ما زال المشهد ـ لو يعلمون ـ كاسفاً كئيباً، والموقع مُثقلاً حزيناً، سماء الضاحية مكتظة بأرواح الأبرياء، تحوم حيرى في المكان وحوله، تعود إلى دُورها فتراها خراباً، وتؤوب إلى مساكنها فتجدها ركاماً، فإذا أُزيلت الأنقاض، ففلاة صفصف وقاع يباب، وغربان عشعشت أوكارها، ثم هجرتها لتستقر على رؤوس أعمدة الإنارة في المدينة الرياضية، والصامد من البناء في الضاحية الجنوبية، أو رفيع أغصان الأشجار البعيدة، في الحدث وبعبدا ومشارف الشوف، تقلع حيناً بعد حين، مع زعقة ونعيب، كأنها ترى الأنفس المظلومة البريئة، وتشاهد بؤس أرواحها المخترمة. والأرواح بدَوْرها في شغل عن النسور والصقور والغربان، لا يعنيها نعيب وزعيق وصهيل، إلا كلَحن جنائزي يحكي صورة ملكوتية لقرع طبول فرق “كشافة المهدي”! إنها تبحث عن أهلها وأحبتها فلا تجدهم، لا تدري كيف رحلوا وأين استقروا؟! فتعود منتظرة، تنتصب فوق البقعة المنكوبة واجمة دهِشة، فما زال دويُّ الصعق والانفجار الذي استهدفها يُحدث بصَداه رجعاً في رؤوسها، وضيقاً قاتلاً في صدورها، يعيدها إلى النزع وحشرجة الموت، التي ما برحت تتجدَّد وتتكرَّر آناً بعد آن! ما زالت الأوردة والشرايين تنتفخ من الضغط المهول الذي تُحدثه القنبلة الفراغية، تتمدَّد وتتوسَّع لتتمزق في ثانيتين أو ثلاث، ويتوزع معها البدن أوصالاً وأشلاءً. فإذا غابت آلام الروح في نسَق الإعادة، وتاهت في رتابة التكرار، وغلبها السأم من الجولة بعد الجولة، والضجر من الانتظار، جاء طنين المسيَّرات وزنين المراقبات ليستعيدها ويذكِّر بها!وهنا ملائكة ترعى أرواح أطفال، لم تُطق أو تدرك عمق البرزخ وما ينتظرها من نعيم في رياض جنانه، فبقيت ملازمة لدُورها، تبحث عن والديها وإخوتها!.. وقد فقد بعض سكَّان العالم الآخر رشدهم، فحسب أن لم يعد لهؤلاء الأطفال براءة تُندب وسلامة نفس تُبكى، فقد سحقها عبث القوم مراراً، وطمرها لوثهم كراراً، حتى قضوا على كلِّ طهر فيهم ونقاء، لكن الحقَّ أن الذوات النجيبة تتجدَّد من تلقائها، وتعود بعد كلِّ انتكاسة إلى ألَقِها، ليأتي التلقين السياسي ويعود التوجيه الشيطاني، فيلوثها من جديد، حتى يستولي عليها، فتُمسخ وتنسلخ عن أصلها!

لعمري، كم كان الأمر سهلاً ميسوراً، لمن يطلب رضا الله ويريد جنته حقاً، لا الملك والمال والسلطة والشهرة… أمر يقدُمُ من رِفق ويأتي من رحمة، ففي الكافي الشريف عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى “ألم تر إلى الذين قيل لهم كفُّوا أيديكم وأقيموا الصلاة…” التي شرَّعت القيام والقتال في صفِّ الحسين، ثم الصاحب عليهما السلام، قال: “كفُّوا أيديكم، يعني كفوا ألسنتكم، وقال: أما ترضون أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتكفُّوا وتدخلوا الجنة”؟ لا يتطلب الأمر أكثر من ذلك! ومن قبله حذَّر الباقر عليه السلام كما في الحديث الشريف، قال: “الغبرة على من أثارها، هلك المحاضير، قلت: جعلت فداك وما المحاضير؟ قال: المستعجلون، أما إنهم لن يريدوا إلا من يعرض لهم. ثم قال: يا أبا المرهف، أما إنهم لم يريدوكم بمجحفة (أي داهية) إلا عرض الله عز وجل لهم بشاغل، ثم قال: يا أبا المرهف، أترى قوماً حبسوا أنفسهم على الله عزَّ ذكره لا يجعل الله لهم فرجاً؟ بلى والله ليجعلن الله لهم فرجاً. ومن قبله قال أميرالمؤمنين عليه السلام: “الزموا الأرض واصبروا على البلاء، ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا ما لم يعجِّله الله لكم، فإنَّه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حقِّ ربه وحقِّ رسوله وأهل بيته، مات شهيداً ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته لسيفه، فإنَّ لكلِّ شيء مدَّة وأجلاً”.

تُرى هل من مقتضٍ وحاجة، أو داعٍ وضرورة، أن يزعم أحدٌ الثراء ويدَّعي الرفاهية والرخاء، حتى ينافس المترفين البطرين ويجاري الأغنياء؟ فيضطر للانخراط في محافلهم، وحضور مجالسهم، والانتساب إليهم، والدخول في دولتهم، ورفع شعاراتهم، بل لبس ثيابهم، وتناول طعامهم، واقتناء مركباتهم، ومزاولة نشاطهم؟ فإذا خنقته الديون وحاصرته القروض، وأشخصته الحقيقة أمام فقره وعجزه، ولاحت على رأسه علامات الإفلاس، لجأ إلى التسوُّل والاستجداء!

مَن الذي رفع الراية وسلَّ السيف وخرج، حتى صار النوم ملء العين حسرة على شيعة لبنان؟ مَن الذي اندفع وتهوَّر ليتحدَّى أعتى طاغٍ وأشرس دولة وأقوى نظام؟ من الذي طلب أمريكا للبراز، وإسرائيل للنزال؟ يحسب نفسه علي العصر وحسين الزمان؟ حتى إذا سفكت دماء الآلاف، وهدمت الدور وخرب الزرع وهلك الضرع، ولاقى حاصل أفعاله، اصطلمه الأعداء ونزلت به اللأواء، راح يتوسَّل الحبر الأعظم ويتسوَّل النصارى وشركاء الوطن، وألحق أبناء الشيعة وأيتام آل محمد بصفوف المبهورين بقارون لمَّا خرج على قومه بزينته، يقولون بلسان الحال والأماني والآمال: “يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظٍّ عظيم”! 

ما ضر لو كنت جليس الدار في عالم السياسة؟ مُهمَلاً مجهولاً، قاعداً مركوناً؟ هل هي الحقوق التي تخشى عليها الضياع؟ فما صنع الخوض والقيام، هل حافظ عليها أو أرجع شيئاً منها؟ أم تراه فاقَم الأمر تردياً وسوءاً؟ وكان “زيادة في مكروهنا وشيعتنا”؟

لماذا يحافظ غيرنا على وقاره واتزانه، ويمارس في الوقت نفسه احترام الآخر، ولا سيما ضيف كبير مثل بابا الفاتيكان، ويدرجه في مقامه العالمي ومكانته المفروضة.. بينما نذهب نحن في التهريج والابتذال والامتهان ما يبعث على الغثيان؟

هل حكم أحد علينا وطالبنا وألزمنا أن نوقف أبناءنا على قارعة الطريق، يلوِّحون بأعلام الفاتيكان، ويفدون الصليب ويتمنون أن يقبروا دونه!؟

والمقارنة تتداعى من تلقائها، وتفرض صورة “حبر أعظم” يخضع في النجف الأشرف على أعتاب مرجعية عظمت روحها فتألق مجدها، ومشهد مرجعية مزيفة تخلَّى صاحبها عن عقيدته وولائه، واستقوى بالسياسة وسلاحه، فوقف على قارعة الطريق في بيروت ينتظر الإحسان ممن يقوم عرشه على جحد “أحمد”، وطمس البشارة الحقة بنبوَّته ودينه، فلم ينل حتى من فتات المائدة الذي بُذل بسخاء لراقصين ودابكين!

ومما يزيد في الكيل صاعاً فلا يوفَّى، أنَّ الرجل هو “المرجع” الوحيد ـ على مرِّ التاريخ ـ الذي حظر على الهيئات الحسينية في إيران حمل “العلامة” (وهي أشبه براية معدنية ذات شكل خاص) لأن اللسان الهزاز الذي يحدث الرنين في حركة حامله في عزاء سيد الشهداء، يشبه الصليب! كما أنه “المرجع” الوتر الذي يفتي بتحريم وضع ربطة العنق لأنها تشبه الصليب، وأنها ضرب من لباس الشهرة، بينما أدخل هو وابتدع في لباس رجال الدين الشيعة، حين توشح بالكوفية الفلسطينية على متنه، والتزم ذلك حتى يومنا!.. وها هم أبناؤه في بيروت يحملون الصليب ويلوِّحون به للقريب والبعيد، وكل إنسان يولد على الفطرة، وأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه!

في الحديث الشريف عن الفُضيْل، قال: دخلت مع أبي جعفر الباقر عليه السلام المسجد الحرام وهو متكئ عليَّ، فنظر إلى الناس ونحن على باب بني شيبة، فقال: أما والله يا فضيل ما لله عزَّ ذكره حاجٌّ غيركم، ولا يغفر الذنوب إلَّا لكم، ولا يتقبل إلَّا منكم، وإنكم لأهل هذه الآية: “إن تجتنبوا كبائر ما تُنهوْن عنه نكفِّر عنكم سيِّئاتكم ونُدخلكم مُدْخَلاً كريماً”، يا فُضيل، أما ترضوْن أن تُقيموا الصَّلاة وتُؤتوا الزَّكاة وتكُفُّوا ألسنتكم وتدخلوا الجنَّة؟ ثم قرأ “أ لم تَرَ إلى الَّذينَ قيلَ لهم كُفُّوا أيديَكُم وأقيمُوا الصَّلاة وآتوا الزكاة” أنتم والله أهلُ هذه الآية. والقوم يتهالكون ليخرجوا أنفسهم منها، ويصرفوا هويتهم عنها!

يقال إنَّ قرويين احتاروا في بقرة حشرت رأسها في جرَّة، وقد أعيوا في تخليصها، فرجعوا إلى حكيم القرية، الذي رأى الحلَّ في قطع رأسها، ففعلوا. لكن الجرَّة بقيت على حالها والرأس محشورة فيها! فقال لهم اكسروا الجرة تخلص الرأس. ففعلوا، وحرروا رأس البقرة. لكنهم رأوا الحكيم قد انعزل وتنحَّى جانباً وهو مستغرق يتفكَّر، فدنا منه صاحب البقرة وراح يواسيه بأن لا يحزن، فهو أمر مقدَّر وقع، فأجابه: إنما حزني وتفكُّري هو في يوم سيأتي عليكم ولا أكون بين ظهرانيكم، كيف عساكم تتدبرون أُموركم؟!

Posted in

التعليقات