هو محمد الدريني سيد يوسف خشبة ( 1903ـ 1965)، كاتب مسرحي ومترجم مصري، نشأ وعاش شطراً مديداً من حياته فقيراً، خلافاً للنخبة المثقفة في عصره، اشتغل كاتباً ومترجماً في بعض الصحف، يزودها بمقالات، ويترجم لها أُخرى أجنبية، أعجزه ضيق ذات اليد عن دراسة الحقوق بعد الفراغ من الآداب، لكن ذلك لم يُخمد شعلة شغفه بالعلم، ولا أطفأ جذوة ولعه بالثقافة، فانفتح على بدائع الأدب العالمي وأكبَّ على نتاج عظمائه، ينهل ما طاب ويغترف ما استطاع. حتى أدركه طه حسين إبان توليه حقيبة المعارف، فعينه في وظيفة بإدارة الترجمة بالوزارة، كما عُيِّن محاضراً في معهد الدراسات المسرحية لمادة الأدب المسرحي وتاريخه. تُعد أعمال الدريني من أهمِّ ما كُتب في المسرح العربي، وكتابه “أشهر المذاهب المسرحية” ما زال يدرَّس في أكاديميات وكليات الآداب والفنون الجميلة في مختلف معاهد وجامعات البلاد العربية. ترجم خالدة “شلدون تشيني”: “تاريخ المسرح في ثلاثة آلاف سنة”، الذي يُعدُّ مصدراً ومرجعاً لكلِّ فنون المسرح ومبانيه وخلفياته وعناصره عبر التاريخ، وترك بصمة واضحة في ترجمة أساطير هوميروس “الإلياذة” و”الأوديسة”، و”أساطير الحب والجمال عند اليونان”، وروائع الأدب الروسيِّ للعمالقة “مكسيم جوركي” و”أنطون تشيخوف” و”ليو تولستوي”. والأهم ـ عندي ـ من أصل الترجمة وهذا الجهد الدافق الوفير، اللغة الراقية والصياغة الساحرة التي وظفها في أعماله، ما نقل العمل من مجرد ترجمة إلى إعادة صياغة وكتابة جديدة، قد تتفوق على الأصل وتتخطاه في بعض المواقع، والقدر المتيقن أنها زادته رونقاً وروعة. هكذا صار اسمه علامة فارقة لا يتجاوزه أي قارئ يحترم الأدب ويقدِّر الفن والإبداع. وقد وقفت في قراءتي مع الدريني على ثراء لافت في المفردات، وغزارة مشهودة في التعبير، أغنته ـ كمترجم ـ عن المتداول الشائع والمستعمل الذائع، فكأنه على كنز لا ينفذ ومعين لا ينضب، يغترف فيوظف ما شاء، ويتناول فيستعمل ما طاب واستساغ، فتعجب من بليغ ذائقته وبليل حسِّه، ليبهرك وينتقل بك إلى الأفق الذي يريد من الطرب بالنصِّ والنشوة بالحبك والسبك، دون تكلُّف وإطناب مُمل، أو تعسف وإيجاز مُخِل، حتى تجد نفسك تعيد قراءة الكتاب مرة بعد مرة. بل إنني أحتفظ في مكتبتي بعدَّة نسخ من أعماله، وأحياناً من نفس الطبعة والإصدار، لا أُطيق تجاوز الكتاب إذا مررت به على رفوف المكتبات حتى أقتنيه!

البارحة رأيت الدريني في منامي..

كانت ثيابه رثة بالية، بدلة رمادية من القطع والتفصيل التقليدي السائد في عشرينات القرن الماضي، لكن في طمر خَلَقٍ مردَّم، محلول الأزرار خالي العُرى، وقميص يتدلَّى خارج السروال والنطاق، إذ لا حُجزة ولا حزام، وربطةُ عنقٍ تدلَّت على جيب القميص المحلول وياقته المهترئة، تعتصر رقبة الرجل كأنها تأخذ بخناقه، كان المسكين في أسمال وابتذال. وكان يحمل على ظهره سلة كبيرة حاكها قشٌّ صلب، أو هو الخيزران، من تلك التي تحملها النساء في شرق آسيا، ثبتها على ظهره بنطاق من الكتان الغليظ، أسنده بها إلى جبهته (لعمري، ها قد أذكى مَرآه الشوق إلى الكتابة والرغبة في الذهاب إلى تفاصيل لا تعني أكثر من إفراغ “أناً” حبيسة تسكنني، تتحرَّى فرصة التحرُّر والانطلاق! ويحي، كأن نفحاته هبَّت على ذِكره، فأخذتُ أنتقي وأستعرض، والويل من بعدُ لهذا القلم والقارئ!).. ينحني ليلتقط شيئاً يودعه السلة، تبين أنها أعواد وعصي وألواح، جزل من حطب. سألته عما يفعل؟ فقال إنَّ البرد أجهده وأرهقه، والصرد أضناه وأعياه، وهو يجمع الحطب ليوقد ناراً علَّها تورثه بعض الدفء. كانت السلة مثقوبة، بل مشقوقة لا قاع لها ولا قرار، لا تجمع شيئاً مما يُلقى فيها، والرجل ماضٍ في سعيه، يحسب أنه يقتات لمدفأته!

استقبلني باشَّاً بوجهه البلوطي وشعره الأجعد الملبَّد، كأنه محمد صلاح يريد أن يحاكي الإنجليز بمسدول شعورهم وذهبي ذوائبهم، فيخرج برأس تكسوه حراشيف ضبٍّ أو صفائح الصبَّار، لا تحركها عاصفة، ولا يثنيها عجٌّ بركت له الإبل عند الأهرامات! سئم الحلاقون تهذيبها، ويئسوا من تسريحها، وقد تذكَّرت أنه يتشكَّل في رؤياي على صورة ظهرت لي في بحث كنت أجريه عنه يوماً، أتحرَّى شكل هذا الفنان المبدع وهيئته، وما هذه الصورة والهيئة إلا إسقاطات عقلي الباطن… ما زال ماثلاً أمامي يضع نظارته الجامدة بإطارها الأسود وعدساتها السميكة، وقد بادرني بالتحية والسلام وكأنه يعرفني! فسألته: هل تعرفني؟ قال نعم، أنت فلان، وذكر اسمي! لقد استعنتَ بترجمتي للإلياذة، ولعلَّك اقتبست منها لبعض أعمالك، أظنها رواية عنوانها “القربان”! لقد بلغني الأجر في الحال دون إبطاء، وما زلت أتلقَّى المزيد كلَّما حظيت بقارئ جديد! بهذا خرجت من معتزلي الذي أُودعت فيه مذ وافاني الأجل، واستُخلصتُ من السواد الذي لفَّني بالموت، وفارقت الظُّلمة التي لزمتني دهوراً، نسْياً منسياً مُهمَلاً شقيّاً، حتى تحين القيامة الكبرى ويحين الحساب. سألته عن العلَّة والسبب في حالته، وهو مَن هو في خدمة الفن والثقافة؟ قال: سوق الفنون والثقافة هنا في كساد وبوار، لا أحد يشتري من هذا شيئاً، البضاعة الوحيدة الرائجة هنا هي حُبُّ علي ومعرفته! لا يسألون إلا عن هذا، وبعد ذلك يبدأ التصنيف والإدراج، يودع كلٌّ في مرتبة ومقام، بقدر حبه لأهل البيت ومعرفته بهم، وتضحياته في سبيلهم، ثم سائر أعماله وحسناته، يزوِّجونهم الحور ويُسكنونهم القصور، وهي في الحقيقة من رياض الجنان. أما نحن فالسواد الأعظم يتقلَّب في حُفر من النيران، وقلَّة قليلة مُهمَلون مُرجَؤون، لم يتحدَّد مصيرهم بعد، يقال لنا المستضعفون! تصوَّر أنَّ مثلي مُدرج هنا ومُلحق بالمستضعفين! لا أحد يحاورني ليقنعني أو يرد على تساؤلاتي، لا أسمع إلا “خذوه فغلُّوه ثم الجحيم صَلُّوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه، إنه كان لا يؤمن بالله العظيم، ولا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم هاهنا حميم”! تدوِّي بين حين وحين، تعقبها صرخات غوث واستنجاد، بلا طائل! سألته: وهل أنت ممن لا يؤمن بالله العظيم؟! قال: قاتل الله روحي، لقد سُئلت عن هذا فأقررتُ بالتوحيد والإيمان بالله، لكن صورة مثالية انسلخت عني وتمثلت أمامي، وشهدت عليَّ بالكذب! لعلَّ أساطير الآلهة التي غرقت في ترجمتها من أعمال هوميروس ترك أثرها عليَّ في تعدُّدها، لعن الله ديمتر وهرمس وأفروديت وأبولو وأثينا وزيوس وهيرا وإيرس، ما أهلكني إلا هؤلاء! كل علاقة وارتباط، مع إنسان أو حيوان أو جماد، بيئة تسكن إليها، صديق تأنس بصحبته، عمل تفتتن به، أي نحو من الانشغال، صرف الجهد والوقت، سينعكس في تصنيفك ومصيرك، حتى التعلُّق بالعلوم والفنون، وخدمة الإنسانية والأخلاق، والبذل في سبيل القيم والمبادئ، لن يجدي شيئاً، وسيكون وبالاً ما لم يرتبط ويتصل بالمادة الوحيدة الفاعلة هنا: حبُّ آل محمد، والسلعة الفريدة التي يشتريها الكرام البررة الكاتبون، والسفراء العظماء المحاسبون. عُدت لأسأله: وأين أنت من هذا؟ ألا تحبُّ علياً وفاطمة والحسن والحسين؟ ما هو موقفك من أهل البيت؟ أجاب باكتئاب: بل أُحبهم، لكن القوم لا يكتفون بهذا، ستراهم يلحقون التحقيق بسؤال مفجع مدمِّر عن بغض أعدائهم! وهنا زلَّت قدمي، وسقطت على وجهي، لم أستفق إلا بعد عقود من الظلمة والسواد، العتمة والغياب، لم أخرج منها إلا ببصيص نور أتاني من طرف خفي، قيل لي أن جانباً من أعمالي خدم “الولاء” لآل محمد بنحو، وأنا أتلقى به الأجر!

ذهلت لمرأى مفكر مبدع يهيم على وجهه كمخبول معتوه، من الذين يطاردهم الصبيان في الأحياء الشعبية، يحتطب لنار تدفئه، ويخشى من أُخرى تنتظره! وعلمت أننا نعيش أكذوبة كبرى بحجم الدنيا، أو قل نمضي في منام ممتد على مدى الحياة كلها، حتى إذا وافانا الأجل استيقظنا، ونحن نرتدي الأثواب التي فصلناها، ونسكن الدور التي بنيناها، ونأكل الزاد الذي زرعناه وادخرناه، وقد تحول إلى إكسير يقلب الجواهر، يحيلها إلى مادة واحدة فاعلة في الآخرة: حبُّ آل محمد، وبغض أعدائهم.

Posted in

التعليقات