مع أنهما ينتميان إلى المدرسة الفكرية نفسها، مدرسة الحداثة والحركة، ويستلهمان من المفكرين المنحرفين أنفسهم، علي شريعتي وحسن البنا، وبعض رواد النهضة والإصلاح، لكن هناك مميزات شخصية وسلوكية ثم نفسية طبعت كلّاً منهما، رسمت فارقاً يلامس الجوهر في هذين الرجلين، أبرز معالمه البيت والأسرة العلمية، فالسيد موسى سليل بيت علمي وزعامة شيعية تقليدية تمتد من إيران إلى العراق فلبنان، تتمتع بتاريخ حافل، بلغ أن أحدهم (السيد محمد الصدر) تولى رئاسة الحكومة العراقية لفترة وجيزة في عهد الملك فيصل الثاني الذي كان تحت الوصاية لصغر سنه، وهو الخرق الشيعي الثاني بعد حكومة صالح جبر، ثم لم يتكرر الأمر من بعده البتة (حتى سقوط البعث وصدام)!
بينما الخامنئي شخص مغمور، على هامش الحياة العامة، لا يشكل شيئاً على هذا الصعيد، لا في الحوزات العلمية ولا في الواقع الشيعي، وطالما كانت هذه عقدة ومركب نقص لزم شخصيته! ثم هناك عامل الارتباط بالمرجعية، فالسيد موسى الصدر كان محتَضناً من مرجعية السيد البروجردي، بينما الخامنئي وقع في خطأ جسيم حين ادعى الاكتفاء الذاتي، وسعى لبناءٍ يستقل به عن المرجعية الشيعية! الخطوة التي قصمت ظهره على صعيد آليات التواصل والتفاعل والعمل بين مواقع الفعل وصناعة القرار، في الحالة الإيمانية الشيعية، انتهت به إلى الإفلاس والعزلة عن هذه الأوساط، ومحاصرته في إطار حزبي مُهلك، حتى الحوزات والنطاقات التي تسلَّط عليها بالقهر والقوة، كحوزة قم، لم تنصره وتدعمه! أما الجانب الثوري، فلا الخامنئي ثوري في فكره، ولا موسى الصدر مهادن مسالم في نهجه، فقد نشأت تحت ظلال الصدر حركة “فرسان أو فتيان علي”، كنواة لأوَّل ميليشيا وذراع عسكرية شيعية تعين على خروج الطائفة من الاستضعاف والتهميش، ناهيك عن دور مصطفى شمران اللاحق المعلن بعد السابق المضمر، بل حتى في أطروحته الاجتماعية والسياسية، صُنِّف السيد موسى كرقم ضد الإقطاع الشيعي والزعامات التقليدية المسيطرة على الطائفة، وشكَّل حالة ثورية متمردة عليها.
أما الخامنئي فقد كان من رموز اليمين الإيراني في التقسيم الثوري، الذي كان يعارض التوجه الخميني الداعم لحكومة مير حسين موسوي (ما زال رهين الإقامة الجبرية في عملية تشفي وانتقام غريبة!)، وشريحة من الراديكاليين الذين تشكَّلت نواتهم في “الطلاب السائرين على نهج الإمام”، الذين احتلوا السفارة الأمريكية في طهران، ثم تبلورت في صيغتها المعتدلة في حركة “روحانيون مبارز”، وكلها مواقع عارضها الخامنئي وعاداها، والحق أن رفسنجاني، لم يصعد به إلى القيادة وولاية الفقيه إلا لتمتعه بهذه الخصال والصفات، وإذا به يتنكَّر لها ويندفع باستدراج استعراضي مدمِّر، أودى به وبجمهوريته.
على هامش الهزيمة المؤلمة، والحالة النفسية الموحشة التي يعيشها الشيعة اليوم، على مختلف طبقاتهم وتوجهاتهم، جرَّاء اقتحام الجمهورية الإسلامية أخطر ميدان ودخولها في صراع عسكري مع إسرائيل والقوة الأمريكية العظمى، التي أنزلت بها ضربات ماحقة مزلزلة، سبقها حصار أدَّى إلى سقوط النظام الإيراني على صعيد القيم الدينية والاقتصاد الوطني، وتهلهل الوضع الأمني والسياسي للنظام، كما أدى إلى انهيار أذرع إيران القوية في سوريا والعراق ولبنان، وبقاء اليمن على باب أو لائحة الانتظار.
قبل أيام، نشرت قناة البي بي سي العربية خبراً ثم تقريراً صحفياً مصوَّراً يصبُّ في مسعى لطيِّ ملف السيد موسى الصدر، وإعلان وفاته، أو قُل، وقف استنزاف و”احتلاب” غيابه! فقد آن الأوان لظهور قيادة جديدة تملأ الفراغ الخطير في الساحة الشيعية. فالإنجليز لا يستعملون ولا يتداولون، والأهم، أنهم لا يبنون على مقولات “اقتلاع الجذور” و“القضاء المبرم” و”الإنهاء التام” وما شابه ذلك من مفردات السياسة الأمريكية، سواء للمذاهب والأديان والوجودات الطائفية، أو حتى للكيانات الحزبية، وهم يعلمون جيداً أن ما جرى مع النازية لا يمكن تكراره واستنساخه على أي نموذج آخر، لا الإخوان المسلمين وحماس، ولا الشيعة وإيران! لذا هناك اليوم عمل جاد على احتواء هذه الساحات المهزومة، والكيانات المنهارة، بما يعيد تنظيمها وبناءها، ثم اصطفافها والتحاقها بركب المشروع الغربي، والصيغة الدينية المتميِّعة في مشروع “الإبراهيمية”!
الساحة الإيمانية الشيعية تبحث وتتطلع لزعامة على نهج موسى الصدر، قائد يكون منسجماً مع المنظومة العالمية، منفتحاً على الآخرين، كما هم، لا كما يريده لهم! يعود بالطائفة إلى الأطر والنطاقات التي تعيشها بقية الطوائف، وتخرج من التحزب والتشرذم الذي صنعته وألقتها فيه إيران.
الخامنئي ذهب بها عريضة، مراهناً على انتمائه الفكري للحداثة التي يريدها الغرب، وانتسابه التنظيمي الذي تقرُّه الماسونية، أو القوة الأعظم التي تتحكم بالعالم، غافلاً أو جاهلاً بطبيعة العلاقات داخل هذه الكتلة، وإمكان الصراع والتصفيات بين أذرعها وأياديها. لذا فإنَّ الساحة الخامنئية تعيش في جدب وقحط رجال، لا توجد شخصية عربية تليق بالقيادة ويمكن أن تضطلع بدور ينافس مرشح التيار الشيعي الحكومي، الذي سيقود الطائفة ويعيدها للانتظام مع أنظمة الحكم في دولها، والوئام مع النسيج الاجتماعي لبلادها، بعيداً عن الهوية الإيرانية الشاذة، والانتساب الثوري بشعاراته الجوفاء المكلفة، الذي بات عنصراً مرفوضاً ورقماً نشازاً لا يقبله العالم ولا يطيقه الشيعة.
الطائفة المحروسة بعين الله تتطلع إلى قيادة سياسية حكيمة تنتشلها من المآسي الذي ألقتها وبلتها بها إيران، زعامة تترك الشأن الديني، بفقهه وعقائده وشعائره ومقدساته، للحوزة والمرجعية الأصيلة، وتنبري للشأن السياسي بالحكمة والموعظة الحسنة.
في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام: “من الحكمة أن لا تنازع مَن فوقك، ولا تستذل مَن دونك، ولا تتعاطى ما ليس في قدرتك، ولا يخالف لسانك قلبك، ولا قولك فعلك، ولا تتكلم فيما لا تعلم، ولا تترك الأمر عند الإقبال وتطلبه عند الإدبار”.
التعليقات