• من المروءة والوفاء، ثم المقابلة والجزاء، مواساة المصاب وتعزيته بمَن فقد، وهي من العادات العربية والإسلامية الأصيلة، وتكاد تكون نزعة إنسانية جارية في سائر الأمم والمجتمعات. بعد المشاركة في تجهيز الميت وتشييع جنازته والصلاة عليه ودفنه… يبقى أهله يبكونه ويندبونه، و”الندب” كما “الإسعاد” له معنى خاص في الباب، بعد العام، فالندب الذي يعني النداء والطلب، هو الرثاء والبكاء هنا، والإسعاد الذي يتبادر منه إدخال السرور والفرح والعمل لما يورث ذلك، هو الإعانة على البكاء وتجديده، والمعاضدة على المضي فيه واستمراره، بعد السأم أو الفتور، والتعب والنَصَب من مبلغ الجهد ونفاذ الوسع وذهاب الطاقة، يقوم “المسعِد” بمدح الفقيد وذكر مآثره وفضائله، وتعديد محاسنه ومكارمه، وجميل صفاته ومحمود خصاله، نظماً ونثراً، حكاية وإنشاءً، وسرد كل ما يأخذ في التوجُّع والحسرة، والبكاء والنياحة، فيؤازر على تجديد الأحزان برحيله، واستشعار الثلمة بفقده، ويعين الثاكل على جزعه ويسعفه في رثاء فقيده.

    ومن أعظم مراتب السلوِّ والعزاء، بعد الرثاء، هو الإسعاد… وفي اللغة أسعَده: أي أعانه. وأسعَدَت النائحةُ الثكلى: أعانتها على البكاء والنوْح. وهو إسعاد النساء في المناحات، تقوم المرأة، فتقوم معها أُخرى من جاراتها إذا أُصيبت إحداهنَّ بمصيبة فيمَن يعزُّ عليها، تبكي حولاً، وتُسعدها على ذلك جاراتها وذواتُ قراباتها، يجتمعن معها في عِداد النياحة وأوقاتها، ويُتابعنها ويُساعدنها ما دامت تنوح عليه وتبكيه، فإذا أُصيبت إحداهن بعد ذلك أسعدتها هذه، وهكذا.

    والأدب العربي زاخر في هذا متلاطم، من غنيِّ مفرداته، إلى غزير شعره، فرائق نثره وبديع بيانه، وهي ثقافة سارية وعادة جارية حتى اليوم، اللهم إلا في البيئات التي تسرَّبت إليها الوهابية، الظاهرة أو المبطنة المقنعة، المتوارية بغطاء الحركة الإسلامية، أو الإصلاحية أو التنويرية، سمِّها ما شئت، فهي التي بذرت الشك وبثت الريبة وافتعلت الشبهة، وجعلتنا نتجشَّم الاستدلال على مسلَّمات المذهب وبديهيات العقيدة، ثم نتنكَّر لطبيعي العادات والتقاليد!

    هذا رسول الله صلى الله عليه وآله لما عاد من أُحد، دخل أزقة المدينة، فإذا النوح والبكاء في الدور، قال: ما هذا؟ قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهم. فقال متحسِّراً على عمِّه: “لكن حمزة لا بواكي له”! ولما بلغ قولُه نساء المدينة، تركوا ديارهم ورثاء أهاليهم، وذهبوا إلى دار حمزة يرثونه هناك، إكراماً للنبي صلى الله عليه وآله. حتى غدت سنَّة، فلم تبكِ إمرأة من الأنصار على ميت لها، بعد قول رسول الله هذا، إلا وبدأت بالبكاء على حمزة! تماماً كما يفعل الشيعة اليوم في عزاء موتاهم، يبدأون ويختمون، ويكادون لا يرثون إلا سيد الشهداء عليه السلام.

    وما زال هذا جارياً حتى اليوم في كثير من البلاد، كالعراق ومصر وتركيا والهند، هناك نادبات يتلقين الأجرة لينحن ويصحن على الميت، ولمثلهن أوقف الإمام الباقر عليه السلام بعض أمواله، لتندبه النوادب ويقمن عليه المناحة عشر سنين في منى!

    أما شكل المناحة وتحقُّق “الإسعاد” في العزاء، فلا يكون إلا بكيفية خاصة ونحو متميِّز معهود، تتقابل فيه النادبات الباكيات الجازعات في دوائر وحلقات، كما هي حلقات اللطم في أيامنا، تقرأ إحداهن و”تعدِّد” فتبكي الباقيات، فتعود أخرى لتجيبها وتكون الأولى من الباكيات، وهكذا حتى تدلي كلٌّ بدلوها وتشارك بدورها وتُسعد ربَّة الدار وصاحبة المصاب، النمط الذي تطوَّر شيئاً في ما يعرف اليوم بـ”المستهلات”، مع انفراد الراثي (الرادود) بالقراءة واكتفاء الحضور باللطم، ثم يفسح لهم بكسب أجر الإنشاد من خلال ترديد مقاطع من القصيدة. ويبلغ الأمر في الإسعاد بعض صوَر التفجُّع والجزع، من نشر الشعور وشق الجيوب وخمش الوجوه، مما يجري اليوم في المجالس الحسينية النسائية، تطفر إحداهن من جزع، وتنثر شعرها من ثكل، وتعود لتقفز من ذهول… والطقس مفعم بالرمزية والإشارات الصريحة والخفية، التي قد تغيب مداليلها، والمشار إليه فيها، لمرور الزمن على هذه الصوَر وتباعد الأجيال عنها، وانفصال اللاحقة عن المتقدِّمة السابقة. فشبك اليدين على الرأس، والتلويح بالمنديل أو الطرحة، يكتنُّ هول الخطب وفظاعة المصاب وعظم النكبة، ولا يخلو من إعلام وإعلان، والتمايل على إيقاع اللطم ولحن الندب (وما تراه في “النزلة”)، يحكي وجداً وطوراً بلَغه الجازع من الشجو والأسى، وصار فيه من الهيعة والوجل!..

    وفي الحديث الشريف عن أبي بصير، قال: كنت عند أبي عبدالله عليه السلام أُحدِّثه، فدخل عليه ابنه فقال له: مرحباً، وضمَّه وقبَّله، وقال: طال بُكاء النِّساء وبُكاء الأنبياء والصِّدِّيقين والشهداء وملائكة السَّماء، ثمَّ بكى وقال: يا أبا بصير، إذا نظرتُ إلى وُلْد الحسين أتاني ما لا أملكه بما أُتي إلى أبيهم وإليهم، يا أبا بصير إنَّ فاطمة عليها السلام لتبكيه وتشهق، فتَزْفِر جهنَّم زفرة لولا أنَّ الخزَنة يسمعون بُكاءها وقد استعدُّوا لذلك مخافة أن يخرج منها عُنُق أو يَشْرَر دُخانها فيحرق أهل الأرض، فيكبحونها، ما دامت (الزهراء) باكية، ويزجُرونها (أي النار) ويستوثقون من أبوابها مخافةً على أهل الأرض، فلا تسْكُن حتى يسكن صوتُ فاطمة عليها السلام… قلت: جُعِلتُ فداك إنَّ هذا الأمر عظيم! قال: غيره أعظمُ منه ما لم تسمعه. ثم قال لي: يا أبا بصير أما تحبُّ أن تكون فيمن يُسعد فاطمة عليها السلام؟ فبكيت حين قالها، فما قدرت على النُّطق، وما قدرت على كلامي من البكاء، ثمَّ قام إلى المصلَّى يدعو، فخرجت من عنده على تلك الحال، فما انتفعت بطعام وما جاءني النَّوم…

    إن قوله عليه السلام “أما تحبُّ أن تكون فيمن يُسعد فاطمة” لا يعني أنك إذا قمت بهذا العمل أدخلت السرور عليها وجعلتها سعيدة بطاعتك، بل يعني الإسعاد بالمعنى الخاص، كما في قولهم “لبيك وسعديك” أي إقامة على طاعتك بعد إقامة، وإعانة لك ومساعدة بعد مساعدة، وهو هنا الإعانة والمؤازرة والمشاركة في الثكل والرثاء، والنوح والبكاء، وهو المتبادر مما ورد في غير حديث نسب إلى الرسول في مصادر القوم، ومنه ما جاء في سنن النسائي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أخذ على النساء حين بايعهن أن لا ينُحن. فقلن: يا رسول الله إن نساءً أسعدننا في الجاهلية أفنسعدهن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: لا إسعاد في الاسلام. والحديث مثل نظيره المروي عن عمر، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: “الميت يعذب في قبره بالنياحة عليه”. فتأمل.

    وإذا ورد في الشرع الأغر نهي عن خصوص الجزع (في بعض صوَره) على المصيبة، فهذا في سائر الأموات، دون المصاب في أهل البيت عليهم السلام، ولا سيما سيد الشهداء، فقد أمر الشارع المقدَّس وحثَّ على تجديد عزائه وعدم انقطاعه حتى قيام الساعة، وذلك بشتى الصوَر والأشكال، ومنها ما يبلغ الجزع، فالفجعة فيه دائمة لا تنقطع، والأسى لا يخبو، والمصاب لا يهدأ، والدمعة عليه لا تجفُّ ولا ترقأ.

    وهذا كله فرع الحضور والمشاركة في المجلس، ودونه لا يتحقق “الإسعاد” ولا يكون العزاء، وهو كنه الشعائر الحسينية وجوهر عاشوراء…

    قد يتحقَّق الأجر في أي نحو من رثاء سيد الشهداء، ويوفَّى الباكي أجره وإن كان وحيداً استحضر مصابه فاستعبر، أو سمعه عبر آلة كتسجيل صوتي وهو يجول بسيارته في الطريق، أو عبر قناة فضائية يحضر ما تبثُّه وهو مستلق على أريكته… لكنه لن يبلغ ـ ولا شك ـ تلك الأجواء التي ندب لها أهل البيت، والتي يتعاون الشيعة ويتناصرون ويتكافلون برجاء أن يبلغوها مجتمعين، فيلحقون بالمرحومين، ويخرجون من المحرومين.

    إن حضور مجلس حسيني عبر شاشة التلفزيون أو الحاسوب أو الهاتف لن يحقق “الإسعاد”! والدعوة للمجالس البيتية التلفزيونية هو إفراغ للعزاء من كنهه وجوهره، ونزول به إلى أدنى مراتبه وأقل درجاته، وأثره المرفوض ـ بالقطع والتأكيد ـ هو تخلفه وقصوره عن تحقيق الشعيرة، والعمل الجماعي، وانتقاله إلى العبادة الفردية والفعل الشخصي. وهذا ما سعى فيه ـ على مدى التاريخ ـ وعمل له سلاطين الجور وسائر الجبابرة، ووافقهم الحداثويون الخونة.

    إن كان من خير في هذا البلاء، فهو انعزال التيار الحداثوي المريض، وانفصاله بنهجه الموبوء، وفكره المبتدع الشاذ، عن مجرى الشعائر الحسينية، فهذا الموسم ستخلو ولله الحمد منهم الحسينيات، وتفرغ المجالس، وقد انعزلوا في دورهم وبيوتهم، يستمعون إلى محاضرات ودروس “علمية”، يجدون ما يفوقها على الناشيونال جيوغرفيك، ويُلقَّنون تحليلات سياسية تستخف عقولهم، وثقافة ما زالت تعظِّم وثناً وترفع صنماً.

    من نافلة القول أن إرشادات مراجعنا العظام تنظر استثنائية الظرف وتطرح الأمر كخيار أخير يسبقه إمكانية إقامة العزاء الحقيقي والسعي المضني لعدم تعطيله… لكنها على أية حال، مياه عكرة، كل الخوف أن يصطاد فيها الحداثويون الحزبيون حيتاناً، ولا سيما أنها لا تأتيهم شرعاً إلا في سبت الوباء وبحر الغفلة. فأردت التنبيه.

  • على طريقة الشمبانيا دون كحول، وبوركيني الشواطئ المختلطة، والرقص والدبك الإسلامي، والديجي الشرعي… يجري تسويق خروج المرأة من خدرها، والقضاء على حيائها وسحق احتشامها، والتكسُّب بالدفاع عنها واختلاق ما صار يعرف بحقوقها. ثم يبلغ البلاء مداه حين يفلس المستدل، أو يشقى، فيرمي خديجة الكبرى بمخالطة الرجال ومجالستهم، وهي أم المؤمنين، بل أُم سيدة نساء العالمين، وجدة فخر المخدرات من الأولين والآخرين، أصل نقيَّات الجيوب، ومنبع عديمات العيوب، اللاتي لا بيداً عرفن ولا سرى، ولا مجالس ولا نواد… حتى حسبت أن الكاتب أموي من الذين نسبوا للسيدة سكينة بنت الحسين ما يماهيها بنسائهم، وإذا به سيد ينتسب إلى الدوحة الهاشمية الشريفة، فوا أسفاه!                                             

    أكاد أجزم أن الرجل لم يبلغ في تحصيل العلوم الدينية شأواً ولا قطع شوطاً، ولا هو أوفى البحث حقه من التحقيق بما يسمح باستخلاص نتائج واستنباط مفاهيم دينية خطيرة… ولكن مما يشفع له، أنه، كما علمت، يمضي حراً ولا يخضع لسطوة الحزب، ما يعني أنه حيٌّ لم يمت، وثمة رمق يمكن أن يعود لينبعث منه نحو الحق ويأخذه إلى الصدق، فحريٌّ أن تفتح له نافذة، علَّها تنقله من عُجب وكبر ينفخ صدغه ويصعِّر خده، وعمَه وتيه يُطغيه، إلى بصيرة ووقار واتزان ينجيه، فيفيق من سكرته ويكف عن غوايته، ولا سيما مَهلكة الإضلال الديني، والافتراء على الله ورسوله بنسبة ما يهوى، وإسقاط حالة أو قضية شخصية مرَّ بها على شرعه وإلحاقها بدينه! فلا يلج بعد الآن في أمور الدين كسبَّاك يقيس تمديدات أنابيب لدورة مياه، بالجهاز الدوري ويقرنها بالأوردة والشرايين، ثم لا يكتفي فيعمد لمباشرة علاج جلطة نزلت بمريض، كما يفعل بانسداد قسطل أو سدَّ بالوعة تصريف، مستبدلاً المنشار بالمشرط أو المبضع، والتسليك بالميل الذي ينفخ في مسدودها!.. والحق، إن الخشية على بسطاء المؤمنين أن ينطلي عليهم زخرف قوله، هو ما يحمل على الرد والتوضيح، وإسعاف الأيتام بنجدة تدركهم، مقدَّم على إنقاذ مَن طلب الهلاك وسعى فيه.

    في مناجاة المعتصمين: “وأن تجعل علينا واقيةً تنجينا من الهلكات، وتجنِّبنا من الآفات، وتكِنُّنا من دواهي المصيبات، وأن تنزِل علينا من سكينتك، وأن تُغشي وجوهنا بأنوار محبَّتك، وأن تؤوينا إلى شديد ركنك، وأن تحوينا في أكناف عصمتك”. ومن الدعاء على الشيطان في الصحيفة السجادية: “واجعل بيننا وبينه ستراً لا يهتكه، وردماً مصمتاً لا يفتقه”. وفي دعاء أبي حمزة: “واجعل عليَّ منك واقية باقية”…

    حتى لا نقع في السطحية التي تعاطى بها الرجل مع النص الديني، والقشرية التي انتزع بها المفاهيم من الوقائع التاريخية، بل لا نبتلى بتحريف هذه الوقائع والقفز منها إلى تفاصيل من نسج أخيلتنا، أو توالٍ باطلة ولوازم نحسبها لا تنفك… لا بد من فهم بعض الحقائق العلمية والحوادث التكوينية من منظور إيماني، لا حسيٍّ مادي، كما هو المفترض في المؤمن، فنفهم، على سبيل المثال، “النور” و”السكينة” و”الواقية”.

    وننطلق في ذلك من وقائع تاريخية قطعية، من قبيل تضاعف عدد المسلمين في نظر الكفار، “يرونهم مثليهم رأي العين“، وأنَّ الأمر ليس من المعالجة بالإيحاء، والتأثير بالتلقين، أو الإرعاب بالتهويل، بل هو “رأي عين”، حقيقة متجسِّدة في الخارج، انعكست خيوط الضوء منها في الأعين، ونقلتها الأعصاب إلى المخاخ، فأدركوا، لا من خيال أو رؤيا ومنام، وجوداً لعدد هو ضعف “الواقع”. هكذا نقرب من تحقيق ذيل الآية الشريفة “إن في ذلك لآية لأولي الألباب” ونتعرَّف على “السكينة” التي كانت في “التابوت” في قوله تعالى “وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة”، وكيف لتفاعل نفسي ينتهي إلى السكون والطمأنينة، كما يذهب الحسيُّون في تفسير “السكينة”، أن يكون جسماً مادياً يوضع في حيِّز ووعاء، هو التابوت، إلى جانب الألواح وبقية ودائع النبوة؟! وأن نفهم “الواقية” التي جاءت في المأثور المقدس من أدعية أهل البيت…

    وهذه إشارة سريعة ونبذة عابرة، يفتح منها باب للبحث والتحقيق، وإضاءة على مواقع تبدو بعيدة وغريبة على أفق مغامر مندفع، وثقيلة على مؤونته العلمية وحصيلته الفكرية، وحتى على مخزونه الثقافي الضحل.

    “الواقية” تدخُّل تكويني، قد يكون عبر إكسير غيبي أو معادلة جفرية خارقة، يصرف إعمالها الأنظار أو الأضرار، عن شخص أو حدث، وعما يحويه أو يحتوي عليه، بمعنى سدول أو غشي أو بث ما يجلله وينفعل في الفضاء المحيط به والمصاحب له، و”يقيه”، بحيث تذهل عنه الأنظار والأفكار، وتنصرف إلى شأن يغنيه ويبعد عنه الأخطار… فلا تؤثر نار النمرود في الخليل عليه السلام، وتفعل “وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون” فعلها، مع ذرات رمل نثرها النبي صلى الله عليه وآله، فخرج ليلة الهجرة أمام الذين كمنوا لقتله، دون أن يروه!‏ لا بمعنى أنه انقلب شبحاً، وصار خفياً غير مرئي، بل كان صلى الله عليه وآله على صورته البشرية الطبيعة، لكن “الواقية” التي كانت تجلِّله فعلت فعلها، إما بعمىً عارض أو نعاس جمعي ضرب العيون الرقيبة، أو أنهم كانوا يرون ويشهدون ويعيشون “الحالة” التي جلَّلته، فهم كانوا ينظرونه، ولكن لا يرونه!

    ولعلَّ تطبيقاً حسياً مشهوداً، مما ينال عامة الناس، يعين على فهم هذه الحقيقة وإدراك معناها، وهو كثير ومتكرر في الحياة، أن تعرض للمرء وتمر به حوادث ووقائع تغيب عنه حيثياتها، على الرغم من أنها تجلَّت له بوضوح حين الحدث وحال وقوعه، ذلك لفوْرته واستنفار مُدركاته، وشحذ وإرهاف أعصابه، وشدة تأثره وانفعاله… تراه يذهل عنها، ولا يشعر بها، فلا يسمع صرخة مدوية، ولا يرى ضوءاً ساطعاً ووميضاً باهراً، بل قد يصاب بجرح غائر، فلا يلتفت إليه ولا يشعر به، الا بعد حين، عند بروده وقراره. تُرى أين كانت أحاسيسه ومُدركاته؟ ما الذي طمسها أو خدَّرها، فعطَّلها ـ بنحو وآخر ـ عن عملها؟!

    السيدة خديجة عليها السلام إن كانت قد مارست التجارة بمقتضياتها (وهذا ما لم يكن) من مواجهة الرجال وما شابه ذلك من مدعيات الكاتب واختراعات أضرابه، فقد كان محكوماً بهذه القاعدة، وهي سارية في جميع أُمهات المعصومين عليهم السلام، ففيهنَّ الإماء اللاتي تناقلها النخاسون في أسواق الرقيق، وتعرَّضن لما يقتضيه ذلك من معاينة ونظر، ولكن يداً غيبية وأغراضاً تكوينية وسابق علم الله تعالى بأنهن سيلين أمراً عظيماً ويكنَّ أوعية لحمل الإمام، كانت على الدوام تسدل دونهن حجاباً وتضفي عليهن واقية، تجعل الرجال وغير الرجال يذهلون وينصرفون عن النظر، أو حتى الالتفات إليهن بأي نحو.

    وكذا الحال في مَن كانت تلتقيهم سيدة نساء العالمين من الصحابة، الذين رووا عنها بعض الأحاديث كسلمان الفارسي وجابر الأنصاري، وإن بلغوا رتبة “منَّا أهل البيت”، إلا أنهم كانوا يرون أنواراً تذهل أبصارهم عن النظر إلى شخص والتمعن في هيئة ورسم، وكذا كان الحال عند خروجها للخطبة في المسجد ولاستنهاض الأنصار.

    ولك أن تنطلق من هذه الإشارة، وتستشرف المزيد من هذه الآفاق السامية، حين تنظر في ما قاله العلماء، من الدربندي والتستري وغيرهم ممن اشتغل في السيرة الحسينية، عن كيفية بروز بنات الرسالة في ساحة كربلاء، وكيف جللهن الله تعالى بجلاله، وأرخى عليهن دون أنظار الأرجاس، بل سائر الخلق، وأسدل من نور حجابه.

    إن آل محمد لا يقاس بهم سواهم، ولا يسقط تراث عريض من روايات المعصومين وأحكامهم القطعية في التأكيد على الخدر، وهو التزام جدار الدار وأسوار البيت حجاباً، فيُتَّخذ سلوكهم المحفوف بهذه الحيثيات الملكوتية، دليلاً حاكماً على ما أمروا به، وكأنهم ينقضون ما يبنون، ويهدمون ما يشيدون، ولا يفعلون ما يقولون ويأمرون… قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “ألا إن فاطمة بابها بابي، وبيتها بيتي، فمن هتكه فقد هتك حجاب الله”، ألا وقد أحرقوا الباب ودخلوا البيت وهتكوا حجاب الله… ترى، هل هتك حجاب الله يعني رؤية الله ومشاهدته؟ هذا تعليق بمحال، وكذلك ذاك.

  • أعلَم أنه لا يرى قيمة لمثل هذه المقالة، التي لا يبلغ قراؤها قطرة في بحر جماهيره، ولا يحسب هذه الأقوال والكتابات خطباً يعبأ به، ولا أمراً يستحق أن يعيره التفاتاً، وماذا عساها أن تفعل أو تؤثِّر، وهو يُسمع خطابه الأمة بأسرها، ويبث سحره عشرات الملايين، تحوم به ـ بعد الفضائيات ـ أسراب ذبابه الألكتروني القذر، لتنقل الجراثيم والعدوى حيث تحط، أو تزعج بطنينها الأيقاظ والأحرار، الذين أبوا أن يكونوا قطيعاً في حقله يرتع، أو ماشـية في حظيرته تقبع، استخفَّهم فأطاعوه، رضوا لأنفسهم حلوم الأطفال، وعقول ربَّات الحجال.

    ولكنه شجو جريح، وأنَّة مُلتاع حزين، وزفرة شفيق مكلوم، يفرِغ بها تكليفه، ويبلغ بها حُجَّته عند ربه، ويتمُّها على أهله وصحبه…

    لم يكن السيد حسن نصرالله منحرفاً في عقائده ولا ضالاً في مذهبه، كان شيعياً ولائياً، وحتى في قناعاته السياسية وتوجهاته الثقافية، كان يحسب فضل الله في الأذلَّاء الخانعين، و”زلمة” آل الأسعد وغيرهم من الرأسماليين والإقطاعيين، ويرى حزب الدعوة فذلكة وتوليفة تخدم الإستعمار، وصيغة حركية تعيق تقدُّم المجاهدين الثوار لصالح الاستكبار، وكان يعلم جيداً أنَّ فضل الله سيف مُشهَر على عنق المقاومة، وخنجر مغروس في خاصرتها، وأنه اليد الخؤونة التي طالما سرقت أموالها واختلست، بل انتهبت، حتى أثرت باسم دعمها، وأغوت واجتذبت وكبرت على حسابها، بأكذوبة المرشد الروحي لها!

    ولكن، يا للشقاء، ويا للاستدراج الشيطاني، يا لـ “خطوات على الطريق”، أخذته شيئاً فشيئاً حتى أسقطته في الحفيرة، وأطعمته الشراك، وانتهت به إلى الهلاك… وقع نصرالله في الدجل ودخله من أوسع أبوابه، وقام للغش والافتراء إماماً في محرابه، وبات علماً في الإغواء لا يُبارى، ورمزاً في الإضلال لا يُجارى، وغدا الكذب والتزييف، والتزوير والتحريف، فنُّه الذي يتقن، ولعبته التي يُجيد ويُحكِم. وبلغ في ذلك أن أعلن منذ سنوات ـ على حين غفلة ـ أنَّ مرشده الروحي هو الشيخ بهجت! هذا العارف الكامل الذي يرى فضل الله تجسيداً للشيطان، ثم يراه هو آية للرحمن! وما زال يثني عليه ويطري في غير مناسبة وبكلِّ عنوان، فيا لله وللمرشد القائد والحكيم الرائد! دخل في حرب الشعائر الحسينية، وهو الذي سعى لتأسيس مواكب الزنجيل من قبل! وقلَب ـ بسهولة ـ مسوِّغات قناعته هناك، وجعلها مادة إقناعه الناس هنا! وراح يتحدَّى العقيدة وحصون المذهب وقلاع الدين، مستغلاً المقاومة وموظفاً تعاطف الناس، ومضى يستضعفهم بخطاب مَن استخف قومه فأطاعوه، وابتذلهم وأهان عقولهم بمغالطات ومصادرات على طريقة الشياطين ونهج الأبالسة الملاعين، حتى جعلهم اليوم مزارعين!

    نحن لا ننطلق من عواطف وأحاسيس، وإن سمت وكانت أعظم عبادة، ولا من أحقاد ومعاداة وسابق رفض وبراءة… إنه رأي مراجعنا العظام وحوزاتنا الأصيلة الشريفة، وموقف زعمائنا الحقيقيين، المنزَّه عن عبث السياسة والاتجار بالدين.

    أبشر يا نصرالله ببلاء لا يردُّه عنك أحد، وقد قطعت بنفسك وأخليت بإرادتك يديك من حبل الله المتين، دمرت كلَّ تاريخ مشرق، وطمست كلَّ ذكرى عزيزة شريفة، وأهدرت دماء الشهداء، الذين لو انكشف لك الغطاء لسمعت لعنهم لمن تُعظِّم وتمجِّد، ورأيت غضبهم وسخطهم مما تفعل وتفتري، وغيظهم مما تبيع وتشتري.

    اللهم إني أستغفرك لكل دعاء تضرعت به إليك لحفظ هذا الشقي، اللهم إني أتوب من كل صدقة أخرجتها لتدفع البلاء عن هذا الطاغي الباغي، اللهم إني أبرؤ إليك من ضلاله وانحرافه، اللهم إني لا أستبدل ولائي لفاطمة الزهراء بهذا الحطام، ولا أبيع ديني أو أفرِّط بآخرتي لهذا الضياع والظلام.

    اللهم إنه أبى أن يمضي في دربه وينشغل بسياسته حتى ينتقص من ديننا، وآل على نفسه أن لا يذهب في سبيله حتى يهتك مقدساتنا، وينال من عقائدنا ومسلَّمات مذهبنا، وينصر الباطل بكل ما ملك من بطش وقوة، وصار فيه من مكانة وذروة، بلغها وتسنَّمها على أجساد الشهداء الأبرار، وركام اعتلاه من تضحيات آلاف المخلصين الأحرار، التي لم تقدَّم إلا في سبيل فاطمة وبنيها، وعلى مذبح حبِّ علي وولائه!.. جاء الأخرق الجهول، المتكبِّر المتغطرس، وجعلها سلعة صفقته الخاسرة، واتخذها ورقة مقامرته، ودابة يركبها في ضيعته ومتاهته.

    اللهم لا سلاح نملك ولا عتاد، ولا شيء في دينك وشرعك يبيح لنا مواجهة هؤلاء ومقارعتهم بأساليبهم، إلا الدعاء… اللهم إنه قد استسنَّ في غلوائه، واستمرَّ في عدوانه، وأمن بما شمله من الحِلم عاقبة جرأته عليك وعلى أوليائك، ولا سيما سيدة نساء العالمين، وقد استخف بخطرها، وتهاون بخطبها، ونصر عدوِّها، ولك اللهم لحظات سخط بياتاً وهم نائمون، ونهاراً وهم غافلون، وجهرة وهم يلعبون، وبغتة وهم ساهون، اللهم عليك بمن كفروا كما جاء في وعيدك: “وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم”…

  • منذ أن غرقت “التايتنك”، تلك السفينة العملاقة المدهشة، والناس، من أهل الخبرة كانوا والاختصاص، أم من المغرمين بالقصص والأفلام السينمائية، في اختلاف حول أسباب غرقها، منهم من يرجعه إلى الجبل الجليدي الذي غفل عنه القبطان، أو السرعة المفرطة التي أمره بها مدير الشركة مالكة السفينة، أو غير ذلك من أخطاء بشرية وآلية وعيوب مصنعية… وهناك مَن يرجع الأسباب لكلمة أطلقها بعض الملَّاحين من طاقم السفينة عند تدشينها أو ساعة الإبحار بها، وهو يرقب هيكلها الخرافي ومداخنها العملاقة، قال: “حتى الله لا يقدر على هذا المارد”! وعندنا، وفقاً لمنظومتنا الدينية المستقاة من القرآن والسنة، فإنَّ كلمة الكفر هذه، هي التي فعَّلت الأسباب، وساقت المقادير نحو هذا المصير. كلمة أو فعل منكر واحد، كفيل بالسخط الإلهي الذي يحل بشخص أو قوم أو بلاد، ناقة تُعقر تبعث صيحة، تكذيب يرسل صرصراً ورجفة، مكابرة على الإيمان تبعث طوفاناً وجراداً وقمَّل، زهو بالغنى واعتداد بالقدرة وطغيان يورث خسفاً!.. لا أحد يجحد الأسباب الطبيعية، وسلسلة العلل التي تنتهي إلى هذه أو تلك النتيجة، لكن الدهريين والماديين والحسيين، يقفون عند الطبيعة وقوانينها، بينما يرجع الإلهيون ذلك ـ من بعدُ ـ إلى الله سبحانه وتعالى، ويفرضون مصاحبة يد الغيب لهذه العلَّة وتلك، بما يسوق الحركة ويقودها إلى نتائج مقدَّرة، ونهايات تجعل من القوى المعنوية الفاعلة في نواميس الغيب، العنصر والعامل الأكثر تأثيراً.

    في مثل هذا اليوم قبل عقد مضى، نكست المحافل الماسونية أعلامها، وأعلنت العلمانية العالمية الحداد، ودقَّ النفير العام في جبهة الزندقة والنفاق، ونفخ إبليس الرجيم في صُوره مستنهضاً أولياءه… تداعى المتكسِّبون بالدين وهرعوا من كلِّ جانب وكنف، واستنفر المتَّجرون بالمذهب وانثالوا من كلِّ صوب وطرف، احتشدت المتردية والنطيحة، والتمَّ كل مراوغ مداهن محتال، وتجمَّع المنافقون قبل الدرك الأسفل، هنا في “ضرار”، ليُشيِّعوا جنازة طاغية جبَّار، متكبِّر تيَّاه، مختال متباه، تحدَّى الله، وبنى صرحاً يطَّلع منه على الأسباب ويقف على سرِّ حبِّ الشيعة لأهل هذا البيت، وعلَّة التفافهم واحتفائهم بهم، وتكريمهم لهم، دونه هو، ونبذهم بقية الشخصيات والرايات؟! وإن صدق لقب في هذا الشقي الهالك وانطبق عنوان فيه، فهو أول مَن تجاسر في هذا العصر على سيدة النساء في نفي فضائلها وخصائصها، والتشكيك في مصائبها، وسعى في تبرئة قتلتها، وأراد إنهاء قضيتها، وزعم بيان وانكشاف موضع قبرها… برزت الأبالسة كلها في الجنازة وظهرت، ولو انكشف الغطاء لرأيت المردة تطفر، ولسمعت رنَّة ونخاراً! اصطفت قوى الشرِّ وانتظم حلفاء الشيطان، واستعرض إبليس أنصاره: زعماء وقادة ووزراء ونواب وأعيان ووجهاء وأثرياء، ثم عمائم وقلانس وصلبان وتيجان، وغثاء أحوى يحف بالتابوت فيه قلق واضطراب، وبقية مما تركت المصارف وصكوك الودائع والأسهم والعقارات… يقابل هذه وهؤلاء، الإيمان ومَن يمثِّل ظُلامة فاطمة وحقَّ عليٍّ. فكانت المرجعية والحوزة والشعائر والفقه والعقيدة في جبهة، وفي الأخرى رتل الأحزاب والسياسة والمال والتجارة والإعلام… وبينهما راقص على هذا الإيقاع يزعم الاحتياط، ورعديد يطلب السلامة في الوقوف على التل، وصامت مداهن، خنوع مضارع، مقرٌّ ممالئ، أبكمته المصالح وأخرسته الفكرة في المال والعيال، فلم يُثبت في ديوان نصرة الحق اسماً، ولا نقش في لائحة المنكرين على الباطل رسماً.

    وبينما انشغل المؤمنون بشكر الله على الخلاص من العجل وسقوط هبل، راحت الأحزاب تعيد بناء الوثن وترفع ثانية الصنم، جمعت همتها واستنفرت طاقاتها وانكبت على صبِّه في قالب كله شؤم وعار، لتقوم أسطورة طائر الفينيق من جديد، وتستمر الفتنة وتمضي الضلالة وتعيد. وإن ارتكس الخبيث في عالم الحقيقة وانتكس، كما أنشد مصطفى جمال الدين في إمامه: “هيا استفيقي يا دمشق وأيقظي تَرفاً على وَضَرِ القمامة يرقُـد”… نثر السامري ما ادخر من أثر الرسول، مبرَّات ومقاومة، وصاغ من حلي بيت المال وما تسوَّل من أموال الفقراء واختلس من الأيتام، فعاد العجل يخور، ومضت الفتنة قائمة دائمة، فطابت أنفس الطلقاء، وقرَّت عيون الماسون وفرح الأعداء!

    هنا لعمري قد لقحت، ولم تنتظر ريثما تنتج، بل احتلبوا في الآن ملأ القَعب دماً عبيطاً وذعافاً مبيداً، وعرف التالون ـ في الحين ـ غِبِّ ما أسسه الأولون، ولم يحتاجوا لمن يتوعدهم بالفتنة ويحذِّرهم من البلاء، فقد عاشوه من فورهم، ورأوه في ساعتهم، وما زالوا تحت سيف صارم وسطوة معتد غاشم، وبهرج شامل واستبداد من الظالمين، جعل فيأهم زهيداً وجمعهم حصيداً… منذ تلك اللحظة المشؤومة، وتيار الجمهورية الإسلامية في سقوط متتابع، انتكاسة فاندحار، وهوي بعد انكسار، لم يرتق لهم فتق ولم يجبر لهم كسر!

    إنَّ جحد حقِّ الزهراء، محور أصحاب الكساء، علَّة الخلق وغايته، سيعقبه ـ لا محالة ـ سخط وغضب وفقر وبؤس وشقاء! وضع يدك على حال إيران والأحزاب التابعة لها، وانظر ماذا جرى عليها من ساعة استخفافها بهذا الحق، ونصرتها الضال المضل وتكريمه، وانقض دعواي بمورد واحد نجحت فيه، أو كتب لها فيه الفوز والظفر، أو الراحة والاستقرار، ودع عنك مزاعم الآخرة، وهم أبناء دنيا، وينادون بتفوقهم فيها، ويزعمون نجاحهم في إصلاحها وإعمارها… ما زالوا من فشل إلى إخفاق، ومن كبوة إلى خيبة، ومن هزيمة إلى انتكاسة، وها هم اليوم في انهيار، لا ينافس تومانهم في السقوط إلا الليرة، ولا يفوق فقرهم وبؤسهم إلا ما حلَّ باليمن والشام، وتحوم سحبه، مع ذكرى الهالك وشؤم جنازته وتبعات نصرته، في السماء، تخيم على لبنان وتجثم عبئاً ثقيلاً ينقض ظهر الحزب، الذي باع دينه بما توهمه دنياه…

    لو كان في القوم حكيم رشيد، أو متواضع لا تأخذه العزة بالإثم، لوقف على سرِّ هذه الهزائم المتلاحقة، وعرف علَّة العلل التي تدير المقادير، وتسوق التدبير، تأخذه لخير هناك ونعماء، أو لشرٍّ هنا وشقاء… وأنه تعالى ساخط عليهم غاضب، لاستخفافهم بحرماته، وعبثهم بمقدَّساته، وزندقة تسير بهم على ضفاف الكفر والإلحاد، وهم غافلون، يمشون مكبيِّن على وجوههم، مختالين مصعِّرين خدودهم، يحسبون أنهم يخرقون الأرض ويبلغون الجبال طولاً، والتربة من تحت أقدامهم لزجة ستزلقهم، والجرف هار سينهار بهم!

    وبعد، فهذا صميم البنيان ولفيف الأعوان، الذين نالوا حصتهم من المكاسب ونسبتهم من الأرباح، يسارعون في ترك السفينة (المارد التايتنك)، يتبجَّحون بصفاقة بالويل على الزعماء، وينادون بوقاحة بالثبور على بطانتهم، وكأنهم من سكان القمر، في معزل ومنأى عن هذا اللوث والخطر، لم ينهضوا باحتجاج، ولم يعقدوا راية ويدافعوا عن خباثة ويسوقوا لغاية، بل لم يداروا فضيحة ويخفوا جناية!

    لا الصين في الشرق ستنقذهم ولا فنزويلا في الغرب، وفي الحديث ”من تزيَّـا بغير زيِّـه فدمه هدر”، ومن خرج عن ثوبه وتخلَّى عن مذهبه وتنكَّر لأسباب عصمته ومقتضيات رحمته، ترك التشيُّع إلى العلمنة والزندقة، ومال عن الولاء إلى البدعة والضلال، وباع دينه لقيَم متحركة كالمقاومة والثورة والدولة، وعزف عن المرجعية إلى قيادة جاهلة معقدة، فقد استقبل البلاء، وطلب لنفسه الشقاء.. لن تسعفهم الرحمة وتدركهم العناية الإلهية، ولن يدفع الله عنهم اللأواء، ويحول أن يصطلمهم الأعداء، إلا عبر شخص واحد دون سواه، هو الحجة بن الحسن العسكري عليه الصلوات… فكيف السبيل وهم يتحدون دينه وعقيدته، ويستخفُّون بحرمة أمه، ولا يكترثون بعزاء جدِّه؟!.. عودوا إلى الله وافزعوا إلى وليه، “ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيماً“.

  • كنت أحسب أنَّ جيل العظماء، عبود غفلة وعبدالأمير الفتلاوي وعطية الجمري وابن نصار وهاشم الكعبي وعبدالحسين الأعسم وعبدالحسين الشرع، وهذه الطبقة العرشية، حالة وِتر لا تتكرر، وعهد مضى لن يعود، قنط الدهر أن يسخو بمثلهم ويجود. زمن جميل ليس لنا إلا نعيش ذكراه، والتحسُّر على افتقاد نظائر لنجومه، وأقران لأفذاذه… حتى رأيت أنَّ نتاج الشعراء الشباب، عادل أشكناني وعلي العسيلي ومحمد الحرزي، ليس نفحة هبَّت لوهلة، ولا قريحة جادت لمرَّة، إنما هي عين متفجِّرة ما زالت تسيح، ويعبوب متدفق ما انفكَّ يجري ويفيض.

    لا تفسير لـ “ظاهرة” هؤلاء الشعراء المبدعين، في بُعدي: الجودة والإتقان، كما في الخلوص من شوائب الانتماءات، والانقطاع في الانتساب إلى مخدومهم سيد الشهداء… إلا ما شملهم من عناية ربانية ورعاية مهدوية. فجيِّد الحبك هذا ورائق السبك، ودقيق الوشي ورشيق النظم، الذي ما زال يشنِّف الأسماع ويخلب القلوب وينشي الألباب، يلتقط من معاني الولاء نوادرها فيصيغها، وينقِّب في المظالم عن مجهولها ومخفيِّها، ويتحرَّى من الفضائل مغمورها ويتقصَّى مهجورها، مما تعاقب على ظلمه العدو والصديق، وتظافر على كتمانه وطمسه البعيد والقريب… يستخرجها ويضيء عليها، ينضِّدها ويرصِّفها، فيبعثها ويبثها، لتخلق ثقافة عامة، تحقُّ الحق، وترسي ركائز تقاوم نهج الضلال، من هذا الثغر والرباط. وكذا حالهم في هديهم وسيرهم وطريقة مشيهم وعيشهم، الموفقة في الانقطاع إلى أوليائهم، المتَّزِنة الوقورة، المترفعة عن الخفَّة والابتذال، المتنزِّهة عن اللوث بآفات العصر والناجية من ابتلاءات الزمان!.. لا يكون مثل هذا التوفيق إلا لسابق إنعام منهم ـ سلام الله عليهم ـ وإفضال، وتسديد وإقبال، خصُّوا به هؤلاء وأنالوه أولئك السعداء.

    وقد يُرجع بعضهم الأمر، إلى عموم ما يحظى به هذا الجيل من فرص لم تتح للأجيال السابقة، أن ينشأ المرء في بحبوحة من الأجواء الإيمانية، ورغد من انتشار الثقافة الولائية، وسعة في الحال من الرزق الوفير والطعام الزكي الحلال، فيكون أمام مائدة زاخرة بالطيِّبات، ينهل من “فلينظر الإنسان إلى طعامه” ما شاء، فيرقى نحو أفق يتخيَّر فيه بين الألوان وينتقي من الجفان. لم تكن الفرصة متاحة في السابق إلا للأوحدي، ثلة قليلة من السعداء، كأبناء البيوتات العلمية، وسكَّان الحواضر والحوزات، ومجاوري العتبات، وبعض الأُسر الملتزمة ذات الصلة بالعلماء، شكَّل مجموعها شريحة محدودة وفئة صغيرة، لم تبلغ يوماً ظاهرة سارية، ولا كانت حالة غالبة يعيشها المجتمع، أو تعيش فيه بوفرة وكثرة، كما هي اليوم… لكن عند تدقيق النظر، تجد أنَّ الأمر، إضافة لهذا الواقع العام ”الجديد” في الساحة الإيمانية، يعود لعناية خاصة شملت بعض المؤمنين، ورعاية صرفت عنهم البلاء ونفت الشقاء، ما يكشف عن سعادة بالغة وحظ وفير، لسرٍّ إلهي، لعلَّه في طهارة المنبت وسموِّ نيَّـة الوالدين، أو لجهد وإخلاص من العامل نفسه، ومثابرة قادته نحو هذا الفلاح والنجاح… فالفتنة صارت في الوفرة، وفي السموم المبثوثة في مبذول “الطعام”، وهي لا تقل خطراً وإغواءً، عن أصل غيابه والمضي في الصيام، وعن الفراغ والقحط والجدب الحاكم في العهود السابقة، وما عانت منه الأجيال السالفة. فالساحة الإيمانية اليوم متشعِّبة الطرق، ملتوية الدروب، متنوعة المسالك، وهي مزدحمة بالفرص ومكتظَّة بالخيارات، وهذا التشابك والتداخل يخلق لَبساً مضلِّلاً ويورث اضطراباً مُقلقاً، لا ينجو منه إلا من سبقت له من الله الحسنى…

    إن مَن يتدبَّر في أداء الشباب الولائي العامل في الحقل الحسيني، يستوقفه أمر التحاق بعضهم بالخدمة وانضمامه لركب الأصالة، منذ نعومة أظفاره وأول عهده بالتكليف والعمل في سبيل الدين، دون أن يشرِّق ويغرِّب، ويمرَّ بمرحلة تستزله فيها الشياطين وتجتذبه العناوين! كأنَّ يد السعادة أخذت بيده ابتداءً إلى جادة الصواب، ولطف العناية شمله قدماً فهداه خير سبيل وباب، فتجاوز أطوار التجربة، وتخطَّى معاناة التقلُّب في المناهج البديلة، والضياع في الخيارات والخطوط الموازية، سلك الهداية والرشد من البداية، ووقع على الصدق والقسط والعدل في الغاية، وأصاب الحق، فأوقف جهده وعطاءه ونذر روحه للحسين وإحياء ذكراه.

    إنَّ أُولى مراحل الوعي والبصيرة في الحركة الولائية والنشاط الإيماني هي منع الخلط والتداخل، والعمل على الفرز والتصنيف، ثم التموضع والتهديف. وهذه قيمة مستقاة من هدي الحق سبحانه وسنته في الخلق، في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وميزان مرهف في التقييم، تميل به شعرة، وترجِّح كفَّته ذرَّة… على هذا مضى الرجاليون حتى أطلق على علمهم وعملهم “الجرح والتعديل”، وهم يشيِّدون قواعد الأخذ بتراث العترة الطاهرة. وهو منطلق اعتمادنا على الفقهاء والأخذ عنهم، في التثبت من اندراجهم ضمن “المؤمنين” و”العدول” و”النجباء”، بعد الفراغ من العلم الذي تشهد به وتثبته الحوزات.

    وهو حراك دؤوب لا ينقضي، وعملية مستمرة لا تنتهي، فنحن في تقييم وتصنيف وجرح وتعديل دائم، وتحريات لا تنقطع ومحاكمات لا تتوقف… وكما هو الحال في “المعممين”، وفي الخطباء، وفي الرواديد المنشدين، كذلك الأمر في الشعراء، هناك مَن يُصنَّف على جماعة ويلحق بفئة، ويُحسب في عديد تيار وحركة، حزب سياسي، أو مرجعية باطلة (المرجعيات الأصيلة، لا تشكل أحزاباً ولا تتبعها جماعات منفصلة عن الأمة). وفي ساحة الخطباء وقرَّاء العزاء والرواديد والشعراء اليوم، صدريون يرجعون لمقتدى، وشيرازيون يلحقون أسرة، كائناً مَن كان ربُّها، وحداثويون يتبعون الحركة الإسلامية وأحزاب الحكومة الإيرانية، يرجعون للخامنئي وفضل الله وهذا اللفيف، وضرب رابع وخامس من تيارات وجماعات تتناهب المؤمنين وتشرذمهم، وتشغلهم وتلهيهم، وتصرفهم عن الولاء الحق، وتدفعهم عن الرشد والهدي والصواب (وكنت قد أعجبت بغير الثلاثة الذين ذكرت، حتى رأيت رثاءه لفضلة الشيطان فلفظته كما بصقة أو نخمة، ولا كرامة)… فإذا سلم العالم والخطيب والرادود والشاعر من هذه الآفة ونجا من تلك، تعرَّض لفتنة أخرى وخضع لبلاء ومحكٍّ جديد، وهو الصراع بين التكسُّب والإخلاص، والمعركة بين النزعة التجارية، والنزاهة والانقطاع للخدمة الدينية. ففي هؤلاء من لا يعنيهم الأمر إلا في مردوده المالي، ومنهم متهالكون على الظهور، مستميتون على الشهرة، وفيهم صرعى جمْع المريدين وحشد المعجبين!

    ولا يخلص من هذا المخاض وينجو من هذا العراك إلا ثلة قليلة، ونخبة مصفاة، هم الحسينيون حقاً، لا لفئة ينتمون ولا في حزب ينخرطون ولا لجماعة ينتسبون، لم يتخذوا غير سيدهم مطاعاً ولا دون مخدومهم وليجة، لا يطلبون مالاً ولا يجدُّون وراء ظهور ونجومية، تعاهدتهم رعاية وكلأتهم عناية، دفعت عنهم شرور أولئك وهؤلاء، وصرفتهم عن مُبتدع الآراء والأهواء، فلم يسقطوا في “ابتكار” الصوَر، واستحداث الأشكال، ولم يبتلوا، كما ابتُلي غيرهم، بمغالاة في الولاء ومزايدات في أنماط العزاء، يحسب أحدهم أنه سبق زعامات الطائفة، وتفوَّق على تراث الآباء والأجداد، الذي سُفكت في سبيل وصوله إلينا أغلى الدماء. فإذا زلَّت بأحدهم قدَم من قلَّة خبرة وتسرُّع وغِرَّة، مُدَّت له يد أقلَّته عثرته وأسعفته، وتداركته رحمة أعادته إلى رشده وأنجدته.

    وعلى الرغم من أنها شؤون وحالات متفوِّقة ثمينة، ومراتب وأطوار متقدمة خطيرة، ومقامات ومواقع عسيرة عزيزة… إلا أن الحسيني (الشاعر والرادود والخطيب) المنقطع لأئمته سينالها ويحظى بها، وستبلغ به الخدمة المخلصة ما سقط عنه علماء وهوى دونه عظماء، والنجاة بالحسين وسفينته الأكبر والأوسع مبذولة هنا في الدنيا، كما ستكون في الآخرة! وهذا من الخفي المغبون، كما الصحة والأمان، يعيشه الخدام بتلقائية، ويرفلون في ظلال جنانه بأريحية، وكأنه قدرهم الذي لا عجب فيه ولا غرابة! وإنما يعيه ويميِّزه مَن شرَّق طوراً في حياته وغرَّب، ولم يلق عصاه ويستقر به النوى إلا في أرذل العمر، حيث لا سعة تسمح بالنهل والتزوُّد، ولا مندوحة تتيح البذل والعطاء… وبعد، فهذه نماذج تُتمُّ الحجة، وتقدِّم الأُسوة، وتعرض للساحة وتبيِّن كيف للمنقطعين لسادتهم، المستغرقين في خدمة مواليهم، أن لا ترتهنهم الحزبية، ولا تأسرهم التيارات، ولا تستخدمهم الحوانيت والدكاكين التي تتَّجر باسم المذهب والدين.

    قرأت جانباً من إصدار الأستاذ عادل أشكناني “الأربعون مصاباً”، فرأيته يسطر، قبل الأوزان والقوافي، وينظم مع الأفكار والمعاني، ملحمة في الخلوص من اللوث والنجاة من الزيغ، والإخلاص الذي يريد إبكاء سكان الملكوت، ويتوجه بتحفته لسيدة الوجود، وهنا الإكسير الذي يتيح لفتى يافع هذا الإبداع، ويفسح له ليزهو ويفخر: “ما زلت على دين جدتي”…

  • هذه كلمة حقٍّ أمام شيطان عاهر، رُقْية أتلوها وعوذة أنفخها في وجه مشعوذ فاجر، وتميمة أعقدها في عضد مستضعف غافل، تحاكي “الدامغة”، بائية جرير المشهورة ومطلعها: “أقِلِّي اللوم، عاذلَ والعتابا، وقولي، إن أصبتُ: لقد أصابا”، علَّ قارعة تقصم ظهره، ونازلة تدقُّ عنقه…

    يُقال إنَّ الوغد الجِلف، يشعر في قرارة نفسه بخِسَّة طبعه ويدرك دناءته، والرذْل المَهين يتلمَّس في مكنونه هوانه ويعي قذارته، وما يزال هذا الإحساس يراوده والشعور يعاوده، حتى يلبث فيه ويلازمه، فيسكنه ويستوطنه… فالعضروط يعيش حقارته على الدوام، واللُّكع يدرك لؤم عنصره باستمرار، والسِفْلة الدون يحسُّ بخبث نِجاره وضِعة حسَبه بلا انقطاع، لا يغيب عنه هذا ولا يغادره… وهي حالة تحمله على أمر وتدفعه لآخر، الأول: الحقد على السُّراة الأماجد، والضغينة على الأعيان النجباء، والنقمة على الكرام الشرفاء، ثم حسَد الأطهار العظماء. الثاني: البحث عن بديل لما يفتقد، والسعي لملئ الفراغ وتعويض النقص مما يفتقر، فيلجأ، من حيث يدري أو لا يدري، ويندفع ليبحث عن عمق يؤصِّله، ومحتِد يرتبط به وينسبه.. فيلتقطه عندها “وليُّه” الرجيم، ويأخذه إلى أعماق التاريخ، ويضرب به جذوراً تُشعره بالانتماء والاتصال، عبر أقدم مهنة عرفتها البشرية!

    مومس لندن عبدالحليم الغزي، واحد من أتمِّ مصاديق هذه الدعارة والبغاء، والعهر والفجور، والتسافل والانحطاط.. ولا يُراد بالبغاء بيع الجسد وإطفاء الشهوة الجنسية لدى ممارسيه ومرتاديه فحسب، كما لا يُراد بسوء المنبت وخسَّة المحتِد ما يمسُّ أهله ويزري ببيته، فقد ينحدر لئيمٌ من كرام، ويتولَّد شريف من لئام، وهذا الخليعي العظيم من أبوين ناصبيين، وذاك فضل الله الخبيث من سيد عبدالرؤوف الشريف… إنما هو مطلَق انعدام النخوة والعفة، وافتقاد الشرف والكرامة، والذهاب في التخلُّع والمهانة، مما لا يكون إلا من عاهر فاجر، لا يبالي بشين وشنار، ولا يكترث بخزي وعار، وعموم بيع النفس والابتذال، والتسيُّب والانحلال، فلا قيدٌ يردع ولا حدٌّ يمنع ولا عزَّة تشفع، من مرقص إلى مبغى، ومن ملهىً إلى مربَع، يدور بدينه ويجول بمذهبه، يعرض بضاعته فحشاً وفجوراً وزيفاً وغروراً، لينال كلُّ ماجن على شاكلته منه حاجته، ويقضي كلُّ معربد شبِقٍ منه وطَره.

    قد يكون الرجل حاذقاً ماكراً، وقارئاً مكثراً، مهووساً بملاحقة العثرات، نزِقاً في تتبع الزلات، حتى يحسبه الساذج باحثاً ويظنه الجاهل محقِّقاً… ولكنه على الصعيد الأكاديمي التخصصي، والعلمي الذي يورث المرء قيمة واعتباراً، صفرٌ خلف العدد، وخواء بلا حدٍّ وأمد، لم يتجاوز المقدمات ومنطق المظفر يوماً، ناهيك بأن يقطع في الحوزة شوطاً ويبلغ منها شأواً، لم يحضر على مغمور فيها أو علَم، ولا بدأ بشيء من علوم الدين ولا ختم، لا السطوح أتم، ولا من بحث الخارج اغتنم، لا بالمكاسب والرسائل والكفاية ألمَّ، ولا اللمعة والشرايع أو حتى رسالة عملية تعلَّم، وكذا أفلس من الباب الحادي عشر وشرح التجريد، ولات حين مندم، فلا تعجب إن أبدل “الكلام” بالهذر والاستدلال بالشتم! أُميٌّ في علوم الدين بامتياز، جاهل بأصول الاستدلال وقواعد الاستنباط، لا يستحي من فضيحة، ولا من قبيح يتأثم… وهو لم يقفز على هذه المراحل ويهمل هذه المواد شغفاً بالفلسفة والمعقول مثلاً، كما يفعل بعضهم، أو لينْكَبَّ على التفسير وعلوم القرآن، أو ينصرف للتهذيب والأخلاق، ولا لينهل شيئاً من علوم الحديث والدراية، أو الأسانيد والرجال، لا شيء من هذا البتة، فلا مشايخ يزكُّونه، ولا تلاميذ ينوِّهون بفضله، ولا علماء يعرفونه، كل ما هناك شتات مطالعات ومُلتَقطات قراءات… والفرق بين العلم والتخصص، وبين المطالعة والثقافة العامة، يدركه كلُّ عالم ومثقف. والمعلِّق الرياضي ـ على سبيل المثال ـ الذي يُحسن وصف المباراة ويقدِّم تحليلاً لسيرها ويلاحق أداء نجومها، يطري هذا ويمدحه، ويميل على ذاك فيخطِّئه ويقبِّحه، فيجتذب المشاهدين إلى شاشته.. تجده في الميدان الحقيقي (الملعب) يعجز عن تنفيذ رمية تماس، ولا يصلح لأكثر من مناولة اللاعبين قوارير المياه! والأمر في علوم الدين يعرفه أهله، فلا أُطيل.

    ومع هذا الفقر والجدب، والخواء والفراغ، كانت الآمال بعيدة، والطموحات كبيرة، والأهواء جموحة… فصبا الرجل واختال، وانحرف ومال، وأغرق حتى ذهب بها عريضة. فلما أخذ يعثر بحُفر العجز ويكبو، ويصطدم بحوائط الواقع ويخيب، ويلمس الفشل من خلو وفاضه، مع سعة جعبته، وشدِّة نهمته… راح في التحايل والمراوغة، وسقط في أشد تعس وشقاء. وإن قَرأ أربابُ الفراسة، من قبلُ، في طلعته نفْساً مسكونة وروحاً ممسوخة، ووقف أهل الكشف على شؤمٍ يلوح من ناصيته، ونكَدٍ معقود بمحضره، وبؤس ونحوسة!

    بعد مخاض متعسِّر كان الرجل يبحث فيه عن الخوارق ويلاحق الغرائب، لا يطلب علماً ولا يتحرَّى تهذيباً ورشداً، قضى جولة مريبة مع اليعقوبي (السماوي، لا المهندس المتفيقه في النجف)، صاحبتها محاولات اتصال بالسيد عبدالكريم الكشميري، ومساعي ارتباط بجعفر آغا مجتهدي، لاقت رفضاً منهما وصدوداً، وتقززاً ونفوراً… جاءت انطلاقته الأولى مع دعوى السفارة والاتصال بالحجة، وبلوغه التكاليف من الناحية المقدسة! وكان بعض خاصته يدَّعون أنه من أبناء الإمام ونسله، ويتغنَّون ببياض بشرته وخال خدِّه! ولا تكاد هذه تكون شيئاً أو تشكِّل خطْباً أمام أخواتها! من أعمال السحر والشعوذة والعرافة والكهانة، وظَّف فيها خفة اليد والربط على العين، والتنويم والتلقين، والأداء المسرحي، وانعكاسات الأضواء ومساقط الظِلال… يتحدَّث ساعة عن المهدي، ثم يسأل الحضور: هل فيكم مَن يرغب برؤيته؟ فيهتفون بلهفة ويضجون برجاء! فيقوم ويدخل الدار، ثم تنطفئ الأضواء، ويُسلَّط نور خافت على بقعة، يخرج عليهم منها، بزيٍّ مسرحي غريب، ويستوي ساكناً على مقعد أعدَّه لذلك، والحضور بين صارخ وفازع، وباك وجازع، يبقى دقيقة أو اثنتين، ثم يقوم وينصرف، ليدخل ثانية بهيئته الأصليَّة، ويعود ليحدِّثهم، وقد ألهموا جميعاً وتلقوا أنه المهدي بلا مرية، وما “الغزي” إلا شخصية يتخفَّى بها ويتستر إلى حين ظهوره الموعود، وساعة فرجه المرتقب!..

    لكنها دعوىً سرعان ما انقضت، وصفحة ما لبثت أن طويت، لشِدَّة المواجهة التي رأت، وضراوة الحرب التي لاقت، ثم لقِلَّة مَن انطلت عليهم الحيلة ـ المهزلة، فهي لم تجمع حوله، على الرغم من ارتفاع الكُلفة وبهظ الثمن، إلا نفراً قليلاً ونزراً يسيراً، ولا سيما أنَّ المخلصين منهم كانت تدركهم الرحمة وتأخذهم بصائرهم إلى النجاة سريعاً، فيتركونه وينسحبون تباعاً، حتى أفلس إلا من ثلاثة أو أربعة! ولعلَّه تلقَّى أوامر وتوجيهات “عُليا” بإخلاء هذه الساحة لغيره، وتركها لسواه، فالأمر لا يطيق التزاحم، و”أبو مرَّة”، أو ”أبو ناجي”، لا يريد معارك داخلية تشغل جبهته، وصراعات تشتت جمعه، وتفرِّق أو تضعف أتباعه!.. من هنا، أخلى الميدان لغيره، وانصرف لما أُوكل إليه، فحاول الاتصال بالشيخية الركنية في كرمان، بعد أن اقتنى كتبهم من مكتبة أرومية في كذرخان وراح يطالعها بنهم، تقدَّم للانتساب إليهم والعمل معهم، فلم يثقوا به وصدُّوه. كما سعى بعد ذلك للاتصال بالجماعة الكشفية، وحاول إغراءهم، فلم يثر فيهم شهوة ولا حرَّك رغبة، ففشل وعاد محبَطاً يجر أذيال الخيبة. عندها انعطف تجاه الشيرازية، وعرض عرضه وقدَّم بضاعته وكاسد سلعته، فرجع بخُفَّي حنين، إذ القوم في غنىً عن فضائيته، وهم يملكون أسطولاً إعلامياً يمخر عباب “الهواء”، بما يجعله نقطة في بحرهم، أو قُل ذرة من متطاير ومنثور هذا الهباء. ومن فرط حنقه وامتعاضه وإحساس الخيبة الذي تملَّكه، إذ كان يحسب أنه الحسناء التي لا يغلي مهرها كفواً، وإذا بالخُطَّاب يزهدون فيه ويترفَّعون عنه… لسعَتهم “أم العريط” بشوكتها، وجلدتهم “المومس” بسوطها، فنشر الغزي رأي السيد الخوئي قدس سره باجتهاد الشيرازي! لكنه لم يثنِّها، لا أدري أ لأوامر جاءته أيضاً، أم تراه فكَّر وقدَّر، فقتل كيف قدَّر، فخضع وائتمر، فتراجع وأدبر، وارعوى وازدجر، عرف حجمه في “المنظومة” وجديد عهده بها (مقارنة بغيره)، وآثر أن يسْلَم، فلا يحفر قبره بيده، ويقطع دابره بنفسه!

    وتبقى المرحلة الغامضة والطور الأكثر إبهاماً في سيرة الرجل، هي فترة اعتقاله في قم وما جرى فيها، والاعترافات التي أدلى بها أو انتُزعت منه، وسجِّلت في فيديو عرضه الأمن الإيراني في محافل المهاجرين العراقيين، دون أن يُنشر الفيلم أو يُسمح باستنساخه (وإن نجح بعض الحضور في الخروج بتسجيل صوتي له)… فالمؤشرات تتجه إلى انتهاء الأمر بصفقة ينفِّذ فيها الغزي مخططاً بعيد المدى، وينخرط في عمل استراتيجي يُعِدُّ له القوم. هكذا نظَّمت “الإطلاعات” تمثيلية “هروبه” من إيران، وسهَّلت لجوءه إلى استراليا، التي قضى فيها فترة “غيبة صغرى”، انقطع فيها “أبوهدى” عن أي نشاط واتصال، حتى آن أوان “ظهوره”، عبر الهجرة الثانية واستقراره في بريطانية، فبزغت شمسه من المغرب، وظهر في “ومبلي” شرق لندن، أطلَّ من فوق قوس ملعبها الشهير، فلا ركن هناك ولا مقام، ولا حِجْر ولا حَجَر، ولا أستار ولا استلام.

    تعال الآن وانظر في حجم المأساة وعظم البلاء حين تسعى المهاترة والمقاذعة، ويحاول الهزل والخطل، وكلُّ أساليب الإعلام المبتذل، أن تقحم ساحة الحوزة وتتوغل إلى الميدان العلمي! فيعمد مبتذل ساقط غارق في اللوث، ويطفر مشبوه مرتكس في الريبة، ليتطاول على قمم الفقاهة وذُرى الخبرة، ويتطفَّل مهرِّج على ابن بجدتها ودليل دربها وحامل لواء مجدها… ثم يرفع عقيرته ويلوِّح بسيفه، يدق طبول الحرب، يرعد ويزبد، ينفث ويزفر، وهو يطلب البراز، وحقُّه البراز، يلطخ وجهه!

    بسوقية لا يبلغها إلا عاهر فاجر، ووقاحة لا ينحدر إليها غير خليع ماجن، نال الغزي من عظماء الطائفة وشفى غليل الشيطان من أساطينها، من الطوسي والمفيد وابن الجنيد، وبالتبع ابن إدريس، فالمحقق والعلامة وولده الفخر، وابن فهد الحلي، والسيد ابن طاووس.. إلى الحكيم والخوئي والكلبيكاني والميرزا التبريزي، بعد كاشف الغطاء والنائيني والآخوند واليزدي والعلامة الطبطبائي والطبرسي، ومَن في طول هؤلاء وعرضهم من مختلف الطبقات، رماهم بالشافعية وقذفهم بالناصبية، ولم يوفِّر في سبابه: “طيَّح الله حظكم، ومزبلة، وكذابين، وأغبياء، وخبثاء، وغبران، وحمير، وغائط وخراء”… فإذا فرغ من وصلات إفاضاته هذه، وانتهى من جولات عطائه الراقي هذا، دعا لمناظرة “علمية” على طريقته، وطلب أن يواجهه سليل مدرسة لولاها، لوقع العلج على بعض محارمه، لا يعرف حلال الأمر من حرامه!

    قد أختلف مع السيد محمد رضا، وأحمل ملاحظات على أدائه، ولكني أعرف حجمي فأقف عند حدِّي، أُرجعه في الأُمور العلمية لأقرانه وأتركه لأترابه، وفي العقائدية والموضوعات الخارجية التي تتعلق بالشأن العام، أكتفي بإبلاغ وإعلام… لا تستزلني المؤامرة، فألحق الجبهة الشيطانية، ولا تغريني الحيلة فأسقط في المكيدة، فالسيستاني والحكيم والوحيد والصافي، قلاع المذهب وحصونه، إذا سقطوا وقعت الثلمة، وإذا وهنوا كانت الثغرة… وبعد، فإن شسع نعل السيد، أو دُمية يلهو بها طفل يدرج في بيت السادة الغطاريف هذا، تفوق عندي ألف لحية مثل الغزي، وألفاً من هذا اللفيف الشيطاني الذي لم يقدِّم للدين إلا التشكيك والتجهيل والإلهاء والإغراء، وكشف العورات والطعن في الظهر والرقص على الجراح. لن نسمح أن يلتبِس المشهد، ولا أن يتشابه الأمر ويتداخل، فتُقرَن الجهالة والمهاترة واللوث والعمالة، بالفضيلة والعفَّة والطهارة والنزاهة، ويُساوى السحر والشعوذة والدجل، بالأصالة والعلم والعمل، وتقع المفاضلة بين إتجار بالدين وفسق وفجور، وبين نقاء تستوحش المعصية في أرجائه، والتزام ينبذ الحرام من فضائه، يفرُّ من غربة تُقصيه وتزويه، إلى ما يطرده عن الحياض وينفيه.

    ما أقبح بالخطَّاف يحكي العقبان والشواهين، وخفاش لا يقرُّ إلا متدلياً منتكساً، يسكن المغارات ويعيش على مصِّ الدماء، يريد أن ينافس الكواسر ويناظر النسور والبزاة! يوطوِط حيناً ثم ينعر ويجلب، ويصيح ويصخب، وبين لهث وعواء، وشمخرة وزمجرة، وأوداج تنتفخ وإست تصفق، تنقبض وتتَّسع، راح ”المومس” يتوعَّد ويهدِّد، ينام فيحلم أن يبارزه علَم، يرفعه من قعره إلى هذا المصاف، وتُسكره فضائيته وشهرته، فتغلبه الأماني ويعيش رجاء ساعة تُخرجه من حضيضه، ليقرن بالأشراف!

    قد ينطلي تصريح الرجل بانتمائه للماسونية، وينجح كعملية هروب للأمام، ويلتبس أمر الوشاح أو الشال اليهودي(التاليت) الذي يشتمل عليه، وهو يهرف بهرائه، فيؤمِّن له مسحة التسامح الديني الذي يرضي عنه اليهود، وقد ينخفض رقمٌ ويرتفع آخر في إثبات عمالته وارتباطاته المخابراتية… ولكن القدر المتيقن، والأمر البات الذي لا يقبل الشك، أنه جاهل جهول، ضرير غرير، لا علاقة له بمعارف التشيُّع ولا علوم الدين.

    من هنا، قد يختار المشاهد قناةً رياضية يعلِّق فيها أحدهم على مباراة كرة قدم لفريق يتعصَّب له، لكن ما يجتذبه في الحقيقة هي المباراة نفسها، وما سوى ذلك هو فضلة تتبع فضولاً، ولهوٌ يبحث عن تسلية، وعبث يريد مرحاً وتهريجاً… الغزي لم يؤثِّر على أحد، وما ظهر من سوق لبضاعته، هي نفوس مريضة تعاني من نفس السقم والداء الذي يسكنه، فوقع تعسٌ على شقي يحاكي هواه، وراقص يتمايل على إيقاع لحنه. ولا يخلو الحال من أنصاف مثقفين لم يطَّلعوا على نتاجات العلماء، بهرهم الحشو وأخذهم التنطع والحشد… وسفيه يحضر مباراة، فيرجو أن يسجل له “عصام الشوالي” أو “رؤوف خليف” هدفاً في مرمى خصمه، وحمار يحسب أن سائقه سيحمل عنه الحمل يوماً… غلبتنا أجواء “ومبلي”، فجاءت الأمثلة من وحيها، وماذا عساها توحي أكثر من هذا!

    مع ارتفاع ضغطه واضطرابه، وفقدان توازنه وانهياره، ومن حسن حظ الشيعة المستضعفين، أن النزعة الشخصانية والمنطلق الأناني في أداء الغزي طغى مؤخراً وغلب، ما فضحه أمامهم وأسقطه في عيونهم، فلم يعد أحد منهم يغتر به، وغدا حالة عابرة تكرِّر حسن الكشميري، مع فارق أن هذا يحجبه بيت وحسَب، ويُلتمس له العذر في هامش من عته وخبل، أما الغزي فلا شيء في جبته إلا الشيطان.

  • في الحديث الشريف: “الفقهاء حصون الإسلام”، و“الفقهاء أُمناء الرسل”…

    هناك حصن منيع قام على بنيان مرصوص، نبَتْ أحجاره على الفؤوس وهي تستقلُّ من صلد مقالعها، واستعصت صخوره على المعاول وهي تنتزع من صوَّان جبالها، فلم تقتلع وتنحت ليبنى بها إلا بشِقِّ الأنفس وذهاب الأرواح، يقابله نسج واهٍ من غزل عهن منفوش، كأن أصواف الخراف جُزَّت وكوِّمت، وقد عالجها الحلَّاج بالمندَف أو ضربها بالمِحْلاج، لترقَّ ويزول تلبُّدها، فتكون أخفَّ شيء وأطوع… فظهرت هنا قلاع وحصون، وامتلأت بإزائها جيوب وبطون! وهناك من بعدُ علماء أتقياء مستحفَظون أمناء، يقابلهم أجراء عملاء، دخلوا في الدنيا ولحقوا الرؤساء، واتبعوا السلاطين ووالوا الأمراء، أو هم سذَّج أغبياء، وجهلة لا يميزون ألفاً عن باء… هذا هو الجذر الحق في تقسيم حمَلة الدين، وتمييز الأوفياء الأصيلين عن الخونة المستأكلين.

    انتشر قبل أيام تسجيل مصوَّر للسيد محمد باقر نجل المرحوم آية الله العظمى السيد محمد رضا الگلبيگاني قدِّس سره، يروي فيه قصة تُظهر كيف تكون القلاع والحصون، وكيف يتمثَّل في بعض أولياء الله ما أنزل سبحانه من حديد، فيه بأس شديد، وفي المقابل كيف هو كيد الشياطين وما ترمي من فجور وتريد من تضليل وتخسير… القصة عن وفد عربي (من تونس والمغرب) جاء يحمل عرضاً خلص إليه بعد مفاوضات لإعادة بناء مشهد بقيع الغرقد في المدينة المنورة، وأنه حصل على موافقة الحكومة هناك بشرط أن يتشخَّص البناء ويعنوَن المعلَم المنظور على أنه قبر الزهراء عليها السلام، وأنَّ الحكومة علَّقت تنفيذ موافقتها على إمضاء مراجع الشيعة على ذلك! وقد حصل الوفد بالفعل على موافقة أحد المراجع، الذي كتب لهم “هذا عمل حسن”، فلما قصدوا السيد الخميني رحمه الله وعرضوا الأمر عليه، أحالهم إلى السيد الگلبيگاني، وعلَّق موافقته على موقف السيد وما سيكون منه، وأنه سيمضيه مهما كان! وبالفعل قصد الوفد قم متفائلاً أن المشروع في طريقه للنجاح، وأن أُمنية الشيعة (وكذا السنة غير الوهابية) في بناء البقيع ستتحقق. قُدِّم العرض للسيد الگلبيگاني قدِّس سرُّه، وكانت المفاجأة الصاعقة في موقف السيد! الذي لم يرفض الفكرة فحسب، بل قال: “لو وافق جميع مراجع الشيعة على هذا الأمر، فإنني سأخالفهم وأعارضه! ولو اقتضى ذلك وبلغ التضحية بروحي لفعلت”! ثم بيَّن رضوان الله عليه أنهم يرمون شيئاً آخر، يريدون إسقاط وتكذيب حقيقة “المخفي قبرها”، فيقولون إنه بعد ألف وأربعمئة سنة اعترف الشيعة بأن قبرها معلوم، وها هو في البقيع، هكذا هي بقية عقائدهم، كلُّها مزاعم باطلة. واستدرك رحمه الله بأنه مع البناء إذا كان باسم الأئمة الأربعة عليهم السلام، وأنه سينهض بنفسه بالمشروع ولا حاجة لأموالهم، فإنَّ الناس سيتكفَّلون به، أما أن يكون المشهد باسم الزهراء عليها السلام، فهذا ما لن يسمح به أبداً.

    وللقصة مداليل وحِكَم، وفيها دروس وعبَر.. ولربما جهل هذا الجيل وخفي عليه مَن يكون هذا السيد الجليل، وغابت عنه مواقف تاريخية تتفجَّر حكمة وخبرة، وتفيض إخلاصاً واستقامة، وتشمخ مجداً وتسمو عظمة… فالگلبيگاني لا حزب يهوِّل له ويضخِّم، ولا جماعة تختلق وتزيِّف، ولا أجهزة مخابرات تسوِّق وتروِّج، ولا ذباب الكتروني يدوي فيُشغل العالم بطنين دعايته وضجيجه! وهذه مقالة وحيدة، لن تغيِّر الحال، لكنها تبحث عن يقظة سعيدٍ، يتطلَّع لحبل ينقذه، وطوق نجاةٍ يُلقى إليه فينتشله، أو هي حجَّة تتم على مدَّع يستأكل بالدين ويتَّجر بالمذهب، وتتحرَّى منتكساً جحَد العهد وانقلب على الميثاق، “أن تقولوا يوم القيامة إنا كنَّا عن هذا غافلين”.

    أول ما يُستخلص هنا، بعد التذكير بأنَّه قدِّس سرُّه هو الذي أدَّى الصلاة على جنازة السيد الخميني، فتأخَّر عنه واصطفَّ خلفه الخامنئي ورفسنجاني وجميع “فقهاء” النظام وعلماؤه… أنَّ السيد الگلبيگاني المصنَّف في الفقهاء التقليديين والمراجع “الرجعيين”، كونه لا يخوض ـ كما يفعلون ـ في السياسة، ويلتزم الأصالة في مناهج الاستنباط، ولا يعبث بالعقائد والأحكام، كان خيار السيد الخميني، أبرز المراجع المجاهدين، والوحيد في تاريخ العلماء الذي شكَّل دولة وأقام حكومة. ومسألة إحالته الوفد المفاوض إلى الگلبيگاني، في تلك القضية الحساسة، والشأن المصيري الذي كان سيشكل منعطفاً في تاريخ الدين والمذهب، مع تعهده بامتثال أمره والتزام رأيه والنزول على قراره… يُسقط مقولة أدعياء وراثته ومنتحلي المضي على نهجه، بأنَّ الفقيه غير الثوري يفتقد أهلية المرجعية، ويُبطِل مزايداتهم الفجة بأنَّ المجتهد لا يكون جامعاً لشرائط الفتوى والتقليد حتى يكون مثلهم وعلى طريقتهم، عابثاً بالأحكام، مفرِّطاً بالمقدسات ومستهيناً بالحرمات، ومسترخصاً الأنفس ومغامراً بالدماء!

    من المواقف التاريخية لهذا السيد الجليل، أنه تقدَّم إلى رجال الثورة بعد دفن السيد الخميني مباشرة، برأي ونصيحة مؤدَّاها أن يختاروا من بينهم مَن يشاؤون لإدارة البلاد، حتى يُمضي، من موقع فقاهته، اختيارهم ويحكم بتعيينه، فيخلع عليه المشروعية، ليبقى النظام مشروعاً بعد الخميني، ولا يسقط في القهر والزور، والزيف والتزوير، الذي انجر إليه ووقع فيه… فأبى القوم وكابروا ورفضوا نصيحته، وعمدوا إلى صنع فقيه خاص بهم، وخلق مرجع على مقاس أهوائهم، ما أوقعهم في إشكالية جرَّت الكثير من البلاء والوبال والسفال، الذي ما زالوا يتقلبون فيه، ما خرجوا منه ولن يخرجوا عنه حتى يعودوا إلى ما تركوا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “ما ولَّت أمةٌ أمرها رجلاً قطُّ وفيهم مَن هو أعلم منه، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا”.

    وللسيد الگلبيگاني وقفة أخرى مع النظام الإيراني لا تُنسى، لما بلغت تدخلات السلطة، وشخص السيد القائد، في الحوزة العلمية ذروتها، وصارت مساعي سيطرتهم عليها في أوجها، حين عمدوا لتغيير مناهج التحصيل واستحداث مادة هزيلة يستعاض بها عن المتون المتينة والكتب العلمية المعتمدة… انتفض السيد رضوان الله عليه، وهدَّد بالخروج إلى الشارع شاقاً جيبه، اعتراضاً على هذا العبث الذي يتهدَّد سقوط الحوزة ومسخها! فخاف النظام، وتراجع، وأُرجأ عزم الحكومة إلى أن يتوفَّاه الله!

    ومن المداليل الخطيرة لواقعة رفض بناء البقيع، انكشاف عمق الرؤية والوعي والبصيرة التي يتمتع بها هؤلاء العظماء، وكفايتهم المستمدَّة من العلم والفقاهة الحقيقية، والعدالة والنور الإلهي، ثم العناية والتسديد المهدوي، الذي ما انفكَّ يرعى “الحصون” الأصيلة ويحفظ “القلاع” النزيهة، منذ الطوسي والمفيد، وحتى السيستاني والوحيد، ما يؤهل هذه الطبقة ـ حصراً ـ لقيادة الأمة، ويجعلهم أقطاب النهضة ورعاة الحق، الذي يحفظ المذهب ويصونه ويحوطه ويدفع عنه، ويقوده ليوفَّق في إصابة مواقع البرِّ والصلاح، مما طاشت عنه سهام نظامٍ انقطع عن قناة الفيض، واستقلَّ عن السبب المتصل بين الأرض والسماء، فخُلِّي والسبيل الذي اختار، فراح في التيه، وسقط في حبائل الضياع والضلال، حتى مرق وبات على شفا جرف العلمنة وشفير الزندقة، وأصبح أسير نهج أخرجه عن الولاء لأهل بيت الوحي، وأضحى راية تدعو إلى غير الهدى وسبيل الرشاد، مهما زعمت الانتساب إلى علي، وادَّعت الرضا من آل محمد… إن هؤلاء المراجع العظام، بشيباتهم المقدَّسة، وانقطاعهم عن الدنيا وأهلها، وانزوائهم عن السياسة الشيطانية، وتنزُّههم عن الخوض فيها، يمثِّلون كنوزاً مدَّخرة، وثروات لا نظير لها ولا بديل عنها، فلا يفرِّط فيها إلا جاهل أرعن، يرى ظاهراً يحسب كلَّ شيء فيه، ومشهداً لا شيء بعده ووراءه، أو هو شيطان خبيث، يزويهم عن مواقعهم بحُجج تنطلي على العوام، ترويهم من آسن الشراب وتغذيهم بفاسد الطعام، تصوِّر أنَّ هؤلاء “الشيبة” لا يعرفون ما يدور في العالم، لا يتابعون أخبار الأزمات والحروب، ولا يفقهون شيئاً عن تقلب مؤشرات المال والأعمال، ودورة الصناعة وحركة التجارة والاقتصاد. لم يقرأوا سيرة جيفارا وماو، ولا يعرفون تاريخ البلاشفة والبوليفارية، ولا يميزون بين ثوار الباسك والجيش الجمهوري الإيرلندي والجيش الأحمر في اليابان… بهذه الترهات غسلوا عقول شبابنا فزووهم عن هذه القمم الإلهية المقدَّسة، وغرَّروا بهم بالحماسة والشجاعة، فأخذوهم إلى التهوُّر والاندفاع، حتى استلبوا عقولهم وأخضعوهم لمآربهم وروَّضوهم، ثم عادوا فكبلوهم بأغلال “المصلحة” التي تفرض الهدنة حيناً، وترك الثورة والتخلِّي عن الجهاد طوراً، فيُؤمرون عندها بتناسي مانديلا وتجاهل بوبي ساندز، وترتفع أسهم الدلاي لاما، ويمجَّد غاندي وتطلق حمامة السلام!..

    وهذا يقود إلى المدلول الأخطر، وهو بشاعة وشناعة الجريمة التي ارتكبها محمد حسين فضل الله، ووقاحة وخسران الصفقة التي عقدها مع الشيطان حول مصائب الزهراء، قضية التشيُّع الأولى ومرتكز المذهب الأعمق… صفقة تراوحت سعتها بين نفي بعض فصول الجريمة، من قبيل كسر الضلع وإسقاط الجنين وإحراق الباب، وبين مزاعم الصلح وطي صفحة الخلاف على الأخرى الثابتة عنده، ثم إعلان العفو والمصالحة، ما انتهى إلى زعمه معلومية موضع القبر وإنهاء خفائه…

    التسجيل المصوَّر للسيد الگلبيگاني، يثبت أن “المرجعية” الحركية، والقيادة الأبرز في ساحة الحداثوية الشيعية، كانت ـ وما زالت ـ تعيش انحطاطاً غير مسبوق في تضييع المسؤولية، وحضيضاً سحيقاً من تردي الوعي، وإفراطاً فاحشاً في تاريخ الشيعة، في الطيش والرعونة، هذا إن نفينا الخيانة والعمالة، وفي الفرضين هي جريمة عظمى، وتفريط بحقٍّ وأصل يمثل عمود خيمة المذهب، وركنه الركين، الذي يهوي السقف ويتقوَّض البيت بهزِّه، فكيف بهدمه وإزالته!؟

    وممن يفتضح هنا بعد شخص الرجس وبؤرة الخيانة، جملة الإسلاميين الغارقين في اللوث والعبث، والسفه والإتجار بالدين، واستغفال المؤمنين، وهم يزعمون أو يرون أنفسهم في قمة النباهة والبصيرة، ويحسبون أنهم طلائع الوعي وقادة الأمة… الذين شيَّعوا جنازته وأحيوا نهجه، عظَّموا فضل الله وهو مَن أراد طمس التشيُّع، ورفعوا نعشه على الأكفِّ وهو الذي هتك الحجاب والسر الأعظم للمذهب!.. فرَّطوا بقبر أم الأئمة الأطهار وسيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، ثم يقدِّمون آلاف الشهداء، يزعمون أن ذلك لإنقاذ حرم السيدة زينب في الشام!

    وحقَّ هنا الاقتباس من شقشقية المولى، والاستشهاد ببيت للأعشى الكبير، أعشى قيس: شتان ما يومي على كورها، ويوم حيان أخي جابر…

  • من السذاجة بمكان لباحث أو قارئ في التاريخ يريد تحليل حوادثه، أن يفصل ـ على سبيل المثال ـ سيرة صاحب الشام عن العهود التي سبقته، ويقتطع حرب صفين عن أعماقها البعيدة، يبترها عن جذورها الضاربة في البيئة الحاضنة والمنابع الحامية والسياسات الراعية، فيُغفل “الإستراتيجية” التي زرعت الرجل في تلك البلاد ومكَّنته منها، بسطت يده ورسَّخت أقدامه هناك، ويغمض ما كان قائماً على تخطيط مُسبق وتدبير متقدِّم، لربما عاد للأيام الأولى لدخول المنافقين في الإسلام، ظهرت ثماره في إشغال دولة أميرالمؤمنين وإلهائها بالنزاعات، واستنزافها بالحروب، ما أفضى للإنقلاب على الشرعية وطي صفحة حكومة العدل الإلهي وولاية آل محمد إلى يوم الظهور الموعود.

    وهكذا الأمر اليوم، فإنَّ الحُكم بالسذاجة والغباء سيلحق كلَّ مَن يقرأ التسيُّب والانحلال المتفشي بين الشباب المؤمن، والانحراف الفكري والاهتزاز العقائدي الغالب، وينظر إلى أرقامه وشواهده كحالات منفصلة، ومفردات متفرِّقة، وحوادث عارضة وطارئة! والحال إن المتأمِّل لا يحتاج إلى كثير فطنة ونبوغ ليكشف الخيط الذي يربط بينها ويجمع نظمها، ما يوقِف كلَّ عاقل غير غافل، ناهيك بخبير ضليع، على تدبير شيطاني ومخطِّط استعماري أو ماسوني، سمِّه ما شئت، نهضت به الحداثوية ونفَّذته أذرعها الممتدة في غير موقع وواجهة، ما زال يدك الأُسس، وينال من القواعد التي تقوم عليها العقيدة الشيعية الحقَّة… من الحمق والبلادة، أن يفصل أحدٌ هذا المسار والأداء عن جذره وأصله النابع في إيران، والضارب في أحزابها المنتشرة في بلاد الشيعة. هناك احتضان ونصرة ودعم، يشكِّل رعاية رسمية ويخلق حماية خفية حيناً، ومعلَنة أحياناً، من فرط تفلُّتها وافتضاحها، فلا يمكن مواراتها وكتمانها ولا التنكُّر لها. ولولا اللطف الإلهي بهذا المذهب، والعناية المهدوية التي تحفظ أتباعه وتكلؤهم، لنزل بنا اللأواء واصطلمنا الأعداء، ولم يبق من التشيُّع إلا اسم أجوف وهيكل أغيف، ثم صورة أو لوحة في متحف!

    منذ ثلاثين عاماً ونيف، والساحة الإيمانية تعيش زخماً متصاعداً، وتشهد حركة  دؤوبة وجهوداً حثيثة تُبذل على صُعد: تقويض الحوزة العلمية وتضعيف المرجعية الدينية، نبذ التراث المعصوم والعلمائي المنبثق عنه، إبطال ما أمكن من عقائد الإمامية، ومحاربة الشعائر الحسينية، بما لا يُبقي للمذهب ثوابت ومسلَّمات، ويسقط عنه كل سِمة وميزة وكرامة وقيمة، وذلك من منطلق الإصلاح والتطوير الذي تحمل الجمهورية الإيرانية رايته، ونبذ الخرافات والأساطير، الذي ترفع شعاره… بما يصبُّ لصالح فكرة اللامذهبية، وإسلام يؤمن بالثورة والجهاد، وبحركة سياسية توالي النظام، دون حواجز شرعية “رجعيَّة”، ومعوقات عقائدية “خرافيَّة”!

    هذه حقيقة جليَّة ثابتة لا يطالها أدنى شك، وإن ذهل عنها جيل فتح عينه على الحياة والمشهد الديني فيها على هذه الحال، وأنكرها يافعٌ بلغ التكليف ثم انخرط في عالم المساجد والمجالس والنشاط، محكوماً بمعطيات هذه الثقافة الهجينة، مأنوساً مألوفاً بهذا الواقع المعوج المريض، صُمَّت آذانه ووقر سمعه عن غير هذا الخطاب، الذي ما زال الإعلام يكرره ويلقنه إياه، فلم يعرف غيره ولم يتح له أن يقارن، فيتذوَّق ويفاضل! إنها حقيقة دامغة، وإن تجاهلها الإعلام العالمي، بما فيه المعادي للنظام الإيراني، لأنه شريك أصيل في الجريمة، وذي نفع مباشر من اجتثاث جذور المذهب الذي طالما هدَّد مصالحه وأربك مخططاته وأزرى بحلفائه، وها هي القلعة تتهاوى من داخلها، والنزاع يحتدم بين سكانها وقاطنيها. إنه واقع مشهود مثبت مهما أغفله اللاهون في معيشتهم، وتجاهله المنشغلون بشؤونهم، ولم يعتنِ به البسطاء من عوام المؤمنين الذين يرون مثل هذه القضايا تفاصيل لا تعنيهم، أو ترفاً لا ضرورة أن يُنال ويُلاحق…

    فالحوزات والعلماء الربانيون، والمثقفون الرساليون، يقفون عليها ببصيرة ويدركون أبعاد القضية بوعي، ويرجعونها إلى أسبابها الحقيقية بلا مراء ولا جدال، وإن لم يتَّخِذ بعضهم مواقف صريحة، ويخض مواجهة علنية، لأسباب وأخرى، لكنهم جميعاً يتفقون في تشخيص الجريمة وتصنيفها الشرعي الديني، وتكييفها القانوني، وواقعها السياسي والاجتماعي، كما لا يختلفون في تحديد المجرم وتعيين الرأس المدبِّر. وكلَّما تنامى هذا الحسُّ وانقشعت الغيوم عن سماء الحقيقة، تعمَّقت مشكلة التيار الحداثوي وأعضل أمر الجمهورية الإسلامية، وتعرَّت الأحزاب التابعة لها، وظهرت بصورتها الحقيقية: صلعاء عنقاء فقماء خرقاء شوهاء، كطِلاع الأرض وملء السماء. ولن يَعجب أحدٌ إن عادت السماء وأمطرت دماً، ولعذاب الآخرة أخزى، وهم لا يُنصَرون.

    لم يكن استهداف الحيدري، في بواكير حركته، مرجعية النجف الأشرف وشخص السيد السيستاني، زلة سوقيٍّ يكثر الهذر، ولا عثرة بغلٍ قبرصي زادت أحماله، ولا سقطة مقامر خابت صفقته، بل كان ذراعاً إيرانية، ويداً حملت مداد المخطط الاستراتيجي للقوم، وها هو الغزِّي يكمل المسيرة اليوم، يلفق ويفتري ويزيف ما شاء له الشيطان وأراد، يبث سمومه ويفرغ أحقاده ويوجه سهامه إلى المرجع الأعلى عبر بيته، والنيل من أبنائه.

    إن جريمة نُصرة فضل الله واحتضان الحيدري ورعاية حب الله وإعانة الغزي ودعم العُسر وتشجيع أضرابهم وتأليب نظرائهم، الذين أطلقوا ثقافة دينية مُحدثة عبثت بمفاهيم المذهب وتنكَّرت لأوَّليات ولاية أهل بيت العصمة، وسوَّغت للتوالي الفاسدة والنتائج المدمرة، التي تشكِّل خروجاً عن المذهب وسقوطاً في منحى الانقلاب على التشيُّع، وهاوية تبنِّي لامذهبية مقنَّعة… وصمة عار لن تمحى وخزي وشنار لن يُرحَض! والرَّحْض الغسل والإزالة، والذهاب باللوث والأدران ودفع الفضلات، ومنه أُطلق على مكان فعله المرحاض. والساحة الإيمانية لن تنطلي عليها فذلكاتٌ تقدَّم كمبرِّرات، وديباجات تسوِّق لمسوِّغات، وخطاب يعرض الأمر في إطار الذرائعية وفقه المصالح… وهي مشاجب ما عادت تطيق ولا تحتمل، فسقطت وأسقطت معها ما عُلِّق عليها ثقيلاً وأُسند إليها طويلاً.

    ما زال صراع المبادئ والمصالح، مقولة الميكيافيلية والبراغماتية العمَليَّة، مقابل الحقائق المطلقة والتزام الأخلاق الفاضلة، قائماً، نهجٌ يعيش المبادئ والقيَم، ويلتزم في إعمالها ضوابط وحدوداً لا يتخطَّاها، وآخر يسلك الذرائعية ويمضي عليها، حتى ينسلخ عن هويته وينقلب على مبدئه ويتنكَّر لمنطلقه، يحتال على الواقع ويعيد تشكيل صورته ليتغيَّر تبعاً لذلك تكليفه الشرعي… ما انفك هذا الصراع يحكم المدارس والأديان، وما زال السياسيون والدنيويون (وإن بلباس الدين)، يسقطون فيه صرعى مصالحهم، يقدمون المبادئ والأخلاق قرابين على مذبح أهوائهم، مالاً وشهرة، وعناداً ومكابرة. فلا بأس في فكرهم أن يُظلم إنسان أو فئة أو شعب، في سبيل تحقيق دولة العدالة! ثم يستمر الظلم في سبيل حفظها وبقائها، ولا ضير أن يتخلوا عن شعائرهم الدينية ليرضى عنهم اليهود والنصارى، فيكفوا أذاهم ويزيحوهم أو يحيِّدوهم عن طريق نماء حزبهم وإقامة حكومتهم، ولا غضاضة أن يبنوا اقتصادهم على مبدئ علماني يحثُّ ـ مثلاً ـ على تحديد النسل، يُسقط أمراً قرآنياً، خشية فقر و”إملاق”، ويتجاهل وعد الله “نحن نرزقهم وإياكم”، أو ينهي مقاطعة المشركين ويلتف عليها، خوف “عيلة”، وشكّاً في “يغنيكم الله من فضله”! بينما الإلهيون يعيشون صدى عظة وإرشاد رسولي أطلقه الإلهي الأعظم: “والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعير ما فعلت”، أميرالمؤمنين الذي طالما عُرضت عليه البدائل، وأُتيحت له خيارات تقيه الهزائم وتجنبه الخسائر، وعشرات العناوين “الشرعية” والمرجِّحات “العقلية” التي تسمح له وتفسح، ولكنه كان ينظر القيامة ويرقب الآخرة، ويخلق النموذج الديني ويحقِّق القدوة الإلهية، فقال: “والله ما معاوية بأدهى منِّي، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس… ولكلِّ غادر لواء يُعرف به يوم القيامة”، وقال: “ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر كيساً، ونسبهم أهلُ الجهل فيه إلى حُسن الحيلة… قد يرى الحُوَّل القُلَّب وجه الحيلة، ودونه مانع من أمر الله ونهيه، فيدعها رأي عينٍ بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها مَن لا حريجة له في الدين…

    والأمر لا تحكمه طوباوية حالمة، ولا يعيش حمَلته والمنادون به نرجسية مُهلكة قاتلة، حتى يُقابَل بمواعظ تفذلك أداء المتكسِّبين وتبرِّر للمتقلِّبين، تشرعن أفعالهم وتمضي نهجهم، عبر تفشِّي دائهم والتحاق المزيد من الأصحاء بهم، ليصبح الشذوذ هو الغالب والاستثناء هو الأصل! فتواجهك مقولات: “دع عنك الخيالية وكن واقعياً” أو “لا بد من نهج عملي ينعطف بك عن الموانع، ومرونة تسلك دربها بين المعوِّقات”… فهناك نماذج، غير معصومة، بشرية محضة، التزمت الأصالة والمبدئية، ودفعت ثمن التزامها، ما بلغ التضحية بحياتها حيناً، وكرامتها وماء وجهها أحياناً، وبين هذه وتلك ما لا يحصى من خسائر وأثمان. هذا مسلم بن عقيل عليه السلام يخلو بعبيدالله بن زياد في دار هاني بن عروة، ويظفر به دون حرس يحميه وجند يردُّون عنه، لكنه يأبى أن يفتك ويغتال، فالإيمان قيد الفتك، والمؤمن لا يأخذ خصمه وعدوَّه غيلة… ولو كان الأمر بيد هذا الجيل من الحركيين و”المجاهدين”، والنوعيات التي نرى من “رجال الدين”، لما ترددوا في غرس خناجرهم، لا في ظهر هذا اللعين فحسب، بل لطعنت قلب أيَّ عبد صالح من أولياء الله، رأوا أنه يعترض طريقهم ويعيق مسيرتهم! وهذا نصف المشهد وجانب من الكارثة، إذ المأساة أنَّ الجماهير كانت ستصفق لهم وتشكرهم! بل تدين المبدئية وتقبِّح الإلتزام بالقيم والثبات على الأخلاق، وترمي مَن لا يتلوَّن ويتقلَّب، بالتحجُّر والجمود! والحال أنَّ مؤسس الجمهورية ورائد الثورة الإسلامية، السيد الخميني قدس سره، عاش المبدئية ومات عليها، حتى عندما تراجع وانعطف فقبل وقف الحرب، كان مبدئياً ولم يكن براغماتياً ولا ميكيافيلياً، ذلك أنَّ الثمن الذي دفعه (على صعيد شخصه) يفوق بأضعاف ما كان سيتحمله إن استمرت الحرب، ولعلَّه قُتل من جرعة سمِّ القهر حين باع ماء وجهه، ونزل على رغبة شعبه، الذي ما عاد قادراً أو راغباً في استمرار الحرب، فلم يصرَّ الرجل ويتمسَّك بقناعته، ولا عاند في موقفه وكابر برأيه، بل فرَّط بما يخلِّد العظماء في التاريخ، ويكرِّسهم أبطالاً في حقلهم ونهجهم، وهو هنا الثورة وإباء الضيم… والدليل على هذه الحقيقة أنه نسف بعد ذلك كلَّ ما كان يرجوه البراغماتيون، من دخول الجمهورية الإسلامية والتحاقها بالمنظومة العالمية، ونزولها على ما تريد وترضى، ذلك لما أصدر فتوى إهدار دم سلمان رشدي، وحكم بقتله، فأدخل إيران في نفق ما زال خلفاؤه وورثته عاجزين عن الخروج منه!

    إن التيار الإسلامي الحاكم في إيران، وأحزابه في المنطقة، لا علاقة لها وله بالخمينية ولا بالمرجعية، ولا يمثِّل التشيُّع والولاية لآل محمد بأي نحو، إنما هو وليد شُبهة، إن لم يكن ابن سفاح، انحدر من نسل علي شريعتي، وسلالة الإخوان المسلمين، وجاء شقيقاً لحزب الدعوة، تلفيق أنتج مدرسة التقاطية هجينة، لا دين له ولا مذهب، أخذ من هذا ضغث ومن ذاك أضغاثاً ومزجها، تقمَّص هنا وارتدى، وركب هناك وامتطى. ومن نافلة القول أنه لا يمكن لمنظومة موغلة في الأداء السياسي، ممعنة في المناورة، مسرفة في التحايل والالتفاف، مفرِّطة بالقيم والمبادئ، أن تنظِّر للدين وتقدِّم نفسها كممثلة لمذهب أهل البيت… ومن يجهل هذه الحقيقة أو يتردد في قبولها، فهو إما بسيط ساذج، أو محتال متحاذق. وغاية جهد هذا التيار في الدفاع عن نفسه، وما يقدِّمه لخداع المغرِّر بهم من أنصاره والمتأثرين بخطابه، التماس العذر لهذا التلوُّن والانقلاب والبراغماتية والميكيافيلية، بحرصه على الساحة، ونزوله على فقه الأولويات، ومراعاته للمقاصد والمصالح، ومقولة أن المعركة مع أمريكا وإسرائيل، والحفاظ على المقاومة، تأبى الانشغال بالدفاع العقائدي، وفتح جبهات داخلية تمزق الساحة وتخلق الفتنة… وهو كما ترى عذر أقبح من ذنب، فقد تحقق في أدائهم ما كان من سلفهم الذين خاطبتهم سيدة نساء العالمين: “ابتداراً زعمتم خوف الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين”، فقد وقعوا في الفتنة ودخلوها من أوسع أبوابها، جبهة مع العقائديين الولائيين، وأخرى مع التطبير والشعائريين، وثالثة مع المراجع العظام وعلماء الدين.

    العار كلُّ العار أن يبنى مشروع الثورة ويتوقَّف تقدُّم ونجاح المخطط والفكرة، على إقصاء الحوزة ونبذ العلم وإعادة رسم وتعريف الفقاهة، وعلى إزاحة المراجع العظام عن طريق قيادة مركزية واحدة، فيخلى السبيل لفرعونٍ ينادي: أنا ربكم الأعلى، ثم الويل لمن لا يعمل في بناء هذا الصرح الشيطاني! أن تصير الثورية من ثوابت المذهب، وتتحول فضائل أميرالمؤمنين وظلامات المعصومين وشعائر الدين إلى متغيِّر، قد يحسن توظيفها، كما جرى في سوريا والحرب ضد الإرهاب التكفيري، وقد تُغيَّب وتُضيَّع كما هو الأصل الذي يمضون عليه، فالجمهورية الإسلامية هي أصل أُصول الدين، والشعائر الحسينية والأحكام الشرعية ومعالم المذهب وثوابته ومرتكزات العقيدة ومسلَّماتها فروع، قد يقتضي تشذيب الشجرة قطعها والتخلُّص منها، وكل شيء يدور مدار السياسة والمصالح، وسلامة رأس القائد!..

    يقال أن الفيلسوف “برنارد شو” جمعته مائدة فى إحدى الحفلات مع امرأة، فسألها بهدوء: “سيدتى هل تقبلين أن تقضي معي ليلة مقابل مليون جنيه استرليني؟ فابتسمت المرأة وقالت: طبعاً بكل سرور! فعاد وسألها: هل من الممكن أن نخفض المبلغ إلى عشره جنيهات فقط؟ فغضبت وصرخت في وجهه قائلة: من تظنني أكون يا هذا؟ فقال لها بهدوء: سيدتي، نحن عرفنا من تكونين، إنما نحن نختلف على مقدار الأجر”!.. ونحن نشهد حركات إسلامية وعمائم تدور في فلكها، تحوط الدين وتزري به، ولا تتفاوت إلا في الأجر والثمن، قد يكون سعر بعضهم حفنة من الدولارات، وآخرين برنامجاً تلفزيونياً وظهوراً إعلامياً وغطاء اجتماعياً، وشِقٌّ ثالث في غاية الخسران والشقاء، باعوا دينهم بدنيا غيرهم… سواد الظلَمة ومطايا القادة ودواب السلطان.

  • وفق رؤية بسيطة ساذجة، ومن إيمان عفوي يحمله أحدهم، كان يقيس الأُمور ويعادلها، فيقرِّر أنَّ الإمام الخميني عالم رباني ورجل إلهي مخلص، فلا بد أن تكون ثورته بعين الله، ومن المؤكَّد أن خُطاه برعاية صاحب الزمان، ما يعني أنه مُسدَّد لا يخطئ، وموفق لا يخيب. ومن هنا لم يكن هذا الثوري الغرير يبالي بخطب يعرض، ولا بنازلة تحل، ويذهب في تلقي الحوادث إلى قراءة قدَريَّة، تقود الثورة وتسوقها، نحو نتيجة حتمية هي الظهور الشريف، وتسليم الخميني الراية للمهدي عليه السلام! أُثيرت الفكرة يوماً حين حلَّ أحد معتقي الثورة، “السابقون الأولون” فيها، وهو مهندس تأسيس حزب الله أو عرَّابه، ضيفاً عليَّ في قم، فحاول بخبرته وحنكته أن يشرح لصاحب هذه الرؤية شططه ويبيِّن له خطأه، دون جدوى، وما زال به حتى كشف له، وكان حينها وزيراً للداخلية، أن من بين الوثائق التي عُثر عليها في ملفات السافاك بعد سقوط الشاه، تقارير كان يرفعها الخادم الشخصي “المخلص المتفاني” للسيد الخميني في النجف الأشرف، وفيها تفاصيل حركته ونشاطه، وأسماء الذين يلتقونه، وكل ما يتفطن إليه من معلومات يسترق السمع إليها وهو يدخل لتقديم الشاي! عندها فقط تنبَّه الثوري المندفع، أنَّ السنن والأسباب حاكمة، وأن الخفايا أكثر بكثير من الظواهر، والحقائق أعمق مما تبدو عليها الأمور، ولرُبَّ مقرَّب يفيض همَّة ويجيش حماسة، ورفيق ينضح براءة ويقطر نزاهة، هو خؤون جاسوس، وعميل مدسوس، موكَّل بهذا الدور، حتى تحين ساعة الصفر، فيؤدِّي مهمته ويضرب ضربته.

    تداعت لي القصة، ورحت أستعيد فصولها، وأنا أرقب ما يجري على السيد جعفر مرتضى وهو في قبره، وكيف بدأت عملية منظمة لاغتيال الرجل بعد وفاته، وقتله في شخصيته ومصداقيته على يد حاشيته؟!..

    هناك مَن يريد قتل السيد جعفر في تراثه، وإصابته في خلاصة حياته، والنيل منه في صفوة نتاجه، وإسقاطه في نزاهته وأصالته، ووعيه وبصيرته، وأنه من اللوث الفكري ما لا يميِّز الأصيل عن اللقيط، والخالص من الهجين!.. فالرجل أحدث حركة شكَّلت ظاهرة فريدة في العقود الثلاثة الأخيرة، يمكن أن تصنَّف نهضة ثقافية غير مسبوقة في عصرنا، تدرج في طليعة الحركات الشيعية المعاصرة، وتلحق بمصاف الوقائع المصيرية التي اختطت سيرة الشيعة ومصيرهم، ورسمت واقعهم في هذا القرن وصاغت مستقبلهم. وهي حركة أتت كصيغة تنفيذية، أو بمثابة مذكرة تفسيرية، وبسط وبيان تفصيلي لموقف الحوزة العلمية، تجاه الحركة الحداثوية الإضلالية، وتلقٍّ عميق لحكم المرجعية الشيعية ـ غير المسبوق ـ بضلال أحد أئمة الضلال، وتحسُّس ثم تعاطٍ متقدِّم في المسؤولية، اتخذ من الحكم مرتكَزاً ومنطلقاً، وأخذه ليكون منعطفاً مفصلياً تجاه المدرسة الحداثوية وحمَلة هذا الفكر، سواء بالقوة أو بالفعل. بصرف النظر عن رمزه وعنصره المعلن فيه، أي محمد حسين فضل الله، الذي طاله حكم المرجعية بالإدانة، فإن شخص الرجل لم يكن يعني السيد جعفر كثيراً، بقدر من يعنيه الفكر الذي يطرح، والستور التي يتعمد ـ وفق نظرية الصدمة ـ أن يهتك، والحمى الذي يستبيح، فيترك الثغر العقائدي دون سواتر وحصون، وجبهة الحقِّ بلا دفاع وقلاع، وباب البيت الإيماني موارباً، بل مشرعاً لمن خلفه من الشياطين…

    ولم تكتسب هذه الحركة الثقافية والعلمية موقعها التاريخي اعتباطاً، ولم تحظ بهذه المكانة جزافاً، إنما رفعتها أُمور وأعلتها مقوِّمات، وأورثتها هذه المكانة وأضفت عليها هذا الخطر معالم، ميَّزتها من جهتين، الأولى: حجم الحركة وسعتها، الذي تجاوز مئة كتاب رصين متين! الثانية: مادة الحركة وموضوعها، الذي جاء مواجهاً لزخم خرافي تقف الجمهورية الإسلامية وراءه، سواء في ما يتطلَّع إليه خطابها الثقافي، ويستهدفه فكرها الحداثي من ترسيخ اللامذهبية، أو ما ترميه سياستها الماضية في مبدأ الاحتواء، ووجوب صهر وإذابة كلِّ حراك شيعي في بوتقتها التنظيمية، وصبِّه في حصادها وجنيها. وكان من الطبيعي أن ينشأ من هذا وذاك تزاحم، ويقوم تنافس وتصادم، فالسيد جعفر مرتضى بصدد ترسيخ الهوية الشيعية في أبناء الطائفة، ودفع الشبهات والطعون عن عقائدها، كما أنه يرفض الحزبية، ويعارض بشدة انضواء المعممين ورجال الدين في أي تنظيم. وهي حركة ضخمة كبيرة، لا مجرَّد مقالة عابرة أو حراك في وسائل التواصل، بل مادة كفيلة بنهضة تعيد بناء الثقافة على أُسسها الأولى، وترفع البيت الشيعي على قواعد أرساها الشهيد الأول والثاني، والمحقق الكركي، والحرُّ العاملي، وصاحب المعالم، والشيخ البهائي، والفتوني وأمثال هؤلاء العظماء، انتهاء بالسيد عبدالحسين شرف الدين والشيخ عبدالحسين صادق… نجوم متلألئة في سماء التشيُّع، طمسها حزب الدعوة، وأمجاد تليدة طمرتها السياسة، ومفاخر باذخة أودى بها عبث وأتلفتها فوضى رفعت الأذناب وهوت بالرؤوس، وأخَّرت الأشراف وقدَّمت الأوباش…

    ومن الطبيعي أن تستفزَّ مثل هذه الحركة القوى المقابلة، ولا سيما الحزبية الحداثوية، التي تتحسَّب لأي منافس حقيقي وتهديد جدِّي قد يسحب البساط من تحت أقدامها. ولكن لما كانت مكانة السيد وما يتمتع به من صفات الزهد والتقوى، وأقصى مراتب سلامة النفس والنبل وصفاء الروح، إضافة لأدائه المتوازن، تمنع من قمعه وتحول دون إنهاء وجوده، لذا تقرر معالجة قضيته عبر المراقبة الأمنية والاحتواء السياسي، وذلك من خلال تطويقٍ يقطع الطريق على أي امتداد عملي للحراك، ومظاهر أو صيَغ تنفيذية للفعل والنشاط، ما يبقيه في إطار النظرية، والتدوين القاصر عن التطبيق، على الرغم من النجاح الكاسح في تلقيها، والتلهف في الساحة الشيعية عامة واللبنانية خاصة، الذي جذب القلوب إليها. ولكن يبدو أن الطرفين آثرا التنسيق والتفاهم، فتجنبا المواجهة وتحاشيا بروز الخلاف، الذي ظهر في أوجه أعقاب إصدار كتاب “مأساة الزهراء”، حيث أوفد السيد القائد مبعوثاً خاصّاً هو معاونه الأقرب إليه، السيد حجازي، فكان في منتهى الشدَّة والقسوة مع السيد جعفر، حتى رماه واتهمه بأنه أصدر كتاباً كله سباب وشتائم! ويحضرني كيف أسقط في يده لما طأطأ برأسه وأجاب بالنفي على سؤال السيد جعفر: هل قرأته؟ هكذا انتهى السجال سريعاً وانضبط عن التفلُّت والتفاقم، وللإنصاف فإن ذلك يعود لحكمة أظهرها الطرفان، فالسيد جعفر لم يكن يؤمن بالخصام ولا يريد الصدام، وحزب الله وافق وسمح للسيد بالنشاط العلمي دون العملي بطبيعة الحال… ومن هنا وقع الاختراق المنظم في حاشية السيد، سواء من قِبل الحزب أو من مكتب فضل الله، أو من الإيرانيين مباشرة، وصارت الأُمور وانتهت إلى تحكُّم وسيطرة شبه تامة على الحركة، ما أتاح لمختلف الأطراف وأفسح لها بمراقبةٍ تخفِّف احتقانها وتوترها، وتزيل هواجسها ومخاوفها، ولا سيما على صعيد خطر الاستقطاب الشعبي الذي كان يتهدَّد جميع الأطراف، ويحسب أن السيد سيعمد إليه. هكذا حوصر السيد بحاشية حسبت وحبست عليه الأنفاس، وضيقت عليه الخناق، ومنعته إلا من نشاط محدود لا يساوي عُشر طاقته واستعداده للبذل والعطاء. والحق أن السيد لم يقاوم ذلك، بل كثيراً ما كان يمتثل وينصاع…

    رحل السيد رضوان الله عليه إلى ربه، وبدأت من الساعات الأولى لتجهيز جنازته وتنظيم تشييعه، مساعي إطفاء الشعلة الفكرية التي رفع، وإخماد المنارة الثقافية التي أضاء، وطي هذه الصفحة التي ينذر بقاؤها بزوال كيانات القوم، ويتهدد استمرار مشاريعهم الإضلالية… وأخذت تتلاحق هذه المساعي وتتكثف، حتى بدأت مؤخراً إثارات تُلحِق السيد جعفر بمدرسة الضلال! وتقرن بينه وبين فضل الله في إطراء السيد الخامنئي وتملُّقه، وكأنهما وجهان لعملة واحدة، فيسقط من قمته، ويهوي إلى حضيض ترى فيه كلَّ متردية ونطيحة من العمائم التجارية الحزبية.

    المقرَّبون من السيد جعفر والبعيدون عنه على السواء، يعلمون ويعرفون جيداً، بالدليل والشهود والوجدان، بأن ما يُنسب إليه يدور في الكذب والافتراء، والهامش الضئيل والعام بمداليله التي لا ترقى لأدنى ما يرجون، كان تقية ومداراة، أو رعاية لمصالح عليا، لا قناعة ولا عقيدة. وما نحن فيه اليوم شاهد صارخ على الطوق الخانق الذي كان يحيط بعنق السيد رضوان الله عليه في حياته، وما كان يرزح تحت وطأته من الخيانة التي تعشعش في حاشيته، سواء في الذين ـ كانوا وما زالوا ـ يتلقون رواتبهم من حزب الله أو من فضل الله، فمن يسعى لإسقاط شخص السيد ومشروعه اليوم، لم يكن بالأمس صادقاً وهو يتحمَّس للولائيات التي يطرحها، ولا مخلصاً للثقافة التي ينشرها، إنما هي أدوار حانت بعضها، ولم يأن أوان بعضها الآخر.

    لم يكن السيد جعفر مرتضى حزبياً، ولا كان يحمل فكر ومشروع السيد الخامنئي، ومن نافلة القول أنه ما كان يُرجع إليه في التقليد… نعم، لم يكن السيد معارضاً للجمهورية الاسلامية، ولا كانت تحدوه رغبة في الاصطفاف ضدها وضد المقاومة وحزب الله، وهذا ما كان يراه تجاه حركة أمل ورموزها أيضاً.. كل ذلك من معطيات سياسية واجتماعية بحتة، تدور في فلك الحرص على الساحة الشيعية والتمسك بوحدة الصف واللحمة الإيمانية التي كان رحمه الله في منتهى الحرص عليها والحذر من المس بها، بعيداً عن أي رافد ديني يغذي هذا التوجه، أو منطلق عقائدي يؤسس لذاك ويدفع باتجاهه. إن عقائد السيد جعفر مرتضى واضحة وجلية في كتبه وأعماله، وهي لا تلتقي بنهج الجمهورية وعقائد السيد الخامنئي البتة، ولكنه كان يؤثر التقية، وهي التي حملته ـ على سبيل المثال ـ على سحب كتابه حول المسجد الأقصى من التداول، لمكانة الفكرة ومحوريتها في خط الجمهورية الإسلامية والمقاومة، وكذا بعض مراسلاته وحواراته العلمية العقائدية مع أقطاب النصارى، حذر إثارات لا يحبذها الحزب، ولو نشرت لقطعت الطريق على تعظيم الشيعة لأيقونات وتماثيل الكنائس، وأيقظت تلك المؤمنة المحجبة ونبهتها إلى حرمة حمل الصليب، وهول الوقوع في الشرك عند التوسل بقديس نصراني وطلب الحاجات بشفاعته.

    قيل لي بأن أفراداً سفهاء وعناصر هوجاء تتملق الحزب وتستجدي فضل الله، معدمة في تاريخها من أي جهاد، ومفلسة في ساحات العطاء، هي التي تزايد باسم السيد وتفتعل معارك تُكسبها حظوة هنا وهناك، دون تحريض وتدبير يكيد بالسيد ويستهدف اغتيال شخصيته… نرجو أن يصح منهم القول، وأن تقف القضية عند أهون الشريْن وأقلِّ الضررين.