• ما الأمر إلا ساعة، تمضي فينقضي، مئة عام يحسبها النائم يوماً أو بعض يوم، و”الناس نيام، إذا ماتوا انتبهوا”، وما أمره تعالى “إلا واحدة كلمح بالبصر”! بين طرفة عين وأخرى، تطبق الأجفان فلا تعود لتفتح، أو تفتح فلا ترجع إلى غمض وإطباق… وفي القوم إخوة لنا وأهل، يعزُّ علينا أن يفارقوا الدنيا على باطل سكنهم، وشقاق غمرهم، وإنما يُحشر الناس، حتى في هيئاتهم وما يشكِّل صوَرهم وأبدانهم، على ما كانت قد رسمته عقائدهم ونقشه إيمانهم، ومداده ما تنطوي عليه القلوب من أفكار يحملها المرء وآراء يتبناها، ثم أعمال ومواقف تترتب عليها.

    في الخبر أن شيخاً نقل للمنصور الدوانيقي قولاً افتراه على الإمام الصادق، فطلب الإمام أن يحلف الرجل على صدق دعواه، فلما بدأ الشيخ بإلقاء اليمين أوقفه الإمام قائلاً: “إنَّ العبد إذا حلف باليمين التي ينزِّه الله عزَّ وجل فيها وهو كاذب، امتنع الله من عقوبته عليها في عاجلته، لما نزَّه الله عزَّ وجل، ولكني أنا استحلفه”. فقال المنصور: ذلك لك. فقال الصادق عليه السلام للشيخ:” قل أبرأ إلى الله من حوله وقوته، وألجأ إلى حولي وقوتي، إن لم أكن سمعتك تقول هذا القول”. فتلكَّأ الشيخ المفتري. فرفع المنصور عموداً كان في يده وقال: والله لئن لم تحلف لأعلوَنَّك بهذا العمود. فحلف الشيخ. فما أتم اليمين حتى دلع لسانه كما يدلع الكلب، ومات لوقته.

    والمسألة ليست مجرَّد عبارة يتلفَّظ بها جاهل أو شقي فيهلك، أو لا يفعل فينجو ويسلم، بل هي، في كثير من الأحيان، فكرة تحكي عن حالة يعيشها، وسلوك ينمُّ عن عقيدة يحملها، وأداء يمضي به الفرد فيتخذ على ضوئه موقفاً ويتخندق في موضع وجبهة… يعتمد المرء على نفسه، ويركن إلى قوَّته وبأسه، وهو يرى أنه يُرغم العلل ويقهر الأسباب ويحقق الأهداف! حالة تأتي من ثقة واعتداد بالنفس، وكِبْر وزهو وخيلاء، لثراء وقوة، أو جاه وسلطة، يتقلَّب فيها الفرد أو الحزب أو المجتمع، فيعيش الاستغناء، فالطغيان، و“إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى”…

    ولعلَّ الأمر بدأ بريئاً ساذجاً، ابتدعه غافلون، لم يكن بينهم أو على رأسهم عاقل ينبِّه ولا حكيم يرشد، استقوا من نشأتهم وجذورهم الحزبية السابقة، من ثقافة حزب الدعوة التي ترى المقدَّسات نماذج يمكن تحقيقها، بل التفوُّق عليها! فمضوا فيه كمادة إعلامية، ووسيلة في الحشد والتعبئة، وأداء من مقتضيات الحرب النفسية، اعتمدوه سبيلاً للربط على القلوب، وبث العزيمة وزرع البأس والشجاعة، ذلك حين يحسب المقاتل والمحازب أن قائده متَّصل بالغيب، يستمد من السماء بلا انقطاع، ويتلقى من الناحية المقدسة مباشرة، قد رُفع عنه الحجاب وكشف الغطاء، وصار يتمتع بصفات الأئمة والأنبياء!… ومع طبيعة الأمر الاستدراجية في القضايا الشيطانية، تتقدم خطوة فخطوة، صارت الثقة بالنفس مطلقة، والركون إلى البأس والعزم تاماً، أُخليت اليد عن سواه، وانقطع الحبل من غيره، فما الحاجة إلى التضرُّع والدعاء، وأية ضرورة للعويل والبكاء؟ وهم يقفون على كنوز لا تنضب من الأموال، وترسانة لا تقهر من السلاح والعتاد؟!

    هكذا انقلب الخطاب من أداة إعلامية، ليصبح مفردة عقائدية، وراح يتمادى ويستفحل ليرتكز كأصل وضرورة من الضرورات التي “يكفر” بالثورة من يتردَّد فيها، أو يناقش ويبث الشكوك حولها! أصبح الموالي للجمهورية الإسلامية وقيادتها متيقن أنه الأقوى والأشد بأساً، وأن لا شيء يقهره، وأن جمهوريته إن لم تكن متفوِّقة على أعدائها بما فيهم أمريكا، فهي مساوية ومقارنة لها، وأن المنظومة الصاروخية الإيرانية يمكنها أن تبيد إسرائيل بمُدنها ومصانعها ومطاراتها وقواعدها، وتزيلها من الخارطة، فتغدو أثراً بعد عين، خلال ثمان وأربعين ساعة فقط! وفي ضمائر الغالبية العظمى، التي لا تخلو من مثقفين وأكاديميين، أنَّ إيران تمتلك قنابل نووية منذ أمد بعيد، وأنَّ توقُّف العدو عن ضربها يرجع إلى قوة الردع التي لديها. وهذا ـ كما لا يخفى ـ هراءٌ وتنطُّع لم يؤخذ بنظيره “ترومان” فيردعه عن قصف هيروشيما، واليابان كانت في ذلك الحين (عام 1945) في وضع عسكري وعلمي يتفوَّق على إيران الآن (في 2021)!

    شخصياً، أؤمن بوجود قوة رادعة وقدرة قاهرة، تحفظ إيران وعموم بلاد الشيعة، ولكنها لا تأتي من صواريخ بدائية ولا مسيَّرات متواضعة، ولا قدرات إلكترونية وسيبرانية (مقارنة بما لدى العدو)… بل من شمس تتوارى خلف حجاب الغيبة، ترسل طيفاً من شعاعها، يخترق عقول الأعداء، فيبدِّل نواياهم ويقلب عزائمهم، وطيفاً آخر يملأ  قلوبهم رعباً وهلعاً، فترتعد فرائصهم وترتجف أيديهم عن ضغط أزرار تطلق صواريخ برؤوس نووية تمسح إيران وتمحوها من الوجود حقاً لا وهماً وزعماً. وأؤمن أن إيماناً صادقاً خالصاً كفيل بتحقيق الرحمة الإلهية، وبقاعاً تحمل الأبدان الطاهرة لأئمة الهدى، وعتبات مقدسة لمراقدهم الشريفة، تحمي من يلوذ بها وتدفع عنه البلاء واللأواء والوباء، وكذا تلك التي تشهد إحياء أمرهم، وتقيم شعائر عزائهم، وتقوم على الطاعة والخضوع والتذلل لهم.. هذه وتلك كفيلة باستنزال العناية وانعقاد الرأفة وإرسال الرحمة الإلهية وتحققها.

    إنما البلاء والخطر يأتينا من حكومة الجهل، وفكر التقاطي هجين، وثقافة حزبية تلقينية، وفذلكة شيطانية تستقي من عقل وتوحي بمنطق، زرعت في القوم وغرست فيهم أن الأئمة والأولياء رموز لم تأت لـتُـقدَّس في أشخاصها، فنمضي معها بين اعتزاز وفخر بعظمتها، وبكاء على مصائبها وحسرة على فقدها، بل هي نماذج للتأسي وقدوات للاتباع، فإذا سلك المجاهد الدرب وأخلص السعي، وصل لتتمثَّل به الحالة وتتحقَّق الشخصية، وإذا كانت الحالة تمثَّلت مرَّة وتحققت من قبل في شخص “علي بن أبي طالب” و”الحسين” و“أبي الفضل العباس”، فهي اليوم تتكرَّر في علي الخامنئي وحسن نصرالله وقاسم سليماني! لا خصوصية ولا امتياز، لا اجتباء ولا استخلاص، إن هو إلا قانون يعمل به، فإذا أجاد تطبيقه، قادت الأسباب إلى الغايات، وأفضت المقدمات إلى النتائج. وتعود المقولة لتندك في الوهابية المبطنة أو الخفية، حين تكون هذه الشخصيات (في ثقافة القوم) حيَّة فاعلة، وتلك النماذج المقدَّسة ميتة ماضية، فيشكِّكون وينكرون ـ في مواضع التوسل واللجأ إليهم ـ قدرات الأئمة المعصومين، وينقضون علينا بأنهم عجزوا عن دفع الأذى والقتل عن أنفسهم، فكيف يرجى منهم الغوث وطلب العون؟! بينما الأحياء هنا يفعلون وينتجون وينجزون، ويسطرون البطولات! ومن هنا تأتي عبارات الجرأة والوقاحة: “لن تسبى زينب مرتين”، و”لن يقتل الحسين وتتكرر كربلاء”!؟

    شخصياً، اعتقد أنني مَن يجلب الخير ويستنزل البركة لبلدي، وأنني السبب في دوام البحبوحة واستمرار السعد والنماء، وأنه بيُمني بلغ بها الحال ما يحكي قوله تعالى “كلوا من رزق ربِّكم واشكروا له بلدةٌ طيبةٌ وربٌّ غفور”!… وأقصد بطبيعة الحال “أنا” النوع، لا شخصي الجاني الآثم الغارق في التقصير. إنها الجموع التي حرصت على إقامة شعائر العزاء الحسيني، لجأت لكلِّ حيلة وتكلَّفت كلَّ وسيلة حتى لا يتعطَّل موسم الحزن على سيد الشهداء، وأن ترفع الرايات وتقام المآتم على الرغم من الوباء، سواء الشق العلمي الحقيقي منه، أو الآخر الوهمي الذرائعي… والحمد لله أن لم يحكم بلدي حزب حداثوي شمولي يفرض فكرته بالقوة ويحكِّم قناعته بالقهر، يقمعنا إن لم نلتزمها، ويرهبنا إن لم نمتثل أوامر مرشده وتعليمات قائده، إنما اشترطت الحكومة علينا شروطاً عملنا بها، فأُقيم العزاء ولم يُصد أحد عن ذكر الله، وإظهار عقيدته وممارسة شعائره. التزمنا التباعد وتقيَّدنا بالشرائط، وعانينا في سبيل ذلك ما عانينا، ولكننا لم نعطِّل المجالس والشعائر، ولم نقطع حبل الاتصال بصاحب العزاء، فبقيت هذي البقاع محلاً لعنايته، وظلَّت تحت رعايته، فعمَّتها بركته وشملها خيره وغمرها لطفه وإحسانه.

    ولم ينتح عن تلك التجمعات، التي كانت بمرأى أعداء يتربصون بنا تصاعد أرقام الإصابات ليشمتوا، ومرصد ماديين حسيين يترقبون تفاقم الأزمة ليستهزؤا ويسخروا… فلم توافهم الأقدار إلا بكلِّ انحسار وتقليص من تفشي الوباء! في رشحة تحكي الزيارة المليونية في وفاة الكاظم عليه السلام، والأربعين الحسيني في كربلاء!

    عندما توفر الدولة الرعاية الصحية في أعلى مستوياتها، وتؤمِّن للمواطن الوظيفة والمسكن والتعليم والأمان، والعيش الرغد الكريم، فإنني أعزو ذلك إلى الحسينيين، وأعتقد، بمنتهى الثقة والاعتزاز والفخر، أنهم سبب النعمة والرخاء، وسرُّ دفع الشقاء. ذلك لما أرى فاسدين يثرون بالسحت والحرام، وظلَمة يقتاتون بالجور والطغيان، وسياسيين يعيشون بالدجل، ثم لا يحلُّ الغضب والسخط الذي يستجلبه هذا الظلم والفجور… فإنني أتحرَّى سبباً قاهراً، وعلَّة غيبية أرغمت هذه العلل وغلبت تلك الأسباب. تماماً كما أرى البلاء في إيران ولبنان، وفي العراق (بمقدار امتداد وتطاول اليد الإيرانية وتوغل قرارها الظالم لنفسه وللأمة فيه)، من انهيار العملة إلى تفشي الوباء، وانحباس الأرزاق والحصار وتوالي ضربات الأعداء.. وليد التقصير، وأعزوه لحرب ومناصبة الشعائر الحسينية العداء، لا أشك في ذلك ولا أرتاب، فهذا هو مفتاح السماء، وباب رضى الله، أو سخط الرب وغضب المنتقم الجبار.

    ليذهب أرباب الاقتصاد حيث شاؤوا، وليشرِّق المحلِّلون السياسيون أو يغرِّبوا، هذا شأنهم، أعرف جيداً ما يقال في عالم السياسة من بناء منظومة جديدة تقتضي انهيار دول وحكومات، وسقوط بلادٍ ومسحها من الخارطة الجغرافية، ولربما الطبيعية، وأعرف ما يقال عن رفد عجلة الاقتصاد ودور النفط والطاقة والكنوز الاستراتيجية التي تتحكم بحركة الاستكبار… ولكن المؤمن الإلهي تختلف حساباته، وتتفاوت معطياته، وهو يرقب قطب دائرة الإمكان، ويتوجه نحو كعبة الرضا وإمام الزمان، الذي به يفتح الله ويختم، وبه ينزل الغيث ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبه ينفِّس الهم ويكشف الضر… لا أُفلسف لحركة التاريخ ولا أُنظِّر لها، كما لا أقرأ رضا الله بالنعيم والرفاه دائماً، وسخطه ونقمته بالفقر والنقص أبداً، فلربما كان العسر خيراً وهو يدفع شراً أعظم، وكان الرفاه بلاءً يمثل إملاءً واستدراجاً.. ولكني على يقين من ضوابط عقائدية وشرعية، ومنها أن نصرة الزهراء وإحياء ذكرى سيد الشهداء، وإظهار التذلل لأئمة الهدى والانكسار لمصابهم، وترك التكبر عليهم والاستخفاف بمقاماتهم وتضييع مراتبهم التي رتبهم الله فيها، هو سبيل النجاة وطريق الفلاح.

    نحن في حول الله وقوته، لا حول لنا ولا قوة، نمضي خاضعين مستسلمين، نعترف بقلة حيلتنا وضعفنا وعجزنا، لا نغتر ولا نستكبر، لا نقيس بأميرالمؤمنين وسيد الشهداء، ولا حتى بأبي الفضل العباس، أحداً من قادتنا وزعمائنا المراجع العظام، بل لا نرى لهم قيمة وقدراً إلا أن يكونوا فداء لتراب نعل إمام زماننا.

    ومن المؤلم، أن هذا أمر بُحَّت فيه الأصوات دون جدوى، وذهبت فيه الأنفاس بلا طائل، ولكننا مكلفون بالإعادة والتكرار، علَّنا نستنقذ مهتدياً، فإن لم نفعل، أفرغنا الذمة وأتممنا الحجة.

  • في السبعينات من القرن الماضي، قبل الفضائيات والإنترنت والعالم الافتراضي، التقيت في الحج بشيخ يماني، تبدو عليه هيئة أبناء القرى والبوادي، ظهر من كلامه أنها المرة الأولى التي يفارق فيها قريته، جلس إلى جواري في الحرم المكي، نتعبَّد بالنظر إلى الكعبة المشرفة، بادرني: من أين الأخ؟ قلت: من الكويت. كأنه لم يسمع بها من قبل، أخذ يسأل عنها، حتى قال: هل في الكويت شوارع وبنايات مثل هذه؟! يقصد ما رآه في مكة. قاطعنا شاب يصاحبه، راح يستعرض معلوماته: ما تقول يا عم، الكويت فيها عمران وبيوت وجسور وشوارع وأسواق أضعاف ما تراه هنا. فتعجَّب الرجل، وبرقت عيناه فرجع إليه بسؤال لم أتبين الاستفهام فيه من الاستنكار، وكأنه ينهاه عن الإغراق والمبالغة: يعني أعظم من صنعا؟! قالها دون ذكر الهمزة في آخرها.

    أن يُعجب فلَّاح بإمام الجماعة في ضيعته وينبهر بغزير علمه وسعة اطلاعه، فيحسب الدين يتمثل في وجود شيخه، والعلم يتجسَّم في مصون شخصه، وأن ليس وراء عبادان قرية،،، فهذا أمر طبيعي. كما لو رأى طفلٌ يحبو، في كومة رملٍ نسفها قلَّاب أمام دارهم جبلاً شامخاً، وحسب بركة ماء في طرف مزرعتهم بحراً زاخراً، والرفَّ الأعلى في خزانة ملابسه، قمة ناطحة سحاب لا يبلغها إلا والده العملاق أو الطنطل!

    ولكن أن ينحو هذا المنحى شيخ يُـشار إليه بالفيلسوف، ضليع في المعقول، ممارس فيه ومتمكن منه، هو الشيخ مصباح اليزدي، فيرى السيد الخامنئي تالي تلو المعصومين، وأنه يتقدَّم على الأولين والآخرين، لا نظير له في أصحاب الأئمة ولا علماء الدين! (وأنا أرى بأن الخامنئي لا يرضى بهذا، كما لم يسمح له بتقبيل قدميه، ولكنني في حيرة من استمرار مظاهر الغلو وتوالي رفدها وتغذيتها في أوساط القوم مع هذا النهي والرفض؟! فهل هناك أوامر وتعليمات خفية وأخرى علنية؟ لست أدري!)… فهذا لا يكون إلا من حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال، ولا ينبئُ إلا عن تيه وسفه وبله، أو عن ضرب سمج مغال في المداهنة والاستئكال، مغرق في التملُّق والتزلُّف، كما هو دأب علماء البلاط ووعاظ السلاطين، ومثال مؤلم في الشقاء وسوء العاقبة.

    ومع أن الرجل لم يُعرف عنه تضلع وتمكُّن، أو درجة مرموقة في الفقه وأصوله والحديث ورجاله، ولا رتبة محترمة في باقي علوم الحوزة ما خلا الفلسفة، ولكن هناك معلومات أولية عامة ومرتبة دنيا، من المسلَّم أنه طواها، يفترض أن ترتفع به وتنأى عن هذا الخطل والهراء، وتقتضي أن تعرِّفه، على سبيل المثال، بحديث أميرالمؤمنين: “ضاقت الأرض بسبعة، بهم ترزقون وبهم تنصرون وبهم تمطرون، منهم: سلمان الفارسي والمقداد وأبوذر وعمار وحذيفة”. والإمام حين يفضِّل، والله من قبل حين يختصُّ ويعلِّل، فالملحوظ مجموع حالة “المفضَّل” و”الممدوح”، في العلم والعمل والعقل والتدبير والطهارة والإخلاص وسائر الكمالات، بنسب ودرجات متفاوتة بطبيعة الحال. ترى، كيف تقدَّم الخامنئي عند الشيخ المصباح على هؤلاء؟ بل على أصحاب سيد الشهداء؟! الذين نصَّ عليه السلام على تفوُّقهم بقوله “ لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي”؟ وكيف ضاق أُفقه وكلَّت بصيرته، ففضَّل الخامنئي على أفقَه الأوَّلين: زرارة بن أعين، ومعروف بن خربوذ، وبُريد العجلي، وأبي بصير المرادي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم؟ وقدَّمه على مَن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحُّ منهم وعنهم: جميل بن دراج، وعبدالله بن مسكان، وعبدالله بن بكير، وحماد بن عثمان، وحماد بن عيسى، وأبان بن عثمان؟

    هل اطَّلع المصباح على علوم غيب خفيٍّ مستور عن الناس؟ هل يحكُم “الخامنئية” نهج باطني، يحفظ الأسرار ويدَّخر الخفايا لطبقات خاصة من “الواصلين” ومراتب من “المقرَّبين”؟! منها عرفوا صاحبهم فخفَّت عندهم مكانة يونس بن عبدالرحمن، وصفوان بن يحيى، ومحمد بن أبي عمير، وعبدالله بن المغيرة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمد بن أبي نصر؟ وهان عليهم الكليني والصدوق والطوسي والمجلسي والبرقي والأشعري القمي والصفار والبهائي والحر والفيض؟! وشخصيات لولاها لما عرف مصباح كيف يستنجي من الخبث ويتطهر من الحدث، ولا عرف الخامنئي كيف يصلي ويصوم، ولا عرف مؤمن كيف يدعو ربه ويزور أئمته…

    ما هذا الهراء والنقر والقرع على طبل أجوف؟ ما هذا التغابي واستغفال الناس؟ ما هذه الجرأة على الله ورسوله ودينه، وعلى المعايير العلمية والأسس الأخلاقية؟ هل طالع مصباح في “الجواهر” ورأى ماذا فعل الشيخ محمد حسن هناك؟ هل قرأ في “المبسوط” وما أبدع شيخ الطائفة؟ هل تدبَّر في أعمال المفيد؟ هل سرح النظر في الحدائق وما زرع فيها الشيخ يوسف؟ هل عرف “المراسم” و”المهذب” و“الشرائع” و”المسالك” و”الرياض”؟ هل اطَّلع على تراث ابن البراج وسلار والعلامة والمحقق والشهيدين؟ هل نظر في سيرة المقدس الأردبيلي، يشافه أميرالمؤمنين ويسمع جوابه يخرج من ضريحه، يحيله إلى ابنه المهدي، فيلقاه في محراب مسجد الكوفة؟ هل سمع أنه كان يدلي دلوه في البئر فتخرج ممتلئة بالجواهر فيناجي ربه أن يا إلهي ماذا يفعل أحمد بالمجوهرات؟ إنما أراد ماءً لوضوئه! هل مرَّ به أن تميمة خطها السيد المرتضى علم الهدى مكَّنت حاملها من السير على طَلَل الماء، كما يُمشى على جُدَد الأرض؟! هل سمع بقصة هزيمة جيش الاستعمار الإنكليزي بصلاة استسقاء السيد محمد تقي الخونساري ودخول آلاف الهندوس بسببها في الإسلام؟

    هل عرف الأحوال التي واكبت عطاءات الأصحاب العظماء، وظروف تأليف الأسفار التي خطها أولئك العلماء؟ هل عاش مخاض الجمع بين قراءة الأحداث السياسية وتحديد الموقف الشرعي منها، والتوفيق بين الصراعات التي كانت تتناهب الساحة من تيارات المعارضة ودعاوى القيام والثورة، وبين ويلات الاضطهاد الطائفي الذي كان يلاحقهم، وما كانوا يلقون من مجرد الاتصال بالإمام، ونقل الأموال والحقوق الشرعية إليه، والعودة بالعلوم والأحكام منه؟ هل عاش المصباح معاناة العلماء من إرصاد الحسَّاد ومطاردة السلطات، تنفيهم وتسجنهم وتنكِّل بهم وتقتلهم؟! هل لسعته نيران الحرب المضطرمة التي أحرقت دار الشيخ الطوسي في بغداد ومكتبته في الكرخ، وحملته على التخفي واللجوء إلى النجف الأشرف؟! هل لاحقه النواصب في الشام كما فعلوا بالشهيد الأول وحاصروه حتى اعتُقل وسُجن في القلعة، ثم أُعدم صلباً وأحرقت جثته تشفياً؟ هل يعلم أنه كتب “اللمعة الدمشقية” في فترة اعتقاله، وهو رهين حبسه؟!.. من المؤكد أن الشيخ مصباح لم يذق ويعاني عُشر معشار ذلك، من زمن الشاه وقد التزم التقية وعمل بما يفوقها، حتى العهد الخامنئي الذي أغدق عليه العطايا وغمره بالهبات، فحقَّ أن يُعجب به ويعمى عن غيره!

    ولعمري، فإن دعوى مصباح يزدي الخرقاء هذه لا ترفع الخامنئي فوق جميع أصحاب الأئمة والعلماء فحسب،  بل تجعله متفوِّقاً حتى على أمثال أبي الفضل العباس وعبدالعظيم الحسني والسيد محمد بن الإمام الهادي سبع الدجيل!

    لذا لا يستغرب أن يتبع منه الشقاء وتتوالى الشيطنة أو تسبق من قبل، فما إن أصدر العلمان التبريزي قدِّس سره والوحيد دام ظله حكمهما التاريخي في ضلال فضل الله، حتى شدَّ الرحال مع واعظ طبسي إلى بيروت، يشدُّ من أزر الضال، ويسعى في إخماد جذوة أرادت الإضاءة في الدفاع عن المذهب، ومشعل تقدَّم موكب نصرة الزهراء!

    ولا عجب من بعد أن تمضي مسيرة الجهالة التي أسس لها، تشقُّ دربها محمولة على أكتاف الأحزاب، فيروي إمام جمعة يقتدي بصلاته عشرات الآلاف، للناس في التلفزيون الرسمي، خرافات تحكي بأن الذي تولَّى غسل جثمان مصباح، سأله أن يشفع له يوم القيامة، ففتح المرحوم عينيه ونظر إليه!

    الإغواء والإضلال، ركن أساس في الحداثوية، تسقط دونه وتنهار، ولولاه لما كُتب لها النجاح يوماً في البيئة الإيمانية ولا صمدت ساعة في هذه الحاضنة، وما يدَّعونه من تعقُّل ويستعرضونه من عصرنة ومواكبة للعلم، هو خطاب خاوٍ لا يستقيم أمام أبسط الحجج ولا يصمد في أدنى مواجهة، فيفرون إلى الغيب بأتعس صوره، أي الخرافات والأساطير،، ويلجؤون لعبادة الأشخاص وصناعة الأوثان، يحافظون على أنفسهم وأتباعهم، أن تدركهم النجابة وطهارة المولد، ويغلبهم حب آل محمد، فينجيهم من هذا السقوط وينتشلهم من الشقاء، يقيل عثراتهم وينير دربهم، دون مصباح الظلمات، أو ظلمات المصباح.

  • كتب فتى من لبنان يدعى علي قبلان: “في الزمن القديم عندما تريد أن تعرف ما إذا كان ابنك ابن حلال، فاعرض عليه ولاية أميرالمؤمنين عليه السلام. إذا استبشر وضحك، فهو ابن حلال، وإذا نفر وعبس، فهو ابن زنا. في يومنا هذا إذا أردت أن تعرف ما إذا كان ابن حلال، اعرض عليه حب سيدنا. فإذا استبشر فهو ابن حلال، أما إذا عبس فهو ابن زنا، فحبه كحب علي عليه السلام، براءة من النار”.. وقد أدرج صورة للسيد حسن نصرالله، تصرِف مراده من “سيدنا” إليه. فكأنه قال: حسن نصرالله هو أميرالمؤمنين، فرجعت السبة والشتيمة إليه قبل أن تطال عموم الشيعة!
    الكاتب فتى عشريني لا يعنيني، أرعن شقي، غلبته نشوة القوة، ورنَّح به سكر البأس، وأخرجه طيش الشباب عن كلِّ عقل وحكمة.
    لا أُشفق عليه، وقد ارتضى لنفسه أن يكون يداً للشيطان خطَّت هذا الكفر البواح، وقذفت مئات ملايين المؤمنين وحكمت بأنهم أولاد زنا! ولكني أراه هو الآخر ضحية، ومفعولاً به لا فاعلاً، وثمرة ونتاجاً لا لقاحاً ولا زرعاً. فشجرة الإثم التي غرسها القوم لا تورق إلا بهذه الأقوال، ولا تتفرع إلا عن هذه الأغصان، ولا تنتج وتثمر إلا هذا الضلال.
    إنها الأجواء المريضة التي بثها حزب الله حيثما طالت يده، والفضاء المسموم الذي خلقه وأشاعه أينما بلغت سطوته، يخرج الناس من دين الله أفواجاً، عربدة وزندقة ما أبقت للدين قيمة ولا تركت له حرمة. مسخت الأحكام وأزرت بالأئمة الأعلام، وخلعت صفاتهم وألقابهم على المتردية والنطيحة… حتى بلغ الأمر هذي الحدود التي سجَّلت سابقة!
    فكثير من مناقب أميرالمؤمنين سرقت وضاعت، وبعضها انتحلت ونسبت لغيره زوراً،،، وإلا فهو الصديق الأكبر والفاروق الأعظم، حتى أنهم لما رأوه لمدينة علم النبي باباً، جعلوا لها أساساً وأسواراً وسقفاً وحلقة، وآخرون انتحلوا لقبه وأنزلوا أنفسهم منزلته… ولكن مع ذلك كله، لم يجرؤ أحد على انتحال حديث جابر عن أيوب الأنصاري: “اعرضوا حب علي على أولادكم فمن أحبه فهو منكم ومن لم يحبه فاسالوا أمه من أين جاءت به! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي بن أبي طالب عليه السلام: لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق، أو ولد زنية، أو مَن حملت به أمه وهي حائض”…
    ما قام به هذا العنصر الحزبي المستشيط غير مسبوق، والسؤال المؤلم الذي يطرح نفسه: أين تلقى تربيته، وممن استقى أفكاره، ومن أعماه بهذا التعصب؟!
    نصيحتي المتواضعة للبقية من العقلاء في هذا التيار: بعد الأداء السياسي المتردِّي الذي جعل أو صوَّر سلاح الحزب تهديداً وخطراً على الوطن، هناك أداء ثقافي منحرف، وإعلام تربوي هابط، سيجعل من هذا السلاح تهديداً للدين وخطراً على المذهب، وستتحول المطالبة بخلعه إلى حالة شيعية لا وطنية فحسب. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.
    وبعد، فهناك من يسأل عن الفقر والوباء؟ عن الحصار والتضييق والبلاء؟ عن المجاعة والغلاء؟ عن الملاحقات والإدراج في لوائح الإرهاب؟ عن الغارات الإسرائيلية والضربات الأمريكية المتعاقبة بلا انتقام ولا ردع؟ عن التحلل الأخلاقي والتسيُّب السلوكي والتفكك الاجتماعي؟! ويغفلون عما يفعلون، ويتجاهلون ما يقترفون، وهو يهز العرش وحقَّ أن يطوي الفرش!
    يحسبون أن الغضب الإلهي لا يكون إلا بصاعقة وزلزال؟! والسخط لا يأتي إلا بسيل وطوفان؟! والنقمة لا تظهر إلا بجراد وضفادع وقمل…
    فدونكموها مخطومة مرحولة، تلقاكم يوم حشركم، فنِعم الحكَم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون، ولكل نبأ مستقر، فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يُخزيه، ويحلّ عليه عذاب مقيم.

  • من أهم وأخطر الاطروحات التي كان يحملها المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين، ما يلخِّصه نداء”ذوبوا في مجتمعاتكم وأخلصوا لبلدانكم، دون أن تفقدوا هويتكم وتتخلوا عن عقيدتكم”.. يريد معالجة معضلة “الانتماء” وأزمة “الهوية”، وما يخرج الشيعي من عقدة “الأقلية”. ويحضرني أنه في آخر زيارة له للكويت، كان على موعد مع أمير البلاد، فسألني: ماذا تقترح أن أطلب في لقائي غداً؟ فقلت: محكمة استئناف جعفرية تقطع الطريق على حيلة تغيير المذهب للحصول على الخلع وطلاق الحاكم. فقال: هذه قُضيت اليوم في لقائي رئيس الوزراء. فقلت: مجلساً أعلى للطائفة، أو أية صيغة لمنظومة إدارية، تحفظ حقوق الشيعة وحصَّتهم في مقاعد مجلس الأمة والحقائب الوزارية والمناصب العليا وضباط الجيش والشرطة وما إلى ذلك، وفقاً لنسبتهم السكانية. فقال: هوِّن عليك يا بني، إذا أردت أن تُطاع فاطلب ما يُستطاع، هذه زلة وقعت في لبنان، وما زالت المنظومة العالمية نادمة عليها، فلن تكررها، لا في الكويت ولا غيرها. فأعلنت عجزي وحيرتي، وأرجعت الأمر إليه. التقيته بعد ذلك في لبنان، وسألته عن نتائج المقابلة؟ فقال: دع عنك ما جرى، وخذ عنِّي نصيحة تحتاجها في بلدك، عليكم العمل بحكمة والتحرك بكياسة، والتواصل مع السلطة والتفاهم معها، لإصدار قوانين وإقرار تشريعات ترسِّخ وجودكم في بلدكم، وتنتشل ضعاف النفوس من مستنقع الاستضعاف، تمنع التمييز الطائفي وتجعل المساواة حقيقة فاعلة لا شعاراً يُتغنى به، فإذا تم ذلك، كان تحقيق أهدافكم وتحصيل مطالبكم، أمراً تلقائياً مترتباً على ثبات هويتكم في الدولة ووجودكم في البلاد.

    كان حلماً جميلاً يراود الشيعة الواعين، وهاجساً مقلقاً يشغل النخبة البصيرة، ومعاناة مزمنة لشرفاء يستشعرون المسؤولية، ولكن المستوى الضحل والأداء المتردِّي لرجالاتهم ونوابهم وعموم الطبقة السياسية الشيعية، كان يُبقي الطائفة في غور سحيق، ويلزمها حضيضاً لا تطال منه أقرب خيوط هذه الأماني وأدنى مدارج هذه الآمال! هزيمة تعيش في سرائرهم قبل مواقفهم، ودونية تطبع نفوسهم قبل سلوكهم، وهن في العزائم وسقوط في الهمم، ثم سخف وخطل وعجز، وصولية واستئكال، تطلعات شخصية وأهداف حزبية، ودعاوى ثورية جوفاء، ما زالت تُحمِّل الطائفة والمذهب الغُرْم دون أن يحظى بالغُنْم! أنزل الخطاب وهوى به إلى ما يحاكي هراء العوام وزِمار النعام، وأخذه إلى أفعال استعراضية، ومواقف تهريجية، وشعارات خاوية، لا أسمَنت ولا أغنت يوماً من جوع.

    ومع إن الأمر ليس خارقاً ولا معجزاً، إلا أن الساحة الإيمانية، لغلبة الأحزاب وسطوة “المثقفين العوام”، كانت في يأس منه وقنوط.. حتى قيَّض الله لهذا البلد والطائفة مناضلاً من طراز فريد يدعى خالد الشطي!

    فتى مؤمن صالح، دخل المعترك السياسي مبكراً، ناشطاً في اتحادات الطلبة وفاعلاً في الساحة النقابية، جنباً إلى جنب حضوره في المسجد والحسينية، امتشق سيف الفكر والقانون، وامتطى صهوة الأمانة والنزاهة، وتدرَّع بالجدِّ والإخلاص، وتنزَّه عن الدعاوى الثورية الفارغة والتكُّسب بالشعارات، وانطلق يسابق روحاً سامية يحملها بين جنباته، ونفساً أبيَّة ينطوي عليها في أحنائه، ليتخطَّى الحواجز ويتجاوز الصعاب، وعوائق أتته من أعداء المذهب ومن المتلبسين بزيِّه على السواء، الوَجِلين من عُرْيٍ ينتظرهم من هذا الأداء! وكانت غمائم التوفيق وسُحُب السداد تظلِّل الرجل، وسُقيا الخير والبركة معقودة في نهجه ومزهرة دربه، وما زال يناضل في ساحته ويجاهد في جبهته، حتى غدا، على حداثة سنِّه ومحدود إمكانياته (فلا مال ولا أحزاب ولا أحد غير الله خلفه)، قامة شامخة وعلَماً بارزاً في ميدانه، يجمع الأصالة بالمرونة، والالتزامَ بالحوار، والعزم بالمناورة، والثبات والإصرار بالصبر والرويَّة، ما كرَّسه شخصية مرموقة بين السياسيين الشيعة، وأحد رجالاتها الأفذاذ، وممن يُشار إليه على صعيد الشيعة في العالم أجمع. واستطاع بأدائه الرصين وعمله الجاد الدؤوب، أن يرسم نموذجاً رفيعاً ويشكِّل قدوة فريدة، لأبناء جيله، والقادم من الأجيال.

    هناك سُنن تحكم حركة التاريخ وقوانين ترسم صيرورته، شرائط تسنح وظروف تُتاح وتسمح، لتتحقق أُمور وتكتمل أسبابٌ فتُنجَز مقدَّرات… النوادر هم من يشخِّص مواقيتها ومواقعها، والأفذاذ هم من يقتنصها، والعظماء هم من يتلقَّفها، فينجحون في اقتناصها والجني منها، ويوفَّقون في استغلالها واحتلابها، ما يرتفع بحظوظ بلادهم وأقوامهم وطوائفهم… هكذا فعل الشطي في هذه الأعوام الأربعة، محاولاً استدراك ما فات، وساعياً لتعويض ما هُدِر من حقوق وأُضيع من فرَص، ولا سيما التي أعقبت التحرير، فحقَّق إنجازات تاريخية عجز عنها غيره في ستين سنة، بل منذ تأسست الدولة وكانت البلاد! ناهيك عن مهارته في تدوير الزوايا، وحكمته في مدِّ الجسور وتوطيد العلاقات، وحكمته في التأرجح بين إرخاء العنان وشدِّ اللجام، وإبداعه في الجمع بين المبدئية والبراغماتية.. كان يقضي عشرات الساعات في دراسة رأي وموقف سيتخذه ويُسأل عنه في عقباه، ويقرأ مئات بل آلاف الصفحات، في مشروع قانون سيقدِّمه ويتحمل مسؤوليته!.. بينما التافهون يلاحقون مصالحهم الشخصية، ويدورون في دوائر مغلقة، هذا يعيش شهرته ونجوميته، ويجدُّ ذاك في تكوين ثروته، وثالث يجمع النهب والاستعراض إلى طلب الشهرة، ورابع يضيف إلى ذلك كلِّه التبرير للظلم والتسويق للإجحاف، ويقطع الطريق على الناشطين للإصلاح، في أي موقع كانوا وعلى أي صعيد نهضوا، يرميهم ويقذفهم ويفتري عليهم! أما “إنجاز” هؤلاء التافهين و”عطاؤهم” فلا يعدو إثارة عجاج يتسلل عبره سيدهم لينجو بفعلته، وخلْق زوابع في فناجين يُلهون بها العوام، وقرع طبول، يحسبها الغافل حرباً، وإذا بها إيقاع يضبط رقص الساحة وتناغمها مع استمرار الفساد، وسَوْق الهمج الرعاع أمامهم وفي إثرهم.

    نجح خالد في خلسة من التاريخ، ووفقه الله تعالى أن ينتزع حقوقاً غالية ثمينة، ويحقق إنجازات تكاد تكون خيالية… أرست لمرحلة يتجاوز فيها الشيعة عقدة الأقلية، وهاجس الاندكاك في الأمة، والتماهي والمرونة التي تبلغ الميوعة والتخلي عن الهوية.

    وبعد فالرجل، وعلى سُنَّة إمامه أميرالمؤمنين صلوات الله عليه: “ما ترك الحق له من صديق”… حقَّق هذه الإنجازات ومضى في هذا الأداء، مع حرب ضروس كانت وما زالت تُشن عليه، وعداء مستحكم وكيد خفي ومعلن، يلاحقه ويناصبه أينما حلَّ وارتحل! ممن لم يسبروا الغور الذي يغوص فيه هذا السياسي المحنَّك، ولم يدركوا العمق في أداء وشخصية هذا الفذ الألمعي، أو ممن عرفوا ذلك وأدركوا، لكن غلبهم الحسد وأعمتهم الغيرة، وغرَّهم حطام وفتات يتلقونه أجراً!

    أمثال خالد الشطي لا يُدرك قدرهم إلا بعد أن يرتحلوا ويتغيبوا، وسيذكرهم أقوامهم إذا جدَّ جدُّهم، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر. وبعد، فهو ابن مدرسة لا تعرف الملل والسأم، لأنها تعمل لعالم آخر، وتعيش الحياة بكلِّ ما فيها جسراً وقنطرةً، ترى النجاح اختباراً وامتحاناً في الكبر والغرور، والإخفاق باباً لخير أعظم يدَّخره الله لها!

    “لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور”.

  • القصة بقضِّها وقضيضها، من بدايتها إلى نهايتها، يمكن تلخيصها في: بُراز تغوَّطه معربدٌ ثمِل، غضبوا لما طالت النجاسة ولطَّخت صنمهم، فأجبروا الصعلوك على أكله!.. والأمر، في نفسه، لمن اطلع على الحقائق ووقف على الوقائع، من القذارة والانحطاط، ما لا يطيق أي احتشام أو يحتمل أي إكرام، ولا فرجة فيه للياقة ولا فسحة لتهذيب ولباقة، فلا يمتعضنَّ أحدٌ أو يتقزز، فهذا هو الواقع المرير من حال العبث بالدين والإخلال بالموازين وسطوة الأراذل والشياطين.

    أدخله كبيرهم الدار، وهو مُلحق لصيق يزعم أنه أخ لصاحبها شقيق، أقحمه فيها عنوة وفرضه عليها بالقسر والقوة، وأوكل إليه مهمة خاصة، أراده أن يُجهِز على أخيه، الأثير لدى أبيه! لم يكن الصعلوك يحمل شهادة إلا على الامتثال والطاعة، ولا يتمتع بكفاءة غير الخِسة والوضاعة، والاستعداد للذهاب في الشرِّ والغواية ما يبلغ الغاية. كان يمتثل الأوامر والتعليمات، ويلتزم ما رُسِم له من حدود ونطاقات.. لكنه لما اطَّلع على أسرارهم، وكشف عوراتهم، ووقف على ما أورثهم التنازع والفرقة من ذهاب الريح والفشل والخيبة… طمع وتطاول، وراح يعبث ما شاء وينتهز ما استطاع، سرق من الدار الأثاث وانتهب المتاع، أتلف التحف والنفائس وغالي المقتنيات، وما زال يخرِّب ويهشِّم، يدك ويحطِّم، فلا يعترض أو ينكر عليه أحد، ناهيك أن يوقفه غيور عند حد!.. حتى استولى عليه زهوٌ واختيال، وغلبه عتوٌّ وصلَف ألقاه في اختبال، وبين استدراج وإملاء إلهي أعماه، وزلل واستحواذ شيطاني أفقده حذَره وأغواه.. دخل الشقي جناح سيِّده، وامتدت يده إلى لوحة تحكي أعظم قيمه! وهنا دعاه داعي الطبيعة وألحَّت الرغبة، وغلبته عجلةٌ وفَرَق، من فرط ما التهم وبلع، فتوسَّط قاعة الاستقبال، وكشف عن عجيزته وحسر عن عورته، فتغوَّط حيث كان وبال! وقام يمسح دبره بطرف جبَّته، وينقي إسته بسبابته، ويخطُّ بها على الجدار (وسل عن “المغوَط”، ليُنبيك بالخفايا والأسرار)!

    هذه باختصار قصة الحيدري، دون استهزاء واستخفاف أو هزل وإسفاف، ولا تهوين لخطير وتسهيل لعصيب، كما لا إغراق ولا تهويل.. هذا هو حجم الأمر وأبعاد القضية. لا فكر هنا ولا فقه، لا فلسفة ولا كلام، لا معقول ولا منقول، لا قرآن ولا تفسير، لا حديث ولا دراية ولا أسانيد ولا رجال… إنها عملية سياسية بامتياز، وظفت هراءً أُلبس شكل العلم، ومغالطات نُسبت إلى العقل، إثارات وتشكيكات من أتم مصاديق الجهالات، انطلت على بعضهم، أخذوا يلاحقونها بشغف الخاوين ولهفة الفارغين، يقابلهم آخرون راحوا يجارونها بردود علمية، ويبطلونها بحُجج شرعية… بينما أربابها ومثيروها في خلواتهم يضحكون، ومن هؤلاء وأولئك يسخرون!.. هي فتنة أنهتها سكرة، بدأت بتدبير وإعداد، وانتهت بغتة على غير ميعاد!

    مهَّدوا بشعبية صنعوها له عبر برامج لردِّ المخالفين والدفاع عن الدين، حتى إذا اشتهر وكسب مكانة وكوَّن أرضية، مال على الحوزة والمرجعية بأقذع سباب، واستخف بكل مقدَّس وأسقط كل ثابت في مذهب الحق، وعاث فساداً هدم كل أصل فيه وفرع، واجترح كفراً بَواحاً بلغ به الدرك الأسفل من الجحيم، حين هزأ من زهد أميرالمؤمنين وأنوار بهاء سيدة نساء العالمين، ولم يوفر أبا الفضل العباس وأم البنين، ولا الشعائر الحسينية وزيارة الأربعين، انغمس في العار وغمره الشنار فلم يُبقِ على لبِنة في جدار، ولا متاع في الدار!.. وبينا هو في غمرة سكرته وذروة نشوته، من فرط ما تمادى ولم يجد مانعاً، وأسرف فلم يلقَ رادعاً، زلَّت قدمه ووقع في المحذور الذي قصم ظهره: المساس بمرتكز مشروع سيِّده، ومحور سياسته وحركته، أي الوحدة الإسلامية وما يمهِّد للامذهبية! فكان كمن نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً.. هوى الشقي على أم رأسه، وارتكس في حضيض رمسه. هكذا، ببساطة تناهز ما في ظهوره من ريبة، انتهى العرض، وطوي الملف، وأغلقت القضية!

    أُزيلت اللافتات عن مكتبه وبيته، ويبدو أن الغطاء الأمني والسياسي قد رفع، والقدر المتيقن أنه انحسر عنه وما عاد محصَّناً أثيراً مدللاً، وسيبقى، إن بقي، شاذاً منبوذاً، تلاحق الإدانة كل مروِّج، وينزل العار بكلِّ مبرِّر له ومدافع عنه.

    وبعد، فالعجيب المؤلم أن الزنديق ارتكب ما يفوق قبح الزنا بمحرم في جوف الكعبة، وأربا في جناياته على مسرف بن عُقبة… ولم ينبس أحدٌ من الناعقين اليوم ببنت شفة، ولا همس بكلمة، ولم يطرف لهم جفن ولا تكدَّر لهم خاطر! كخُشب مسنَّدة، حتى إذا ارتفعت صيحة، حسبوها عليهم، هاجت الثيران، وتنادت العربان، ورمَح الأتان! سقط البعير فكثرت عليه المُدى والسكاكين!

    ومع أن هذا التيار الضال لا حمائم فيه وصقور، فكلهم ذئاب ضارية وكلاب معاوية، لا مكان للحملان في معاركهم داخل البيت الشيعي، ولا محل للوسطية والاعتدال في حربهم للاستيلاء على الزعامة، وعلى جميع الأجراء أن يكونوا طوع البنان ورهن الإشارة، يرقبون ما يريد “الولي” ويشتهي، فيلحقونه كالعميان،، إنما تتفاوت المواقف وتختلف في حدتها وشدتها، حسب نجاح هذا وذاك في استمزاج رأي “الولي”، والقدرة على فهم مذاقه، بعد أن كانوا جميعاً على مبناه ومشربه. من هنا أصدر محسن الأراكي بياناً مكتوباً، وسجَّل قصير، عبر عقدته في الظهور التلفزيوني، تصريحاً مصوَّراً.. وبين نقيق ذاك ونهيق هذا، وضجيج مَن يتبعهما من ذيول، ينكشف قرب كل منهما ومدى التصاقه بالقيادة ودنوِّه من مركز القرار، فبينما كان الأول شديداً قاسياً، يريدها قاصمة قاضية لا عودة بعدها، بدا الثاني متحفظاً، وظهر خائفاً مرعوباً، ترتجف الكلمات في صدره، وتخرج منه كمَن يلفظ أنفاسه ويحتضر، إلا أنه لم يذكر في إدانته اسم الحبتري! وكأنه يُبقي على الباب موارباً، لعلَّه يعود يوماً ليستعمل خرقة الحيض هذه في مسح وجهه، فلا تلقى في المهملات ولا تلحق بالقمامة والوضر.

    ومع أن الهزة أو الصاعقة، أذابت الثلج وأظهرت المرج، لكن سيبقى البقر يجتر العلف، وسيمضي القطيع رهن عصا راعيه، وسوف يستمر أتباع إيران يرونها عنزة وإن طارت.

    بين ليلة وضحاها، انقلب السحر على الساحر، الأفعى التى طالما تلاعب بها الحاوي، عزف لها بمزماره، فخرجت تتراقص على أنغامه، تجمع له العوام والسوَقة، وتحشد المعقَّدين من النظَّارة، تبثهم السموم… مالت لتلدغ صاحبها، وتؤلم حاويها، فأرجعها إلى زحفها بعد الرقص، وأعادها إلى جحرها بعد القصر.

    قبل خمسة أعوام، أساء مومس الأحساء وتمادى، فعزل السيد السيستاني وتبرأ من وكيله، واليوم طغى الحبتري وكفر، فهل يعزل الخامنئي ويتنكَّر لعميله؟

  • كان يحسب العزاء على سيد الشهداء يعود، بعد عشرة عاشوراء التي يحييها جميع النجباء، ليصبح شأن الخواص، النخبة العارفة، والصفوة الخالصة، يمضون فيه “عشرات”، تمتد بهم الموسم حتى الأربعين، بل نهاية صفر… لكنَّ وقفة ألقته في فكرة، وتدبُّراً أخذه إلى نظرة، خلصت إلى أنَّ هذا الاطراد والاستمرار مبذول لكافة المؤمنين، متاح لجميع الموالين! ومن هنا، فإنَّ للخواص عزاؤهم: موسم بعد الشهرين، يمتد العام كلَّه، ويدوم متصلاً مدى الأيام بلا انقطاع ولا نفاد!.. ثم لزمته وقفة من خاطر عرَض له، راحت نفسه تُسائله، وأخذ ضميره يؤنِّبه ويحاسبه: أنزْعَة سبْق وتفوُّق هي ما حمل إليه هذه الفكرة؟ طبقيةٌ خفية تحدوه للالتحاق بأعلى مراتبها وأرقى مدارجها؟ فبعضهم يكون مثل هذا التميُّز دنياه وفتنته، ومحل الامتحان من هواه وشهوته! عوام وخواص، نخبة وسواد؟! والأمر عبادة، شعائر ندَب إليها الدين، وهو سواء لكافة المؤمنين؟! لكنه عاد ليراها بنيِّر فكره ويرمقها بعميق تدبُّره، فيسجَّلها حقيقة استنبطتها يقظته وانتزعتها فطنته، فطالما كان هناك سابقون ومقرَّبون، أوائل ومهاجرون، بدريِّون ورضوانيون. ولم تكن الشاردة العابرة التي استوقفته وحملته على  المراجعة، إلا من نقاء ونزاهة، وحيطة عن الهويِّ في الابتداع والسقوط في إقحام ما ليس من الدين فيه! وهذا ديدن الموفَّقين، وإلا فمن اليسير أن يسوِّد المرء ما شاء من صفحات، أو يهلك المفاتيح في حاسوبه طرقاً ونقراً يحكي اللعب في المعازف والآلات، ليكتب ما تملي عليه الشياطين ويخطَّ ما تؤزه أزاً،، لكن إذا كان الموضوع شأناً إلهياً ربانياً، يعني ناظر شجرة طوبى وسدرة المنتهى، فعليه، بعد أن يحسن ويُتقن ويجيد ويحكِم، أن يتيقَّظ ويحترس، ويتوقَّى ويحترز.

    لجأ إلى شيخ حكيم ومرشد خبير، أخذ من قبل بيده، وما فتئ يوافيه، يتحفه بين حين وآخر بإضاءة ويسعفه بتبصرة.. راح يقدح زناد اليقظة والنباهة في نفسه، ويوقد سُرج الهداية أمامه: ألا يحتاج السالك المرتاض، أو أيُّ سائر على سبيل نجاة، بعد الجمعة والجماعة، والفراغ من حضور المواقف وتكثير السواد في الأعياد والمساجد، ومختلف فروض إحياء شعائر الله، وكذا الخائض في معتركات التخاصم ومنتديات الحوار والاحتجاج، وميادين الدفاع عن المذهب وجبهات الجهاد في نصرة الحق.. إلى “غار حراء” على هدي المصطفى، يأوي إليه ويتنسَّك فيه؟ أو قبر على طريقة السيدة نفيسة يختم القرآن أو يضطجع فيه؟ وفي الأقل الأدنى خلوة في الليل، ينقطع فيها عن الناس؟ ألا من جهاد أكبر بعد أن خاض وفرغ وعاد من الأصغر؟! ألا يعوزه بعد ترك الوكر والمخالطة، وما لحقه من كدر هجر الصومعة، عودة إلى بعض عزلة وانزواء؟ تهجُّد وتضرُّع يزيل ما علق من ريْن ودرَن، ويطرد مَن دخل الدار وتوغَّل فيها من الأغيار؟! ألا تسأم الروح من الظهور الذي يضطر إليه العامل ويستغرق فيه المناضل؟ ألا يملُّ من لفت الأنظار ويضجر من السفور؟! ألا ينهكه التردد في الطرقات والانشغال بـ “الكثرات”، تجهده وتضنيه، فينادي “أرِحنا بها يا بلال”؟ ألا يرهقه أن تحوم حوله شبهة الرياء والاستعراض؟! ولا أريد ما يدور على الألسن ويرميه به الحسَّاد والغُبَّط، بل ما يكون حقيقة تلحق من شِرْك خفيٍّ لا ينجو منه إلا الأوحدي! يجول في حلبة النفس، يخشى أن يكون قد سوَّلت له أهواؤه، وأعانته على ذلك شقوته، وغرَّه سترٌ مرخى، وسمعة يشار إليه بها: ولائيٌّ حسيني، متديِّن ملتزم؟!..

    عاد الحاج زاير، الكهل المخضرم المطبوع تديُّناً وورعاً، والخادم المعتَّق لسيد الشهداء، ربيب المجالس والحسينيات، الخبير الضليع في ميدانها، المحيي المتمسك بتقاليدها، والمجاهد الصلب في الدفاع عنها… وكأن نزلة الكورونا التي تعافى منها ونجا، أوهنته وأضنته، ونالت من همَّته المعهودة وبأسه المشهود، فبات مثقلاً مهموماً، يحسب أن قدَراً أرجأ وفاته، وأنسَأَ في عمره ليستدرك ما فاته، وهو التصدِّي للفوضى التي تعصف بساحة الشعائر، من هجوم الأعداء، وغفلة الأصحاب والأحباب، وسطوة الصبيان والمستأكلين بالعنوان! ولكن حاله لم تعد تعينه، اللهم إلا على جولة في روحه وصولة في رحابها، وإضرام الأسى في نفسه وحبسه في جنباتها، لتشتعل عشقاً وتلتهب شوقاً، فاللوعة والمعاناة باب مغفول وفضاء مجهول، لو عرفه السالكون لقضوا حياتهم فيه وأفنوها في الحسرة على ضياع الحق وغياب وليه، فتخرج حين تخرج إلى أسمى مقام، وتبلغ أعلى مَدرَج وسنام… يقول إنه حدَّث طائفاً يعاوده وشبحاً يراوده، شكا له ضعفه وعجزه، وانفراده وقلة ناصره، فأُجيب بأنَّ عليك الأذان والإعلان، وعلينا السير به في الآفاق وتحقيق الإبلاغ، وسيحين عما قريب الأوان، فيذهب الزبد ويبقى ما ينفع الناس.

    والحق إن الحاج زاير لا يشكو غير غياب محبوبته: المجالس الأصيلة، وحشته من ندرتها وغربتها، وافتقاده السلوة التي كان يجد في رحابها! بعد غلبة الإتجار والاستغلال، وهرج العبث والارتجال، ومرج المزايدة والاستعراض. لا يريد الرجل أكثر من عودة الأمور إلى سابق عهدها، على ضوابطها وأُصولها.. ومع كل هذا الأسى والغضب، تراه غير خائف ولا قلِق! فقد علَّمته الأيام التى رأى والعهود التي عاصر، وتقلُّب الأحوال فيها، أن للمسيرة راع وللقضية ناظر، وهو يحمل مقمعة يهوي بها على رؤوس العابثين، تردعهم وتروِّضهم.. وهذا ما يخشاه على إخوة له في العقيدة والمذهب، ورفاق في الطريقة والمسلك! فيبث ذلك مع زفرته:

    أُريد مجلساً حسينياً، رباطاً يجمعنا معشر المجاهدين في الثغر الأول للدفاع عن آل محمد، وصُفَّة نلحس في أكنافها قصاعهم، نتسول فضلهم ونستجدي كرمهم.. مجلس لا تصوير فيه ولا تسجيل، لا تلفزيونات ولا فضائيات، لا آلات ولا معدات، وحبَّذا لو استغنى القارئ حتى عن الميكروفون! فكفانا استعراض طبقة صوته وقوة حنجرته، أو الآخر الذي ينقلك إلى فضاء مسبح مغلق من فرط الصدى الذي يوظِّف، وليصرف ما حُبي من جمال الصوت في شجىً يذكي الحرقة! مجلس لا تكلُّف فيه ولا إغراق، ينساب بتلقائية، ويتدرَّج بصفاء، لا يستخدم المؤثرات الضوئية، فلا تُطفأ فيه المصابيح إلا ليلة في العام، مع ذكرى العتمة والوحشة بعد حرق الخيام. لا مقاعد فيه ولا أرائك، يفترش الحضور الأرض، وهذه أيضاً بلا تعسُّف وإغراق، فلا بأس بوسائد يتَّكئ عليها الكهول والشيوخ، تعين أودهم، وتريح محدودب ظهورهم.. مجلس لا يخلط بين شهادة ووفاة، يحسن تصنيف المناسبات وما يقتضي كلٌّ منها من الاتشاح بالسواد ورفع الرايات، وحجم المصيبة وجرعة الرثاء، لا يساوي في ذلك، فيزري بالمنازل والمقامات، يجعل ذكرى أم البنين كيوم الكاظم والسجاد، ومصيبة السيدة رقية مثل فاجعة مولاتنا الزهراء، ويقلب كل مناسبة عاشوراء! مجلس لا حساب له ولا موقع ولا اسم في منظومة التواصل الاجتماعي، لا يلاحق جمع الأرقام وكثرة الإعجاب. لا يذكر فيه غير آل محمد، فضائلهم ومصائبهم، لا يجمع معهم غيرهم، ولا يقرنهم بسواهم. لا صوَر معلَّقة على حوائطه تروِّج لأدعياء، ولا يتصدَّره مترفون أثرياء.

    مجلس لا تقام فيه شعائر الجزع والفجعة العظمى إلا  في مواضعها وأزمنتها، وفي حدودها الطبيعية ونطاقاتها المعهودة الموروثة… فاللطم في هيئة قائمة تنتظم في دوائر وحلقات أو صفوف، عند الحاج زاير، هو من صوَر الجزع، وشعيرة تختصُّ بها عشرة عاشوراء، كما هو التطبير والتشابيه! ولم تُجدِ محاولات إقناعه بأنَّ امتداد اللطم على مدار العام، خدم الإبداع في الإنشاد، وازدهر بسببه الشعر وتألَّقت المراثي، وراج تأسيس الهيئات الحسينية الشبابية، فإذا توقف هذا أو انحسر، فإنَّ التيار الضلالي سيملأ الفراغ، ويستغله بنشر أباطيله، فالساحة عطشى، إذا لم توفِّر لها الماء تجرَّعت الخمر وشربت المسكر، حتى تعتاد وتدمن، وينقطع علينا طريق إصلاحها!.. فهو يردُّ بثقة من عاش الماضي واستشرف المستقبل، وكمن سئم الحوار وملَّ الاحتجاج: رُبَّ جرعة يتوهمها المريض علاجاً، تحمل من الآثار الجانبية ما يهلكه، إنَّ اللطم المستمر الممتد خارج موسمه، حتى صار بثُّه مادة ملء الفراغ في الفضائيات الولائية! يزري بمكانة الشعائر الأخرى، بل يسيء إلى اللطم نفسه، الذي ينتظره الحسيني من عام إلى عام، يحوِّله إلى ضرب من الإيقاع الذي يترنم به الشباب، وسوق للشهرة يقحمه أدعياء المهنة والمتطفلون على الصنعة، ومدخل للعبث، وعامل للفوضى، فهذه الهيئات الشبابية لما غلبها الانفعال والوهم، أخذت تشعر أن القياد صار إليها والزمام بيدها، ثم لما اشتدت بينها المنافسة، دخلت في المزايدة، وراحت تكرَّر شعائر الجزع في كل مناسبة، فلم تكتف بأخذ التطبير إلى الأربعين ووفاة أميرالمؤمنين، بل أقامته حتى في وفاة السيدة رقية وذكرى أم البنين!

    ويمضي الحاج زاير في شكواه: أُريد مجلساً يعطي الدمعة حقها، وينزل الفجعة منزلتها، يحسن روَّاده تمييز مواضع رفع الصوت بالصلوات، لا يصرخ أحدهم وينادي في موضع النحيب، فيفسد استغراق المجلس في البكاء بصراخ يقطع السماع. مجلس يتولاه ويقوم عليه كبار… نعم، لا بأس أن يخدم فيه الشباب والفتيان، لكن لا يديره أو يدبره هؤلاء، إنما يتربَّوْن فيه على الصبر والانتظار، فإذا تقدَّم بهم العمر وتراكمت الخبرة، نضجت منهم الأفكار، كان لهم عندها الخيار، وإلا فالهدم والدمار منهم سيكون أضعاف البناء والإعمار! ولا يغرنك حماس واندفاع، ونتائج محسوسة وثمار، فهذه سحب صيف، وفورات غليان، لا يلبث الزبد منها أن يذهب جفاء، ويتبدد السحاب بلا غيث ولا ماء.

    أُريد رادوداً وقوراً متزناً، غير مسرحي، يلوِّح ليحكي المعاني التي ينشد، بإشارات سمجة غليظة، وتمثيل متكلَّف مقزِّز، حتى جمع أحدهم “اللطامة” في عروض تجريبية (بروفات) تسبق عرضه “المسرحي”! وآخر يصلح شعره ويصففه على تسريحة عصرية، يدهن رأسه ويرخي غرته، وثالث لا يدري ماذا يصنع ليخطف الأضواء ويسترعي الانتباه، يرتدي مرة عباءة خليجية مذهَّبة، ويعتمر أخرى عمامة مورَّدة بنفسجية، ويحسر في ثالثة، وآخر يتخصَّر به قميصه ويضيق سرواله، فتحسبه ارتدى ثياب أخيه الأصغر! هل لي بقارئ لا يتفلسف ولا يتكلَّف، ليتفرَّد بطابع يُعرف به، فيقرأ بطور مصري ولحن شامي وطريقة إيرانية، يريد بناء سمة خاصة به، تميِّزه ويُشار بها إليه!.. ولم يعرض الحاج زاير في أماليه لرواديد الأحزاب ومدَّاحي الزعماء، وكذا خطباء المحاضرات، وهراء التنظيرات، لأنهم خارجون تخصُّصاً، فهم ليسوا قراءً حسينيين، ولا من الناعين الراثين، إنما محاضرون فاشلون، أو مغنُّون ومطربون!

    مجلس لا يجمع الناس ويكثِّرهم ليزهو صاحبه ويباهي، ولا يحشد الجموع لينافس ويغالب.. مجلس متواضع في ركن قصي، حسينية صغيرة أو دار، يذكر فيه المصاب، فتحترق القلوب وتلتاع، بما ينقل الروَّاد إلى أثير ما زال ماثلاً في الفضاء، وعبق ما انفك عالقاً في الأرجاء… فيتنادون: أي أخ الولاء، ورفيق الإسعاد والعزاء، أدرها صافية بين ندامى العشق وأخلَّاء الجزع وأصحاب الوفاء، واسقنيها مع مدمني الرضا وإطراح ما مضى وبذل ما تيسَّر وحضر… أخوة ستر العيب وترك العتب، والنشوة بلا سكر، والسمو بلا تعالٍ وفخر، والأنس بالقرب والطاعة.

    كل ما يريده الحاج زاير أن يعود الخطيب ليعتلي منبره، و”الصانع” دونه بمرقاة، وأن يقف الرادود إلى جانبه، يعرف قدره فلا يتخطَّى مقامه، وينتصب الشاعر خلف منصته، ويستوي العالم على كرسي التدريس، ويقوم إمام الجماعة في محرابه.. ينتظم كلٌّ في مكانه، ويأخذ موضعه، ويلزم حدوده، فينقطع التداخل وتنتهي الفوضى…

  • لا يُخفي أتباع إيران خوفهم من “الانعزال”، ولا يختلفون على الخطر الذي يتهددهم منه، فبه تُحاصر الثورة ويُحال دون تصديرها، فالقضاء عليها وخنقها في أرضها. ومن هنا يؤكدون على ضرورة الامتداد والتوغل في المحيط الإقليمي، والتواصل مع الفضاء العالمي، ووجوب العمل لتذليل الصعاب والالتفاف على محاولات التضييق والتطويق. وتلحق ذلك أو تسبقه المبادئ والشعارات الثورية، ومعاداة الاستكبار، وهتافات الموت لأمريكا وإسرائيل. وتنضم إليه الأصول العقائدية التي تفرض التبري وتحكم بعدم التولي، وتأمر بالتوجُّس والريبة، وتحذر من الركون، فالأخذ غيلة أو حيلة… كل هذا يرفد التضاد، ويصبُّ في حتمية الصراع. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لا يختلف العقلاء في كون السياسة هي فن الممكن، وأن الأمر في مواجهة أمريكا أو الاستكبار المهيمن على العالم، محكوم بهذا الأصل.. ذلك بعد الإذعان بالبون العلمي والمسافة الحضارية التي تجعل الفاصل في السبْق والتقدُّم وحجم التطوُّر الصناعي والآلي يناهز قرناً كاملاً، ويحكم ـ بالتالي ـ بتفوُّق أمريكا السياسي والاقتصادي والعسكري، وانعدام فرَص الفوز في المعركة، وأي صراع مباشر. هذه حقيقة يعرفها كلُّ سياسي، ويعيشها كلُّ ثوري، مهما علا صياحه، وأرعد وأزبد، أو تفنن في استعراض قوته والتبجُّح بشعاراته.. فهو في موقع الفعل ومقام العمل، سيكون أرعناً سفيهاً إذا تجاوز معطيات تفوُّق العدو، وتجاهل قدرته على إنهاء المعركة من الجولة الأولى،، كل ما يسع القائد المحنَّك هو التعامل بذكاء، يناور على تقاطع خطوط المصالح، ويوظِّف نقاط الضعف ومواطن الحاجة. وهذا الفهم والإدراك متحقِّق في جميع المسؤولين الإيرانيين، وحاضر في الأحزاب التابعة لهم في سائر البلاد، لا يخالفه إلا إلهيون حقيقيون يطلبون الجنة، ويُدخلون المدد الغيبي والنصرة الإلهية عاملاً أساساً في محاسباتهم.. ثوريون مستميتون، وقل إن شئت استشهاديون أو انتحاريون، لا شأن لهم بالنتائج، ينطلقون في تحديد التكليف من نصوص وأحكام شرعية مباشرة، دون مراعاة لتأثير الظروف، أو دور لمصالح مرجوَّة ومفاسد محذورة.

    من هنا، من عالم الحقائق والأرقام الواقعية والمعطيات الفعلية والخيارات المتاحة والإمكانيات المبذولة، يمكن محاسبة قادة الحركة الإسلامية من جهة، وزعماء الحوزة ورجال المرجعية من جهة أخرى، على أدائهم، وتقييم إنجازاتهم، ونتائج مواقفهم وأعمالهم… لا أحد يرى المرجعية معصومة، تحلِّق فوق النقد، أو مستغنية عن التوجيه والنصح، حتى العلني الإعلامي، الذي يخلق مداً جماهيرياً ضاغطاً، وتهديداً مقلِقاً للحاشية التي ترقب الشعبية وتلاحظ النجاح في كسبها وتحذر الفشل من فقدها.. ولكن الكلام في شخص الناقد والناصح، مدى صدقه أو لؤمه وخبثه، وخلفيات إطلاقه الاعتراض، وبالتالي الفرز والتمييز بين النقد العلمي الموضوعي، الصحي السليم، والآخر المغرض السقيم، الذي يريد التشويه والتسقيط!

    منذ الأيام الأولى لتزكية الحوزة العلمية السيد السيستاني للمرجعية، الذي ما لبث أن اكتسح تقليده العالم فتعيَّن مرجعاً أعلى، والنظام الإيراني في قلق من تهديد يطال قيادة مرشده الروحي، ووجل على طموحه في زعامة الشيعة كافة. وفي امتعاض من حركة الحوزة ودورها ونفوذها في الأمة، بل انزعاج من وجودها، كموقع حرٍّ مستقل عن سلطة الدولة وهيمنتها، ومناعة عالية عن تأثير مخابراتها وشيطنة أحزابها، وقد صُنِّف هذا الخطر في المستوى نفسه الذي أُدرجت فيه حركات المعارضة (السياسية الناعمة، والإرهابية العنيفة) التي تعمل لإسقاط النظام!.. تحدَّث حينها الشيخ أحمد جنتي في صلاة الجمعة، وقذف المرجعية بأنها صنيعة بريطانيا، فلما رأى انسحاب المصلين من صفوف الجماعة وتسللهم تباعاً، ثم هاله (هو ووليُّه) حجم ردَّة الفعل في العالم الشيعي، عاد ليبدأ الصلاة في الجمعة التالية بالاستغفار وإعلان التوبة. وما زال صعاليك النظام الإيراني من قبيل الحبتري وقصير وسليم، يتعرَّى الأول فيكفر ويزخرف، ويفتري الثاني فيكذب ويحرِّف، ويتراقص الرعديد الثالث فيلفِّق ويزيِّف، يقبض الجنيهات الإسترلينية ليفور ويبقبق! والغزِّي من بعدُ، يشدُّ للإغراء خيمةً ويبسط مهاداً، ويبني للدعارة بيتاً ويمدُّ فراشاً، وقد انضم إليهم أخيراً حسين شريعتمداري، راح يدلي بمثقوب دلوه، ويزعب برشاه من ناضي بئره… يقيمون على هذا ويمضون، يمارسون على النجف والمرجعية حرباً خفية وعلنية، ويلاحقون كلَّ موقع ديني خارج سيطرة الحكومة الإيرانية، بالتشويه والتسقيط والهدم والتقويض، ليبقى القياد بيد ربَّان طهران، يأخذ السفينة نحو لُجَّة الطوفان، بل حيث تصطلمها حِمم البركان، إن لم تغرقها وتركسها تلك، صهرتها وقضت عليها هذه! وما زالوا يتحينون كلَّ فرصة، ويكرعون نقيع الغصُّة، كمن يريد درْس الحصاد بخطوة، وغرْف البحر بركوة، فلا يستطيلون أو يستطيعون، غير أن يباري فسْوهم الظربان، ويغلب نعيبهم الغربان… اللهم إلا أن يربط لغطهم على عيون أتباعهم، فيبقون صمّاً بُكماً عمياً لا يرجعون عن غيهم، يستمرئون الضلال ويفضلون حنادسه على شمس الهداية وصبح البصيرة!

    وإذا أردت أن تعرف سرَّ غيظ الخامنئية وحسدهم المرجعية، فانظر في صحيفة أعمال السيد القائد وتأمَّل في “إنجازاته”، لتقف على نتائج مزرية، إخفاق متراكم وفشل متعاقب، وجبال من تكلُّف العناء ودفع الأثمان الباهظة دون مردود ومحصول يذكر، إلا البقاء في السلطة! وأول ما يواجهك كسِمة بارزة في نهج الرجل، ومعلَم واضح في طريقة عمله: إشغال الجبهة الشيعية الداخلية، وإدخالها في صراعات، إن لم تكن قاتلة مُهلكة، فهي مُضعفة مُنهكة، وذلك في سياقين تعاضدا على دفع النظام نحو الهاوية، الأول: عمليات تصفية وإعادة بناء قاعدة ثورية، تعتمد الحزبية بدل الشعبوية والحالة الجماهيرية، أقصت رفاق النضال وإخوة الكفاح، وخنقت كلَّ صوت ناقد أو ناصح، خضدت ما عداها من الأجنحة، ومحقت ما سواها من القوى الفاعلة في الساحة، وأبقت على مُحدثي النعمة والطارئين على الثورة، وقرَّبت المتزلفين المتملقين المستأكلين! فكأنها دسَّت السوس في صلب النظام وأساسه، وأفسحت لنخره وتفتيت بنيته. والثاني، وهو الأخطر: العمل على إقامة هيكلية عقدية مبتدعة للدين، تعتمد اللامذهبية، تأخذ شيئاً من العلمانية، وضغثاً من الوهابية، وكثيراً من الزيدية، لتخلص إلى إسلام بلا مذهب! وكان هذا منطلقها في استهداف الحوزة والأصالة، ودعم ورعاية، بل خلق عناصر الضلال وبؤر الفتنة، ومباركة أعلام التحريف والفرقة، والدفاع المستميت عن “المرجعيات” المزيفة، كل ذلك باسم الحداثة والتنوير، والإصلاح والتطوير.

    فإذا فرغتَ من هذه الكارثة، وتدبرتَ في إنجازات الخامنئية على صعيد الجبهة الخارجية، والقضايا التي تراها مصيرية وأساسية، كالقضية الفلسطينية، وعمدتَ لمقارنة بسيطة، رجعتَ فيها إلى سيرة السيد الخميني رحمه الله، الذي عطَّل بخطاب واحد، قمة فاس 1981، التي عقدت في أقصى المغرب، قريباً من المحيط الأطلسي، وقلَبها رأساً على عقب، فختمت أعمالها بعد انعقادها بخمس ساعات فقط! وأنهت الجدول ببنده الوحيد: خطة الملك فهد لحل القضية الفلسطينية، دون اتخاذ أي قرار! وقارنتَ ذلك بسياسة الخامنئي و”فطنته”، و”أنفاسه الملكوتية” و”هيبته”، التي انتهت بفتح إسرائيل سفاراتها على أبواب إيران، وتغرس في خاصرتها خنجراً أرادت هي أن تشهره في الجولان وجنوب لبنان! لعرفت أبعاد الهزيمة وحجم المأساة. وكذا الحال في أدائه في القضية الآذرية، والتدبير الذي أدار الأزمة وتموضع في الصراع الأرميني ـ الآذري، بما أفقد الجمهورية الإسلامية حاضنة طبيعية لها، وأفسح للنفوذ الإسرائيلي، وسلَّط على إيران سيفاً يتهدد رأسها بالفلق و“التطبير” في أية لحظة يحين فيها الحين!

    إنها عقدة البطولة والنجومية والزعامة، وهذا ما تراه جلياً في محاولته مجاراة الخميني في نبوءة سقوط الإتحاد السوفييتي وانتهاء الشيوعية، ومحاكاته في طريقته، حين خطب في الأيام الأولى لولايته، وتنبأ بسقوط النظام المصري في بحر عام أو عامين! وها قد مضت أكثر من ثلاثين سنة، ذهبت فيها النبوءة أدراج الرياح، بل حتى الربيع العربي، الذي قلبت عبره أمريكا النظام في مصر، وجاءت بالإخوان وحققت للخامنئي أحلامه، ما لبث أن سقط وانتكس، وعاد الحال إلى سابق عهده!

    وبعد، فمن عطاءات “الحكمة” و”حسن التدبير” في الرجل، أنه قلَب الموقف الأمريكي وأدار وجهة الصراع الذي انشغل به الشيطان الأكبر، فأسقط لنا طالبان وأجهز على صدام، في واحدة من أجلى مظاهر الاستدراج الإلهي، والاستجابة لدعاء “اللهم أشغل الظالمين بالظالمين، واجعلنا بينهم سالمين”.. ليعيد الدائرة على الشيعة! ويحمل أمريكا على مواجهة مفرطة ما زالت تحاصر إيران وتخنقها، وتمد أعداءها وتعين المتربصين بها، بما أشرف بها على الاحتضار، وسيأخذها إلى هزيمة مؤلمة، إن لم تبلغ السقوط التام، فهي ستفرغها من جميع قيَمها ومبادئها، وتعيدها تابعاً كما كان الشاه… كل ذلك في سبيل التمسُّك بشعارات جوفاء، والاستمرار في مزاعم الصراع والعداء التي لا حظَّ لها في الواقع ولا نصيب في العمل! اللهم إلا تسجيل بطولات تُبقي على الشعبية، وتنافس في استحقاق القيادة وتثبت الأهلية!

    ثم ينبري بعد هذا صعاليك إيران ويتهجمون على السيد السيستاني ويرمونه بافتقاد العمق والحكمة، بل بالسذاجة والبساطة، ويتهمونه بالتفريط بحقوق الشعب العراقي، لأنه وافق على نظارة الأمم المتحدة على إجراء الانتخابات، وكل ما يحول دون عزل العراق وحصاره، وإلحاقه بإيران في صراعها الأخرق مع العالم!

    الحقيقة العميقة، البعيدة عن الدعاوى الفارغة والمزايدات الجوفاء، أن الخامنئي ليس ثورياً، تماماً كما هو السيستاني! هناك فارق واحد بسيط بينهما، وهو أن ذاك يتظاهر بغير ما يكنُّ وينهج، وهذا الآخر واضح في موقفه وفكرته، يصرِّح أنه لا يوافق على الجهاد المسلَّح ضد الوجود الأمريكي الذي كان سبباً في خلاص العراق من أسوأ كابوس عرفه في العصر الحديث، بينما يعلن هذا أنه في حرب مباشرة مع أمريكا، بجميع الأسلحة وعلى سائر الجبهات، ويفتي بالجهاد ضد التواجد الأمريكي في العراق والمنطقة! ثم يتَّصل بالأمريكان ليُخلوا قاعدة “عين الأسد”، فهو يريد توجيه ضربة انتقامية على مقتل الشهيد سليماني! فيا لله وللثورية!

    لا أحد يثق بأمريكا وروسيا والدول العظمى، ولا بالأمم المتحدة ومنظماتها… ولكن هناك حكيم إلهي يدير الزوايا ويدبِّر الأمور بما يجنِّب شعبه الويلات، ويخلِّصه من بطش الطغاة، وينجيه من فقر يورث الكفر، وفي المقابل هناك نزِق مُكابر، أقعس، يتقدَّم صدره ويتأخر ظهره من فرط زهوه، بلغ به العناد مبلغ مَن خاصم زوجته فجبَّ نفسه!

    ترى، كم عساه سيحصل التيار الخامنئي من مقاعد في مجلس الشورى أو مجلس صيانة الدستور، لو قيِّض للانتخابات الإيرانية جهة رقابية تشرف عليها بنزاهة وحياد؟! بالله ماذا لو خضع الخامنئي نفسه لاستفتاء شعبي، هل ستتجاوز شعبيته ٥ أو ١٠ ٪؜ في أحسن الأحوال؟! هذا ما يخشاه شريعتمداري، ويقلق الصعاليك الذين ينتقدون المرجع الأعلى، ويتهجمون على الحوزة العصيَّة على الدولة،، لا غير!

  • لو أتيح لعالِم نحرير، فقيه فذٍّ ومحدِّث ضليع، عارف كامل وفيلسوف بارع، جامع للمعقول والمنقول، متمكِّن من سائر العلوم والفنون، يتمتع ـ من بعدُ ـ بعقل موزون، وحكمة راجحة، وخبرة واسعة، وفطنة نادرة، ليكون ـ بحق ـ نابغة دهره وفلتة عصره، وعبقري زمانه… لو قيِّض لمثل هذا الحكيم، بعد كل ذاك العلم والفضل والحصافة والحنكة، أن يطَّلع على الغيب، فُتِحت له سجلَّات ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة! فنظر في سير الأُمم ونهوض الدول، وسبَر بناء المدن وقيام الحضارات، عرف أسباب انتشار المدارس الفكرية، وخبر أسرار ألق المذاهب الدينية، وتبصَّر في عوامل تداعيها وعلل سقوطها، ووقف بعد الماضي والتاريخ، على الحاضر والمستقبل… ثم أُعطي قلم القضاء والقدر، وطُلب إليه وخُوِّل أن يخطَّ نهجاً، ويبتدع فكرة، ويرسم آلية تحفظ الدين من الضياع والمذهب من التحريف، يقترح فكرة عملية فاعلة، تمكِّن الدين من مقاومة الاندثار والتآكل التاريخي، وتمنحه القدرة على الصمود أمام عوامل التحريف والتزييف، التي تصيب الأديان وفكر الإنسان، لدور الحياة الاجتماعية ومكان السياسة والمال والاقتصاد (كما تفعل عوامل التعرية والتجوية في الطبيعة)، الذي يبدِّل الأعراف والعادات، ويغيِّر العلوم والثقافات، ويقلب حتى العقول والمدرَكات، يذهب بنُظم ومقولات، ويأتي بمُحدَثات مبتدعات… فيخترع لنا ما يمكِّن الدين من الاستمرار، وما يبقيه في موقع الصدارة في المجتمع، ويهبه دوراً ومكانة، تحمل حمَلته، من سائر الطبقات ومختلف القطاعات، على التزام عقائده وشرائعه، وتقودهم للدفاع عن معارفه والذود عن قيَمه ومبادئه، والبذل في سبيله…

    ما كان هذا الحكيم ليعدو اقتراح تأسيس أو صنع موقع ومحطة تحمل زخماً عاطفياً متأجِّجاً، وحبّاً وعلقة روحية متدفقة، لا تنطفئ ولا تخمد أبداً، واختراع آلية قادرة على اجتذاب الناس وجمع مختلف الأطياف وحشدهم، وتأمين دوام حضورهم وفاعليتهم، بما يحملهم على البذل والعطاء، في أموالهم وأنفسهم، ولا سيما تفاعل عواطفهم، التي تستنبط دموعاً تنصبُّ وتنهمر، وتفجِّر دماءً تسيل وتسيح، وتصرف أموالاً تغدق بجود ونخوة، وطاقات وجهوداً تُقدَّم حباً وكرامة، وعطاءات تبذل طوعاً ورغبة… ولما بلغ هذا الحكيم في إبداعه ما هو قائم في المذهب الجعفري وجارٍ في الطائفة الشيعية من خلال منظومة الشعائر الحسينية، وما يجري في إحيائها والتزام العمل بها، مما ترك الآخرين حيارى في صور السمو الروحي ونكران الذات والتكافل الاجتماعي، والأهم الأخطر: الحفاظ على الهوية ومنع انحلالها في المحيط الضاغط والبيئة القاحلة، واندحارها أمام الظروف العصيبة القاهرة، التي ما وفَّرت وسيلة ولا تنزَّهت عن حيلة.

    لا شيء أبقى التشيُّع على أصالته وحفظ له خلوصه ونقاءه، بعد دور الحوزة في صون تراث أهل البيت واستنباط معارفهم من كنوزهم… إلا مظاهر الولاء وشعائر العزاء، ومنطلقها الحب والزخم العاطفي! هذا ما أبقى المذهب صامداً، وحفظ التشيُّع حياً متدفقاً. ولو زعم حكيم أن ملحمة كربلاء ما قامت ولا كانت إلا لتزرع بذرة الشعائر التي تلتها، وتخطَّ لمسيرة التفجُّع والرثاء والبكاء التي أحيتها، لما قال جزافاً، ولاتَّسق ذلك مع مقولة طريقية النهضة الحسينية في حفظ الدين، وإن كان الرأي السديد، بل الصحيح هو موضوعيتها، فالبكاء والندب والجزع غاية في شريعتنا، كما الصلاة والصيام.

    هذا أقصى ما يتمناه أي دين سماوي أو غير سماوي، وترجوه أية مدرسة فكرية بشرية، سياسية أو اجتماعية، أن تتمتع بموقع ومحطة عاطفية مثل الشعائر الحسينية، فتمتلك جوهراً من العاطفة والعلقة القلبية، تستتبع أحكاماً وتقاليد وأعرافاً تشكِّل ثروة لا تنضب، وكنزاً ومعيناً لا ينفد… وهي جميعاً تتحسر على افتقادها هذه الآلية التعبوية، والقدرة التنظيمية، التي تبلغ الذروة في الضبط والإحكام، مع احتفاظها بقمة العفوية والارتجال، وتمتعها بمنتهى الحرية والاستقلال، والفكاك من الإملاء الحزبي والتسلُّط الحكومي!

    في أول لقاء جمعهما سأل فيديل كاسترو الرئيس الإيراني: كيف لكم أن تُبقوا الساحة الجماهيرية ساخنة، وبهذه الحرارة العالية؟ أجابه رفسنجاني بأنَّ “قديساً” عندنا أراق دمه يوماً، فأمدَّنا بهذا الدفق والحماس منذ ذلك الحين! وفي آخر زيارة له لإيران عام 2001، التقى كاسترو هاشمي رفسنجاني، وقال له، في ما بدا تعليقاً متأخراً على جوابه: ليس عندنا قديس يحبه الناس إلى هذا الحد، فيبكونه عاماً بعد عام منذ 1400 سنة، إنهم لا يبكون “ربهم” المصلوب بعد عذابات الجلجلة، فمن أين نأتيهم بقديس مثل الحسين؟!

    من هنا، لك أن تتأمل في مدى سفَه القائمين على مشروع “المحاضرات”، سفهٌ مجلَّل بجرأة وجسارة، وثقة بالنفس تبلغ الوقاحة والصفاقة، مما لا يكون إلا في فدم أخرق، عرف شيئاً وغابت عنه أشياء، يحدوهم للابتكار، ويحملهم على الاجتهاد والابتداع، ويسوِّل لهم اختراع المحدَث، الذي يغيِّر جوهر الشعائر وكُنه العزاء الحسيني، يقلبه من الرثاء والبكاء، لصالح الدروس والمحاضرات! ولست أريد الحداثويين، فهم خارجون تخصصاً، فلا ريب أنهم ينطلقون من غرض ومرض، إنما الحديث في جملة من الناشطين المخلصين، وبعضهم من أهل الفضل والبصيرة، غلبتهم الغفلة، فوقعوا في المصيدة! وهي هنا شبيهة باقتراح أو أمنية أدلى بها ساذج، تمنَّى لو زاد مقدار زكاة الفطرة، التي يلتزمها الغالبية الساحقة من المؤمنين، دون الخمس الذي لا يُخرجه إلا النخبة من الملتزمين! وتصوَّر الأمر بمخيلته العرجاء، فرأى أن الزكاة لو زاد مقدارها كانت ستعالج قضية الفقر وتقتلعها من جذورها! والحال أنهم كانوا سيمتنعون عنها كما يمتنعون عن الخمس! وإنما شرِّعت بهذا المقدار الضئيل، رحمة من الله ورفقاً بعباده، يتيح لهم أن يخرجوها لتطهر أموالهم وتسلم نفوسهم، وإلا لغلب الشحُّ النفوس وهلك الناس!.. هكذا الأمر هنا في الشعائر الحسينية، يقيس بعضهم مسألة كثافة الحضور وضرورة اغتنامه واستغلاله، فيعمد إلى قلب المجلس الحسيني وتبديله بندوة ودرس ومحاضرة! غافلاً أنه ـ بعد حين ـ سيخسر الاثنين، لن يبقى أحد في محاضراته، ويفلس من الأصل الذي فرَّط فيه من قبل! والبلاء أن هذه السطحية والرؤية المقطعية التي تبتر الحاضر عن الماضي وتفصله عن المستقبل، وتخرجه من المخطط الإلهي الغيبي لصالح رؤيتها البلهاء، لا تختص بأزمة المنبر والمحاضرة فحسب، بل تسري إلى جميع أنماط الشعائر، ولا سيما الأموال التي تصرف فيها، مقابل بذلها في وجوه الخير الأخرى، التي تشكو إعراضاً، ولربما جفوة من المؤمنين، فيسعى الجاهل إلى تغيير وجهتها وهو يحسب أنه يحسن صنعاً.

    ومما يغفل عنه هؤلاء الناشطون، وقوعهم في “الذين جعلوا القرآن عِضين”، تضيق رؤيتهم فلا يرون من الدين إلا مفردة واحدة، وتهبط هممهم فلا يرقبون ويتطلعون إلا جانباً فحسب، هو الاستفادة العلمية أو التربوية الأخلاقية من عاشوراء… وإن كانوا على صعيد الزعم والدعوى لا يتنكرون للعزاء، ويقرُّون بمختلف صنوف الشعائر، لكنهم في واقع الأمر يغفلون عن حال مستمع المجلس الحسيني، الذي حولوه إلى درس ومحاضرة، وكيف عساه أن يقوم ـ في المفترض ـ بعد قليل ليلطم ويجزع، ويحمل المشعل ويلوِّح بالراية! أو يسبق ذلك بإعداد مكان الاجتماع وتهيئته، تنظيفاً وترتيباً، وطبخ الطعام وتوزيعه على المعزين، وأنشطة أخرى، ومجهود كله يأخذ أبعاداً تعبوية وشعبية لا تتناسب بأي حال مع المحاضرة والبحث والفضاء العلمي. نحن في الشعائر الحسينية في عزاء، وفي عرصة وميدان ومجال كله انفعال وهيجان، حزن ولوعة، وبكاء وصرخة، ولطم وجزع وفجعة، وهذه كلها تتعارض ذاتاً وطبعاً مع قضية المطالب العلمية المعمقة، والأفكار المنمَّقة، فإذا أصر الباحث والمحاضر أن يجعل المجلس الحسيني على هذا النمط، سلبه انفعاله وهيجانه، وأخلاه من قوته وعصفه ورعده، وألقاه في فراغ عطَّل بقية أنشطة أهله وروَّاده.

    إن نظرة في حال الشيعة في الشام، وما فعله فيهم السيد محسن الأمين، وانجر لتعطيل العزاء على سيد الشهداء نحو مئة عام، ترسَّخ فيها أن لا قيمة للمجلس الحسيني إلا بفائدة علمية يتلقاها الحضور من درس أو محاضرة، أو أدبية من قصيدة يلقيها شاعر في أجواء مطارحة ومسامرة، وإلا فمجرد البكاء هدر ومنقصة… حتى عاد هذا العام ليستعيد شكله الحقيقي وصورته الأصلية، فأقيمت المجالس الحسينية في أحياء الشيعة وحسينياتهم، وصار المؤمنون هناك يبكون إمامهم، كما يفعل إخوانهم في سائر أقطار المعمورة… إن هذه المأساة والكارثة العظمى، تشكِّل درساً بليغاً وموعظة كافية، لتوقف كل مخلص، وتوقظ كل واهم وغافل، أن يقع أو يوقع شريحة في هذا البلاء.

    والساحة الإيمانية في هذه المرحلة تعمد إلى التنبيه العابر فحسب، ولا سيما أن المخاطبين أحرار تكفيهم الإشارة، وإلا فإن شواهد متظافرة وقرائن متعاضدة، تقود إلى نزعة عروبية بل بعثية، هي التي تقف خلف هذا النخر الخبيث، من دسِّ المحاضرات بدل الإبكاء، إلى معونة الفقراء بدل الإطعام، وانتهاءً بالتبرع بالدم بدل الإدماء، وغير ذلك من أدوات الانقلاب على العزاء الأصيل. إن الخيوط تنتهي إلى محورية تريد السيطرة على الخطباء، عبر تنظيم التبليغ الديني، وتأمين رواتب وأجور، وهناك مركزية يتسلَّط عليها تيار، تحكمه نزعة تنفر من كل ما هو “قمي”، لا من حيث الانتساب للنظام الإيراني، والانخراط في منظومة الحكم والسلطة، بل من كلِّ قادم من هناك! وإن كان فاضلاً حُراً مستقلاً، بل من بيت نجفي ونشأة علمية تحسب على مدرسة النجف الأشرف! وكأن معياراً قومياً أو بعثياً يحدوها، يتحسس من كل شيء إيراني، وإن كان ذو جذر نجفي، حتى لتُرفض كرامة للميرزا جواد التبريزي، أو السيد تقي القمي، ويلاحَق ناقلها كمتهم اقترف كبيرة!

    وبعد التنبيه والتذكير، تحذير ومواجهة، ودفاع عن الدين لا يسمح بمضارعة ومهادنة.

  • هذا عام وقع فيه بلاء عظيم، افتُتن المؤمنون وزلزلوا، وخضعوا لاختبار عصيب وامتحان عسير، وعند الامتحان يُكرم المرء أو يهان، وقد أكرم الله مَن أكرم وأهان مَن أهان. فاز قوم وسقط آخرون، عثرت فئة وكبت جياد، سرعان ما استدركت وتلاحقت، فأقال الله عثرتها، نالها الغوث وامتدَّت لها يد الرحمة، فكتبت لها النجاة، جمعت شتاتها وقامت من كبوتها، نفضت الغبار عنها، وعادت إلى طريقها واستأنفت مسيرها. بينما قبع غيرها في حضيض عنادها، وأقامت على مكابرتها، فلبثت في الفضيحة ولبسَها العار الأبدي. ستر الله على بعض المؤمنين، وفضح آخرين، ظهرت عورات وانكشفت سوءات، حاص بعضهم حيصة، أراد منع المطبرين من دخول الصحن الشريف، لولا أن أدركته المرجعية وتدخلت فانتشلته وأنقذته، وبقي الأشقياء، يغالبون حبائل ارتضوها ومكائد جعلوا أنفسهم في طريقها، فاصطادتهم شباك الشيطان، وقيَّدتهم حبائل ولايته، فازدادت العُقد تركيباً والحبال التواءً وتقييداً، وضاق حول أعناقهم الخناق، فهلكوا بما عقصوا بأيديهم وفتلوا بأكفِّهم!

    خاب مَن سقط وخسر مَن رسب، وأفلح مَن فاز وظفر مَن نجح… وإن أُصيب بعض الفائزين، فلحقتهم عدوى الوباء ونزل بهم المرض، فقد اتخذوه وساماً، وتلقوه تنقية وتطهيراً، وعلامة قبول وأمارة رضا، كمَن تثقل ضربة التطبير على رأسه فيشتد نزفه، أو تحترق يده وهو يعدُّ الطعام للمعزين، أو يعرض له عارض وهو في سبيل إقامة المأتم فيُعتقل أو يلقى حتفه، تنكفئ السفينة التي تحمله أو الوسيلة التي تقلُّه، فتنكفئ به في الجنة… فهذه العبادة، كما تعمَّق السند الكبير دام ظله وتألَّق، ليست كالصلاة والصيام التي يحكم عليها حفظ النفس ويحوطها منع الضرر والحرج، بل مثلها مثل الجهاد، مبنية على المشقَّة والكُره والضرر، وهو في قوامها وطبعها الأول… والناهضون بها ينادون: لا نامت أعين الجبناء.

    الخطير الذي يهون في سبيله كل بذل ويرخص كل عطاء، النجاح في الامتحان والسعادة في أداء الواجب الذي خلق الله الشيعة له، أي إقامة عزاء سيد الشهداء، فيتلقَّى المرء كتابه بيمينه، لا بشماله ولا من وراء ظهره! ولا يسقط كما سقطت الخامنئية والأحزاب التابعة لإيران، هوت كلها، ولحقها ـ مع الأسف ـ غيرها، شرذمة غلبها السخف واجتذبها بريق السلطة والإعلام والشهرة، غرَّدت في رؤوسهم بلابل عار دفين، حسبوه مجداً غابراً أرادوا إحياءه، فتبرعوا بدمائهم النجسة، ليخمدوا فورة الجزع ويطفئوا نور التطبير، واحتجوا أنه مجرد خيار وبديل، وما هو إلا ثار طريد البصرة، وجد ضالته في فدم بليد!

    هذا عام أُرغمت فيه أنوف وأُخزيت وجوه وعُجِّلت حتوف، طغاة وجبابرة انبروا لتحدِّي الحسين ومصارعة خدَّامه، قصم الله ظهورهم، وشياطين أرادت الاستعلاء والاختيال، فافتُضحوا وذلُّوا في أعقار دورهم، وقهروا حتى قطَّعوا أصابع الندم من عضِّها، وصعاليك يتبعونهم، يردِّدون مقولة أسيادهم، ويلحقون بجبهات أوليائهم، وهؤلاء لا سبيل لإسكاتهم، فقد خلعوا الحياء، وتمعَّكوا في الهوان، واقتيدوا بخزائم أنوفهم، قطعاناً وفرادى، يرقصون على ألحان أسيادهم، يجترون ما يُعلفون، ويخلِّفون وينثلون، وغير الروث لا ينتجون!

    كانوا يزعمون تنقية الشعائر وينادون بتنزيهها، يدَّعون الحرص عليها والخوف من تشويهها، ويعيبون على الحسينيين الفوضى والعشوائية والارتجالية، وغلبة الحالة الشعبية، وافتقاد التخطيط والتنظيم! وإذا بهم يعلنون العجز عن تنظيم مجالس تستوفي الشرائط الصحية! وهم التنظيم الأقوى في العالم! كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً. مضوا في هذا وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم كاذبون، من أعلاهم إلى أدناهم! ولتشهد لهم بعد هذا إسرائيل، ويملي لهم إعلامها الماكر بما يغويهم، من صدق قائدهم، ويبعث النشوة في أنفسهم الواهنة، ويغلب السكر أرواحهم المريضة وعقولهم الركيكة، فتنطلي عليهم الخديعة، أو يتناغمون معها، بما يعينهم في إضلال جمهورهم، ويكفيهم في صناعة الوهم ومسيرة الضلال الذي يبثون وينشرون!

    لقد انكشف وثبت بالحسِّ والشهود والوجدان، أنهم أعداء أصل العزاء وفرعه، يرفضون كافة أشكاله وأنماطه، حتى أدناه المتمثل في عقد المجالس والاجتماع للبكاء… ما صدَّقوا أن جاء الوباء، حتى تلقُّوه بلهفة المشتاق وترحيب المفتاق، هدية غيبية كانوا يبحثون عنها في الأرض فجاءتهم من السماء! وفرصة تاريخية يسجلون فيها سابقة، تفتح الباب من قابِل نحو المزيد، وتوفِّر حجة ينطلقون منها إلى تكرار التعطيل، فما وقع مرَّة وكان، جاز أن يُعاد ويكون، ولن يبخل عليهم إبليس بذريعة يخترعها وحجة وعنوان! هكذا بثوا الرعب والهلع في نفوس المتطلعين لإقامة العزاء الحسيني، واندفعوا في ملاحقة المجالس بالقمع والترويع، والتنكيل والتشنيع، يكبسون الدور ويرهبون أهلها، يهددونهم بسطوة القانون والغرامات المالية، وكل جريمة أهلها أنهم اجتمعوا ليذكروا مصاب الحسين ويبكوا فاجعته؟!

    والحق أن الأمر يبعث على الدهشة ويورث الحيرة، أن يُستدرج مؤمن ملتزم حتى يسقط في هذا الوادي السحيق ويهوي في هذا القعر العميق، يضيع ويتيه فيخوض معركة، كان حياته كلها يصطف في الجبهة المقابلة لها، وينادي بنقيضها؟! كيف لشيعي أن يصطف لحرب الشعائر الحسينية ويلحق بأداء ناصبي حاقد، يأباه الكرام ويأنف منه الأحرار، من أية ملة كانوا، فإقامة الشعائر وممارسة المعتقدات الدينية، قيمة إنسانية ومُعطى وجداني، يتطلَّب جحده وإنكاره تسافلاً وانحطاطاً، وإغراقاً في الابتذال، فكيف بمحاربته ومنع أربابه عنه بالقهر والرعب!؟ مَن الذي استدرج هؤلاء فألقاهم في هذا الشقاء؟! والمفترض أنهم أطهار شرفاء؟ نفوس طيبة تعاهدتها يد الغيب بالرعاية، وهي نطف في الأصلاب، لتنحدر من طهر وتتولَّد من نجابة، حاطتها عبر الأسلاف ومن غابر الأزمنة والأحقاب بالحراسة والصيانة، لتصرف عنها اللوث وتدفع الدنس، فتأتي خالصة نقية، وتنحدر طاهرة زكية… كيف لها أن تهوي وتسقط بهذه الكيفية؟ فتتخلى طواعية عن عقائد قامت في سبيلها حروب وبذلت دماء؟ وتفرِّط بتراث دفعت الطائفة لحفظه أغلى الأثمان وتحمَّلت أشدَّ البلاء؟ كيف لـ”إمامية”، يرون “الإمام” أصل دينهم وصلب مذهبهم، أن يمتهنوه بهذا الشكل، فيخلعوا ألقابه ويسرقوا صفاته لصالح زعيم حزبهم؟! وهم الذين يكررون في أدعيتهم وزياراتهم، “فبلغ الله بكم أشرف محلِّ المكرَّمين، وأعلى منازل المقرَّبين، وأرفع درجات المرسلين، حيث لا يلحقه لاحق، ولا يفوقه فائق، ولا يسبقه سابق، لا يطمع في إدراكه طامع، حتى لا يبقى ملك مُقرَّب، ولا نبيٌّ مُرسل، ولا صدِّيق ولا شهيد، ولا عالم ولا جاهل، ولا دنيٌّ ولا فاضل، ولا مؤمن صالح، ولا فاجر طالح، ولاجبَّار عنيد، ولا شيطان مَريد، ولا خلق فيما بين ذلك شهيد، إلا عرَّفهم جلالة أمركم، وعِظَم خطركم، وكبر شأنكم وتمام نوركم، وصدق مقاعدكم، وثبات مقامكم، وشرف محلِّكم ومنزلتكم عنده، وكرامتكم عليه، وخاصتكم لديه”… وهناك مئات النصوص وآلاف العبارات التي تكرِّر هذا التفوُّق وتثبِّته، وتؤكِّد هذا التميُّز وترسِّخه، لا يحتاج معها أي متدبِّر ليكتشف أنها بصدد قطع الطريق على المقارنة والتشبيه، ومنع المقايسة والتمثيل، وأن الفذلكات السمجة التي تحكي برودة أوجه ملقيها، وموت الإحساس في متكلفيها، هي تعسُّف وتحايل شيطاني، يريد أن يسقط فضائلهم ويبطل تميزهم.

    ولا ينقضي العجب إلا عند التنبه والتيقظ، بعد شيء من التمعن والتدبُّر، وبقراءة واعية تلاحق تفريطات القوم وسقطاتهم المهلكة، فينكشف الغطاء ويرتسم الخطاب وتزول الحيرة والاستغراب… ففي كتاب الله، في تأويل قوله تعالى: “وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع” ، وفي كتب الحديث التي يجاهدون لإسقاطها عن الإعتبار، مثل الكافي الشريف، أبواب بعنوان “ثبوت الإيمان وهل يجوز أن ينقله الله” وآخر في “المعارين”… تجد الجواب!

    فعن الصادق عليه السلام:”إنَّ الله جبل النبيين على نبوَّتهم فلا يرتدون أبداً، وجبل الأوصياء على وصاياهم فلا يرتدون أبداً، وجبل بعض المؤمنين على الإيمان فلا يرتدون أبداً، ومنهم من أُعير الإيمان عارية، فإذا هو دعا وألح في الدعاء مات على الإيمان”. وعنه عليه السلام: “إن الله عز وجل خلق خلقاً للإيمان لا زوال له، وخلق خلقاً للكفر لا زوال له، وخلق خلقاً بين ذلك واستودع بعضهم الإيمان، فإن يشأ أن يتمَّه لهم أتمَّه، وإن يشأ أن يسلبهم إياه سلبهم”. ومن خطبة لأميرالمؤمنين عليه السلام: “فمن الإيمان ما يكون ثابتاً مستقراً في القلوب، ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم”.

    ببساطة شديدة، هؤلاء تخلوا عن إيمانهم وتراجعوا عن ”إماميتهم”، وهم اليوم ينتمون إلى مذهب يرسم قائدهم معالمه، وتحدد قيادة حزبهم شرائطه وضوابطه، فلا أسى ولا حسرة، إلى حيث وجههم وليهم الرجيم، إلى جهنم وبئس المصير. ولات حين مندم.

    يقال أن قطاً دخل دكان حداد، فأصاب صدأ على المبرد حسبه أثراً للحم، فأقبل يلحسه، والدم يسيل منه وهو يبلعه، يظنه من المبرد، وما زال مستغرقاً في فكرته وفعلته حتى فني لسانه فمات.