يمضي الأُصلاء بطمأنينة، ويسلك الأخيار بثقة، غير مكترثين بالعوائق المفتعلة، ولا مبالين بالموانع المصطنَعة، لا مصغين للغربان الناعبة والكلاب النابحة، ولا منشغلين بالعجِّ، ريحاً تثير غبرة، أو حناجر تهيج ضجَّة! تجاهلهم للأضواء وبريقها، وإهمالهم للشهرة ووهجها. في حين يعيش الأدعياء الدخلاء، المزيّفون المزوّرون، عُقدة متجذِّرة فيهم، ويلاحقون رغبة تملكتهم وغاية أسرتهم، طالما تلهَّفوا لنيلها والظفر بها، من لدن الطلقاء والمتآمرين في الصدر الأول، حتى عصرنا الحاضر، إنها: المشروعية.
في سياق مساعي النظام البعثي البائد لإعادة مشروعيته المنهارة بعد الانتفاضة الشعبانية عام 1991م، ومثابرته المضنية لطمس آثار المواجهات الدامية والمجازر التي لاقى بها شعبه، والهتك والتخريب الذي طال العتبات المقدسة في كربلاء، أشخَص صدام التكريتي السيد الخوئي قدِّس سرُّه، إلى لقاء مصوَّر جمعهما، بثَّ التلفزيون الرسمي للدولة جانباً منه. وكان أصل اللقاء والاجتماع، وما تضمَّنه حديث السيد قدِّس سرُّه حول أمره بدفن جثث الضباط ورجال المخابرات والبعثيين الذين سقطوا في مواجهة الشعب، وقد امتلأت بهم شوارع مدن الجنوب، يرمي إلى انتزاع إمضاء المرجع الأعلى على مشروعية السلطة الحاكمة، وإقراره قمع الشعب والبطش بالمنتفضين الأحرار! ولكن خاب المسعى وخسرت الصفقة، ولم ينطل شيء منها على مَن يتمتع بمسكة عقل، ورشحة فهم، وبصيص وعي وذكاء.
ومثل هذه المساعي الخائبة والمحاولات البائسة، تراها متكرِّرة على مرِّ التاريخ، ماثلة في غير شاهد ناطق من سياسات ومواقف السلطات الغاصبة والأنظمة المستبدة، وفي طليعتها التي حكمت باسم الإسلام، ويكفيك استعراض حوادث من قبيل “حبكة” الشورى، في خمسة كان أميرالمؤمنين سادسهم، وفي دوْر النسب ومكان المصاهرة، ولا سيما دعوى تزويج أُم كلثوم من الثاني، إلى الذهاب في التماس المشروعية من “أسماء” و”كُنىً” أُطلقت على بعض أبناء الأئمة! وما شاكل ذلك من “أدلة” متهافتة، و”حُجج” تحكي حجارة ليِّنة ولبِنَات نخِرة، بل حصَيَات رخوة، حكَكٌ ويَرْمَع، يتفتت من أدنى دعك، يراد لها أن تقيم صرحاً كمعبد الأولمب أو سور الصين العظيم، وتشييد عمارة كالأهرامات، وقصراً كعرش بلقيس، أو بنياناً كهيكل سليمان، ثم يرث الغاصب التركة، ويستولي على مُلك لا ينبغي لأحد من بعده!
على هذا النسق “انتزع” النظام الإيراني قبل أيام “استفتاءً” من مكتب السيد السيستاني في مشهد المقدَّسة، التمس فيه المشروعية لأدائه في معالجة الأزمة الأخيرة، مؤدَّاه أنَّ للسيد المرجع دام ظله موقفاً منسجماً مع ما قامت به سلطات الجمهورية الإسلامية في قمع المتظاهرين وإخماد “الفتنة”. الأمر الذي لم يُعهد من السيد دام ظله البتة، وهو خلاف توجُّهه المعروف في النأي بالنفس، وعدم التدخل في مثل هذه القضايا الشائكة. فالرجل ـ على سبيل المثال ـ لا يصرِّح بموقفه من قضية التطبير في الشعائر الحسينية، لأنها تحولت إلى خلاف وصراع قد تترتب عليه إراقة دماء بين المؤمنين.. والقوم يقحمونه في ميدان عصيب، ويشركونه في تحمُّل تبعات سقوط عشرات آلاف الضحايا من الجانبين، بين قتلى طفحت بجثثهم مبرِّدات المشارح ومغتَسلات الأموات، وجرحى اكتظَّت بهم المستشفيات، ومعتقلين ضاقت بهم السجون ومراكز التحقيق والتوقيف!
من الخسَّة والوضاعة بمكان، الالتفاف على نصٍّ وِتْر شاذ، إجابة تحاكي مفروض السؤال، وتجاري منطلقات السائل، دون قبول بها أو تبنٍ وإمضاء لها، فيُطرح الأمر في الإعلام، وينشر بين الأتباع، ويسوَّق بين العوام، ولا عزاء للأغبياء، كموقف للسيد المرجع دام ظله، وهم يعرفون، قبل غيرهم، كذب الدعوى وزيف المقولة، وكيف تم التحايل في إصدارها، وأين بلغ الضغط والتهديد في انتزاعها!
ما برح المسلك الأمني والأداء المخابراتي هو الذي يلقى به النظام الإيراني السيد السيستاني منذ تصديه للمرجعية واستتباب الأمر له على قمتها، تلحظه عندما وُجِّهت له سهام العمالة، وصرَّح أحمد جنتي رئيس مجلس الخبراء، ورئيس مجلس صيانة الدستور، وإمام جمعة طهران (في حينها)، بمكنونات صدور القوم وحقيقة ما يضمرون للحوزة والمرجعية، معلناً أنه خيار بريطاني! إلى الهستيريا التي لاقى بها زيارة بابا الفاتيكان للسيد المرجع، مروراً بقضية الشيخ روح الله زم، الذي استُدرج من ملجئه في تركيا بعملية أمنية معقَّدة، اخترقت فيها المخابرات الإيرانية البريد الإلكتروني الخاص بالمرجعية، وراحت تستعمله في مراسلة الرجل الذي كان يريد تأسيس قناة إذاعية دينية معارضة، فأوهمته بأنَّ السيد المرجع وافق على عرضه، واستدرجته للسفر إلى العراق للقائه وترتيب أُمور مشروعه، ومن هناك تم اختطافه إلى إيران حيث أُعدم في نوفمبر 2020 بعد محاكمة لم يُجْدِ فيها استرحام ولا نفعت شفاعة.
لم يكن هذا الأداء ليتوقف يوماً ولا ليتعطَّل ساعة، وها هو يعود في هذه الظروف العصيبة والأوضاع الخطيرة، التي أزرت بصورة الإسلام والتشيع، ودفعت تياراً عريضاً من الإيرانيين لمواقف شاذة وشعارات منحرفة تتنكر للدين وتتبرأ من هويته لصالح القومية والإلحاد، مع سلوك انحلالي ينافي الأخلاق ناهيك بتعاليم الدين وأحكام الشريعة. وكان الأمل في نجاتهم منها، والرجاء في إنقاذهم من ويلاتها، منوط بشخصيات دينية أصيلة تمثل النموذج الحقيقي الصادق لتعاليم الدين، والصورة الصحيحة لعلمائه، في طليعتهم السيد المرجع الأعلى ومن خلفه الحوزة بمدارسها الأصيلة وطلابها الكرام الأشراف، وإذا بالنظام الإيراني ومنظومته المخابراتية تتعمد تشويهه، وتتقصَّد تلطيخ صورته بسواد حالها، ليتحقق الاندماج المقيت الذي يتنكَّر للتعددية وينفي الإثنينية، ويحمل صورة وحيدة عن الإسلام والتشيُّع، هي التي يتبنون ويروِّجون، والنمط الذي يمارسون ومن خلاله يشوِّهون! وبعد، فنحن اليوم أمام “عمليات أمنية” مرتقبة، على نطاق واسع، بآلية تفوق الماضية، وفقاً لمعادلة تَناسُب الحاجة والنقص مع الفعل والجبر (جبر النقص وسدِّ الحاجة والـخَلَّة)، ستقوم بها الحوزة الحكومية والعمائم المنخرطة في المؤسسات الرسمية، سواء السياسية أو الأمنية. ففي حين لا تتجاوز المشروعية التي يحظى بها القائد الجديد مقولة: “لا بدَّ للناس من أمير، برٍّ كان أو فاجر. أما الإمرة البرة فيعمل فيها التقي، وأما الإمرة الفاجرة فيتمتع فيها الشقي إلى أن تنقطع مدته وتدركه منيته”.. سنشهد عاصفة من عمليات التزييف وإعصاراً من جهود التحريف التي ستصنع منه إماماً “مجتبى”، كما صنعت من أبيه علياً مرتضى!
كل الأمل والرجاء أن يبتعد الرجل عن عنوان الفقاهة، والمشروعية المستمدة من العلم الذي بلغ الاجتهاد، ويتوجَّه إلى العدالة وحسن الإدارة والنزاهة والأمانة وخدمة الناس والتنمية والبناء، فهو ما تحتاجه إيران حقاً، حكومة وشعباً، وهم في غِنى عن ولاية الفقيه، وقد أُزري بها حتى انحدرت من أعلم المراجع، إلى مجرد فقيه مجتهد، ثم متفقه مدَّع، حتى أسفت وهزلت وبلغت هذه النماذج وصارت إلى هذه النظائر! عسى أن لا تتكرر الشهادات المنتزعة بالترغيب والترهيب، ولا تعود فرق التملُّق وجوقات النفاق إلى معزوفاتها المقيتة، ويكفُّ المرتزقة والمستأكلون عن فذلكة الهراء الذي يحملون، وقلب الأدلة وتزييف الحقائق وتحريف الوقائع.. فيعلنها السيد مجتبى دولة مدنية، تجِلُّ الدين وتوقِّره في عقيدته وشريعته، وتعود به إلى حوزة ومرجعية حرَّة مستقلة، بعيدة عن الدولة ومؤسساتها، والأحزاب السياسية ونفوذها. عندها تنتهي خصومتنا للجمهورية الإسلامية، ولا تعود لنا علاقة بأُمورها، ولا شأن لنا بأدائها، وسننظر إلى النظام الإيراني وقائده كأيِّ زعيم وقائد لبلد لا يتدخل في ديننا، ولا يتطاول على مذهبنا، ولا يفرض رؤاه على عقائدنا وشعائرنا. فلا نخشى بعد ذلك على ديننا من نظام يقلب ميلاد السبط الأكبر مأتماً على قائده الراحل، ولا أن يختار ليلة ضربة أميرالمؤمنين عليه السلام في التاسع عشر من شهر الصيام لتنصيب قائده الجديد، فتعم الأفراح وتغمر المباهج وتشمل المسرَّات، والفجعة العرشية تدوِّي في السماء: “تهدمت والله أركان الهدى”!
التعليقات