• لا يُخفي أتباع إيران خوفهم من “الانعزال”، ولا يختلفون على الخطر الذي يتهددهم منه، فبه تُحاصر الثورة ويُحال دون تصديرها، فالقضاء عليها وخنقها في أرضها. ومن هنا يؤكدون على ضرورة الامتداد والتوغل في المحيط الإقليمي، والتواصل مع الفضاء العالمي، ووجوب العمل لتذليل الصعاب والالتفاف على محاولات التضييق والتطويق. وتلحق ذلك أو تسبقه المبادئ والشعارات الثورية، ومعاداة الاستكبار، وهتافات الموت لأمريكا وإسرائيل. وتنضم إليه الأصول العقائدية التي تفرض التبري وتحكم بعدم التولي، وتأمر بالتوجُّس والريبة، وتحذر من الركون، فالأخذ غيلة أو حيلة… كل هذا يرفد التضاد، ويصبُّ في حتمية الصراع. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لا يختلف العقلاء في كون السياسة هي فن الممكن، وأن الأمر في مواجهة أمريكا أو الاستكبار المهيمن على العالم، محكوم بهذا الأصل.. ذلك بعد الإذعان بالبون العلمي والمسافة الحضارية التي تجعل الفاصل في السبْق والتقدُّم وحجم التطوُّر الصناعي والآلي يناهز قرناً كاملاً، ويحكم ـ بالتالي ـ بتفوُّق أمريكا السياسي والاقتصادي والعسكري، وانعدام فرَص الفوز في المعركة، وأي صراع مباشر. هذه حقيقة يعرفها كلُّ سياسي، ويعيشها كلُّ ثوري، مهما علا صياحه، وأرعد وأزبد، أو تفنن في استعراض قوته والتبجُّح بشعاراته.. فهو في موقع الفعل ومقام العمل، سيكون أرعناً سفيهاً إذا تجاوز معطيات تفوُّق العدو، وتجاهل قدرته على إنهاء المعركة من الجولة الأولى،، كل ما يسع القائد المحنَّك هو التعامل بذكاء، يناور على تقاطع خطوط المصالح، ويوظِّف نقاط الضعف ومواطن الحاجة. وهذا الفهم والإدراك متحقِّق في جميع المسؤولين الإيرانيين، وحاضر في الأحزاب التابعة لهم في سائر البلاد، لا يخالفه إلا إلهيون حقيقيون يطلبون الجنة، ويُدخلون المدد الغيبي والنصرة الإلهية عاملاً أساساً في محاسباتهم.. ثوريون مستميتون، وقل إن شئت استشهاديون أو انتحاريون، لا شأن لهم بالنتائج، ينطلقون في تحديد التكليف من نصوص وأحكام شرعية مباشرة، دون مراعاة لتأثير الظروف، أو دور لمصالح مرجوَّة ومفاسد محذورة.

    من هنا، من عالم الحقائق والأرقام الواقعية والمعطيات الفعلية والخيارات المتاحة والإمكانيات المبذولة، يمكن محاسبة قادة الحركة الإسلامية من جهة، وزعماء الحوزة ورجال المرجعية من جهة أخرى، على أدائهم، وتقييم إنجازاتهم، ونتائج مواقفهم وأعمالهم… لا أحد يرى المرجعية معصومة، تحلِّق فوق النقد، أو مستغنية عن التوجيه والنصح، حتى العلني الإعلامي، الذي يخلق مداً جماهيرياً ضاغطاً، وتهديداً مقلِقاً للحاشية التي ترقب الشعبية وتلاحظ النجاح في كسبها وتحذر الفشل من فقدها.. ولكن الكلام في شخص الناقد والناصح، مدى صدقه أو لؤمه وخبثه، وخلفيات إطلاقه الاعتراض، وبالتالي الفرز والتمييز بين النقد العلمي الموضوعي، الصحي السليم، والآخر المغرض السقيم، الذي يريد التشويه والتسقيط!

    منذ الأيام الأولى لتزكية الحوزة العلمية السيد السيستاني للمرجعية، الذي ما لبث أن اكتسح تقليده العالم فتعيَّن مرجعاً أعلى، والنظام الإيراني في قلق من تهديد يطال قيادة مرشده الروحي، ووجل على طموحه في زعامة الشيعة كافة. وفي امتعاض من حركة الحوزة ودورها ونفوذها في الأمة، بل انزعاج من وجودها، كموقع حرٍّ مستقل عن سلطة الدولة وهيمنتها، ومناعة عالية عن تأثير مخابراتها وشيطنة أحزابها، وقد صُنِّف هذا الخطر في المستوى نفسه الذي أُدرجت فيه حركات المعارضة (السياسية الناعمة، والإرهابية العنيفة) التي تعمل لإسقاط النظام!.. تحدَّث حينها الشيخ أحمد جنتي في صلاة الجمعة، وقذف المرجعية بأنها صنيعة بريطانيا، فلما رأى انسحاب المصلين من صفوف الجماعة وتسللهم تباعاً، ثم هاله (هو ووليُّه) حجم ردَّة الفعل في العالم الشيعي، عاد ليبدأ الصلاة في الجمعة التالية بالاستغفار وإعلان التوبة. وما زال صعاليك النظام الإيراني من قبيل الحبتري وقصير وسليم، يتعرَّى الأول فيكفر ويزخرف، ويفتري الثاني فيكذب ويحرِّف، ويتراقص الرعديد الثالث فيلفِّق ويزيِّف، يقبض الجنيهات الإسترلينية ليفور ويبقبق! والغزِّي من بعدُ، يشدُّ للإغراء خيمةً ويبسط مهاداً، ويبني للدعارة بيتاً ويمدُّ فراشاً، وقد انضم إليهم أخيراً حسين شريعتمداري، راح يدلي بمثقوب دلوه، ويزعب برشاه من ناضي بئره… يقيمون على هذا ويمضون، يمارسون على النجف والمرجعية حرباً خفية وعلنية، ويلاحقون كلَّ موقع ديني خارج سيطرة الحكومة الإيرانية، بالتشويه والتسقيط والهدم والتقويض، ليبقى القياد بيد ربَّان طهران، يأخذ السفينة نحو لُجَّة الطوفان، بل حيث تصطلمها حِمم البركان، إن لم تغرقها وتركسها تلك، صهرتها وقضت عليها هذه! وما زالوا يتحينون كلَّ فرصة، ويكرعون نقيع الغصُّة، كمن يريد درْس الحصاد بخطوة، وغرْف البحر بركوة، فلا يستطيلون أو يستطيعون، غير أن يباري فسْوهم الظربان، ويغلب نعيبهم الغربان… اللهم إلا أن يربط لغطهم على عيون أتباعهم، فيبقون صمّاً بُكماً عمياً لا يرجعون عن غيهم، يستمرئون الضلال ويفضلون حنادسه على شمس الهداية وصبح البصيرة!

    وإذا أردت أن تعرف سرَّ غيظ الخامنئية وحسدهم المرجعية، فانظر في صحيفة أعمال السيد القائد وتأمَّل في “إنجازاته”، لتقف على نتائج مزرية، إخفاق متراكم وفشل متعاقب، وجبال من تكلُّف العناء ودفع الأثمان الباهظة دون مردود ومحصول يذكر، إلا البقاء في السلطة! وأول ما يواجهك كسِمة بارزة في نهج الرجل، ومعلَم واضح في طريقة عمله: إشغال الجبهة الشيعية الداخلية، وإدخالها في صراعات، إن لم تكن قاتلة مُهلكة، فهي مُضعفة مُنهكة، وذلك في سياقين تعاضدا على دفع النظام نحو الهاوية، الأول: عمليات تصفية وإعادة بناء قاعدة ثورية، تعتمد الحزبية بدل الشعبوية والحالة الجماهيرية، أقصت رفاق النضال وإخوة الكفاح، وخنقت كلَّ صوت ناقد أو ناصح، خضدت ما عداها من الأجنحة، ومحقت ما سواها من القوى الفاعلة في الساحة، وأبقت على مُحدثي النعمة والطارئين على الثورة، وقرَّبت المتزلفين المتملقين المستأكلين! فكأنها دسَّت السوس في صلب النظام وأساسه، وأفسحت لنخره وتفتيت بنيته. والثاني، وهو الأخطر: العمل على إقامة هيكلية عقدية مبتدعة للدين، تعتمد اللامذهبية، تأخذ شيئاً من العلمانية، وضغثاً من الوهابية، وكثيراً من الزيدية، لتخلص إلى إسلام بلا مذهب! وكان هذا منطلقها في استهداف الحوزة والأصالة، ودعم ورعاية، بل خلق عناصر الضلال وبؤر الفتنة، ومباركة أعلام التحريف والفرقة، والدفاع المستميت عن “المرجعيات” المزيفة، كل ذلك باسم الحداثة والتنوير، والإصلاح والتطوير.

    فإذا فرغتَ من هذه الكارثة، وتدبرتَ في إنجازات الخامنئية على صعيد الجبهة الخارجية، والقضايا التي تراها مصيرية وأساسية، كالقضية الفلسطينية، وعمدتَ لمقارنة بسيطة، رجعتَ فيها إلى سيرة السيد الخميني رحمه الله، الذي عطَّل بخطاب واحد، قمة فاس 1981، التي عقدت في أقصى المغرب، قريباً من المحيط الأطلسي، وقلَبها رأساً على عقب، فختمت أعمالها بعد انعقادها بخمس ساعات فقط! وأنهت الجدول ببنده الوحيد: خطة الملك فهد لحل القضية الفلسطينية، دون اتخاذ أي قرار! وقارنتَ ذلك بسياسة الخامنئي و”فطنته”، و”أنفاسه الملكوتية” و”هيبته”، التي انتهت بفتح إسرائيل سفاراتها على أبواب إيران، وتغرس في خاصرتها خنجراً أرادت هي أن تشهره في الجولان وجنوب لبنان! لعرفت أبعاد الهزيمة وحجم المأساة. وكذا الحال في أدائه في القضية الآذرية، والتدبير الذي أدار الأزمة وتموضع في الصراع الأرميني ـ الآذري، بما أفقد الجمهورية الإسلامية حاضنة طبيعية لها، وأفسح للنفوذ الإسرائيلي، وسلَّط على إيران سيفاً يتهدد رأسها بالفلق و“التطبير” في أية لحظة يحين فيها الحين!

    إنها عقدة البطولة والنجومية والزعامة، وهذا ما تراه جلياً في محاولته مجاراة الخميني في نبوءة سقوط الإتحاد السوفييتي وانتهاء الشيوعية، ومحاكاته في طريقته، حين خطب في الأيام الأولى لولايته، وتنبأ بسقوط النظام المصري في بحر عام أو عامين! وها قد مضت أكثر من ثلاثين سنة، ذهبت فيها النبوءة أدراج الرياح، بل حتى الربيع العربي، الذي قلبت عبره أمريكا النظام في مصر، وجاءت بالإخوان وحققت للخامنئي أحلامه، ما لبث أن سقط وانتكس، وعاد الحال إلى سابق عهده!

    وبعد، فمن عطاءات “الحكمة” و”حسن التدبير” في الرجل، أنه قلَب الموقف الأمريكي وأدار وجهة الصراع الذي انشغل به الشيطان الأكبر، فأسقط لنا طالبان وأجهز على صدام، في واحدة من أجلى مظاهر الاستدراج الإلهي، والاستجابة لدعاء “اللهم أشغل الظالمين بالظالمين، واجعلنا بينهم سالمين”.. ليعيد الدائرة على الشيعة! ويحمل أمريكا على مواجهة مفرطة ما زالت تحاصر إيران وتخنقها، وتمد أعداءها وتعين المتربصين بها، بما أشرف بها على الاحتضار، وسيأخذها إلى هزيمة مؤلمة، إن لم تبلغ السقوط التام، فهي ستفرغها من جميع قيَمها ومبادئها، وتعيدها تابعاً كما كان الشاه… كل ذلك في سبيل التمسُّك بشعارات جوفاء، والاستمرار في مزاعم الصراع والعداء التي لا حظَّ لها في الواقع ولا نصيب في العمل! اللهم إلا تسجيل بطولات تُبقي على الشعبية، وتنافس في استحقاق القيادة وتثبت الأهلية!

    ثم ينبري بعد هذا صعاليك إيران ويتهجمون على السيد السيستاني ويرمونه بافتقاد العمق والحكمة، بل بالسذاجة والبساطة، ويتهمونه بالتفريط بحقوق الشعب العراقي، لأنه وافق على نظارة الأمم المتحدة على إجراء الانتخابات، وكل ما يحول دون عزل العراق وحصاره، وإلحاقه بإيران في صراعها الأخرق مع العالم!

    الحقيقة العميقة، البعيدة عن الدعاوى الفارغة والمزايدات الجوفاء، أن الخامنئي ليس ثورياً، تماماً كما هو السيستاني! هناك فارق واحد بسيط بينهما، وهو أن ذاك يتظاهر بغير ما يكنُّ وينهج، وهذا الآخر واضح في موقفه وفكرته، يصرِّح أنه لا يوافق على الجهاد المسلَّح ضد الوجود الأمريكي الذي كان سبباً في خلاص العراق من أسوأ كابوس عرفه في العصر الحديث، بينما يعلن هذا أنه في حرب مباشرة مع أمريكا، بجميع الأسلحة وعلى سائر الجبهات، ويفتي بالجهاد ضد التواجد الأمريكي في العراق والمنطقة! ثم يتَّصل بالأمريكان ليُخلوا قاعدة “عين الأسد”، فهو يريد توجيه ضربة انتقامية على مقتل الشهيد سليماني! فيا لله وللثورية!

    لا أحد يثق بأمريكا وروسيا والدول العظمى، ولا بالأمم المتحدة ومنظماتها… ولكن هناك حكيم إلهي يدير الزوايا ويدبِّر الأمور بما يجنِّب شعبه الويلات، ويخلِّصه من بطش الطغاة، وينجيه من فقر يورث الكفر، وفي المقابل هناك نزِق مُكابر، أقعس، يتقدَّم صدره ويتأخر ظهره من فرط زهوه، بلغ به العناد مبلغ مَن خاصم زوجته فجبَّ نفسه!

    ترى، كم عساه سيحصل التيار الخامنئي من مقاعد في مجلس الشورى أو مجلس صيانة الدستور، لو قيِّض للانتخابات الإيرانية جهة رقابية تشرف عليها بنزاهة وحياد؟! بالله ماذا لو خضع الخامنئي نفسه لاستفتاء شعبي، هل ستتجاوز شعبيته ٥ أو ١٠ ٪؜ في أحسن الأحوال؟! هذا ما يخشاه شريعتمداري، ويقلق الصعاليك الذين ينتقدون المرجع الأعلى، ويتهجمون على الحوزة العصيَّة على الدولة،، لا غير!

  • لو أتيح لعالِم نحرير، فقيه فذٍّ ومحدِّث ضليع، عارف كامل وفيلسوف بارع، جامع للمعقول والمنقول، متمكِّن من سائر العلوم والفنون، يتمتع ـ من بعدُ ـ بعقل موزون، وحكمة راجحة، وخبرة واسعة، وفطنة نادرة، ليكون ـ بحق ـ نابغة دهره وفلتة عصره، وعبقري زمانه… لو قيِّض لمثل هذا الحكيم، بعد كل ذاك العلم والفضل والحصافة والحنكة، أن يطَّلع على الغيب، فُتِحت له سجلَّات ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة! فنظر في سير الأُمم ونهوض الدول، وسبَر بناء المدن وقيام الحضارات، عرف أسباب انتشار المدارس الفكرية، وخبر أسرار ألق المذاهب الدينية، وتبصَّر في عوامل تداعيها وعلل سقوطها، ووقف بعد الماضي والتاريخ، على الحاضر والمستقبل… ثم أُعطي قلم القضاء والقدر، وطُلب إليه وخُوِّل أن يخطَّ نهجاً، ويبتدع فكرة، ويرسم آلية تحفظ الدين من الضياع والمذهب من التحريف، يقترح فكرة عملية فاعلة، تمكِّن الدين من مقاومة الاندثار والتآكل التاريخي، وتمنحه القدرة على الصمود أمام عوامل التحريف والتزييف، التي تصيب الأديان وفكر الإنسان، لدور الحياة الاجتماعية ومكان السياسة والمال والاقتصاد (كما تفعل عوامل التعرية والتجوية في الطبيعة)، الذي يبدِّل الأعراف والعادات، ويغيِّر العلوم والثقافات، ويقلب حتى العقول والمدرَكات، يذهب بنُظم ومقولات، ويأتي بمُحدَثات مبتدعات… فيخترع لنا ما يمكِّن الدين من الاستمرار، وما يبقيه في موقع الصدارة في المجتمع، ويهبه دوراً ومكانة، تحمل حمَلته، من سائر الطبقات ومختلف القطاعات، على التزام عقائده وشرائعه، وتقودهم للدفاع عن معارفه والذود عن قيَمه ومبادئه، والبذل في سبيله…

    ما كان هذا الحكيم ليعدو اقتراح تأسيس أو صنع موقع ومحطة تحمل زخماً عاطفياً متأجِّجاً، وحبّاً وعلقة روحية متدفقة، لا تنطفئ ولا تخمد أبداً، واختراع آلية قادرة على اجتذاب الناس وجمع مختلف الأطياف وحشدهم، وتأمين دوام حضورهم وفاعليتهم، بما يحملهم على البذل والعطاء، في أموالهم وأنفسهم، ولا سيما تفاعل عواطفهم، التي تستنبط دموعاً تنصبُّ وتنهمر، وتفجِّر دماءً تسيل وتسيح، وتصرف أموالاً تغدق بجود ونخوة، وطاقات وجهوداً تُقدَّم حباً وكرامة، وعطاءات تبذل طوعاً ورغبة… ولما بلغ هذا الحكيم في إبداعه ما هو قائم في المذهب الجعفري وجارٍ في الطائفة الشيعية من خلال منظومة الشعائر الحسينية، وما يجري في إحيائها والتزام العمل بها، مما ترك الآخرين حيارى في صور السمو الروحي ونكران الذات والتكافل الاجتماعي، والأهم الأخطر: الحفاظ على الهوية ومنع انحلالها في المحيط الضاغط والبيئة القاحلة، واندحارها أمام الظروف العصيبة القاهرة، التي ما وفَّرت وسيلة ولا تنزَّهت عن حيلة.

    لا شيء أبقى التشيُّع على أصالته وحفظ له خلوصه ونقاءه، بعد دور الحوزة في صون تراث أهل البيت واستنباط معارفهم من كنوزهم… إلا مظاهر الولاء وشعائر العزاء، ومنطلقها الحب والزخم العاطفي! هذا ما أبقى المذهب صامداً، وحفظ التشيُّع حياً متدفقاً. ولو زعم حكيم أن ملحمة كربلاء ما قامت ولا كانت إلا لتزرع بذرة الشعائر التي تلتها، وتخطَّ لمسيرة التفجُّع والرثاء والبكاء التي أحيتها، لما قال جزافاً، ولاتَّسق ذلك مع مقولة طريقية النهضة الحسينية في حفظ الدين، وإن كان الرأي السديد، بل الصحيح هو موضوعيتها، فالبكاء والندب والجزع غاية في شريعتنا، كما الصلاة والصيام.

    هذا أقصى ما يتمناه أي دين سماوي أو غير سماوي، وترجوه أية مدرسة فكرية بشرية، سياسية أو اجتماعية، أن تتمتع بموقع ومحطة عاطفية مثل الشعائر الحسينية، فتمتلك جوهراً من العاطفة والعلقة القلبية، تستتبع أحكاماً وتقاليد وأعرافاً تشكِّل ثروة لا تنضب، وكنزاً ومعيناً لا ينفد… وهي جميعاً تتحسر على افتقادها هذه الآلية التعبوية، والقدرة التنظيمية، التي تبلغ الذروة في الضبط والإحكام، مع احتفاظها بقمة العفوية والارتجال، وتمتعها بمنتهى الحرية والاستقلال، والفكاك من الإملاء الحزبي والتسلُّط الحكومي!

    في أول لقاء جمعهما سأل فيديل كاسترو الرئيس الإيراني: كيف لكم أن تُبقوا الساحة الجماهيرية ساخنة، وبهذه الحرارة العالية؟ أجابه رفسنجاني بأنَّ “قديساً” عندنا أراق دمه يوماً، فأمدَّنا بهذا الدفق والحماس منذ ذلك الحين! وفي آخر زيارة له لإيران عام 2001، التقى كاسترو هاشمي رفسنجاني، وقال له، في ما بدا تعليقاً متأخراً على جوابه: ليس عندنا قديس يحبه الناس إلى هذا الحد، فيبكونه عاماً بعد عام منذ 1400 سنة، إنهم لا يبكون “ربهم” المصلوب بعد عذابات الجلجلة، فمن أين نأتيهم بقديس مثل الحسين؟!

    من هنا، لك أن تتأمل في مدى سفَه القائمين على مشروع “المحاضرات”، سفهٌ مجلَّل بجرأة وجسارة، وثقة بالنفس تبلغ الوقاحة والصفاقة، مما لا يكون إلا في فدم أخرق، عرف شيئاً وغابت عنه أشياء، يحدوهم للابتكار، ويحملهم على الاجتهاد والابتداع، ويسوِّل لهم اختراع المحدَث، الذي يغيِّر جوهر الشعائر وكُنه العزاء الحسيني، يقلبه من الرثاء والبكاء، لصالح الدروس والمحاضرات! ولست أريد الحداثويين، فهم خارجون تخصصاً، فلا ريب أنهم ينطلقون من غرض ومرض، إنما الحديث في جملة من الناشطين المخلصين، وبعضهم من أهل الفضل والبصيرة، غلبتهم الغفلة، فوقعوا في المصيدة! وهي هنا شبيهة باقتراح أو أمنية أدلى بها ساذج، تمنَّى لو زاد مقدار زكاة الفطرة، التي يلتزمها الغالبية الساحقة من المؤمنين، دون الخمس الذي لا يُخرجه إلا النخبة من الملتزمين! وتصوَّر الأمر بمخيلته العرجاء، فرأى أن الزكاة لو زاد مقدارها كانت ستعالج قضية الفقر وتقتلعها من جذورها! والحال أنهم كانوا سيمتنعون عنها كما يمتنعون عن الخمس! وإنما شرِّعت بهذا المقدار الضئيل، رحمة من الله ورفقاً بعباده، يتيح لهم أن يخرجوها لتطهر أموالهم وتسلم نفوسهم، وإلا لغلب الشحُّ النفوس وهلك الناس!.. هكذا الأمر هنا في الشعائر الحسينية، يقيس بعضهم مسألة كثافة الحضور وضرورة اغتنامه واستغلاله، فيعمد إلى قلب المجلس الحسيني وتبديله بندوة ودرس ومحاضرة! غافلاً أنه ـ بعد حين ـ سيخسر الاثنين، لن يبقى أحد في محاضراته، ويفلس من الأصل الذي فرَّط فيه من قبل! والبلاء أن هذه السطحية والرؤية المقطعية التي تبتر الحاضر عن الماضي وتفصله عن المستقبل، وتخرجه من المخطط الإلهي الغيبي لصالح رؤيتها البلهاء، لا تختص بأزمة المنبر والمحاضرة فحسب، بل تسري إلى جميع أنماط الشعائر، ولا سيما الأموال التي تصرف فيها، مقابل بذلها في وجوه الخير الأخرى، التي تشكو إعراضاً، ولربما جفوة من المؤمنين، فيسعى الجاهل إلى تغيير وجهتها وهو يحسب أنه يحسن صنعاً.

    ومما يغفل عنه هؤلاء الناشطون، وقوعهم في “الذين جعلوا القرآن عِضين”، تضيق رؤيتهم فلا يرون من الدين إلا مفردة واحدة، وتهبط هممهم فلا يرقبون ويتطلعون إلا جانباً فحسب، هو الاستفادة العلمية أو التربوية الأخلاقية من عاشوراء… وإن كانوا على صعيد الزعم والدعوى لا يتنكرون للعزاء، ويقرُّون بمختلف صنوف الشعائر، لكنهم في واقع الأمر يغفلون عن حال مستمع المجلس الحسيني، الذي حولوه إلى درس ومحاضرة، وكيف عساه أن يقوم ـ في المفترض ـ بعد قليل ليلطم ويجزع، ويحمل المشعل ويلوِّح بالراية! أو يسبق ذلك بإعداد مكان الاجتماع وتهيئته، تنظيفاً وترتيباً، وطبخ الطعام وتوزيعه على المعزين، وأنشطة أخرى، ومجهود كله يأخذ أبعاداً تعبوية وشعبية لا تتناسب بأي حال مع المحاضرة والبحث والفضاء العلمي. نحن في الشعائر الحسينية في عزاء، وفي عرصة وميدان ومجال كله انفعال وهيجان، حزن ولوعة، وبكاء وصرخة، ولطم وجزع وفجعة، وهذه كلها تتعارض ذاتاً وطبعاً مع قضية المطالب العلمية المعمقة، والأفكار المنمَّقة، فإذا أصر الباحث والمحاضر أن يجعل المجلس الحسيني على هذا النمط، سلبه انفعاله وهيجانه، وأخلاه من قوته وعصفه ورعده، وألقاه في فراغ عطَّل بقية أنشطة أهله وروَّاده.

    إن نظرة في حال الشيعة في الشام، وما فعله فيهم السيد محسن الأمين، وانجر لتعطيل العزاء على سيد الشهداء نحو مئة عام، ترسَّخ فيها أن لا قيمة للمجلس الحسيني إلا بفائدة علمية يتلقاها الحضور من درس أو محاضرة، أو أدبية من قصيدة يلقيها شاعر في أجواء مطارحة ومسامرة، وإلا فمجرد البكاء هدر ومنقصة… حتى عاد هذا العام ليستعيد شكله الحقيقي وصورته الأصلية، فأقيمت المجالس الحسينية في أحياء الشيعة وحسينياتهم، وصار المؤمنون هناك يبكون إمامهم، كما يفعل إخوانهم في سائر أقطار المعمورة… إن هذه المأساة والكارثة العظمى، تشكِّل درساً بليغاً وموعظة كافية، لتوقف كل مخلص، وتوقظ كل واهم وغافل، أن يقع أو يوقع شريحة في هذا البلاء.

    والساحة الإيمانية في هذه المرحلة تعمد إلى التنبيه العابر فحسب، ولا سيما أن المخاطبين أحرار تكفيهم الإشارة، وإلا فإن شواهد متظافرة وقرائن متعاضدة، تقود إلى نزعة عروبية بل بعثية، هي التي تقف خلف هذا النخر الخبيث، من دسِّ المحاضرات بدل الإبكاء، إلى معونة الفقراء بدل الإطعام، وانتهاءً بالتبرع بالدم بدل الإدماء، وغير ذلك من أدوات الانقلاب على العزاء الأصيل. إن الخيوط تنتهي إلى محورية تريد السيطرة على الخطباء، عبر تنظيم التبليغ الديني، وتأمين رواتب وأجور، وهناك مركزية يتسلَّط عليها تيار، تحكمه نزعة تنفر من كل ما هو “قمي”، لا من حيث الانتساب للنظام الإيراني، والانخراط في منظومة الحكم والسلطة، بل من كلِّ قادم من هناك! وإن كان فاضلاً حُراً مستقلاً، بل من بيت نجفي ونشأة علمية تحسب على مدرسة النجف الأشرف! وكأن معياراً قومياً أو بعثياً يحدوها، يتحسس من كل شيء إيراني، وإن كان ذو جذر نجفي، حتى لتُرفض كرامة للميرزا جواد التبريزي، أو السيد تقي القمي، ويلاحَق ناقلها كمتهم اقترف كبيرة!

    وبعد التنبيه والتذكير، تحذير ومواجهة، ودفاع عن الدين لا يسمح بمضارعة ومهادنة.

  • هذا عام وقع فيه بلاء عظيم، افتُتن المؤمنون وزلزلوا، وخضعوا لاختبار عصيب وامتحان عسير، وعند الامتحان يُكرم المرء أو يهان، وقد أكرم الله مَن أكرم وأهان مَن أهان. فاز قوم وسقط آخرون، عثرت فئة وكبت جياد، سرعان ما استدركت وتلاحقت، فأقال الله عثرتها، نالها الغوث وامتدَّت لها يد الرحمة، فكتبت لها النجاة، جمعت شتاتها وقامت من كبوتها، نفضت الغبار عنها، وعادت إلى طريقها واستأنفت مسيرها. بينما قبع غيرها في حضيض عنادها، وأقامت على مكابرتها، فلبثت في الفضيحة ولبسَها العار الأبدي. ستر الله على بعض المؤمنين، وفضح آخرين، ظهرت عورات وانكشفت سوءات، حاص بعضهم حيصة، أراد منع المطبرين من دخول الصحن الشريف، لولا أن أدركته المرجعية وتدخلت فانتشلته وأنقذته، وبقي الأشقياء، يغالبون حبائل ارتضوها ومكائد جعلوا أنفسهم في طريقها، فاصطادتهم شباك الشيطان، وقيَّدتهم حبائل ولايته، فازدادت العُقد تركيباً والحبال التواءً وتقييداً، وضاق حول أعناقهم الخناق، فهلكوا بما عقصوا بأيديهم وفتلوا بأكفِّهم!

    خاب مَن سقط وخسر مَن رسب، وأفلح مَن فاز وظفر مَن نجح… وإن أُصيب بعض الفائزين، فلحقتهم عدوى الوباء ونزل بهم المرض، فقد اتخذوه وساماً، وتلقوه تنقية وتطهيراً، وعلامة قبول وأمارة رضا، كمَن تثقل ضربة التطبير على رأسه فيشتد نزفه، أو تحترق يده وهو يعدُّ الطعام للمعزين، أو يعرض له عارض وهو في سبيل إقامة المأتم فيُعتقل أو يلقى حتفه، تنكفئ السفينة التي تحمله أو الوسيلة التي تقلُّه، فتنكفئ به في الجنة… فهذه العبادة، كما تعمَّق السند الكبير دام ظله وتألَّق، ليست كالصلاة والصيام التي يحكم عليها حفظ النفس ويحوطها منع الضرر والحرج، بل مثلها مثل الجهاد، مبنية على المشقَّة والكُره والضرر، وهو في قوامها وطبعها الأول… والناهضون بها ينادون: لا نامت أعين الجبناء.

    الخطير الذي يهون في سبيله كل بذل ويرخص كل عطاء، النجاح في الامتحان والسعادة في أداء الواجب الذي خلق الله الشيعة له، أي إقامة عزاء سيد الشهداء، فيتلقَّى المرء كتابه بيمينه، لا بشماله ولا من وراء ظهره! ولا يسقط كما سقطت الخامنئية والأحزاب التابعة لإيران، هوت كلها، ولحقها ـ مع الأسف ـ غيرها، شرذمة غلبها السخف واجتذبها بريق السلطة والإعلام والشهرة، غرَّدت في رؤوسهم بلابل عار دفين، حسبوه مجداً غابراً أرادوا إحياءه، فتبرعوا بدمائهم النجسة، ليخمدوا فورة الجزع ويطفئوا نور التطبير، واحتجوا أنه مجرد خيار وبديل، وما هو إلا ثار طريد البصرة، وجد ضالته في فدم بليد!

    هذا عام أُرغمت فيه أنوف وأُخزيت وجوه وعُجِّلت حتوف، طغاة وجبابرة انبروا لتحدِّي الحسين ومصارعة خدَّامه، قصم الله ظهورهم، وشياطين أرادت الاستعلاء والاختيال، فافتُضحوا وذلُّوا في أعقار دورهم، وقهروا حتى قطَّعوا أصابع الندم من عضِّها، وصعاليك يتبعونهم، يردِّدون مقولة أسيادهم، ويلحقون بجبهات أوليائهم، وهؤلاء لا سبيل لإسكاتهم، فقد خلعوا الحياء، وتمعَّكوا في الهوان، واقتيدوا بخزائم أنوفهم، قطعاناً وفرادى، يرقصون على ألحان أسيادهم، يجترون ما يُعلفون، ويخلِّفون وينثلون، وغير الروث لا ينتجون!

    كانوا يزعمون تنقية الشعائر وينادون بتنزيهها، يدَّعون الحرص عليها والخوف من تشويهها، ويعيبون على الحسينيين الفوضى والعشوائية والارتجالية، وغلبة الحالة الشعبية، وافتقاد التخطيط والتنظيم! وإذا بهم يعلنون العجز عن تنظيم مجالس تستوفي الشرائط الصحية! وهم التنظيم الأقوى في العالم! كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً. مضوا في هذا وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم كاذبون، من أعلاهم إلى أدناهم! ولتشهد لهم بعد هذا إسرائيل، ويملي لهم إعلامها الماكر بما يغويهم، من صدق قائدهم، ويبعث النشوة في أنفسهم الواهنة، ويغلب السكر أرواحهم المريضة وعقولهم الركيكة، فتنطلي عليهم الخديعة، أو يتناغمون معها، بما يعينهم في إضلال جمهورهم، ويكفيهم في صناعة الوهم ومسيرة الضلال الذي يبثون وينشرون!

    لقد انكشف وثبت بالحسِّ والشهود والوجدان، أنهم أعداء أصل العزاء وفرعه، يرفضون كافة أشكاله وأنماطه، حتى أدناه المتمثل في عقد المجالس والاجتماع للبكاء… ما صدَّقوا أن جاء الوباء، حتى تلقُّوه بلهفة المشتاق وترحيب المفتاق، هدية غيبية كانوا يبحثون عنها في الأرض فجاءتهم من السماء! وفرصة تاريخية يسجلون فيها سابقة، تفتح الباب من قابِل نحو المزيد، وتوفِّر حجة ينطلقون منها إلى تكرار التعطيل، فما وقع مرَّة وكان، جاز أن يُعاد ويكون، ولن يبخل عليهم إبليس بذريعة يخترعها وحجة وعنوان! هكذا بثوا الرعب والهلع في نفوس المتطلعين لإقامة العزاء الحسيني، واندفعوا في ملاحقة المجالس بالقمع والترويع، والتنكيل والتشنيع، يكبسون الدور ويرهبون أهلها، يهددونهم بسطوة القانون والغرامات المالية، وكل جريمة أهلها أنهم اجتمعوا ليذكروا مصاب الحسين ويبكوا فاجعته؟!

    والحق أن الأمر يبعث على الدهشة ويورث الحيرة، أن يُستدرج مؤمن ملتزم حتى يسقط في هذا الوادي السحيق ويهوي في هذا القعر العميق، يضيع ويتيه فيخوض معركة، كان حياته كلها يصطف في الجبهة المقابلة لها، وينادي بنقيضها؟! كيف لشيعي أن يصطف لحرب الشعائر الحسينية ويلحق بأداء ناصبي حاقد، يأباه الكرام ويأنف منه الأحرار، من أية ملة كانوا، فإقامة الشعائر وممارسة المعتقدات الدينية، قيمة إنسانية ومُعطى وجداني، يتطلَّب جحده وإنكاره تسافلاً وانحطاطاً، وإغراقاً في الابتذال، فكيف بمحاربته ومنع أربابه عنه بالقهر والرعب!؟ مَن الذي استدرج هؤلاء فألقاهم في هذا الشقاء؟! والمفترض أنهم أطهار شرفاء؟ نفوس طيبة تعاهدتها يد الغيب بالرعاية، وهي نطف في الأصلاب، لتنحدر من طهر وتتولَّد من نجابة، حاطتها عبر الأسلاف ومن غابر الأزمنة والأحقاب بالحراسة والصيانة، لتصرف عنها اللوث وتدفع الدنس، فتأتي خالصة نقية، وتنحدر طاهرة زكية… كيف لها أن تهوي وتسقط بهذه الكيفية؟ فتتخلى طواعية عن عقائد قامت في سبيلها حروب وبذلت دماء؟ وتفرِّط بتراث دفعت الطائفة لحفظه أغلى الأثمان وتحمَّلت أشدَّ البلاء؟ كيف لـ”إمامية”، يرون “الإمام” أصل دينهم وصلب مذهبهم، أن يمتهنوه بهذا الشكل، فيخلعوا ألقابه ويسرقوا صفاته لصالح زعيم حزبهم؟! وهم الذين يكررون في أدعيتهم وزياراتهم، “فبلغ الله بكم أشرف محلِّ المكرَّمين، وأعلى منازل المقرَّبين، وأرفع درجات المرسلين، حيث لا يلحقه لاحق، ولا يفوقه فائق، ولا يسبقه سابق، لا يطمع في إدراكه طامع، حتى لا يبقى ملك مُقرَّب، ولا نبيٌّ مُرسل، ولا صدِّيق ولا شهيد، ولا عالم ولا جاهل، ولا دنيٌّ ولا فاضل، ولا مؤمن صالح، ولا فاجر طالح، ولاجبَّار عنيد، ولا شيطان مَريد، ولا خلق فيما بين ذلك شهيد، إلا عرَّفهم جلالة أمركم، وعِظَم خطركم، وكبر شأنكم وتمام نوركم، وصدق مقاعدكم، وثبات مقامكم، وشرف محلِّكم ومنزلتكم عنده، وكرامتكم عليه، وخاصتكم لديه”… وهناك مئات النصوص وآلاف العبارات التي تكرِّر هذا التفوُّق وتثبِّته، وتؤكِّد هذا التميُّز وترسِّخه، لا يحتاج معها أي متدبِّر ليكتشف أنها بصدد قطع الطريق على المقارنة والتشبيه، ومنع المقايسة والتمثيل، وأن الفذلكات السمجة التي تحكي برودة أوجه ملقيها، وموت الإحساس في متكلفيها، هي تعسُّف وتحايل شيطاني، يريد أن يسقط فضائلهم ويبطل تميزهم.

    ولا ينقضي العجب إلا عند التنبه والتيقظ، بعد شيء من التمعن والتدبُّر، وبقراءة واعية تلاحق تفريطات القوم وسقطاتهم المهلكة، فينكشف الغطاء ويرتسم الخطاب وتزول الحيرة والاستغراب… ففي كتاب الله، في تأويل قوله تعالى: “وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع” ، وفي كتب الحديث التي يجاهدون لإسقاطها عن الإعتبار، مثل الكافي الشريف، أبواب بعنوان “ثبوت الإيمان وهل يجوز أن ينقله الله” وآخر في “المعارين”… تجد الجواب!

    فعن الصادق عليه السلام:”إنَّ الله جبل النبيين على نبوَّتهم فلا يرتدون أبداً، وجبل الأوصياء على وصاياهم فلا يرتدون أبداً، وجبل بعض المؤمنين على الإيمان فلا يرتدون أبداً، ومنهم من أُعير الإيمان عارية، فإذا هو دعا وألح في الدعاء مات على الإيمان”. وعنه عليه السلام: “إن الله عز وجل خلق خلقاً للإيمان لا زوال له، وخلق خلقاً للكفر لا زوال له، وخلق خلقاً بين ذلك واستودع بعضهم الإيمان، فإن يشأ أن يتمَّه لهم أتمَّه، وإن يشأ أن يسلبهم إياه سلبهم”. ومن خطبة لأميرالمؤمنين عليه السلام: “فمن الإيمان ما يكون ثابتاً مستقراً في القلوب، ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم”.

    ببساطة شديدة، هؤلاء تخلوا عن إيمانهم وتراجعوا عن ”إماميتهم”، وهم اليوم ينتمون إلى مذهب يرسم قائدهم معالمه، وتحدد قيادة حزبهم شرائطه وضوابطه، فلا أسى ولا حسرة، إلى حيث وجههم وليهم الرجيم، إلى جهنم وبئس المصير. ولات حين مندم.

    يقال أن قطاً دخل دكان حداد، فأصاب صدأ على المبرد حسبه أثراً للحم، فأقبل يلحسه، والدم يسيل منه وهو يبلعه، يظنه من المبرد، وما زال مستغرقاً في فكرته وفعلته حتى فني لسانه فمات.

  • من المروءة والوفاء، ثم المقابلة والجزاء، مواساة المصاب وتعزيته بمَن فقد، وهي من العادات العربية والإسلامية الأصيلة، وتكاد تكون نزعة إنسانية جارية في سائر الأمم والمجتمعات. بعد المشاركة في تجهيز الميت وتشييع جنازته والصلاة عليه ودفنه… يبقى أهله يبكونه ويندبونه، و”الندب” كما “الإسعاد” له معنى خاص في الباب، بعد العام، فالندب الذي يعني النداء والطلب، هو الرثاء والبكاء هنا، والإسعاد الذي يتبادر منه إدخال السرور والفرح والعمل لما يورث ذلك، هو الإعانة على البكاء وتجديده، والمعاضدة على المضي فيه واستمراره، بعد السأم أو الفتور، والتعب والنَصَب من مبلغ الجهد ونفاذ الوسع وذهاب الطاقة، يقوم “المسعِد” بمدح الفقيد وذكر مآثره وفضائله، وتعديد محاسنه ومكارمه، وجميل صفاته ومحمود خصاله، نظماً ونثراً، حكاية وإنشاءً، وسرد كل ما يأخذ في التوجُّع والحسرة، والبكاء والنياحة، فيؤازر على تجديد الأحزان برحيله، واستشعار الثلمة بفقده، ويعين الثاكل على جزعه ويسعفه في رثاء فقيده.

    ومن أعظم مراتب السلوِّ والعزاء، بعد الرثاء، هو الإسعاد… وفي اللغة أسعَده: أي أعانه. وأسعَدَت النائحةُ الثكلى: أعانتها على البكاء والنوْح. وهو إسعاد النساء في المناحات، تقوم المرأة، فتقوم معها أُخرى من جاراتها إذا أُصيبت إحداهنَّ بمصيبة فيمَن يعزُّ عليها، تبكي حولاً، وتُسعدها على ذلك جاراتها وذواتُ قراباتها، يجتمعن معها في عِداد النياحة وأوقاتها، ويُتابعنها ويُساعدنها ما دامت تنوح عليه وتبكيه، فإذا أُصيبت إحداهن بعد ذلك أسعدتها هذه، وهكذا.

    والأدب العربي زاخر في هذا متلاطم، من غنيِّ مفرداته، إلى غزير شعره، فرائق نثره وبديع بيانه، وهي ثقافة سارية وعادة جارية حتى اليوم، اللهم إلا في البيئات التي تسرَّبت إليها الوهابية، الظاهرة أو المبطنة المقنعة، المتوارية بغطاء الحركة الإسلامية، أو الإصلاحية أو التنويرية، سمِّها ما شئت، فهي التي بذرت الشك وبثت الريبة وافتعلت الشبهة، وجعلتنا نتجشَّم الاستدلال على مسلَّمات المذهب وبديهيات العقيدة، ثم نتنكَّر لطبيعي العادات والتقاليد!

    هذا رسول الله صلى الله عليه وآله لما عاد من أُحد، دخل أزقة المدينة، فإذا النوح والبكاء في الدور، قال: ما هذا؟ قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهم. فقال متحسِّراً على عمِّه: “لكن حمزة لا بواكي له”! ولما بلغ قولُه نساء المدينة، تركوا ديارهم ورثاء أهاليهم، وذهبوا إلى دار حمزة يرثونه هناك، إكراماً للنبي صلى الله عليه وآله. حتى غدت سنَّة، فلم تبكِ إمرأة من الأنصار على ميت لها، بعد قول رسول الله هذا، إلا وبدأت بالبكاء على حمزة! تماماً كما يفعل الشيعة اليوم في عزاء موتاهم، يبدأون ويختمون، ويكادون لا يرثون إلا سيد الشهداء عليه السلام.

    وما زال هذا جارياً حتى اليوم في كثير من البلاد، كالعراق ومصر وتركيا والهند، هناك نادبات يتلقين الأجرة لينحن ويصحن على الميت، ولمثلهن أوقف الإمام الباقر عليه السلام بعض أمواله، لتندبه النوادب ويقمن عليه المناحة عشر سنين في منى!

    أما شكل المناحة وتحقُّق “الإسعاد” في العزاء، فلا يكون إلا بكيفية خاصة ونحو متميِّز معهود، تتقابل فيه النادبات الباكيات الجازعات في دوائر وحلقات، كما هي حلقات اللطم في أيامنا، تقرأ إحداهن و”تعدِّد” فتبكي الباقيات، فتعود أخرى لتجيبها وتكون الأولى من الباكيات، وهكذا حتى تدلي كلٌّ بدلوها وتشارك بدورها وتُسعد ربَّة الدار وصاحبة المصاب، النمط الذي تطوَّر شيئاً في ما يعرف اليوم بـ”المستهلات”، مع انفراد الراثي (الرادود) بالقراءة واكتفاء الحضور باللطم، ثم يفسح لهم بكسب أجر الإنشاد من خلال ترديد مقاطع من القصيدة. ويبلغ الأمر في الإسعاد بعض صوَر التفجُّع والجزع، من نشر الشعور وشق الجيوب وخمش الوجوه، مما يجري اليوم في المجالس الحسينية النسائية، تطفر إحداهن من جزع، وتنثر شعرها من ثكل، وتعود لتقفز من ذهول… والطقس مفعم بالرمزية والإشارات الصريحة والخفية، التي قد تغيب مداليلها، والمشار إليه فيها، لمرور الزمن على هذه الصوَر وتباعد الأجيال عنها، وانفصال اللاحقة عن المتقدِّمة السابقة. فشبك اليدين على الرأس، والتلويح بالمنديل أو الطرحة، يكتنُّ هول الخطب وفظاعة المصاب وعظم النكبة، ولا يخلو من إعلام وإعلان، والتمايل على إيقاع اللطم ولحن الندب (وما تراه في “النزلة”)، يحكي وجداً وطوراً بلَغه الجازع من الشجو والأسى، وصار فيه من الهيعة والوجل!..

    وفي الحديث الشريف عن أبي بصير، قال: كنت عند أبي عبدالله عليه السلام أُحدِّثه، فدخل عليه ابنه فقال له: مرحباً، وضمَّه وقبَّله، وقال: طال بُكاء النِّساء وبُكاء الأنبياء والصِّدِّيقين والشهداء وملائكة السَّماء، ثمَّ بكى وقال: يا أبا بصير، إذا نظرتُ إلى وُلْد الحسين أتاني ما لا أملكه بما أُتي إلى أبيهم وإليهم، يا أبا بصير إنَّ فاطمة عليها السلام لتبكيه وتشهق، فتَزْفِر جهنَّم زفرة لولا أنَّ الخزَنة يسمعون بُكاءها وقد استعدُّوا لذلك مخافة أن يخرج منها عُنُق أو يَشْرَر دُخانها فيحرق أهل الأرض، فيكبحونها، ما دامت (الزهراء) باكية، ويزجُرونها (أي النار) ويستوثقون من أبوابها مخافةً على أهل الأرض، فلا تسْكُن حتى يسكن صوتُ فاطمة عليها السلام… قلت: جُعِلتُ فداك إنَّ هذا الأمر عظيم! قال: غيره أعظمُ منه ما لم تسمعه. ثم قال لي: يا أبا بصير أما تحبُّ أن تكون فيمن يُسعد فاطمة عليها السلام؟ فبكيت حين قالها، فما قدرت على النُّطق، وما قدرت على كلامي من البكاء، ثمَّ قام إلى المصلَّى يدعو، فخرجت من عنده على تلك الحال، فما انتفعت بطعام وما جاءني النَّوم…

    إن قوله عليه السلام “أما تحبُّ أن تكون فيمن يُسعد فاطمة” لا يعني أنك إذا قمت بهذا العمل أدخلت السرور عليها وجعلتها سعيدة بطاعتك، بل يعني الإسعاد بالمعنى الخاص، كما في قولهم “لبيك وسعديك” أي إقامة على طاعتك بعد إقامة، وإعانة لك ومساعدة بعد مساعدة، وهو هنا الإعانة والمؤازرة والمشاركة في الثكل والرثاء، والنوح والبكاء، وهو المتبادر مما ورد في غير حديث نسب إلى الرسول في مصادر القوم، ومنه ما جاء في سنن النسائي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أخذ على النساء حين بايعهن أن لا ينُحن. فقلن: يا رسول الله إن نساءً أسعدننا في الجاهلية أفنسعدهن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: لا إسعاد في الاسلام. والحديث مثل نظيره المروي عن عمر، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: “الميت يعذب في قبره بالنياحة عليه”. فتأمل.

    وإذا ورد في الشرع الأغر نهي عن خصوص الجزع (في بعض صوَره) على المصيبة، فهذا في سائر الأموات، دون المصاب في أهل البيت عليهم السلام، ولا سيما سيد الشهداء، فقد أمر الشارع المقدَّس وحثَّ على تجديد عزائه وعدم انقطاعه حتى قيام الساعة، وذلك بشتى الصوَر والأشكال، ومنها ما يبلغ الجزع، فالفجعة فيه دائمة لا تنقطع، والأسى لا يخبو، والمصاب لا يهدأ، والدمعة عليه لا تجفُّ ولا ترقأ.

    وهذا كله فرع الحضور والمشاركة في المجلس، ودونه لا يتحقق “الإسعاد” ولا يكون العزاء، وهو كنه الشعائر الحسينية وجوهر عاشوراء…

    قد يتحقَّق الأجر في أي نحو من رثاء سيد الشهداء، ويوفَّى الباكي أجره وإن كان وحيداً استحضر مصابه فاستعبر، أو سمعه عبر آلة كتسجيل صوتي وهو يجول بسيارته في الطريق، أو عبر قناة فضائية يحضر ما تبثُّه وهو مستلق على أريكته… لكنه لن يبلغ ـ ولا شك ـ تلك الأجواء التي ندب لها أهل البيت، والتي يتعاون الشيعة ويتناصرون ويتكافلون برجاء أن يبلغوها مجتمعين، فيلحقون بالمرحومين، ويخرجون من المحرومين.

    إن حضور مجلس حسيني عبر شاشة التلفزيون أو الحاسوب أو الهاتف لن يحقق “الإسعاد”! والدعوة للمجالس البيتية التلفزيونية هو إفراغ للعزاء من كنهه وجوهره، ونزول به إلى أدنى مراتبه وأقل درجاته، وأثره المرفوض ـ بالقطع والتأكيد ـ هو تخلفه وقصوره عن تحقيق الشعيرة، والعمل الجماعي، وانتقاله إلى العبادة الفردية والفعل الشخصي. وهذا ما سعى فيه ـ على مدى التاريخ ـ وعمل له سلاطين الجور وسائر الجبابرة، ووافقهم الحداثويون الخونة.

    إن كان من خير في هذا البلاء، فهو انعزال التيار الحداثوي المريض، وانفصاله بنهجه الموبوء، وفكره المبتدع الشاذ، عن مجرى الشعائر الحسينية، فهذا الموسم ستخلو ولله الحمد منهم الحسينيات، وتفرغ المجالس، وقد انعزلوا في دورهم وبيوتهم، يستمعون إلى محاضرات ودروس “علمية”، يجدون ما يفوقها على الناشيونال جيوغرفيك، ويُلقَّنون تحليلات سياسية تستخف عقولهم، وثقافة ما زالت تعظِّم وثناً وترفع صنماً.

    من نافلة القول أن إرشادات مراجعنا العظام تنظر استثنائية الظرف وتطرح الأمر كخيار أخير يسبقه إمكانية إقامة العزاء الحقيقي والسعي المضني لعدم تعطيله… لكنها على أية حال، مياه عكرة، كل الخوف أن يصطاد فيها الحداثويون الحزبيون حيتاناً، ولا سيما أنها لا تأتيهم شرعاً إلا في سبت الوباء وبحر الغفلة. فأردت التنبيه.

  • على طريقة الشمبانيا دون كحول، وبوركيني الشواطئ المختلطة، والرقص والدبك الإسلامي، والديجي الشرعي… يجري تسويق خروج المرأة من خدرها، والقضاء على حيائها وسحق احتشامها، والتكسُّب بالدفاع عنها واختلاق ما صار يعرف بحقوقها. ثم يبلغ البلاء مداه حين يفلس المستدل، أو يشقى، فيرمي خديجة الكبرى بمخالطة الرجال ومجالستهم، وهي أم المؤمنين، بل أُم سيدة نساء العالمين، وجدة فخر المخدرات من الأولين والآخرين، أصل نقيَّات الجيوب، ومنبع عديمات العيوب، اللاتي لا بيداً عرفن ولا سرى، ولا مجالس ولا نواد… حتى حسبت أن الكاتب أموي من الذين نسبوا للسيدة سكينة بنت الحسين ما يماهيها بنسائهم، وإذا به سيد ينتسب إلى الدوحة الهاشمية الشريفة، فوا أسفاه!                                             

    أكاد أجزم أن الرجل لم يبلغ في تحصيل العلوم الدينية شأواً ولا قطع شوطاً، ولا هو أوفى البحث حقه من التحقيق بما يسمح باستخلاص نتائج واستنباط مفاهيم دينية خطيرة… ولكن مما يشفع له، أنه، كما علمت، يمضي حراً ولا يخضع لسطوة الحزب، ما يعني أنه حيٌّ لم يمت، وثمة رمق يمكن أن يعود لينبعث منه نحو الحق ويأخذه إلى الصدق، فحريٌّ أن تفتح له نافذة، علَّها تنقله من عُجب وكبر ينفخ صدغه ويصعِّر خده، وعمَه وتيه يُطغيه، إلى بصيرة ووقار واتزان ينجيه، فيفيق من سكرته ويكف عن غوايته، ولا سيما مَهلكة الإضلال الديني، والافتراء على الله ورسوله بنسبة ما يهوى، وإسقاط حالة أو قضية شخصية مرَّ بها على شرعه وإلحاقها بدينه! فلا يلج بعد الآن في أمور الدين كسبَّاك يقيس تمديدات أنابيب لدورة مياه، بالجهاز الدوري ويقرنها بالأوردة والشرايين، ثم لا يكتفي فيعمد لمباشرة علاج جلطة نزلت بمريض، كما يفعل بانسداد قسطل أو سدَّ بالوعة تصريف، مستبدلاً المنشار بالمشرط أو المبضع، والتسليك بالميل الذي ينفخ في مسدودها!.. والحق، إن الخشية على بسطاء المؤمنين أن ينطلي عليهم زخرف قوله، هو ما يحمل على الرد والتوضيح، وإسعاف الأيتام بنجدة تدركهم، مقدَّم على إنقاذ مَن طلب الهلاك وسعى فيه.

    في مناجاة المعتصمين: “وأن تجعل علينا واقيةً تنجينا من الهلكات، وتجنِّبنا من الآفات، وتكِنُّنا من دواهي المصيبات، وأن تنزِل علينا من سكينتك، وأن تُغشي وجوهنا بأنوار محبَّتك، وأن تؤوينا إلى شديد ركنك، وأن تحوينا في أكناف عصمتك”. ومن الدعاء على الشيطان في الصحيفة السجادية: “واجعل بيننا وبينه ستراً لا يهتكه، وردماً مصمتاً لا يفتقه”. وفي دعاء أبي حمزة: “واجعل عليَّ منك واقية باقية”…

    حتى لا نقع في السطحية التي تعاطى بها الرجل مع النص الديني، والقشرية التي انتزع بها المفاهيم من الوقائع التاريخية، بل لا نبتلى بتحريف هذه الوقائع والقفز منها إلى تفاصيل من نسج أخيلتنا، أو توالٍ باطلة ولوازم نحسبها لا تنفك… لا بد من فهم بعض الحقائق العلمية والحوادث التكوينية من منظور إيماني، لا حسيٍّ مادي، كما هو المفترض في المؤمن، فنفهم، على سبيل المثال، “النور” و”السكينة” و”الواقية”.

    وننطلق في ذلك من وقائع تاريخية قطعية، من قبيل تضاعف عدد المسلمين في نظر الكفار، “يرونهم مثليهم رأي العين“، وأنَّ الأمر ليس من المعالجة بالإيحاء، والتأثير بالتلقين، أو الإرعاب بالتهويل، بل هو “رأي عين”، حقيقة متجسِّدة في الخارج، انعكست خيوط الضوء منها في الأعين، ونقلتها الأعصاب إلى المخاخ، فأدركوا، لا من خيال أو رؤيا ومنام، وجوداً لعدد هو ضعف “الواقع”. هكذا نقرب من تحقيق ذيل الآية الشريفة “إن في ذلك لآية لأولي الألباب” ونتعرَّف على “السكينة” التي كانت في “التابوت” في قوله تعالى “وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة”، وكيف لتفاعل نفسي ينتهي إلى السكون والطمأنينة، كما يذهب الحسيُّون في تفسير “السكينة”، أن يكون جسماً مادياً يوضع في حيِّز ووعاء، هو التابوت، إلى جانب الألواح وبقية ودائع النبوة؟! وأن نفهم “الواقية” التي جاءت في المأثور المقدس من أدعية أهل البيت…

    وهذه إشارة سريعة ونبذة عابرة، يفتح منها باب للبحث والتحقيق، وإضاءة على مواقع تبدو بعيدة وغريبة على أفق مغامر مندفع، وثقيلة على مؤونته العلمية وحصيلته الفكرية، وحتى على مخزونه الثقافي الضحل.

    “الواقية” تدخُّل تكويني، قد يكون عبر إكسير غيبي أو معادلة جفرية خارقة، يصرف إعمالها الأنظار أو الأضرار، عن شخص أو حدث، وعما يحويه أو يحتوي عليه، بمعنى سدول أو غشي أو بث ما يجلله وينفعل في الفضاء المحيط به والمصاحب له، و”يقيه”، بحيث تذهل عنه الأنظار والأفكار، وتنصرف إلى شأن يغنيه ويبعد عنه الأخطار… فلا تؤثر نار النمرود في الخليل عليه السلام، وتفعل “وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون” فعلها، مع ذرات رمل نثرها النبي صلى الله عليه وآله، فخرج ليلة الهجرة أمام الذين كمنوا لقتله، دون أن يروه!‏ لا بمعنى أنه انقلب شبحاً، وصار خفياً غير مرئي، بل كان صلى الله عليه وآله على صورته البشرية الطبيعة، لكن “الواقية” التي كانت تجلِّله فعلت فعلها، إما بعمىً عارض أو نعاس جمعي ضرب العيون الرقيبة، أو أنهم كانوا يرون ويشهدون ويعيشون “الحالة” التي جلَّلته، فهم كانوا ينظرونه، ولكن لا يرونه!

    ولعلَّ تطبيقاً حسياً مشهوداً، مما ينال عامة الناس، يعين على فهم هذه الحقيقة وإدراك معناها، وهو كثير ومتكرر في الحياة، أن تعرض للمرء وتمر به حوادث ووقائع تغيب عنه حيثياتها، على الرغم من أنها تجلَّت له بوضوح حين الحدث وحال وقوعه، ذلك لفوْرته واستنفار مُدركاته، وشحذ وإرهاف أعصابه، وشدة تأثره وانفعاله… تراه يذهل عنها، ولا يشعر بها، فلا يسمع صرخة مدوية، ولا يرى ضوءاً ساطعاً ووميضاً باهراً، بل قد يصاب بجرح غائر، فلا يلتفت إليه ولا يشعر به، الا بعد حين، عند بروده وقراره. تُرى أين كانت أحاسيسه ومُدركاته؟ ما الذي طمسها أو خدَّرها، فعطَّلها ـ بنحو وآخر ـ عن عملها؟!

    السيدة خديجة عليها السلام إن كانت قد مارست التجارة بمقتضياتها (وهذا ما لم يكن) من مواجهة الرجال وما شابه ذلك من مدعيات الكاتب واختراعات أضرابه، فقد كان محكوماً بهذه القاعدة، وهي سارية في جميع أُمهات المعصومين عليهم السلام، ففيهنَّ الإماء اللاتي تناقلها النخاسون في أسواق الرقيق، وتعرَّضن لما يقتضيه ذلك من معاينة ونظر، ولكن يداً غيبية وأغراضاً تكوينية وسابق علم الله تعالى بأنهن سيلين أمراً عظيماً ويكنَّ أوعية لحمل الإمام، كانت على الدوام تسدل دونهن حجاباً وتضفي عليهن واقية، تجعل الرجال وغير الرجال يذهلون وينصرفون عن النظر، أو حتى الالتفات إليهن بأي نحو.

    وكذا الحال في مَن كانت تلتقيهم سيدة نساء العالمين من الصحابة، الذين رووا عنها بعض الأحاديث كسلمان الفارسي وجابر الأنصاري، وإن بلغوا رتبة “منَّا أهل البيت”، إلا أنهم كانوا يرون أنواراً تذهل أبصارهم عن النظر إلى شخص والتمعن في هيئة ورسم، وكذا كان الحال عند خروجها للخطبة في المسجد ولاستنهاض الأنصار.

    ولك أن تنطلق من هذه الإشارة، وتستشرف المزيد من هذه الآفاق السامية، حين تنظر في ما قاله العلماء، من الدربندي والتستري وغيرهم ممن اشتغل في السيرة الحسينية، عن كيفية بروز بنات الرسالة في ساحة كربلاء، وكيف جللهن الله تعالى بجلاله، وأرخى عليهن دون أنظار الأرجاس، بل سائر الخلق، وأسدل من نور حجابه.

    إن آل محمد لا يقاس بهم سواهم، ولا يسقط تراث عريض من روايات المعصومين وأحكامهم القطعية في التأكيد على الخدر، وهو التزام جدار الدار وأسوار البيت حجاباً، فيُتَّخذ سلوكهم المحفوف بهذه الحيثيات الملكوتية، دليلاً حاكماً على ما أمروا به، وكأنهم ينقضون ما يبنون، ويهدمون ما يشيدون، ولا يفعلون ما يقولون ويأمرون… قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “ألا إن فاطمة بابها بابي، وبيتها بيتي، فمن هتكه فقد هتك حجاب الله”، ألا وقد أحرقوا الباب ودخلوا البيت وهتكوا حجاب الله… ترى، هل هتك حجاب الله يعني رؤية الله ومشاهدته؟ هذا تعليق بمحال، وكذلك ذاك.

  • أعلَم أنه لا يرى قيمة لمثل هذه المقالة، التي لا يبلغ قراؤها قطرة في بحر جماهيره، ولا يحسب هذه الأقوال والكتابات خطباً يعبأ به، ولا أمراً يستحق أن يعيره التفاتاً، وماذا عساها أن تفعل أو تؤثِّر، وهو يُسمع خطابه الأمة بأسرها، ويبث سحره عشرات الملايين، تحوم به ـ بعد الفضائيات ـ أسراب ذبابه الألكتروني القذر، لتنقل الجراثيم والعدوى حيث تحط، أو تزعج بطنينها الأيقاظ والأحرار، الذين أبوا أن يكونوا قطيعاً في حقله يرتع، أو ماشـية في حظيرته تقبع، استخفَّهم فأطاعوه، رضوا لأنفسهم حلوم الأطفال، وعقول ربَّات الحجال.

    ولكنه شجو جريح، وأنَّة مُلتاع حزين، وزفرة شفيق مكلوم، يفرِغ بها تكليفه، ويبلغ بها حُجَّته عند ربه، ويتمُّها على أهله وصحبه…

    لم يكن السيد حسن نصرالله منحرفاً في عقائده ولا ضالاً في مذهبه، كان شيعياً ولائياً، وحتى في قناعاته السياسية وتوجهاته الثقافية، كان يحسب فضل الله في الأذلَّاء الخانعين، و”زلمة” آل الأسعد وغيرهم من الرأسماليين والإقطاعيين، ويرى حزب الدعوة فذلكة وتوليفة تخدم الإستعمار، وصيغة حركية تعيق تقدُّم المجاهدين الثوار لصالح الاستكبار، وكان يعلم جيداً أنَّ فضل الله سيف مُشهَر على عنق المقاومة، وخنجر مغروس في خاصرتها، وأنه اليد الخؤونة التي طالما سرقت أموالها واختلست، بل انتهبت، حتى أثرت باسم دعمها، وأغوت واجتذبت وكبرت على حسابها، بأكذوبة المرشد الروحي لها!

    ولكن، يا للشقاء، ويا للاستدراج الشيطاني، يا لـ “خطوات على الطريق”، أخذته شيئاً فشيئاً حتى أسقطته في الحفيرة، وأطعمته الشراك، وانتهت به إلى الهلاك… وقع نصرالله في الدجل ودخله من أوسع أبوابه، وقام للغش والافتراء إماماً في محرابه، وبات علماً في الإغواء لا يُبارى، ورمزاً في الإضلال لا يُجارى، وغدا الكذب والتزييف، والتزوير والتحريف، فنُّه الذي يتقن، ولعبته التي يُجيد ويُحكِم. وبلغ في ذلك أن أعلن منذ سنوات ـ على حين غفلة ـ أنَّ مرشده الروحي هو الشيخ بهجت! هذا العارف الكامل الذي يرى فضل الله تجسيداً للشيطان، ثم يراه هو آية للرحمن! وما زال يثني عليه ويطري في غير مناسبة وبكلِّ عنوان، فيا لله وللمرشد القائد والحكيم الرائد! دخل في حرب الشعائر الحسينية، وهو الذي سعى لتأسيس مواكب الزنجيل من قبل! وقلَب ـ بسهولة ـ مسوِّغات قناعته هناك، وجعلها مادة إقناعه الناس هنا! وراح يتحدَّى العقيدة وحصون المذهب وقلاع الدين، مستغلاً المقاومة وموظفاً تعاطف الناس، ومضى يستضعفهم بخطاب مَن استخف قومه فأطاعوه، وابتذلهم وأهان عقولهم بمغالطات ومصادرات على طريقة الشياطين ونهج الأبالسة الملاعين، حتى جعلهم اليوم مزارعين!

    نحن لا ننطلق من عواطف وأحاسيس، وإن سمت وكانت أعظم عبادة، ولا من أحقاد ومعاداة وسابق رفض وبراءة… إنه رأي مراجعنا العظام وحوزاتنا الأصيلة الشريفة، وموقف زعمائنا الحقيقيين، المنزَّه عن عبث السياسة والاتجار بالدين.

    أبشر يا نصرالله ببلاء لا يردُّه عنك أحد، وقد قطعت بنفسك وأخليت بإرادتك يديك من حبل الله المتين، دمرت كلَّ تاريخ مشرق، وطمست كلَّ ذكرى عزيزة شريفة، وأهدرت دماء الشهداء، الذين لو انكشف لك الغطاء لسمعت لعنهم لمن تُعظِّم وتمجِّد، ورأيت غضبهم وسخطهم مما تفعل وتفتري، وغيظهم مما تبيع وتشتري.

    اللهم إني أستغفرك لكل دعاء تضرعت به إليك لحفظ هذا الشقي، اللهم إني أتوب من كل صدقة أخرجتها لتدفع البلاء عن هذا الطاغي الباغي، اللهم إني أبرؤ إليك من ضلاله وانحرافه، اللهم إني لا أستبدل ولائي لفاطمة الزهراء بهذا الحطام، ولا أبيع ديني أو أفرِّط بآخرتي لهذا الضياع والظلام.

    اللهم إنه أبى أن يمضي في دربه وينشغل بسياسته حتى ينتقص من ديننا، وآل على نفسه أن لا يذهب في سبيله حتى يهتك مقدساتنا، وينال من عقائدنا ومسلَّمات مذهبنا، وينصر الباطل بكل ما ملك من بطش وقوة، وصار فيه من مكانة وذروة، بلغها وتسنَّمها على أجساد الشهداء الأبرار، وركام اعتلاه من تضحيات آلاف المخلصين الأحرار، التي لم تقدَّم إلا في سبيل فاطمة وبنيها، وعلى مذبح حبِّ علي وولائه!.. جاء الأخرق الجهول، المتكبِّر المتغطرس، وجعلها سلعة صفقته الخاسرة، واتخذها ورقة مقامرته، ودابة يركبها في ضيعته ومتاهته.

    اللهم لا سلاح نملك ولا عتاد، ولا شيء في دينك وشرعك يبيح لنا مواجهة هؤلاء ومقارعتهم بأساليبهم، إلا الدعاء… اللهم إنه قد استسنَّ في غلوائه، واستمرَّ في عدوانه، وأمن بما شمله من الحِلم عاقبة جرأته عليك وعلى أوليائك، ولا سيما سيدة نساء العالمين، وقد استخف بخطرها، وتهاون بخطبها، ونصر عدوِّها، ولك اللهم لحظات سخط بياتاً وهم نائمون، ونهاراً وهم غافلون، وجهرة وهم يلعبون، وبغتة وهم ساهون، اللهم عليك بمن كفروا كما جاء في وعيدك: “وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم”…

  • منذ أن غرقت “التايتنك”، تلك السفينة العملاقة المدهشة، والناس، من أهل الخبرة كانوا والاختصاص، أم من المغرمين بالقصص والأفلام السينمائية، في اختلاف حول أسباب غرقها، منهم من يرجعه إلى الجبل الجليدي الذي غفل عنه القبطان، أو السرعة المفرطة التي أمره بها مدير الشركة مالكة السفينة، أو غير ذلك من أخطاء بشرية وآلية وعيوب مصنعية… وهناك مَن يرجع الأسباب لكلمة أطلقها بعض الملَّاحين من طاقم السفينة عند تدشينها أو ساعة الإبحار بها، وهو يرقب هيكلها الخرافي ومداخنها العملاقة، قال: “حتى الله لا يقدر على هذا المارد”! وعندنا، وفقاً لمنظومتنا الدينية المستقاة من القرآن والسنة، فإنَّ كلمة الكفر هذه، هي التي فعَّلت الأسباب، وساقت المقادير نحو هذا المصير. كلمة أو فعل منكر واحد، كفيل بالسخط الإلهي الذي يحل بشخص أو قوم أو بلاد، ناقة تُعقر تبعث صيحة، تكذيب يرسل صرصراً ورجفة، مكابرة على الإيمان تبعث طوفاناً وجراداً وقمَّل، زهو بالغنى واعتداد بالقدرة وطغيان يورث خسفاً!.. لا أحد يجحد الأسباب الطبيعية، وسلسلة العلل التي تنتهي إلى هذه أو تلك النتيجة، لكن الدهريين والماديين والحسيين، يقفون عند الطبيعة وقوانينها، بينما يرجع الإلهيون ذلك ـ من بعدُ ـ إلى الله سبحانه وتعالى، ويفرضون مصاحبة يد الغيب لهذه العلَّة وتلك، بما يسوق الحركة ويقودها إلى نتائج مقدَّرة، ونهايات تجعل من القوى المعنوية الفاعلة في نواميس الغيب، العنصر والعامل الأكثر تأثيراً.

    في مثل هذا اليوم قبل عقد مضى، نكست المحافل الماسونية أعلامها، وأعلنت العلمانية العالمية الحداد، ودقَّ النفير العام في جبهة الزندقة والنفاق، ونفخ إبليس الرجيم في صُوره مستنهضاً أولياءه… تداعى المتكسِّبون بالدين وهرعوا من كلِّ جانب وكنف، واستنفر المتَّجرون بالمذهب وانثالوا من كلِّ صوب وطرف، احتشدت المتردية والنطيحة، والتمَّ كل مراوغ مداهن محتال، وتجمَّع المنافقون قبل الدرك الأسفل، هنا في “ضرار”، ليُشيِّعوا جنازة طاغية جبَّار، متكبِّر تيَّاه، مختال متباه، تحدَّى الله، وبنى صرحاً يطَّلع منه على الأسباب ويقف على سرِّ حبِّ الشيعة لأهل هذا البيت، وعلَّة التفافهم واحتفائهم بهم، وتكريمهم لهم، دونه هو، ونبذهم بقية الشخصيات والرايات؟! وإن صدق لقب في هذا الشقي الهالك وانطبق عنوان فيه، فهو أول مَن تجاسر في هذا العصر على سيدة النساء في نفي فضائلها وخصائصها، والتشكيك في مصائبها، وسعى في تبرئة قتلتها، وأراد إنهاء قضيتها، وزعم بيان وانكشاف موضع قبرها… برزت الأبالسة كلها في الجنازة وظهرت، ولو انكشف الغطاء لرأيت المردة تطفر، ولسمعت رنَّة ونخاراً! اصطفت قوى الشرِّ وانتظم حلفاء الشيطان، واستعرض إبليس أنصاره: زعماء وقادة ووزراء ونواب وأعيان ووجهاء وأثرياء، ثم عمائم وقلانس وصلبان وتيجان، وغثاء أحوى يحف بالتابوت فيه قلق واضطراب، وبقية مما تركت المصارف وصكوك الودائع والأسهم والعقارات… يقابل هذه وهؤلاء، الإيمان ومَن يمثِّل ظُلامة فاطمة وحقَّ عليٍّ. فكانت المرجعية والحوزة والشعائر والفقه والعقيدة في جبهة، وفي الأخرى رتل الأحزاب والسياسة والمال والتجارة والإعلام… وبينهما راقص على هذا الإيقاع يزعم الاحتياط، ورعديد يطلب السلامة في الوقوف على التل، وصامت مداهن، خنوع مضارع، مقرٌّ ممالئ، أبكمته المصالح وأخرسته الفكرة في المال والعيال، فلم يُثبت في ديوان نصرة الحق اسماً، ولا نقش في لائحة المنكرين على الباطل رسماً.

    وبينما انشغل المؤمنون بشكر الله على الخلاص من العجل وسقوط هبل، راحت الأحزاب تعيد بناء الوثن وترفع ثانية الصنم، جمعت همتها واستنفرت طاقاتها وانكبت على صبِّه في قالب كله شؤم وعار، لتقوم أسطورة طائر الفينيق من جديد، وتستمر الفتنة وتمضي الضلالة وتعيد. وإن ارتكس الخبيث في عالم الحقيقة وانتكس، كما أنشد مصطفى جمال الدين في إمامه: “هيا استفيقي يا دمشق وأيقظي تَرفاً على وَضَرِ القمامة يرقُـد”… نثر السامري ما ادخر من أثر الرسول، مبرَّات ومقاومة، وصاغ من حلي بيت المال وما تسوَّل من أموال الفقراء واختلس من الأيتام، فعاد العجل يخور، ومضت الفتنة قائمة دائمة، فطابت أنفس الطلقاء، وقرَّت عيون الماسون وفرح الأعداء!

    هنا لعمري قد لقحت، ولم تنتظر ريثما تنتج، بل احتلبوا في الآن ملأ القَعب دماً عبيطاً وذعافاً مبيداً، وعرف التالون ـ في الحين ـ غِبِّ ما أسسه الأولون، ولم يحتاجوا لمن يتوعدهم بالفتنة ويحذِّرهم من البلاء، فقد عاشوه من فورهم، ورأوه في ساعتهم، وما زالوا تحت سيف صارم وسطوة معتد غاشم، وبهرج شامل واستبداد من الظالمين، جعل فيأهم زهيداً وجمعهم حصيداً… منذ تلك اللحظة المشؤومة، وتيار الجمهورية الإسلامية في سقوط متتابع، انتكاسة فاندحار، وهوي بعد انكسار، لم يرتق لهم فتق ولم يجبر لهم كسر!

    إنَّ جحد حقِّ الزهراء، محور أصحاب الكساء، علَّة الخلق وغايته، سيعقبه ـ لا محالة ـ سخط وغضب وفقر وبؤس وشقاء! وضع يدك على حال إيران والأحزاب التابعة لها، وانظر ماذا جرى عليها من ساعة استخفافها بهذا الحق، ونصرتها الضال المضل وتكريمه، وانقض دعواي بمورد واحد نجحت فيه، أو كتب لها فيه الفوز والظفر، أو الراحة والاستقرار، ودع عنك مزاعم الآخرة، وهم أبناء دنيا، وينادون بتفوقهم فيها، ويزعمون نجاحهم في إصلاحها وإعمارها… ما زالوا من فشل إلى إخفاق، ومن كبوة إلى خيبة، ومن هزيمة إلى انتكاسة، وها هم اليوم في انهيار، لا ينافس تومانهم في السقوط إلا الليرة، ولا يفوق فقرهم وبؤسهم إلا ما حلَّ باليمن والشام، وتحوم سحبه، مع ذكرى الهالك وشؤم جنازته وتبعات نصرته، في السماء، تخيم على لبنان وتجثم عبئاً ثقيلاً ينقض ظهر الحزب، الذي باع دينه بما توهمه دنياه…

    لو كان في القوم حكيم رشيد، أو متواضع لا تأخذه العزة بالإثم، لوقف على سرِّ هذه الهزائم المتلاحقة، وعرف علَّة العلل التي تدير المقادير، وتسوق التدبير، تأخذه لخير هناك ونعماء، أو لشرٍّ هنا وشقاء… وأنه تعالى ساخط عليهم غاضب، لاستخفافهم بحرماته، وعبثهم بمقدَّساته، وزندقة تسير بهم على ضفاف الكفر والإلحاد، وهم غافلون، يمشون مكبيِّن على وجوههم، مختالين مصعِّرين خدودهم، يحسبون أنهم يخرقون الأرض ويبلغون الجبال طولاً، والتربة من تحت أقدامهم لزجة ستزلقهم، والجرف هار سينهار بهم!

    وبعد، فهذا صميم البنيان ولفيف الأعوان، الذين نالوا حصتهم من المكاسب ونسبتهم من الأرباح، يسارعون في ترك السفينة (المارد التايتنك)، يتبجَّحون بصفاقة بالويل على الزعماء، وينادون بوقاحة بالثبور على بطانتهم، وكأنهم من سكان القمر، في معزل ومنأى عن هذا اللوث والخطر، لم ينهضوا باحتجاج، ولم يعقدوا راية ويدافعوا عن خباثة ويسوقوا لغاية، بل لم يداروا فضيحة ويخفوا جناية!

    لا الصين في الشرق ستنقذهم ولا فنزويلا في الغرب، وفي الحديث ”من تزيَّـا بغير زيِّـه فدمه هدر”، ومن خرج عن ثوبه وتخلَّى عن مذهبه وتنكَّر لأسباب عصمته ومقتضيات رحمته، ترك التشيُّع إلى العلمنة والزندقة، ومال عن الولاء إلى البدعة والضلال، وباع دينه لقيَم متحركة كالمقاومة والثورة والدولة، وعزف عن المرجعية إلى قيادة جاهلة معقدة، فقد استقبل البلاء، وطلب لنفسه الشقاء.. لن تسعفهم الرحمة وتدركهم العناية الإلهية، ولن يدفع الله عنهم اللأواء، ويحول أن يصطلمهم الأعداء، إلا عبر شخص واحد دون سواه، هو الحجة بن الحسن العسكري عليه الصلوات… فكيف السبيل وهم يتحدون دينه وعقيدته، ويستخفُّون بحرمة أمه، ولا يكترثون بعزاء جدِّه؟!.. عودوا إلى الله وافزعوا إلى وليه، “ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيماً“.

  • كنت أحسب أنَّ جيل العظماء، عبود غفلة وعبدالأمير الفتلاوي وعطية الجمري وابن نصار وهاشم الكعبي وعبدالحسين الأعسم وعبدالحسين الشرع، وهذه الطبقة العرشية، حالة وِتر لا تتكرر، وعهد مضى لن يعود، قنط الدهر أن يسخو بمثلهم ويجود. زمن جميل ليس لنا إلا نعيش ذكراه، والتحسُّر على افتقاد نظائر لنجومه، وأقران لأفذاذه… حتى رأيت أنَّ نتاج الشعراء الشباب، عادل أشكناني وعلي العسيلي ومحمد الحرزي، ليس نفحة هبَّت لوهلة، ولا قريحة جادت لمرَّة، إنما هي عين متفجِّرة ما زالت تسيح، ويعبوب متدفق ما انفكَّ يجري ويفيض.

    لا تفسير لـ “ظاهرة” هؤلاء الشعراء المبدعين، في بُعدي: الجودة والإتقان، كما في الخلوص من شوائب الانتماءات، والانقطاع في الانتساب إلى مخدومهم سيد الشهداء… إلا ما شملهم من عناية ربانية ورعاية مهدوية. فجيِّد الحبك هذا ورائق السبك، ودقيق الوشي ورشيق النظم، الذي ما زال يشنِّف الأسماع ويخلب القلوب وينشي الألباب، يلتقط من معاني الولاء نوادرها فيصيغها، وينقِّب في المظالم عن مجهولها ومخفيِّها، ويتحرَّى من الفضائل مغمورها ويتقصَّى مهجورها، مما تعاقب على ظلمه العدو والصديق، وتظافر على كتمانه وطمسه البعيد والقريب… يستخرجها ويضيء عليها، ينضِّدها ويرصِّفها، فيبعثها ويبثها، لتخلق ثقافة عامة، تحقُّ الحق، وترسي ركائز تقاوم نهج الضلال، من هذا الثغر والرباط. وكذا حالهم في هديهم وسيرهم وطريقة مشيهم وعيشهم، الموفقة في الانقطاع إلى أوليائهم، المتَّزِنة الوقورة، المترفعة عن الخفَّة والابتذال، المتنزِّهة عن اللوث بآفات العصر والناجية من ابتلاءات الزمان!.. لا يكون مثل هذا التوفيق إلا لسابق إنعام منهم ـ سلام الله عليهم ـ وإفضال، وتسديد وإقبال، خصُّوا به هؤلاء وأنالوه أولئك السعداء.

    وقد يُرجع بعضهم الأمر، إلى عموم ما يحظى به هذا الجيل من فرص لم تتح للأجيال السابقة، أن ينشأ المرء في بحبوحة من الأجواء الإيمانية، ورغد من انتشار الثقافة الولائية، وسعة في الحال من الرزق الوفير والطعام الزكي الحلال، فيكون أمام مائدة زاخرة بالطيِّبات، ينهل من “فلينظر الإنسان إلى طعامه” ما شاء، فيرقى نحو أفق يتخيَّر فيه بين الألوان وينتقي من الجفان. لم تكن الفرصة متاحة في السابق إلا للأوحدي، ثلة قليلة من السعداء، كأبناء البيوتات العلمية، وسكَّان الحواضر والحوزات، ومجاوري العتبات، وبعض الأُسر الملتزمة ذات الصلة بالعلماء، شكَّل مجموعها شريحة محدودة وفئة صغيرة، لم تبلغ يوماً ظاهرة سارية، ولا كانت حالة غالبة يعيشها المجتمع، أو تعيش فيه بوفرة وكثرة، كما هي اليوم… لكن عند تدقيق النظر، تجد أنَّ الأمر، إضافة لهذا الواقع العام ”الجديد” في الساحة الإيمانية، يعود لعناية خاصة شملت بعض المؤمنين، ورعاية صرفت عنهم البلاء ونفت الشقاء، ما يكشف عن سعادة بالغة وحظ وفير، لسرٍّ إلهي، لعلَّه في طهارة المنبت وسموِّ نيَّـة الوالدين، أو لجهد وإخلاص من العامل نفسه، ومثابرة قادته نحو هذا الفلاح والنجاح… فالفتنة صارت في الوفرة، وفي السموم المبثوثة في مبذول “الطعام”، وهي لا تقل خطراً وإغواءً، عن أصل غيابه والمضي في الصيام، وعن الفراغ والقحط والجدب الحاكم في العهود السابقة، وما عانت منه الأجيال السالفة. فالساحة الإيمانية اليوم متشعِّبة الطرق، ملتوية الدروب، متنوعة المسالك، وهي مزدحمة بالفرص ومكتظَّة بالخيارات، وهذا التشابك والتداخل يخلق لَبساً مضلِّلاً ويورث اضطراباً مُقلقاً، لا ينجو منه إلا من سبقت له من الله الحسنى…

    إن مَن يتدبَّر في أداء الشباب الولائي العامل في الحقل الحسيني، يستوقفه أمر التحاق بعضهم بالخدمة وانضمامه لركب الأصالة، منذ نعومة أظفاره وأول عهده بالتكليف والعمل في سبيل الدين، دون أن يشرِّق ويغرِّب، ويمرَّ بمرحلة تستزله فيها الشياطين وتجتذبه العناوين! كأنَّ يد السعادة أخذت بيده ابتداءً إلى جادة الصواب، ولطف العناية شمله قدماً فهداه خير سبيل وباب، فتجاوز أطوار التجربة، وتخطَّى معاناة التقلُّب في المناهج البديلة، والضياع في الخيارات والخطوط الموازية، سلك الهداية والرشد من البداية، ووقع على الصدق والقسط والعدل في الغاية، وأصاب الحق، فأوقف جهده وعطاءه ونذر روحه للحسين وإحياء ذكراه.

    إنَّ أُولى مراحل الوعي والبصيرة في الحركة الولائية والنشاط الإيماني هي منع الخلط والتداخل، والعمل على الفرز والتصنيف، ثم التموضع والتهديف. وهذه قيمة مستقاة من هدي الحق سبحانه وسنته في الخلق، في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وميزان مرهف في التقييم، تميل به شعرة، وترجِّح كفَّته ذرَّة… على هذا مضى الرجاليون حتى أطلق على علمهم وعملهم “الجرح والتعديل”، وهم يشيِّدون قواعد الأخذ بتراث العترة الطاهرة. وهو منطلق اعتمادنا على الفقهاء والأخذ عنهم، في التثبت من اندراجهم ضمن “المؤمنين” و”العدول” و”النجباء”، بعد الفراغ من العلم الذي تشهد به وتثبته الحوزات.

    وهو حراك دؤوب لا ينقضي، وعملية مستمرة لا تنتهي، فنحن في تقييم وتصنيف وجرح وتعديل دائم، وتحريات لا تنقطع ومحاكمات لا تتوقف… وكما هو الحال في “المعممين”، وفي الخطباء، وفي الرواديد المنشدين، كذلك الأمر في الشعراء، هناك مَن يُصنَّف على جماعة ويلحق بفئة، ويُحسب في عديد تيار وحركة، حزب سياسي، أو مرجعية باطلة (المرجعيات الأصيلة، لا تشكل أحزاباً ولا تتبعها جماعات منفصلة عن الأمة). وفي ساحة الخطباء وقرَّاء العزاء والرواديد والشعراء اليوم، صدريون يرجعون لمقتدى، وشيرازيون يلحقون أسرة، كائناً مَن كان ربُّها، وحداثويون يتبعون الحركة الإسلامية وأحزاب الحكومة الإيرانية، يرجعون للخامنئي وفضل الله وهذا اللفيف، وضرب رابع وخامس من تيارات وجماعات تتناهب المؤمنين وتشرذمهم، وتشغلهم وتلهيهم، وتصرفهم عن الولاء الحق، وتدفعهم عن الرشد والهدي والصواب (وكنت قد أعجبت بغير الثلاثة الذين ذكرت، حتى رأيت رثاءه لفضلة الشيطان فلفظته كما بصقة أو نخمة، ولا كرامة)… فإذا سلم العالم والخطيب والرادود والشاعر من هذه الآفة ونجا من تلك، تعرَّض لفتنة أخرى وخضع لبلاء ومحكٍّ جديد، وهو الصراع بين التكسُّب والإخلاص، والمعركة بين النزعة التجارية، والنزاهة والانقطاع للخدمة الدينية. ففي هؤلاء من لا يعنيهم الأمر إلا في مردوده المالي، ومنهم متهالكون على الظهور، مستميتون على الشهرة، وفيهم صرعى جمْع المريدين وحشد المعجبين!

    ولا يخلص من هذا المخاض وينجو من هذا العراك إلا ثلة قليلة، ونخبة مصفاة، هم الحسينيون حقاً، لا لفئة ينتمون ولا في حزب ينخرطون ولا لجماعة ينتسبون، لم يتخذوا غير سيدهم مطاعاً ولا دون مخدومهم وليجة، لا يطلبون مالاً ولا يجدُّون وراء ظهور ونجومية، تعاهدتهم رعاية وكلأتهم عناية، دفعت عنهم شرور أولئك وهؤلاء، وصرفتهم عن مُبتدع الآراء والأهواء، فلم يسقطوا في “ابتكار” الصوَر، واستحداث الأشكال، ولم يبتلوا، كما ابتُلي غيرهم، بمغالاة في الولاء ومزايدات في أنماط العزاء، يحسب أحدهم أنه سبق زعامات الطائفة، وتفوَّق على تراث الآباء والأجداد، الذي سُفكت في سبيل وصوله إلينا أغلى الدماء. فإذا زلَّت بأحدهم قدَم من قلَّة خبرة وتسرُّع وغِرَّة، مُدَّت له يد أقلَّته عثرته وأسعفته، وتداركته رحمة أعادته إلى رشده وأنجدته.

    وعلى الرغم من أنها شؤون وحالات متفوِّقة ثمينة، ومراتب وأطوار متقدمة خطيرة، ومقامات ومواقع عسيرة عزيزة… إلا أن الحسيني (الشاعر والرادود والخطيب) المنقطع لأئمته سينالها ويحظى بها، وستبلغ به الخدمة المخلصة ما سقط عنه علماء وهوى دونه عظماء، والنجاة بالحسين وسفينته الأكبر والأوسع مبذولة هنا في الدنيا، كما ستكون في الآخرة! وهذا من الخفي المغبون، كما الصحة والأمان، يعيشه الخدام بتلقائية، ويرفلون في ظلال جنانه بأريحية، وكأنه قدرهم الذي لا عجب فيه ولا غرابة! وإنما يعيه ويميِّزه مَن شرَّق طوراً في حياته وغرَّب، ولم يلق عصاه ويستقر به النوى إلا في أرذل العمر، حيث لا سعة تسمح بالنهل والتزوُّد، ولا مندوحة تتيح البذل والعطاء… وبعد، فهذه نماذج تُتمُّ الحجة، وتقدِّم الأُسوة، وتعرض للساحة وتبيِّن كيف للمنقطعين لسادتهم، المستغرقين في خدمة مواليهم، أن لا ترتهنهم الحزبية، ولا تأسرهم التيارات، ولا تستخدمهم الحوانيت والدكاكين التي تتَّجر باسم المذهب والدين.

    قرأت جانباً من إصدار الأستاذ عادل أشكناني “الأربعون مصاباً”، فرأيته يسطر، قبل الأوزان والقوافي، وينظم مع الأفكار والمعاني، ملحمة في الخلوص من اللوث والنجاة من الزيغ، والإخلاص الذي يريد إبكاء سكان الملكوت، ويتوجه بتحفته لسيدة الوجود، وهنا الإكسير الذي يتيح لفتى يافع هذا الإبداع، ويفسح له ليزهو ويفخر: “ما زلت على دين جدتي”…

  • هذه كلمة حقٍّ أمام شيطان عاهر، رُقْية أتلوها وعوذة أنفخها في وجه مشعوذ فاجر، وتميمة أعقدها في عضد مستضعف غافل، تحاكي “الدامغة”، بائية جرير المشهورة ومطلعها: “أقِلِّي اللوم، عاذلَ والعتابا، وقولي، إن أصبتُ: لقد أصابا”، علَّ قارعة تقصم ظهره، ونازلة تدقُّ عنقه…

    يُقال إنَّ الوغد الجِلف، يشعر في قرارة نفسه بخِسَّة طبعه ويدرك دناءته، والرذْل المَهين يتلمَّس في مكنونه هوانه ويعي قذارته، وما يزال هذا الإحساس يراوده والشعور يعاوده، حتى يلبث فيه ويلازمه، فيسكنه ويستوطنه… فالعضروط يعيش حقارته على الدوام، واللُّكع يدرك لؤم عنصره باستمرار، والسِفْلة الدون يحسُّ بخبث نِجاره وضِعة حسَبه بلا انقطاع، لا يغيب عنه هذا ولا يغادره… وهي حالة تحمله على أمر وتدفعه لآخر، الأول: الحقد على السُّراة الأماجد، والضغينة على الأعيان النجباء، والنقمة على الكرام الشرفاء، ثم حسَد الأطهار العظماء. الثاني: البحث عن بديل لما يفتقد، والسعي لملئ الفراغ وتعويض النقص مما يفتقر، فيلجأ، من حيث يدري أو لا يدري، ويندفع ليبحث عن عمق يؤصِّله، ومحتِد يرتبط به وينسبه.. فيلتقطه عندها “وليُّه” الرجيم، ويأخذه إلى أعماق التاريخ، ويضرب به جذوراً تُشعره بالانتماء والاتصال، عبر أقدم مهنة عرفتها البشرية!

    مومس لندن عبدالحليم الغزي، واحد من أتمِّ مصاديق هذه الدعارة والبغاء، والعهر والفجور، والتسافل والانحطاط.. ولا يُراد بالبغاء بيع الجسد وإطفاء الشهوة الجنسية لدى ممارسيه ومرتاديه فحسب، كما لا يُراد بسوء المنبت وخسَّة المحتِد ما يمسُّ أهله ويزري ببيته، فقد ينحدر لئيمٌ من كرام، ويتولَّد شريف من لئام، وهذا الخليعي العظيم من أبوين ناصبيين، وذاك فضل الله الخبيث من سيد عبدالرؤوف الشريف… إنما هو مطلَق انعدام النخوة والعفة، وافتقاد الشرف والكرامة، والذهاب في التخلُّع والمهانة، مما لا يكون إلا من عاهر فاجر، لا يبالي بشين وشنار، ولا يكترث بخزي وعار، وعموم بيع النفس والابتذال، والتسيُّب والانحلال، فلا قيدٌ يردع ولا حدٌّ يمنع ولا عزَّة تشفع، من مرقص إلى مبغى، ومن ملهىً إلى مربَع، يدور بدينه ويجول بمذهبه، يعرض بضاعته فحشاً وفجوراً وزيفاً وغروراً، لينال كلُّ ماجن على شاكلته منه حاجته، ويقضي كلُّ معربد شبِقٍ منه وطَره.

    قد يكون الرجل حاذقاً ماكراً، وقارئاً مكثراً، مهووساً بملاحقة العثرات، نزِقاً في تتبع الزلات، حتى يحسبه الساذج باحثاً ويظنه الجاهل محقِّقاً… ولكنه على الصعيد الأكاديمي التخصصي، والعلمي الذي يورث المرء قيمة واعتباراً، صفرٌ خلف العدد، وخواء بلا حدٍّ وأمد، لم يتجاوز المقدمات ومنطق المظفر يوماً، ناهيك بأن يقطع في الحوزة شوطاً ويبلغ منها شأواً، لم يحضر على مغمور فيها أو علَم، ولا بدأ بشيء من علوم الدين ولا ختم، لا السطوح أتم، ولا من بحث الخارج اغتنم، لا بالمكاسب والرسائل والكفاية ألمَّ، ولا اللمعة والشرايع أو حتى رسالة عملية تعلَّم، وكذا أفلس من الباب الحادي عشر وشرح التجريد، ولات حين مندم، فلا تعجب إن أبدل “الكلام” بالهذر والاستدلال بالشتم! أُميٌّ في علوم الدين بامتياز، جاهل بأصول الاستدلال وقواعد الاستنباط، لا يستحي من فضيحة، ولا من قبيح يتأثم… وهو لم يقفز على هذه المراحل ويهمل هذه المواد شغفاً بالفلسفة والمعقول مثلاً، كما يفعل بعضهم، أو لينْكَبَّ على التفسير وعلوم القرآن، أو ينصرف للتهذيب والأخلاق، ولا لينهل شيئاً من علوم الحديث والدراية، أو الأسانيد والرجال، لا شيء من هذا البتة، فلا مشايخ يزكُّونه، ولا تلاميذ ينوِّهون بفضله، ولا علماء يعرفونه، كل ما هناك شتات مطالعات ومُلتَقطات قراءات… والفرق بين العلم والتخصص، وبين المطالعة والثقافة العامة، يدركه كلُّ عالم ومثقف. والمعلِّق الرياضي ـ على سبيل المثال ـ الذي يُحسن وصف المباراة ويقدِّم تحليلاً لسيرها ويلاحق أداء نجومها، يطري هذا ويمدحه، ويميل على ذاك فيخطِّئه ويقبِّحه، فيجتذب المشاهدين إلى شاشته.. تجده في الميدان الحقيقي (الملعب) يعجز عن تنفيذ رمية تماس، ولا يصلح لأكثر من مناولة اللاعبين قوارير المياه! والأمر في علوم الدين يعرفه أهله، فلا أُطيل.

    ومع هذا الفقر والجدب، والخواء والفراغ، كانت الآمال بعيدة، والطموحات كبيرة، والأهواء جموحة… فصبا الرجل واختال، وانحرف ومال، وأغرق حتى ذهب بها عريضة. فلما أخذ يعثر بحُفر العجز ويكبو، ويصطدم بحوائط الواقع ويخيب، ويلمس الفشل من خلو وفاضه، مع سعة جعبته، وشدِّة نهمته… راح في التحايل والمراوغة، وسقط في أشد تعس وشقاء. وإن قَرأ أربابُ الفراسة، من قبلُ، في طلعته نفْساً مسكونة وروحاً ممسوخة، ووقف أهل الكشف على شؤمٍ يلوح من ناصيته، ونكَدٍ معقود بمحضره، وبؤس ونحوسة!

    بعد مخاض متعسِّر كان الرجل يبحث فيه عن الخوارق ويلاحق الغرائب، لا يطلب علماً ولا يتحرَّى تهذيباً ورشداً، قضى جولة مريبة مع اليعقوبي (السماوي، لا المهندس المتفيقه في النجف)، صاحبتها محاولات اتصال بالسيد عبدالكريم الكشميري، ومساعي ارتباط بجعفر آغا مجتهدي، لاقت رفضاً منهما وصدوداً، وتقززاً ونفوراً… جاءت انطلاقته الأولى مع دعوى السفارة والاتصال بالحجة، وبلوغه التكاليف من الناحية المقدسة! وكان بعض خاصته يدَّعون أنه من أبناء الإمام ونسله، ويتغنَّون ببياض بشرته وخال خدِّه! ولا تكاد هذه تكون شيئاً أو تشكِّل خطْباً أمام أخواتها! من أعمال السحر والشعوذة والعرافة والكهانة، وظَّف فيها خفة اليد والربط على العين، والتنويم والتلقين، والأداء المسرحي، وانعكاسات الأضواء ومساقط الظِلال… يتحدَّث ساعة عن المهدي، ثم يسأل الحضور: هل فيكم مَن يرغب برؤيته؟ فيهتفون بلهفة ويضجون برجاء! فيقوم ويدخل الدار، ثم تنطفئ الأضواء، ويُسلَّط نور خافت على بقعة، يخرج عليهم منها، بزيٍّ مسرحي غريب، ويستوي ساكناً على مقعد أعدَّه لذلك، والحضور بين صارخ وفازع، وباك وجازع، يبقى دقيقة أو اثنتين، ثم يقوم وينصرف، ليدخل ثانية بهيئته الأصليَّة، ويعود ليحدِّثهم، وقد ألهموا جميعاً وتلقوا أنه المهدي بلا مرية، وما “الغزي” إلا شخصية يتخفَّى بها ويتستر إلى حين ظهوره الموعود، وساعة فرجه المرتقب!..

    لكنها دعوىً سرعان ما انقضت، وصفحة ما لبثت أن طويت، لشِدَّة المواجهة التي رأت، وضراوة الحرب التي لاقت، ثم لقِلَّة مَن انطلت عليهم الحيلة ـ المهزلة، فهي لم تجمع حوله، على الرغم من ارتفاع الكُلفة وبهظ الثمن، إلا نفراً قليلاً ونزراً يسيراً، ولا سيما أنَّ المخلصين منهم كانت تدركهم الرحمة وتأخذهم بصائرهم إلى النجاة سريعاً، فيتركونه وينسحبون تباعاً، حتى أفلس إلا من ثلاثة أو أربعة! ولعلَّه تلقَّى أوامر وتوجيهات “عُليا” بإخلاء هذه الساحة لغيره، وتركها لسواه، فالأمر لا يطيق التزاحم، و”أبو مرَّة”، أو ”أبو ناجي”، لا يريد معارك داخلية تشغل جبهته، وصراعات تشتت جمعه، وتفرِّق أو تضعف أتباعه!.. من هنا، أخلى الميدان لغيره، وانصرف لما أُوكل إليه، فحاول الاتصال بالشيخية الركنية في كرمان، بعد أن اقتنى كتبهم من مكتبة أرومية في كذرخان وراح يطالعها بنهم، تقدَّم للانتساب إليهم والعمل معهم، فلم يثقوا به وصدُّوه. كما سعى بعد ذلك للاتصال بالجماعة الكشفية، وحاول إغراءهم، فلم يثر فيهم شهوة ولا حرَّك رغبة، ففشل وعاد محبَطاً يجر أذيال الخيبة. عندها انعطف تجاه الشيرازية، وعرض عرضه وقدَّم بضاعته وكاسد سلعته، فرجع بخُفَّي حنين، إذ القوم في غنىً عن فضائيته، وهم يملكون أسطولاً إعلامياً يمخر عباب “الهواء”، بما يجعله نقطة في بحرهم، أو قُل ذرة من متطاير ومنثور هذا الهباء. ومن فرط حنقه وامتعاضه وإحساس الخيبة الذي تملَّكه، إذ كان يحسب أنه الحسناء التي لا يغلي مهرها كفواً، وإذا بالخُطَّاب يزهدون فيه ويترفَّعون عنه… لسعَتهم “أم العريط” بشوكتها، وجلدتهم “المومس” بسوطها، فنشر الغزي رأي السيد الخوئي قدس سره باجتهاد الشيرازي! لكنه لم يثنِّها، لا أدري أ لأوامر جاءته أيضاً، أم تراه فكَّر وقدَّر، فقتل كيف قدَّر، فخضع وائتمر، فتراجع وأدبر، وارعوى وازدجر، عرف حجمه في “المنظومة” وجديد عهده بها (مقارنة بغيره)، وآثر أن يسْلَم، فلا يحفر قبره بيده، ويقطع دابره بنفسه!

    وتبقى المرحلة الغامضة والطور الأكثر إبهاماً في سيرة الرجل، هي فترة اعتقاله في قم وما جرى فيها، والاعترافات التي أدلى بها أو انتُزعت منه، وسجِّلت في فيديو عرضه الأمن الإيراني في محافل المهاجرين العراقيين، دون أن يُنشر الفيلم أو يُسمح باستنساخه (وإن نجح بعض الحضور في الخروج بتسجيل صوتي له)… فالمؤشرات تتجه إلى انتهاء الأمر بصفقة ينفِّذ فيها الغزي مخططاً بعيد المدى، وينخرط في عمل استراتيجي يُعِدُّ له القوم. هكذا نظَّمت “الإطلاعات” تمثيلية “هروبه” من إيران، وسهَّلت لجوءه إلى استراليا، التي قضى فيها فترة “غيبة صغرى”، انقطع فيها “أبوهدى” عن أي نشاط واتصال، حتى آن أوان “ظهوره”، عبر الهجرة الثانية واستقراره في بريطانية، فبزغت شمسه من المغرب، وظهر في “ومبلي” شرق لندن، أطلَّ من فوق قوس ملعبها الشهير، فلا ركن هناك ولا مقام، ولا حِجْر ولا حَجَر، ولا أستار ولا استلام.

    تعال الآن وانظر في حجم المأساة وعظم البلاء حين تسعى المهاترة والمقاذعة، ويحاول الهزل والخطل، وكلُّ أساليب الإعلام المبتذل، أن تقحم ساحة الحوزة وتتوغل إلى الميدان العلمي! فيعمد مبتذل ساقط غارق في اللوث، ويطفر مشبوه مرتكس في الريبة، ليتطاول على قمم الفقاهة وذُرى الخبرة، ويتطفَّل مهرِّج على ابن بجدتها ودليل دربها وحامل لواء مجدها… ثم يرفع عقيرته ويلوِّح بسيفه، يدق طبول الحرب، يرعد ويزبد، ينفث ويزفر، وهو يطلب البراز، وحقُّه البراز، يلطخ وجهه!

    بسوقية لا يبلغها إلا عاهر فاجر، ووقاحة لا ينحدر إليها غير خليع ماجن، نال الغزي من عظماء الطائفة وشفى غليل الشيطان من أساطينها، من الطوسي والمفيد وابن الجنيد، وبالتبع ابن إدريس، فالمحقق والعلامة وولده الفخر، وابن فهد الحلي، والسيد ابن طاووس.. إلى الحكيم والخوئي والكلبيكاني والميرزا التبريزي، بعد كاشف الغطاء والنائيني والآخوند واليزدي والعلامة الطبطبائي والطبرسي، ومَن في طول هؤلاء وعرضهم من مختلف الطبقات، رماهم بالشافعية وقذفهم بالناصبية، ولم يوفِّر في سبابه: “طيَّح الله حظكم، ومزبلة، وكذابين، وأغبياء، وخبثاء، وغبران، وحمير، وغائط وخراء”… فإذا فرغ من وصلات إفاضاته هذه، وانتهى من جولات عطائه الراقي هذا، دعا لمناظرة “علمية” على طريقته، وطلب أن يواجهه سليل مدرسة لولاها، لوقع العلج على بعض محارمه، لا يعرف حلال الأمر من حرامه!

    قد أختلف مع السيد محمد رضا، وأحمل ملاحظات على أدائه، ولكني أعرف حجمي فأقف عند حدِّي، أُرجعه في الأُمور العلمية لأقرانه وأتركه لأترابه، وفي العقائدية والموضوعات الخارجية التي تتعلق بالشأن العام، أكتفي بإبلاغ وإعلام… لا تستزلني المؤامرة، فألحق الجبهة الشيطانية، ولا تغريني الحيلة فأسقط في المكيدة، فالسيستاني والحكيم والوحيد والصافي، قلاع المذهب وحصونه، إذا سقطوا وقعت الثلمة، وإذا وهنوا كانت الثغرة… وبعد، فإن شسع نعل السيد، أو دُمية يلهو بها طفل يدرج في بيت السادة الغطاريف هذا، تفوق عندي ألف لحية مثل الغزي، وألفاً من هذا اللفيف الشيطاني الذي لم يقدِّم للدين إلا التشكيك والتجهيل والإلهاء والإغراء، وكشف العورات والطعن في الظهر والرقص على الجراح. لن نسمح أن يلتبِس المشهد، ولا أن يتشابه الأمر ويتداخل، فتُقرَن الجهالة والمهاترة واللوث والعمالة، بالفضيلة والعفَّة والطهارة والنزاهة، ويُساوى السحر والشعوذة والدجل، بالأصالة والعلم والعمل، وتقع المفاضلة بين إتجار بالدين وفسق وفجور، وبين نقاء تستوحش المعصية في أرجائه، والتزام ينبذ الحرام من فضائه، يفرُّ من غربة تُقصيه وتزويه، إلى ما يطرده عن الحياض وينفيه.

    ما أقبح بالخطَّاف يحكي العقبان والشواهين، وخفاش لا يقرُّ إلا متدلياً منتكساً، يسكن المغارات ويعيش على مصِّ الدماء، يريد أن ينافس الكواسر ويناظر النسور والبزاة! يوطوِط حيناً ثم ينعر ويجلب، ويصيح ويصخب، وبين لهث وعواء، وشمخرة وزمجرة، وأوداج تنتفخ وإست تصفق، تنقبض وتتَّسع، راح ”المومس” يتوعَّد ويهدِّد، ينام فيحلم أن يبارزه علَم، يرفعه من قعره إلى هذا المصاف، وتُسكره فضائيته وشهرته، فتغلبه الأماني ويعيش رجاء ساعة تُخرجه من حضيضه، ليقرن بالأشراف!

    قد ينطلي تصريح الرجل بانتمائه للماسونية، وينجح كعملية هروب للأمام، ويلتبس أمر الوشاح أو الشال اليهودي(التاليت) الذي يشتمل عليه، وهو يهرف بهرائه، فيؤمِّن له مسحة التسامح الديني الذي يرضي عنه اليهود، وقد ينخفض رقمٌ ويرتفع آخر في إثبات عمالته وارتباطاته المخابراتية… ولكن القدر المتيقن، والأمر البات الذي لا يقبل الشك، أنه جاهل جهول، ضرير غرير، لا علاقة له بمعارف التشيُّع ولا علوم الدين.

    من هنا، قد يختار المشاهد قناةً رياضية يعلِّق فيها أحدهم على مباراة كرة قدم لفريق يتعصَّب له، لكن ما يجتذبه في الحقيقة هي المباراة نفسها، وما سوى ذلك هو فضلة تتبع فضولاً، ولهوٌ يبحث عن تسلية، وعبث يريد مرحاً وتهريجاً… الغزي لم يؤثِّر على أحد، وما ظهر من سوق لبضاعته، هي نفوس مريضة تعاني من نفس السقم والداء الذي يسكنه، فوقع تعسٌ على شقي يحاكي هواه، وراقص يتمايل على إيقاع لحنه. ولا يخلو الحال من أنصاف مثقفين لم يطَّلعوا على نتاجات العلماء، بهرهم الحشو وأخذهم التنطع والحشد… وسفيه يحضر مباراة، فيرجو أن يسجل له “عصام الشوالي” أو “رؤوف خليف” هدفاً في مرمى خصمه، وحمار يحسب أن سائقه سيحمل عنه الحمل يوماً… غلبتنا أجواء “ومبلي”، فجاءت الأمثلة من وحيها، وماذا عساها توحي أكثر من هذا!

    مع ارتفاع ضغطه واضطرابه، وفقدان توازنه وانهياره، ومن حسن حظ الشيعة المستضعفين، أن النزعة الشخصانية والمنطلق الأناني في أداء الغزي طغى مؤخراً وغلب، ما فضحه أمامهم وأسقطه في عيونهم، فلم يعد أحد منهم يغتر به، وغدا حالة عابرة تكرِّر حسن الكشميري، مع فارق أن هذا يحجبه بيت وحسَب، ويُلتمس له العذر في هامش من عته وخبل، أما الغزي فلا شيء في جبته إلا الشيطان.