوا فقراء وماتوا غرباء، وهذه قبورهم عامرة يقصدها الناس من أقاصي البلاد ويطوفون حولها ويزورونها ويتبرّكون بها وينذرون لها ويستشفعون بتربتها ويشعلون الشموع والقناديل عندها كلَّ ليل، فما أعجب هذا الأمر وما أغربه؟! فقال المستنصر: هذا أمر سماويٌّ وتأييد إلهي لا يحصل باجتهادنا، ولو أمرنا الناس به ما قبلوه، ولو بضرب الرقاب وسفك الدماء. والأعجب أنَّ أحد علماء العامة روى هذه القصة وعلَّق عليها مؤيداً قول المستنصر فقال: “هذا لا يحصل بالقهر ولا يمكن بالإكرام”…
سيبقى الحسين بمزاره وعزائه وشعائره، وسيسقط الخامنئي كما سقط غيره، ويرحل مع العباسيين والزيديين الذين حملوا الناس على أكتاف آل محمد.
التعليقات