• في الحديث الشريف: “الفقهاء حصون الإسلام”، و“الفقهاء أُمناء الرسل”…

    هناك حصن منيع قام على بنيان مرصوص، نبَتْ أحجاره على الفؤوس وهي تستقلُّ من صلد مقالعها، واستعصت صخوره على المعاول وهي تنتزع من صوَّان جبالها، فلم تقتلع وتنحت ليبنى بها إلا بشِقِّ الأنفس وذهاب الأرواح، يقابله نسج واهٍ من غزل عهن منفوش، كأن أصواف الخراف جُزَّت وكوِّمت، وقد عالجها الحلَّاج بالمندَف أو ضربها بالمِحْلاج، لترقَّ ويزول تلبُّدها، فتكون أخفَّ شيء وأطوع… فظهرت هنا قلاع وحصون، وامتلأت بإزائها جيوب وبطون! وهناك من بعدُ علماء أتقياء مستحفَظون أمناء، يقابلهم أجراء عملاء، دخلوا في الدنيا ولحقوا الرؤساء، واتبعوا السلاطين ووالوا الأمراء، أو هم سذَّج أغبياء، وجهلة لا يميزون ألفاً عن باء… هذا هو الجذر الحق في تقسيم حمَلة الدين، وتمييز الأوفياء الأصيلين عن الخونة المستأكلين.

    انتشر قبل أيام تسجيل مصوَّر للسيد محمد باقر نجل المرحوم آية الله العظمى السيد محمد رضا الگلبيگاني قدِّس سره، يروي فيه قصة تُظهر كيف تكون القلاع والحصون، وكيف يتمثَّل في بعض أولياء الله ما أنزل سبحانه من حديد، فيه بأس شديد، وفي المقابل كيف هو كيد الشياطين وما ترمي من فجور وتريد من تضليل وتخسير… القصة عن وفد عربي (من تونس والمغرب) جاء يحمل عرضاً خلص إليه بعد مفاوضات لإعادة بناء مشهد بقيع الغرقد في المدينة المنورة، وأنه حصل على موافقة الحكومة هناك بشرط أن يتشخَّص البناء ويعنوَن المعلَم المنظور على أنه قبر الزهراء عليها السلام، وأنَّ الحكومة علَّقت تنفيذ موافقتها على إمضاء مراجع الشيعة على ذلك! وقد حصل الوفد بالفعل على موافقة أحد المراجع، الذي كتب لهم “هذا عمل حسن”، فلما قصدوا السيد الخميني رحمه الله وعرضوا الأمر عليه، أحالهم إلى السيد الگلبيگاني، وعلَّق موافقته على موقف السيد وما سيكون منه، وأنه سيمضيه مهما كان! وبالفعل قصد الوفد قم متفائلاً أن المشروع في طريقه للنجاح، وأن أُمنية الشيعة (وكذا السنة غير الوهابية) في بناء البقيع ستتحقق. قُدِّم العرض للسيد الگلبيگاني قدِّس سرُّه، وكانت المفاجأة الصاعقة في موقف السيد! الذي لم يرفض الفكرة فحسب، بل قال: “لو وافق جميع مراجع الشيعة على هذا الأمر، فإنني سأخالفهم وأعارضه! ولو اقتضى ذلك وبلغ التضحية بروحي لفعلت”! ثم بيَّن رضوان الله عليه أنهم يرمون شيئاً آخر، يريدون إسقاط وتكذيب حقيقة “المخفي قبرها”، فيقولون إنه بعد ألف وأربعمئة سنة اعترف الشيعة بأن قبرها معلوم، وها هو في البقيع، هكذا هي بقية عقائدهم، كلُّها مزاعم باطلة. واستدرك رحمه الله بأنه مع البناء إذا كان باسم الأئمة الأربعة عليهم السلام، وأنه سينهض بنفسه بالمشروع ولا حاجة لأموالهم، فإنَّ الناس سيتكفَّلون به، أما أن يكون المشهد باسم الزهراء عليها السلام، فهذا ما لن يسمح به أبداً.

    وللقصة مداليل وحِكَم، وفيها دروس وعبَر.. ولربما جهل هذا الجيل وخفي عليه مَن يكون هذا السيد الجليل، وغابت عنه مواقف تاريخية تتفجَّر حكمة وخبرة، وتفيض إخلاصاً واستقامة، وتشمخ مجداً وتسمو عظمة… فالگلبيگاني لا حزب يهوِّل له ويضخِّم، ولا جماعة تختلق وتزيِّف، ولا أجهزة مخابرات تسوِّق وتروِّج، ولا ذباب الكتروني يدوي فيُشغل العالم بطنين دعايته وضجيجه! وهذه مقالة وحيدة، لن تغيِّر الحال، لكنها تبحث عن يقظة سعيدٍ، يتطلَّع لحبل ينقذه، وطوق نجاةٍ يُلقى إليه فينتشله، أو هي حجَّة تتم على مدَّع يستأكل بالدين ويتَّجر بالمذهب، وتتحرَّى منتكساً جحَد العهد وانقلب على الميثاق، “أن تقولوا يوم القيامة إنا كنَّا عن هذا غافلين”.

    أول ما يُستخلص هنا، بعد التذكير بأنَّه قدِّس سرُّه هو الذي أدَّى الصلاة على جنازة السيد الخميني، فتأخَّر عنه واصطفَّ خلفه الخامنئي ورفسنجاني وجميع “فقهاء” النظام وعلماؤه… أنَّ السيد الگلبيگاني المصنَّف في الفقهاء التقليديين والمراجع “الرجعيين”، كونه لا يخوض ـ كما يفعلون ـ في السياسة، ويلتزم الأصالة في مناهج الاستنباط، ولا يعبث بالعقائد والأحكام، كان خيار السيد الخميني، أبرز المراجع المجاهدين، والوحيد في تاريخ العلماء الذي شكَّل دولة وأقام حكومة. ومسألة إحالته الوفد المفاوض إلى الگلبيگاني، في تلك القضية الحساسة، والشأن المصيري الذي كان سيشكل منعطفاً في تاريخ الدين والمذهب، مع تعهده بامتثال أمره والتزام رأيه والنزول على قراره… يُسقط مقولة أدعياء وراثته ومنتحلي المضي على نهجه، بأنَّ الفقيه غير الثوري يفتقد أهلية المرجعية، ويُبطِل مزايداتهم الفجة بأنَّ المجتهد لا يكون جامعاً لشرائط الفتوى والتقليد حتى يكون مثلهم وعلى طريقتهم، عابثاً بالأحكام، مفرِّطاً بالمقدسات ومستهيناً بالحرمات، ومسترخصاً الأنفس ومغامراً بالدماء!

    من المواقف التاريخية لهذا السيد الجليل، أنه تقدَّم إلى رجال الثورة بعد دفن السيد الخميني مباشرة، برأي ونصيحة مؤدَّاها أن يختاروا من بينهم مَن يشاؤون لإدارة البلاد، حتى يُمضي، من موقع فقاهته، اختيارهم ويحكم بتعيينه، فيخلع عليه المشروعية، ليبقى النظام مشروعاً بعد الخميني، ولا يسقط في القهر والزور، والزيف والتزوير، الذي انجر إليه ووقع فيه… فأبى القوم وكابروا ورفضوا نصيحته، وعمدوا إلى صنع فقيه خاص بهم، وخلق مرجع على مقاس أهوائهم، ما أوقعهم في إشكالية جرَّت الكثير من البلاء والوبال والسفال، الذي ما زالوا يتقلبون فيه، ما خرجوا منه ولن يخرجوا عنه حتى يعودوا إلى ما تركوا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “ما ولَّت أمةٌ أمرها رجلاً قطُّ وفيهم مَن هو أعلم منه، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا”.

    وللسيد الگلبيگاني وقفة أخرى مع النظام الإيراني لا تُنسى، لما بلغت تدخلات السلطة، وشخص السيد القائد، في الحوزة العلمية ذروتها، وصارت مساعي سيطرتهم عليها في أوجها، حين عمدوا لتغيير مناهج التحصيل واستحداث مادة هزيلة يستعاض بها عن المتون المتينة والكتب العلمية المعتمدة… انتفض السيد رضوان الله عليه، وهدَّد بالخروج إلى الشارع شاقاً جيبه، اعتراضاً على هذا العبث الذي يتهدَّد سقوط الحوزة ومسخها! فخاف النظام، وتراجع، وأُرجأ عزم الحكومة إلى أن يتوفَّاه الله!

    ومن المداليل الخطيرة لواقعة رفض بناء البقيع، انكشاف عمق الرؤية والوعي والبصيرة التي يتمتع بها هؤلاء العظماء، وكفايتهم المستمدَّة من العلم والفقاهة الحقيقية، والعدالة والنور الإلهي، ثم العناية والتسديد المهدوي، الذي ما انفكَّ يرعى “الحصون” الأصيلة ويحفظ “القلاع” النزيهة، منذ الطوسي والمفيد، وحتى السيستاني والوحيد، ما يؤهل هذه الطبقة ـ حصراً ـ لقيادة الأمة، ويجعلهم أقطاب النهضة ورعاة الحق، الذي يحفظ المذهب ويصونه ويحوطه ويدفع عنه، ويقوده ليوفَّق في إصابة مواقع البرِّ والصلاح، مما طاشت عنه سهام نظامٍ انقطع عن قناة الفيض، واستقلَّ عن السبب المتصل بين الأرض والسماء، فخُلِّي والسبيل الذي اختار، فراح في التيه، وسقط في حبائل الضياع والضلال، حتى مرق وبات على شفا جرف العلمنة وشفير الزندقة، وأصبح أسير نهج أخرجه عن الولاء لأهل بيت الوحي، وأضحى راية تدعو إلى غير الهدى وسبيل الرشاد، مهما زعمت الانتساب إلى علي، وادَّعت الرضا من آل محمد… إن هؤلاء المراجع العظام، بشيباتهم المقدَّسة، وانقطاعهم عن الدنيا وأهلها، وانزوائهم عن السياسة الشيطانية، وتنزُّههم عن الخوض فيها، يمثِّلون كنوزاً مدَّخرة، وثروات لا نظير لها ولا بديل عنها، فلا يفرِّط فيها إلا جاهل أرعن، يرى ظاهراً يحسب كلَّ شيء فيه، ومشهداً لا شيء بعده ووراءه، أو هو شيطان خبيث، يزويهم عن مواقعهم بحُجج تنطلي على العوام، ترويهم من آسن الشراب وتغذيهم بفاسد الطعام، تصوِّر أنَّ هؤلاء “الشيبة” لا يعرفون ما يدور في العالم، لا يتابعون أخبار الأزمات والحروب، ولا يفقهون شيئاً عن تقلب مؤشرات المال والأعمال، ودورة الصناعة وحركة التجارة والاقتصاد. لم يقرأوا سيرة جيفارا وماو، ولا يعرفون تاريخ البلاشفة والبوليفارية، ولا يميزون بين ثوار الباسك والجيش الجمهوري الإيرلندي والجيش الأحمر في اليابان… بهذه الترهات غسلوا عقول شبابنا فزووهم عن هذه القمم الإلهية المقدَّسة، وغرَّروا بهم بالحماسة والشجاعة، فأخذوهم إلى التهوُّر والاندفاع، حتى استلبوا عقولهم وأخضعوهم لمآربهم وروَّضوهم، ثم عادوا فكبلوهم بأغلال “المصلحة” التي تفرض الهدنة حيناً، وترك الثورة والتخلِّي عن الجهاد طوراً، فيُؤمرون عندها بتناسي مانديلا وتجاهل بوبي ساندز، وترتفع أسهم الدلاي لاما، ويمجَّد غاندي وتطلق حمامة السلام!..

    وهذا يقود إلى المدلول الأخطر، وهو بشاعة وشناعة الجريمة التي ارتكبها محمد حسين فضل الله، ووقاحة وخسران الصفقة التي عقدها مع الشيطان حول مصائب الزهراء، قضية التشيُّع الأولى ومرتكز المذهب الأعمق… صفقة تراوحت سعتها بين نفي بعض فصول الجريمة، من قبيل كسر الضلع وإسقاط الجنين وإحراق الباب، وبين مزاعم الصلح وطي صفحة الخلاف على الأخرى الثابتة عنده، ثم إعلان العفو والمصالحة، ما انتهى إلى زعمه معلومية موضع القبر وإنهاء خفائه…

    التسجيل المصوَّر للسيد الگلبيگاني، يثبت أن “المرجعية” الحركية، والقيادة الأبرز في ساحة الحداثوية الشيعية، كانت ـ وما زالت ـ تعيش انحطاطاً غير مسبوق في تضييع المسؤولية، وحضيضاً سحيقاً من تردي الوعي، وإفراطاً فاحشاً في تاريخ الشيعة، في الطيش والرعونة، هذا إن نفينا الخيانة والعمالة، وفي الفرضين هي جريمة عظمى، وتفريط بحقٍّ وأصل يمثل عمود خيمة المذهب، وركنه الركين، الذي يهوي السقف ويتقوَّض البيت بهزِّه، فكيف بهدمه وإزالته!؟

    وممن يفتضح هنا بعد شخص الرجس وبؤرة الخيانة، جملة الإسلاميين الغارقين في اللوث والعبث، والسفه والإتجار بالدين، واستغفال المؤمنين، وهم يزعمون أو يرون أنفسهم في قمة النباهة والبصيرة، ويحسبون أنهم طلائع الوعي وقادة الأمة… الذين شيَّعوا جنازته وأحيوا نهجه، عظَّموا فضل الله وهو مَن أراد طمس التشيُّع، ورفعوا نعشه على الأكفِّ وهو الذي هتك الحجاب والسر الأعظم للمذهب!.. فرَّطوا بقبر أم الأئمة الأطهار وسيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، ثم يقدِّمون آلاف الشهداء، يزعمون أن ذلك لإنقاذ حرم السيدة زينب في الشام!

    وحقَّ هنا الاقتباس من شقشقية المولى، والاستشهاد ببيت للأعشى الكبير، أعشى قيس: شتان ما يومي على كورها، ويوم حيان أخي جابر…

  • من السذاجة بمكان لباحث أو قارئ في التاريخ يريد تحليل حوادثه، أن يفصل ـ على سبيل المثال ـ سيرة صاحب الشام عن العهود التي سبقته، ويقتطع حرب صفين عن أعماقها البعيدة، يبترها عن جذورها الضاربة في البيئة الحاضنة والمنابع الحامية والسياسات الراعية، فيُغفل “الإستراتيجية” التي زرعت الرجل في تلك البلاد ومكَّنته منها، بسطت يده ورسَّخت أقدامه هناك، ويغمض ما كان قائماً على تخطيط مُسبق وتدبير متقدِّم، لربما عاد للأيام الأولى لدخول المنافقين في الإسلام، ظهرت ثماره في إشغال دولة أميرالمؤمنين وإلهائها بالنزاعات، واستنزافها بالحروب، ما أفضى للإنقلاب على الشرعية وطي صفحة حكومة العدل الإلهي وولاية آل محمد إلى يوم الظهور الموعود.

    وهكذا الأمر اليوم، فإنَّ الحُكم بالسذاجة والغباء سيلحق كلَّ مَن يقرأ التسيُّب والانحلال المتفشي بين الشباب المؤمن، والانحراف الفكري والاهتزاز العقائدي الغالب، وينظر إلى أرقامه وشواهده كحالات منفصلة، ومفردات متفرِّقة، وحوادث عارضة وطارئة! والحال إن المتأمِّل لا يحتاج إلى كثير فطنة ونبوغ ليكشف الخيط الذي يربط بينها ويجمع نظمها، ما يوقِف كلَّ عاقل غير غافل، ناهيك بخبير ضليع، على تدبير شيطاني ومخطِّط استعماري أو ماسوني، سمِّه ما شئت، نهضت به الحداثوية ونفَّذته أذرعها الممتدة في غير موقع وواجهة، ما زال يدك الأُسس، وينال من القواعد التي تقوم عليها العقيدة الشيعية الحقَّة… من الحمق والبلادة، أن يفصل أحدٌ هذا المسار والأداء عن جذره وأصله النابع في إيران، والضارب في أحزابها المنتشرة في بلاد الشيعة. هناك احتضان ونصرة ودعم، يشكِّل رعاية رسمية ويخلق حماية خفية حيناً، ومعلَنة أحياناً، من فرط تفلُّتها وافتضاحها، فلا يمكن مواراتها وكتمانها ولا التنكُّر لها. ولولا اللطف الإلهي بهذا المذهب، والعناية المهدوية التي تحفظ أتباعه وتكلؤهم، لنزل بنا اللأواء واصطلمنا الأعداء، ولم يبق من التشيُّع إلا اسم أجوف وهيكل أغيف، ثم صورة أو لوحة في متحف!

    منذ ثلاثين عاماً ونيف، والساحة الإيمانية تعيش زخماً متصاعداً، وتشهد حركة  دؤوبة وجهوداً حثيثة تُبذل على صُعد: تقويض الحوزة العلمية وتضعيف المرجعية الدينية، نبذ التراث المعصوم والعلمائي المنبثق عنه، إبطال ما أمكن من عقائد الإمامية، ومحاربة الشعائر الحسينية، بما لا يُبقي للمذهب ثوابت ومسلَّمات، ويسقط عنه كل سِمة وميزة وكرامة وقيمة، وذلك من منطلق الإصلاح والتطوير الذي تحمل الجمهورية الإيرانية رايته، ونبذ الخرافات والأساطير، الذي ترفع شعاره… بما يصبُّ لصالح فكرة اللامذهبية، وإسلام يؤمن بالثورة والجهاد، وبحركة سياسية توالي النظام، دون حواجز شرعية “رجعيَّة”، ومعوقات عقائدية “خرافيَّة”!

    هذه حقيقة جليَّة ثابتة لا يطالها أدنى شك، وإن ذهل عنها جيل فتح عينه على الحياة والمشهد الديني فيها على هذه الحال، وأنكرها يافعٌ بلغ التكليف ثم انخرط في عالم المساجد والمجالس والنشاط، محكوماً بمعطيات هذه الثقافة الهجينة، مأنوساً مألوفاً بهذا الواقع المعوج المريض، صُمَّت آذانه ووقر سمعه عن غير هذا الخطاب، الذي ما زال الإعلام يكرره ويلقنه إياه، فلم يعرف غيره ولم يتح له أن يقارن، فيتذوَّق ويفاضل! إنها حقيقة دامغة، وإن تجاهلها الإعلام العالمي، بما فيه المعادي للنظام الإيراني، لأنه شريك أصيل في الجريمة، وذي نفع مباشر من اجتثاث جذور المذهب الذي طالما هدَّد مصالحه وأربك مخططاته وأزرى بحلفائه، وها هي القلعة تتهاوى من داخلها، والنزاع يحتدم بين سكانها وقاطنيها. إنه واقع مشهود مثبت مهما أغفله اللاهون في معيشتهم، وتجاهله المنشغلون بشؤونهم، ولم يعتنِ به البسطاء من عوام المؤمنين الذين يرون مثل هذه القضايا تفاصيل لا تعنيهم، أو ترفاً لا ضرورة أن يُنال ويُلاحق…

    فالحوزات والعلماء الربانيون، والمثقفون الرساليون، يقفون عليها ببصيرة ويدركون أبعاد القضية بوعي، ويرجعونها إلى أسبابها الحقيقية بلا مراء ولا جدال، وإن لم يتَّخِذ بعضهم مواقف صريحة، ويخض مواجهة علنية، لأسباب وأخرى، لكنهم جميعاً يتفقون في تشخيص الجريمة وتصنيفها الشرعي الديني، وتكييفها القانوني، وواقعها السياسي والاجتماعي، كما لا يختلفون في تحديد المجرم وتعيين الرأس المدبِّر. وكلَّما تنامى هذا الحسُّ وانقشعت الغيوم عن سماء الحقيقة، تعمَّقت مشكلة التيار الحداثوي وأعضل أمر الجمهورية الإسلامية، وتعرَّت الأحزاب التابعة لها، وظهرت بصورتها الحقيقية: صلعاء عنقاء فقماء خرقاء شوهاء، كطِلاع الأرض وملء السماء. ولن يَعجب أحدٌ إن عادت السماء وأمطرت دماً، ولعذاب الآخرة أخزى، وهم لا يُنصَرون.

    لم يكن استهداف الحيدري، في بواكير حركته، مرجعية النجف الأشرف وشخص السيد السيستاني، زلة سوقيٍّ يكثر الهذر، ولا عثرة بغلٍ قبرصي زادت أحماله، ولا سقطة مقامر خابت صفقته، بل كان ذراعاً إيرانية، ويداً حملت مداد المخطط الاستراتيجي للقوم، وها هو الغزِّي يكمل المسيرة اليوم، يلفق ويفتري ويزيف ما شاء له الشيطان وأراد، يبث سمومه ويفرغ أحقاده ويوجه سهامه إلى المرجع الأعلى عبر بيته، والنيل من أبنائه.

    إن جريمة نُصرة فضل الله واحتضان الحيدري ورعاية حب الله وإعانة الغزي ودعم العُسر وتشجيع أضرابهم وتأليب نظرائهم، الذين أطلقوا ثقافة دينية مُحدثة عبثت بمفاهيم المذهب وتنكَّرت لأوَّليات ولاية أهل بيت العصمة، وسوَّغت للتوالي الفاسدة والنتائج المدمرة، التي تشكِّل خروجاً عن المذهب وسقوطاً في منحى الانقلاب على التشيُّع، وهاوية تبنِّي لامذهبية مقنَّعة… وصمة عار لن تمحى وخزي وشنار لن يُرحَض! والرَّحْض الغسل والإزالة، والذهاب باللوث والأدران ودفع الفضلات، ومنه أُطلق على مكان فعله المرحاض. والساحة الإيمانية لن تنطلي عليها فذلكاتٌ تقدَّم كمبرِّرات، وديباجات تسوِّق لمسوِّغات، وخطاب يعرض الأمر في إطار الذرائعية وفقه المصالح… وهي مشاجب ما عادت تطيق ولا تحتمل، فسقطت وأسقطت معها ما عُلِّق عليها ثقيلاً وأُسند إليها طويلاً.

    ما زال صراع المبادئ والمصالح، مقولة الميكيافيلية والبراغماتية العمَليَّة، مقابل الحقائق المطلقة والتزام الأخلاق الفاضلة، قائماً، نهجٌ يعيش المبادئ والقيَم، ويلتزم في إعمالها ضوابط وحدوداً لا يتخطَّاها، وآخر يسلك الذرائعية ويمضي عليها، حتى ينسلخ عن هويته وينقلب على مبدئه ويتنكَّر لمنطلقه، يحتال على الواقع ويعيد تشكيل صورته ليتغيَّر تبعاً لذلك تكليفه الشرعي… ما انفك هذا الصراع يحكم المدارس والأديان، وما زال السياسيون والدنيويون (وإن بلباس الدين)، يسقطون فيه صرعى مصالحهم، يقدمون المبادئ والأخلاق قرابين على مذبح أهوائهم، مالاً وشهرة، وعناداً ومكابرة. فلا بأس في فكرهم أن يُظلم إنسان أو فئة أو شعب، في سبيل تحقيق دولة العدالة! ثم يستمر الظلم في سبيل حفظها وبقائها، ولا ضير أن يتخلوا عن شعائرهم الدينية ليرضى عنهم اليهود والنصارى، فيكفوا أذاهم ويزيحوهم أو يحيِّدوهم عن طريق نماء حزبهم وإقامة حكومتهم، ولا غضاضة أن يبنوا اقتصادهم على مبدئ علماني يحثُّ ـ مثلاً ـ على تحديد النسل، يُسقط أمراً قرآنياً، خشية فقر و”إملاق”، ويتجاهل وعد الله “نحن نرزقهم وإياكم”، أو ينهي مقاطعة المشركين ويلتف عليها، خوف “عيلة”، وشكّاً في “يغنيكم الله من فضله”! بينما الإلهيون يعيشون صدى عظة وإرشاد رسولي أطلقه الإلهي الأعظم: “والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعير ما فعلت”، أميرالمؤمنين الذي طالما عُرضت عليه البدائل، وأُتيحت له خيارات تقيه الهزائم وتجنبه الخسائر، وعشرات العناوين “الشرعية” والمرجِّحات “العقلية” التي تسمح له وتفسح، ولكنه كان ينظر القيامة ويرقب الآخرة، ويخلق النموذج الديني ويحقِّق القدوة الإلهية، فقال: “والله ما معاوية بأدهى منِّي، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس… ولكلِّ غادر لواء يُعرف به يوم القيامة”، وقال: “ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر كيساً، ونسبهم أهلُ الجهل فيه إلى حُسن الحيلة… قد يرى الحُوَّل القُلَّب وجه الحيلة، ودونه مانع من أمر الله ونهيه، فيدعها رأي عينٍ بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها مَن لا حريجة له في الدين…

    والأمر لا تحكمه طوباوية حالمة، ولا يعيش حمَلته والمنادون به نرجسية مُهلكة قاتلة، حتى يُقابَل بمواعظ تفذلك أداء المتكسِّبين وتبرِّر للمتقلِّبين، تشرعن أفعالهم وتمضي نهجهم، عبر تفشِّي دائهم والتحاق المزيد من الأصحاء بهم، ليصبح الشذوذ هو الغالب والاستثناء هو الأصل! فتواجهك مقولات: “دع عنك الخيالية وكن واقعياً” أو “لا بد من نهج عملي ينعطف بك عن الموانع، ومرونة تسلك دربها بين المعوِّقات”… فهناك نماذج، غير معصومة، بشرية محضة، التزمت الأصالة والمبدئية، ودفعت ثمن التزامها، ما بلغ التضحية بحياتها حيناً، وكرامتها وماء وجهها أحياناً، وبين هذه وتلك ما لا يحصى من خسائر وأثمان. هذا مسلم بن عقيل عليه السلام يخلو بعبيدالله بن زياد في دار هاني بن عروة، ويظفر به دون حرس يحميه وجند يردُّون عنه، لكنه يأبى أن يفتك ويغتال، فالإيمان قيد الفتك، والمؤمن لا يأخذ خصمه وعدوَّه غيلة… ولو كان الأمر بيد هذا الجيل من الحركيين و”المجاهدين”، والنوعيات التي نرى من “رجال الدين”، لما ترددوا في غرس خناجرهم، لا في ظهر هذا اللعين فحسب، بل لطعنت قلب أيَّ عبد صالح من أولياء الله، رأوا أنه يعترض طريقهم ويعيق مسيرتهم! وهذا نصف المشهد وجانب من الكارثة، إذ المأساة أنَّ الجماهير كانت ستصفق لهم وتشكرهم! بل تدين المبدئية وتقبِّح الإلتزام بالقيم والثبات على الأخلاق، وترمي مَن لا يتلوَّن ويتقلَّب، بالتحجُّر والجمود! والحال أنَّ مؤسس الجمهورية ورائد الثورة الإسلامية، السيد الخميني قدس سره، عاش المبدئية ومات عليها، حتى عندما تراجع وانعطف فقبل وقف الحرب، كان مبدئياً ولم يكن براغماتياً ولا ميكيافيلياً، ذلك أنَّ الثمن الذي دفعه (على صعيد شخصه) يفوق بأضعاف ما كان سيتحمله إن استمرت الحرب، ولعلَّه قُتل من جرعة سمِّ القهر حين باع ماء وجهه، ونزل على رغبة شعبه، الذي ما عاد قادراً أو راغباً في استمرار الحرب، فلم يصرَّ الرجل ويتمسَّك بقناعته، ولا عاند في موقفه وكابر برأيه، بل فرَّط بما يخلِّد العظماء في التاريخ، ويكرِّسهم أبطالاً في حقلهم ونهجهم، وهو هنا الثورة وإباء الضيم… والدليل على هذه الحقيقة أنه نسف بعد ذلك كلَّ ما كان يرجوه البراغماتيون، من دخول الجمهورية الإسلامية والتحاقها بالمنظومة العالمية، ونزولها على ما تريد وترضى، ذلك لما أصدر فتوى إهدار دم سلمان رشدي، وحكم بقتله، فأدخل إيران في نفق ما زال خلفاؤه وورثته عاجزين عن الخروج منه!

    إن التيار الإسلامي الحاكم في إيران، وأحزابه في المنطقة، لا علاقة لها وله بالخمينية ولا بالمرجعية، ولا يمثِّل التشيُّع والولاية لآل محمد بأي نحو، إنما هو وليد شُبهة، إن لم يكن ابن سفاح، انحدر من نسل علي شريعتي، وسلالة الإخوان المسلمين، وجاء شقيقاً لحزب الدعوة، تلفيق أنتج مدرسة التقاطية هجينة، لا دين له ولا مذهب، أخذ من هذا ضغث ومن ذاك أضغاثاً ومزجها، تقمَّص هنا وارتدى، وركب هناك وامتطى. ومن نافلة القول أنه لا يمكن لمنظومة موغلة في الأداء السياسي، ممعنة في المناورة، مسرفة في التحايل والالتفاف، مفرِّطة بالقيم والمبادئ، أن تنظِّر للدين وتقدِّم نفسها كممثلة لمذهب أهل البيت… ومن يجهل هذه الحقيقة أو يتردد في قبولها، فهو إما بسيط ساذج، أو محتال متحاذق. وغاية جهد هذا التيار في الدفاع عن نفسه، وما يقدِّمه لخداع المغرِّر بهم من أنصاره والمتأثرين بخطابه، التماس العذر لهذا التلوُّن والانقلاب والبراغماتية والميكيافيلية، بحرصه على الساحة، ونزوله على فقه الأولويات، ومراعاته للمقاصد والمصالح، ومقولة أن المعركة مع أمريكا وإسرائيل، والحفاظ على المقاومة، تأبى الانشغال بالدفاع العقائدي، وفتح جبهات داخلية تمزق الساحة وتخلق الفتنة… وهو كما ترى عذر أقبح من ذنب، فقد تحقق في أدائهم ما كان من سلفهم الذين خاطبتهم سيدة نساء العالمين: “ابتداراً زعمتم خوف الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين”، فقد وقعوا في الفتنة ودخلوها من أوسع أبوابها، جبهة مع العقائديين الولائيين، وأخرى مع التطبير والشعائريين، وثالثة مع المراجع العظام وعلماء الدين.

    العار كلُّ العار أن يبنى مشروع الثورة ويتوقَّف تقدُّم ونجاح المخطط والفكرة، على إقصاء الحوزة ونبذ العلم وإعادة رسم وتعريف الفقاهة، وعلى إزاحة المراجع العظام عن طريق قيادة مركزية واحدة، فيخلى السبيل لفرعونٍ ينادي: أنا ربكم الأعلى، ثم الويل لمن لا يعمل في بناء هذا الصرح الشيطاني! أن تصير الثورية من ثوابت المذهب، وتتحول فضائل أميرالمؤمنين وظلامات المعصومين وشعائر الدين إلى متغيِّر، قد يحسن توظيفها، كما جرى في سوريا والحرب ضد الإرهاب التكفيري، وقد تُغيَّب وتُضيَّع كما هو الأصل الذي يمضون عليه، فالجمهورية الإسلامية هي أصل أُصول الدين، والشعائر الحسينية والأحكام الشرعية ومعالم المذهب وثوابته ومرتكزات العقيدة ومسلَّماتها فروع، قد يقتضي تشذيب الشجرة قطعها والتخلُّص منها، وكل شيء يدور مدار السياسة والمصالح، وسلامة رأس القائد!..

    يقال أن الفيلسوف “برنارد شو” جمعته مائدة فى إحدى الحفلات مع امرأة، فسألها بهدوء: “سيدتى هل تقبلين أن تقضي معي ليلة مقابل مليون جنيه استرليني؟ فابتسمت المرأة وقالت: طبعاً بكل سرور! فعاد وسألها: هل من الممكن أن نخفض المبلغ إلى عشره جنيهات فقط؟ فغضبت وصرخت في وجهه قائلة: من تظنني أكون يا هذا؟ فقال لها بهدوء: سيدتي، نحن عرفنا من تكونين، إنما نحن نختلف على مقدار الأجر”!.. ونحن نشهد حركات إسلامية وعمائم تدور في فلكها، تحوط الدين وتزري به، ولا تتفاوت إلا في الأجر والثمن، قد يكون سعر بعضهم حفنة من الدولارات، وآخرين برنامجاً تلفزيونياً وظهوراً إعلامياً وغطاء اجتماعياً، وشِقٌّ ثالث في غاية الخسران والشقاء، باعوا دينهم بدنيا غيرهم… سواد الظلَمة ومطايا القادة ودواب السلطان.

  • وفق رؤية بسيطة ساذجة، ومن إيمان عفوي يحمله أحدهم، كان يقيس الأُمور ويعادلها، فيقرِّر أنَّ الإمام الخميني عالم رباني ورجل إلهي مخلص، فلا بد أن تكون ثورته بعين الله، ومن المؤكَّد أن خُطاه برعاية صاحب الزمان، ما يعني أنه مُسدَّد لا يخطئ، وموفق لا يخيب. ومن هنا لم يكن هذا الثوري الغرير يبالي بخطب يعرض، ولا بنازلة تحل، ويذهب في تلقي الحوادث إلى قراءة قدَريَّة، تقود الثورة وتسوقها، نحو نتيجة حتمية هي الظهور الشريف، وتسليم الخميني الراية للمهدي عليه السلام! أُثيرت الفكرة يوماً حين حلَّ أحد معتقي الثورة، “السابقون الأولون” فيها، وهو مهندس تأسيس حزب الله أو عرَّابه، ضيفاً عليَّ في قم، فحاول بخبرته وحنكته أن يشرح لصاحب هذه الرؤية شططه ويبيِّن له خطأه، دون جدوى، وما زال به حتى كشف له، وكان حينها وزيراً للداخلية، أن من بين الوثائق التي عُثر عليها في ملفات السافاك بعد سقوط الشاه، تقارير كان يرفعها الخادم الشخصي “المخلص المتفاني” للسيد الخميني في النجف الأشرف، وفيها تفاصيل حركته ونشاطه، وأسماء الذين يلتقونه، وكل ما يتفطن إليه من معلومات يسترق السمع إليها وهو يدخل لتقديم الشاي! عندها فقط تنبَّه الثوري المندفع، أنَّ السنن والأسباب حاكمة، وأن الخفايا أكثر بكثير من الظواهر، والحقائق أعمق مما تبدو عليها الأمور، ولرُبَّ مقرَّب يفيض همَّة ويجيش حماسة، ورفيق ينضح براءة ويقطر نزاهة، هو خؤون جاسوس، وعميل مدسوس، موكَّل بهذا الدور، حتى تحين ساعة الصفر، فيؤدِّي مهمته ويضرب ضربته.

    تداعت لي القصة، ورحت أستعيد فصولها، وأنا أرقب ما يجري على السيد جعفر مرتضى وهو في قبره، وكيف بدأت عملية منظمة لاغتيال الرجل بعد وفاته، وقتله في شخصيته ومصداقيته على يد حاشيته؟!..

    هناك مَن يريد قتل السيد جعفر في تراثه، وإصابته في خلاصة حياته، والنيل منه في صفوة نتاجه، وإسقاطه في نزاهته وأصالته، ووعيه وبصيرته، وأنه من اللوث الفكري ما لا يميِّز الأصيل عن اللقيط، والخالص من الهجين!.. فالرجل أحدث حركة شكَّلت ظاهرة فريدة في العقود الثلاثة الأخيرة، يمكن أن تصنَّف نهضة ثقافية غير مسبوقة في عصرنا، تدرج في طليعة الحركات الشيعية المعاصرة، وتلحق بمصاف الوقائع المصيرية التي اختطت سيرة الشيعة ومصيرهم، ورسمت واقعهم في هذا القرن وصاغت مستقبلهم. وهي حركة أتت كصيغة تنفيذية، أو بمثابة مذكرة تفسيرية، وبسط وبيان تفصيلي لموقف الحوزة العلمية، تجاه الحركة الحداثوية الإضلالية، وتلقٍّ عميق لحكم المرجعية الشيعية ـ غير المسبوق ـ بضلال أحد أئمة الضلال، وتحسُّس ثم تعاطٍ متقدِّم في المسؤولية، اتخذ من الحكم مرتكَزاً ومنطلقاً، وأخذه ليكون منعطفاً مفصلياً تجاه المدرسة الحداثوية وحمَلة هذا الفكر، سواء بالقوة أو بالفعل. بصرف النظر عن رمزه وعنصره المعلن فيه، أي محمد حسين فضل الله، الذي طاله حكم المرجعية بالإدانة، فإن شخص الرجل لم يكن يعني السيد جعفر كثيراً، بقدر من يعنيه الفكر الذي يطرح، والستور التي يتعمد ـ وفق نظرية الصدمة ـ أن يهتك، والحمى الذي يستبيح، فيترك الثغر العقائدي دون سواتر وحصون، وجبهة الحقِّ بلا دفاع وقلاع، وباب البيت الإيماني موارباً، بل مشرعاً لمن خلفه من الشياطين…

    ولم تكتسب هذه الحركة الثقافية والعلمية موقعها التاريخي اعتباطاً، ولم تحظ بهذه المكانة جزافاً، إنما رفعتها أُمور وأعلتها مقوِّمات، وأورثتها هذه المكانة وأضفت عليها هذا الخطر معالم، ميَّزتها من جهتين، الأولى: حجم الحركة وسعتها، الذي تجاوز مئة كتاب رصين متين! الثانية: مادة الحركة وموضوعها، الذي جاء مواجهاً لزخم خرافي تقف الجمهورية الإسلامية وراءه، سواء في ما يتطلَّع إليه خطابها الثقافي، ويستهدفه فكرها الحداثي من ترسيخ اللامذهبية، أو ما ترميه سياستها الماضية في مبدأ الاحتواء، ووجوب صهر وإذابة كلِّ حراك شيعي في بوتقتها التنظيمية، وصبِّه في حصادها وجنيها. وكان من الطبيعي أن ينشأ من هذا وذاك تزاحم، ويقوم تنافس وتصادم، فالسيد جعفر مرتضى بصدد ترسيخ الهوية الشيعية في أبناء الطائفة، ودفع الشبهات والطعون عن عقائدها، كما أنه يرفض الحزبية، ويعارض بشدة انضواء المعممين ورجال الدين في أي تنظيم. وهي حركة ضخمة كبيرة، لا مجرَّد مقالة عابرة أو حراك في وسائل التواصل، بل مادة كفيلة بنهضة تعيد بناء الثقافة على أُسسها الأولى، وترفع البيت الشيعي على قواعد أرساها الشهيد الأول والثاني، والمحقق الكركي، والحرُّ العاملي، وصاحب المعالم، والشيخ البهائي، والفتوني وأمثال هؤلاء العظماء، انتهاء بالسيد عبدالحسين شرف الدين والشيخ عبدالحسين صادق… نجوم متلألئة في سماء التشيُّع، طمسها حزب الدعوة، وأمجاد تليدة طمرتها السياسة، ومفاخر باذخة أودى بها عبث وأتلفتها فوضى رفعت الأذناب وهوت بالرؤوس، وأخَّرت الأشراف وقدَّمت الأوباش…

    ومن الطبيعي أن تستفزَّ مثل هذه الحركة القوى المقابلة، ولا سيما الحزبية الحداثوية، التي تتحسَّب لأي منافس حقيقي وتهديد جدِّي قد يسحب البساط من تحت أقدامها. ولكن لما كانت مكانة السيد وما يتمتع به من صفات الزهد والتقوى، وأقصى مراتب سلامة النفس والنبل وصفاء الروح، إضافة لأدائه المتوازن، تمنع من قمعه وتحول دون إنهاء وجوده، لذا تقرر معالجة قضيته عبر المراقبة الأمنية والاحتواء السياسي، وذلك من خلال تطويقٍ يقطع الطريق على أي امتداد عملي للحراك، ومظاهر أو صيَغ تنفيذية للفعل والنشاط، ما يبقيه في إطار النظرية، والتدوين القاصر عن التطبيق، على الرغم من النجاح الكاسح في تلقيها، والتلهف في الساحة الشيعية عامة واللبنانية خاصة، الذي جذب القلوب إليها. ولكن يبدو أن الطرفين آثرا التنسيق والتفاهم، فتجنبا المواجهة وتحاشيا بروز الخلاف، الذي ظهر في أوجه أعقاب إصدار كتاب “مأساة الزهراء”، حيث أوفد السيد القائد مبعوثاً خاصّاً هو معاونه الأقرب إليه، السيد حجازي، فكان في منتهى الشدَّة والقسوة مع السيد جعفر، حتى رماه واتهمه بأنه أصدر كتاباً كله سباب وشتائم! ويحضرني كيف أسقط في يده لما طأطأ برأسه وأجاب بالنفي على سؤال السيد جعفر: هل قرأته؟ هكذا انتهى السجال سريعاً وانضبط عن التفلُّت والتفاقم، وللإنصاف فإن ذلك يعود لحكمة أظهرها الطرفان، فالسيد جعفر لم يكن يؤمن بالخصام ولا يريد الصدام، وحزب الله وافق وسمح للسيد بالنشاط العلمي دون العملي بطبيعة الحال… ومن هنا وقع الاختراق المنظم في حاشية السيد، سواء من قِبل الحزب أو من مكتب فضل الله، أو من الإيرانيين مباشرة، وصارت الأُمور وانتهت إلى تحكُّم وسيطرة شبه تامة على الحركة، ما أتاح لمختلف الأطراف وأفسح لها بمراقبةٍ تخفِّف احتقانها وتوترها، وتزيل هواجسها ومخاوفها، ولا سيما على صعيد خطر الاستقطاب الشعبي الذي كان يتهدَّد جميع الأطراف، ويحسب أن السيد سيعمد إليه. هكذا حوصر السيد بحاشية حسبت وحبست عليه الأنفاس، وضيقت عليه الخناق، ومنعته إلا من نشاط محدود لا يساوي عُشر طاقته واستعداده للبذل والعطاء. والحق أن السيد لم يقاوم ذلك، بل كثيراً ما كان يمتثل وينصاع…

    رحل السيد رضوان الله عليه إلى ربه، وبدأت من الساعات الأولى لتجهيز جنازته وتنظيم تشييعه، مساعي إطفاء الشعلة الفكرية التي رفع، وإخماد المنارة الثقافية التي أضاء، وطي هذه الصفحة التي ينذر بقاؤها بزوال كيانات القوم، ويتهدد استمرار مشاريعهم الإضلالية… وأخذت تتلاحق هذه المساعي وتتكثف، حتى بدأت مؤخراً إثارات تُلحِق السيد جعفر بمدرسة الضلال! وتقرن بينه وبين فضل الله في إطراء السيد الخامنئي وتملُّقه، وكأنهما وجهان لعملة واحدة، فيسقط من قمته، ويهوي إلى حضيض ترى فيه كلَّ متردية ونطيحة من العمائم التجارية الحزبية.

    المقرَّبون من السيد جعفر والبعيدون عنه على السواء، يعلمون ويعرفون جيداً، بالدليل والشهود والوجدان، بأن ما يُنسب إليه يدور في الكذب والافتراء، والهامش الضئيل والعام بمداليله التي لا ترقى لأدنى ما يرجون، كان تقية ومداراة، أو رعاية لمصالح عليا، لا قناعة ولا عقيدة. وما نحن فيه اليوم شاهد صارخ على الطوق الخانق الذي كان يحيط بعنق السيد رضوان الله عليه في حياته، وما كان يرزح تحت وطأته من الخيانة التي تعشعش في حاشيته، سواء في الذين ـ كانوا وما زالوا ـ يتلقون رواتبهم من حزب الله أو من فضل الله، فمن يسعى لإسقاط شخص السيد ومشروعه اليوم، لم يكن بالأمس صادقاً وهو يتحمَّس للولائيات التي يطرحها، ولا مخلصاً للثقافة التي ينشرها، إنما هي أدوار حانت بعضها، ولم يأن أوان بعضها الآخر.

    لم يكن السيد جعفر مرتضى حزبياً، ولا كان يحمل فكر ومشروع السيد الخامنئي، ومن نافلة القول أنه ما كان يُرجع إليه في التقليد… نعم، لم يكن السيد معارضاً للجمهورية الاسلامية، ولا كانت تحدوه رغبة في الاصطفاف ضدها وضد المقاومة وحزب الله، وهذا ما كان يراه تجاه حركة أمل ورموزها أيضاً.. كل ذلك من معطيات سياسية واجتماعية بحتة، تدور في فلك الحرص على الساحة الشيعية والتمسك بوحدة الصف واللحمة الإيمانية التي كان رحمه الله في منتهى الحرص عليها والحذر من المس بها، بعيداً عن أي رافد ديني يغذي هذا التوجه، أو منطلق عقائدي يؤسس لذاك ويدفع باتجاهه. إن عقائد السيد جعفر مرتضى واضحة وجلية في كتبه وأعماله، وهي لا تلتقي بنهج الجمهورية وعقائد السيد الخامنئي البتة، ولكنه كان يؤثر التقية، وهي التي حملته ـ على سبيل المثال ـ على سحب كتابه حول المسجد الأقصى من التداول، لمكانة الفكرة ومحوريتها في خط الجمهورية الإسلامية والمقاومة، وكذا بعض مراسلاته وحواراته العلمية العقائدية مع أقطاب النصارى، حذر إثارات لا يحبذها الحزب، ولو نشرت لقطعت الطريق على تعظيم الشيعة لأيقونات وتماثيل الكنائس، وأيقظت تلك المؤمنة المحجبة ونبهتها إلى حرمة حمل الصليب، وهول الوقوع في الشرك عند التوسل بقديس نصراني وطلب الحاجات بشفاعته.

    قيل لي بأن أفراداً سفهاء وعناصر هوجاء تتملق الحزب وتستجدي فضل الله، معدمة في تاريخها من أي جهاد، ومفلسة في ساحات العطاء، هي التي تزايد باسم السيد وتفتعل معارك تُكسبها حظوة هنا وهناك، دون تحريض وتدبير يكيد بالسيد ويستهدف اغتيال شخصيته… نرجو أن يصح منهم القول، وأن تقف القضية عند أهون الشريْن وأقلِّ الضررين.

  • في ميمية شوقي العصماء، التي عارض بها بُردة البوصيري فكانت نهج البردة، التي مطلعها “ريم على القاع بين البان والعلَم”، يمضي حتى يقول: “لو شفَّك الوجدُ لم تعذِل ولم تلُم”… قد تثبت بعض الأُمور ببراهين وأدلَّة، وتقوم عليها حُجج عقلية وشرعية، ولكنها لا تُدرك بكُنهها إلا بالوجدان، فلا يعرفها المرء حقَّ معرفتها إلا حين يعيشها بالذوق ويصيبها بالعرفان. ومن أجلى هذه الأُمور وأبرزها: الحبُّ. وهو حالة تنزل بالقلب وتسكن النفس، فتظهر بآثارها، وتُعرف بنتائجها ولوازمها، أما ذات الحبِّ وجوهره، فلا يوصف بوصف، ولا يحدُّ بحدٍّ، وكما قيل: إذا زاد الاستعجام والاستبهام، سقطت الحاجة إلى الاستغراق في الشرح والكلام!

    ويقع الخلط والخبط، وتنشأ الخلافات بين المؤمنين وتقوم النزاعات بين الملتزمين، وتعصف الفوضى بالساحة الدينية، عندما يغلب الحداثويين الإسلاميين جهلُهم، ويصرع الحركيين الحزبيين تخلُّفُهم، فهم من جهة يأتون الفكر ويعالجون قضايا الدين من نزعة شمولية تريد فرض رأيهم عبر نفس القبضة الحديدية والعقلية الإملائية والروح المستبدَّة التي فرضت قرارهم السياسي وأعملت معادلتهم العسكرية، حيثما بلغ نفوذهم وبُسطت أيديهم! ومن جهة أُخرى، ينطلقون من قراءة أُحادية لما يحسبونه رسالة الدين وجوهر الشرع المبين. والحال أنهم ـ في واقعهم ـ أبعد ما يكونون عن هذه المعارف، وأغرب الناس عن تلك الحقائق. حتى أنهم ما عادوا يتمتَّعون بالصفاء الذي تراه في العوام، فقد سلبهم اللوث الفكري فطرتهم، وكدَّرت الإلتقاطية طبعهم، وأودت السياسة والشيطنة بنقائهم، حرمتهم نصرتُهم الباطل التوفيق، وأسقطهم الإلتحاق بجبهة الضلال في التعس والشقاء… من هنا تراهم لا يميِّزون بين الإنسانيات والرياضيات، أو بين الاقتصاد والإلهيات. والمعضلة أن تقحم هذه في تلك، فتحاكم حدثاً وأمراً إنسانياً أو قضية إلهية، بقواعد حسابية أو موازين اقتصادية، فتضطرب المنظومة الدينية والفكرية حين تحكم تلك بأنَّ البذل والاقتطاع والأخذ والصرف من المال يُنقِصه، وتهتف هذه وتنادي بأنَّ الصدقة تُربي المال وتنمِّيه، وتعال عندها وجِد مكاناً لمفهوم “البركة” في عالم الرياضيات ودنيا الاقتصاد!

    من الطبيعي أن يستغرب أرباب الحداثة تعظيمنا وتفخيمنا مولانا أبي طالب، ولا يفهم دعاة الإصلاح والتنوير، من الحزبيين الإسلاميين، تبجيلنا وتكريمنا سيدتنا خديجة، ويستكثرون التزام المؤمنين إحياء ذكرى وفاتهما عليهما السلام، ثم لا يفهم عالِمهم ولا يدرك مثقفُهم سرَّ تعلُّقنا بالرثاء والبكاء، والإصرار على هوية البكائيين والتمسُّك بهذا الشعار الذي طبع الشيعة… فهؤلاء أبناء وربائب مدرسة مضطربة مشوَّشة، حسيَّة مادية، جافة متخشبة، بل وهابية مقنَّعة، لا يمكنها أن تفهم علل حركتنا وخلفيات أدائنا، ولا أن تستوعب منطلق ممارساتنا. وللإنصاف فإنَّ المعممين والكُتَّاب الذين تناولوا الأمر، هم مقلِّدون لا مخترعون مبتدعون، فالأمر صدر من قبل عن شخص السيد القائد، وأُملي في تعليمات صريحة قضت بحصر العزاء في عشرة عاشوراء، وعدم إقامة المآتم على غير الحسين من الأئمة الأطهار، وحتى الزهراء عليها السلام، فكيف بغير المعصومين!

    وقد تصدَّى فضلاؤنا وخطباؤنا جزاهم الله خيراً لدحض هذه البدعة، عبر الاستدلال بآيات وروايات، وتقديم مختلف الأدلَّة العقلية والشرعية، التي تثبت صحة عقد المأتم ورجحان البكاء، ونعْمَ ما فعلوا، وهو دور رسالي مأجور، يرجى أن يستنقذ بعض المستضعفين من براثن ضلالات القوم، ويربط على قلوبهم… وهنا وجه آخر للقضية ومنطلق مغاير للبحث، يأخذه إلى فضاء مغفول عنه، هو منشأ الشبهة ومردُّها عندهم.

    القوم ببساطة، لا يفهمون الحبَّ، ولا يعرفون العشق! فإذا ولج بعضهم في القضية وتدبَّر في الفكرة، وهو لم يعش الحبَّ فيتذوَّقه، ولا نزل به فغمر فؤاده وملأ جوانحه، ولا مسَّ سحرُه شغاف قلبه وأخذه إلى نشوته، أو قاده جمالُه إلى غبطته وبهجته، تراه أدرج الأمر في العاطفة التي يقابلها العقل، وخلص أنها نزوة ونهْمة تعارضها العفَّة والالتزام، وطيش وعبث ينفيه الوقار والاتزان… وخُذ ما شئت عندها من سخف وتخرُّص وهراء. ذلك أنَّ ما يسمُّونه “العقل” (وحاشا العقل عنه)، أزرى بهم، وأسقط عندهم الحبَّ من سامي كماله وعالي مقامه، وألقاه في أُفق عزاه إلى بواعث رديئة وأرجعه إلى أسباب مشينة، وأخذهم لتطبيقات معيبة ومصاديق سقيمة، مما تراه في قصص الحبُّ وحكايات الغرام، العذري منه وغير العذري!

    الإخوة من الإسلاميين الحزبيين وعموم الحداثويين، بعد كونهم أغراباً عن مفهوم العشق الإلهي، فهم متخلِّفون عن تصديق آثاره، عاجزون عن استيعاب بلوغ المؤمن هذا الحد والمضي في هذه الدرجة من حبِّ آل محمد! قاصرون عن حقيقة كونه إكسيراً جُبِلت طينتنا وعُجنت بمائه، وفُطِرت أرواحنا واستوت أبداننا وسلكت الدماء في عروقنا عليه. وأنه سرُّ خلقنا، وقائد حركتنا وسائق هدينا إلى ديننا، وأن آل محمد هم الإيمان الذي حبَّبه الله إلينا وزيَّنه في قلوبنا، كما كرَّه إلينا أعداءهم ومناوئيهم، الكفر والفسوق والعصيان. غرَس ذلك في فطرتنا ومزجه في وجودنا. بهذا، لا بغيره، وإن كان ذُرى العبادة والطاعة، وأقاصي الحراك والنضال والجهاد، جعلنا مفلحين منجحين راشدين.

    هذا هو حبُّنا وهوانا، وغرامنا وجوانا، والقوم يتحدَّثون عمَّا يعرفون من حُبٍّ، عن الدنيا وما زُيِّن فيها من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسوَّمة والأنعام والحرث! نحن نرمي “الإيمان” ونتعلَّق بأغصان “طوبى” ونريد “حُسْن مآب” فنبكي ونتحرَّق ونصبو ونلتاع، وهم يقصدون الشهوات فينكرون ويقبِّحون! نحن نتقطَّع شوقاً لسبُحات وجه الله، ونهيم على وجوهنا حسرة على فقد الحبيب وبحثاً عن الدواء والطبيب، لنُسعده بحنين ونحيب، ونشدو معه بأروع غزل ونسيب: “ليت شعري أين أستقرت بك النوى، وأيُّ أرض تقِلُّك أو ثرى.. عزيز عليَّ أن أرى الخلق ولا تُرى، ولا ينالك مني ضجيج ولا شكوى.. هل من معين فأُطيل معه العويل والبكاء؟ هل من جزوع فأُساعد جزعه إذا خلا؟”… وهم يحسبون للأمر بمعطيات الحسِّ ومعايير المادة، ويتحرَّون موقعه في ميزان القوة وحظَّه من العديد والعدَّة، وينظرون دوره في الاقتصاد ومكانه من الحكومة وقربه من السلطة وشركاء البلاد! فحقَّ عليهم القول: “دَعْ عنك تعنيفي وذُقْ طعم الهوَى، فإذا عشِقتَ فبعد ذلك عنِّف”! بل دع عنك ابن الفارض وشوقي، وهلمَّ إلى صبٍّ متيَّم بالحقِّ، فقيه محدِّث، عارف كامل، فيلسوف متكلِّم، طبيب كيميائي، وفلكيٍّ رياضي، هو البهائي العاملي، ينشد: “يا أخلائي بحزوى والعقيق، ما يطيق الهجر قلبي ما يطيق، هل لمشتاق إليكم من طريق، أم سددتم عنه أبواب الوصال؟ لا تلوموني على فرط الضجر، ليس قلبي من حديد أو حجر، فات مطلوبي ومحبوبي هجر، والحشا في كل آن في اشتغال. مَن رأى وجدي لسكان الحجون، قال ما هذا هوى هذا جنون، أيها اللوَّام ماذا تبتغون؟ قلبي المضني وعقلي ذو اعتقال”.

    نحن يا هؤلاء متيَّمون، شغفنا هذا الحبُّ، أنزل بنا صبوة وكلَفاً، وصيَّرنا في عشق وجوىً، وخلَّفنا في وَجَد وغرام، وألقانا في وَلَه وهيام… إنه عندنا “التابوت”، نتوارثه سلفاً عن سلف، وخلفاً بعد خلف، فيه الإيمان والسكينة والطمأنينة، وبقية من آل محمد، عهد وميثاق في الذَّر عقدناه وأبرمناه، وفي الدنيا جدَّدناه والتزمناه، تحمله الملائكة، وتحفظه جذبةٌ عرضت لنا في الأظلَّة والأنوار، من ومْضةٍ أنارت عقولنا، وقبَسٍ لاح لبصائرنا، فاحتملته أرواحنا، ليشعل فينا جذوة العشق، فغدا وهجه ضياءً، وأنفاسَ قُدسٍ تبعث فينا الحياة، ونسائم روْح تلفح وجوهنا، وضوْع عطر وعبقَ طيب يضمِّخ أجسادنا، ثم نوراً يبدِّد الظلام من حولنا، ومصباحاً يقشع الأسواء ويجلي الضرَّاء، وزجاجة فيها إكسير يُسري النجابة والطهر، وقارورة ترياق يزيح الرجس وينفي الكدَر، وعوذة تشدُّ أعضادنا، وتميمة تدفع الكيد والشر… طاب لنا أن نكون خدَّاماً لهم وعبيداً أرقاء، لكنهم أبوا إلا أن يحرِّرونا عتقاء، ويأخذوا بأيدينا نحو السماء، قد أُوتينا هُدانا، فيمَّمنا شطرهم، ورحنا نطوف مع الملائك في البيت المعمور حولهم، وفي الأرض نمشي في مناكبها، نتحرَّى مواطن الجمال ونستقصي مظاهر الجلال، لنقبِّل ذا الجدار وذا الجدار، ننهل من معين وصلهم، ونشرب نميراً من زمزم عشقهم، وقد ملكوا منَّا القلوب والأرواح، واستغرقنا في حبُّهم، واضمحلَّ وجودنا، وذاب كياننا، وانتفى كلُّ كبر وغرور وإنيَّة وأنانيَّة، فصرنا نلاحق شؤونهم ونتتبَّع متعلقاتهم… من أسماها في تعاليمهم وأحاديثهم، إلى أدناها في آثارهم المحسوسة، وكلُّها عالية سامية.

    وكما أن موالينا صلوات الله عليهم لا يرون شيئاً إلا رأوا الله قبله وبعده وفيه ومعه، صرنا نحن لا نرى شيئاً إلا من خلالهم، ولا نحسب لأمرٍ أو لأحَد شأناً وخطراً إلا بمقدار قربه منهم، فبتنا في حضرةٍ لا واردَ فيها غيرهم، وقد أذن لنا الله أن نرى في بيوتهم ما رأى الملائكة على العرش، فانعقدت ألسنتها وغلبها البهت وغدت في البُهم الصافين الحافين! فإذا غلبَنا أمر معاشنا، وأنزلتنا طبيعة الدنيا من عليائنا، فهذا لا يخرجنا من عشقنا، فما زلنا لا نرى زيناً إلا إذا كانوا فيه، ولا نحسب الأمر شيناً إلا إذا زايلوه وخرجوا منه وعنه… بل نحن لا نرى شيئاً سواهم ولا نحسب لشيء غيرهم! لا نلتفت للحطام ولا نبالي بالأعدام، ولا نكترث بخرق والتئام ما دمنا في هذا الإحرام، إنما ندرج الأُمور والحوادث، والأفراد والأشخاص، على قدر معرفتهم واتصالهم بمعشوقنا، فلا نضال يعنينا ولا جهاد يغرينا ولا انتصارات تبهرنا ولا بطولات تغوينا، ولا زعماء وقوارين، ولا قادة وسلاطين، ولا عمائم شياطين، كلهم سواء، وفي ميزان العشق هباء، حكاه الباري في وحيه لحبيبه “وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً”… نحن لا نبتاع ملككم وسلطانكم وجيوشكم وأسلحتكم بدانق مثقوب، ولا يساوي ذلك كلُّه عندنا شروى نقير، ولَسعفَة جافة نوقِد بها لقِدْر نطبخ فيه طعاماً لزائر، ونعدُّ به زاداً لمعزٍّ جازع ، خير مما تجمعون، بفضل الله هذا وما آتانا نفرح، وأنتم بهديتكم تفرحون. إنه زهو مَن حمل إكسيراً يقلب الصفر إبريزاً، ويجعل التراب في وادي النمل جوهراً وكبريتاً أحمر، فقد دخلنا لُجَّة بحر محبَّتهم، وغمرنا طمطام يمِّ عزَّتهم، وصرنا في فضاء سعة ولايتهم، تغشى وجوهنا لمعات القرب من آثار حمايتهم، مهابين بهيبتهم، معزَّزين بعنايتهم، مكرَّمين بتعليمهم وتزكيتهم… بهذا لا بغيره نفخر. وللعاذل أن يلوم ويعتب، وللجاهل أن يقبِّح ويعنِّف، وللمنافق أن يجحد ويكذِّب، فموعدنا معهم ساعة يبدِّل الله سيئاتنا حسنات، وتنادينا الحور إلى الأنهار والقصور، فنعرض عنها إلى رضوان من الله أكبر، محدقين بسيد الشهداء حلقات.

    من هنا نحن لا نعرف قادتهم، ولا نتعرَّف على زعمائهم، ولا نعظِّم كبراءهم، ولكننا نعرف فرسا حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وآله: المرتجز والسكب، ونوقه الثلاث: العضباء والصهباء والديباج، وبغلتيه: الشهباء ودُلدل، ونعرف حماره اليعفور، وشاتيه الحلوبتين، وأسيافه الأربعة: المخذَّم والرسوم وعوناً وذا الفقار، وعمامته السحاب، وحَبْرتيه اليمانيتين، وخاتمه الفاضل، وقضيبه الممشوق، وعباءتيه القطوانيتين، وقلانسه اليمنيَّة والبيضاء والمصريَّة ذات الأذنين التي كان يلبسها في حروبه، وعنزة كان يتوكَّأُ عليها ويخرجها في العيدين فيخطب بها، وقصعة تسمَّى السَّعة، وقعباً يسمَّى الرَّي، ونعرف درعه ذات الفضول، وقد تدرَّع بها عليٌّ  يوم الجمل، بعد أن شدَّ بطنه بعقال أبرق نزل به جبرئيل من السماء، كان النبي صلَّى الله عليه وآله يشدُّ به على بطنه إذا لبس درعه. ونعرف له مخاداً من أدم، يستند عليها في مجلسه ويتوسدها إذا نام، صارت ـ مع بقية تركته ـ إلى فاطمة عليها السلام، ما خلا درعه وسيفه وعمامته وخاتمه، فإنه جعلها لأميرالمؤمنين… فيا عجباً، قبلوا الإرث هنا وأنكروه في العوالي وفدك!

    نعرف هذا ونلاحقه، نتبرَّك به ونقدِّسه… ثم يستغرب جهول تعظيمنا عمَّه الأعظم وكافله المعظَّم؟ ويستكثر البكاء على نبعة نسله وأصل ذريته، خديجة الكبرى أم الزهراء والأئمة الأطهار، ويرفض إقامة العزاء على فقدها وعقد المأتم حزناً عليها؟! إنه الشوق يا هؤلاء، إنه ما عرفنا من الحقِّ، وقد مسَّ الرهبان النصارى طائف منه، غلبهم الشوق إلى بُشرى توارثوها، فرأوها تتحقَّق في القرشي الهاشمي، ففاضت أعينهم رقة ورحمة…

    لزفرة أطلقها أبوطالب على ابن اخيه، حين نظر إليه، يشدُّ حجر المجاعة على بطنه في الشِّعب، تفوق عندنا القدس والعروبة، والأوطان والبلدان، والعالم كله، بل الأرض والمجرة والنجوم وما فيها! وكذا دمعة أراقها رسول الله على عمه الحمزة لما وضعت أوزارها أحد، ونفثة مصدور أو نفس مهموم تنهد به على ابن عمه الطيار.

    ليتكم رأيتم جمال الأكبر يخطر بين الصفوف، ويتلاعب قبل الأعداء بقلب عمته وأبيه! أو اكتويتم بدموع ليلى، أو عرفتم ماذا يعني جفاف ريقٍ تنبع منه وتنساب أنهار الجنان، آه لو وقفتم على زفرة: “على الدنيا بعدك العفا”، هبَّت فأعدمَت الحياة في نسل الأعداء وأعقابهم إلى يوم يبعثون، وقطعت كلَّ سبيل لهم إلى التوبة والإنابة، فلا أمل ولا رجاء؟! آه لو سمعتم هزج الملائكة تعدِّد مع أم البنين، وشهدتم نفير السماوات لما خاض العباس الفرات، ثم جزعها من سهم القربة وعمود الهامة! آه لو رأيتم اضطراب الملكوت الأعلى والطست في طريقه من القصر إلى الخربة، وكيف كانت الملائك تطفر جزعاً من لوعة رقية؟! ليتكم تعلمون كم نأنس بوسم اللطم على صدورنا! آه لو تذوقون نشوة جرح القامة في رؤوسنا، ولذَّة نزف الدماء من هاماتنا وظهورنا؟! ليتكم عشتم بعض ما حمل ذاك الفلاح الفقير ودعاه أن يقتر على عياله ويضيق معاش أطفاله، ليدَّخر ما يستضيف به زوار محبوبه! نحن يا هؤلاء نموت لنحظى بخيط من جبةٍ لامست بدن الرضا حظى بها دعبل… وأنتم تستكثرون بكاءنا على لُحمة رسول الله وعترته! قل يا أيها السياسيون لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين.

  • قيل للنملة: إن الأرض تدور حول نفسها، فلعلك تصابين بدوار! فضربت برجلها ونادت غاضبة: لأوقفنها. وبال طفل في نهر نياغارا، فحسبت أُمه أن الشلالات هناك من إدرار وليدها، وتنهد متأفف ضجر، خرج إلى شاطئ المحيط الهادئ في البيرو، فخال أن التسونامي في اليابان من نفخته.

    في عالم التعيُّنات الوجودية العلمية، عند نهاية “العماء” الذي لا يدركه فكر ولا يتعلَّق به اسم أو صفة أو رسم، كان أول الظهورات، سواء من الغيوب كالعقول والأرواح والنفوس، أو الشهادات كالأجسام والأفلاك، هو الصادر الأول والعقل الكل والحقيقة المحمدية، فالحق لم ينعزل عن الخلق إذ لا تعطيل، ولا مغلولية ليد الجليل، كما لا تداخل وحلول يفضي إلى التشبيه ويخلُّ بالتنزيه، بل توحيد في صميم التجريد.

    في “مصباح الهداية” للسيد الخميني: [إنَّ الأحاديث الواردة عن أصحاب الوحي والتنزيل في بدء خلقهم عليهم السلام وطينة أرواحهم، وأنَّ أوَّل الخلق روح رسول الله وعليٍّ صلى الله عليهما وآلهما، أو أرواحهم، إشارة إلى تعيُّن روحانيتهم التي هي المشيئة المطلقة والرحمة الواسعة تعيُّناً عقليّاً، لأن أوَّل الظهور هو أرواحهم عليهم السلام. والتعبير بالخلق لا يناسب ذلك، فإنَّ مقام المشيئة لم يكن من الخلق في شيء، بل هو “الأمر” المشار إليه بقوله تعالى: “ألا له الخلق والأمر”، وإن أُطلق عليه الخلق أيضاً، كما ورد عنهم “خلق الله الأشياء بالمشيئة والمشيئة بنفسها”. وهذا الحديث الشريف أيضاً من الأدلة على كون المشيئة المطلقة فوق التعيُّنات الخلقية من العقل وما دونه]. ويقول رحمه الله في “شرح دعاء السحر”: [وهو المشيئة المعبَّر عنها بالفيض المقدَّس، والرحمة الواسعة، والاسم الأعظم، والولاية المطلقة المحمدية، أو المقام العلوي، وهو اللواء الذي آدم ومن دونه تحته، والمشار إليه بقوله: “كنتُ نبياً وآدم بين الماء والطين، أو بين الجسد والروح”، أي لا روح ولا جسد، وهو العروة الوثقى والحبل الممدود بين سماء الإلهيَّة وأراضي الخلقيَّة، وفي دعاء الندبة قوله عليه السلام: “أين باب الله الذي منه يؤتى، أين وجه الله الذي يتوجه إليه الأولياء، أين السبب المتصل بين الأرض والسماء” وفي الكافي عن المفضَّل قال: “قلت لأبي عبدالله عليه السلام: كيف كنتم حيث كنتم في الأظلَّة؟ فقال: يا مفضل كنَّا عند ربِّنا ليس عنده أحد غيرنا، في ظُلَّة خضراء، نسبِّحه ونقدِّسه ونهلِّله ونمجِّده، وما من ملَكٍ مقرَّب، ولا ذي روح غيرنا، حتى بدا له في خلق الأشياء، فخلق ما شاء كيف شاء، من الملائكة وغيرهم، ثم أنهى علم ذلك إلينا”. والأخبار من طريق أهل البيت عليهم السلام بهذا المضمون كثيرة].

    الحسين القادم من “هناك”، والشاهد لما وقع في تلك الحضرة، التي يورث تصوُّرها البهت والبكم، ويلقي المتفكِّر في حيرة وذهول، فإذا خرج منه عاد إليه، حتى تندك الجبال ويخر موسى صعقاً. وسيد الشهداء لم يحضرها ويشهدها فحسب، بل كان من أبطال العرصة وصنَّاع الحدث، المندكين في النور المحمدي، فالأربعة عشر كلُّهم نور واحد وحقيقة في ذوات متعدِّدة، حضر عليه السلام ما جرى في الصقع الربوبي أول ما تشعشع وأفاض، والفيض أزلي سرمدي، فلتجر سفينتك هنا ما حملها بحر تعقلك. الحسين الذي به يكشف الله الكرب، وبه ينزل الغيث، وبه تسبِّح الأرض التي تحمل بدنه، وتستقر جبالها عن مراسيها، الحسين الذي إرادة الربِّ في مقادير أموره تهبط إليه وتصدر من بيته، والصادر عما فصِّل من أحكام العباد. الحسين القادم من ذاك العالم الملكوتي والوجود الجبروتي، الذي منَّ الله علينا به، فجعله في بيوت أذن أن تُرفع ويذكر فيها اسمه، وجعل صلواتنا عليه وما خصَّنا به من ولايته، طيباً لخلقنا، وطهارة لأنفسنا، وتزكية لنا، وكفارة لذنوبنا… هذا الحسين، المتجلبب بهذه العظمة التي ترى، وما خفي أعظم، صار مَدِيناً لحزب سياسي ظهر أواخر القرن العشرين الميلادي، بعد آلاف أو عشرات آلاف السنين من نزول آدم إلى الأرض، حزب نسب نفسه إلى الله، ولعلَّه أُسس على تقوى، لكنه ـ بلا أدنى شك ـ مضى على ضلالة وسقط في غواية وهوى في تيه، وصار في كِبْر وزهْو، وبات في غطرسة وطغيان، فأمسى حليفاً للسلطان، وأضحى ولياً لإبليس، وأصبح حزباً للشيطان!

    الحسين الذي نزل في النشأة الدنيوية وحلَّ في عالمنا، هو الذي أقسم الله بعزَّته وجلاله أنه ما خلق سماءً مبنية، ولا أرضاً مدحيَّة، ولا قمراً منيراً، ولا شمساً مضيئة، ولا فلكاً يـدور، ولا بحراً يجري، ولا فُلكاً يسـري، إلا لأجله وفي محبته… صار منتهَك الكرامة، مُراق ماء الوجه، لولا جهاد هذا الحزب! ولولا بطولاته وصواريخه وطائراته المسيَّرة، لتبدَّدت دماء سيد الشهداء وضاعت في “رمال” كربلاء!

    الحسين الذي تلوذ الملائكة بمهده، ويعوذ الخلائق بقبره، الذي برجاء حياته حييت قلوب شيعته، وبضياء نوره اهتدى الطالبون إليه، الحسين نور الله الذي لم يطفأ ولا يطفأ أبداً، ووجه الله الذي لم يهلك ولا يهلك أبداً، الحسين الذي أتته زمر الملائكة، وانحدرت عليه أفواج الجنِّ تطلب نصرته، فلم يأذن لها… يزعم حزب الله أنه حفظ كرامته أن تذهب، وعزَّته أن تزول، وماء وجهه أن يراق ولا يبقى!

    الحسين الذي يقبِّل الكُمَّلُ أعتابه، ويتمسَّح العظماءُ ببابه، ويتمرغ الأوتاد في ترابه، وفي سبيله يلطِّخ قمم العلم والورع والرئاسة أمثال البروجردي وجوههم بالطين، وفي حبِّه يطفر أمثال بحر العلوم في ركضة طويريج كالمجانين، ويعرِّي أمثال القمي صدورهم ويدخل في اللاطمين، ويفلق أمثال الدربندي هاماتهم ليحسب على الجازعين… يهوي به حزب الله ويستخف، حتى يمنَّ عليه، ويظهر نفسه منعماً متفضلاً ومحسناً إليه!

    وإنما يلحق الحكم الحزب، مع إن الفعل والجرم من عضو واحد فيه، لأن الأسس والأصول الحزبية تقرُّ بمبدأ التضامنية والتكافلية، فالحزب عصبة واحدة، يحمل أعضاؤه تبعات أفعال بعضهم. ثم للنصرة التي أولوها المجرم، والحماية التي وفَّروها للجاني، والعون والنهضة التي فزعوا إليها، بدل أن يضربوا على يده، ويحملوه على الإعتذار.

    عزَّ علينا أن نتخذ هذا الموقف، ولكن ما الحيلة ونحن على مفترق لم يترك لنا خياراً غير التبري من الضلال، فإن كنتم خالدون، فنحن لا محالة ميتون، وفي العالم القادم لا عباس الموسوي ينفعنا، ولا صبحي الطفيلي، ولا حسن نصرالله، فهؤلاء إن لم يكونوا أسوأ حالاً منَّا، فهم مثلنا يبحثون عن شفعاء… كل الأمل في دمعة على سيد الشهداء، وصرخة تردُّ أباطيل المتنكرين له، ووقفة أمام المنقلبين عليه.

    التحليلات كثيرة في حصار الحزب والكيد والمكر به، والأقوال أكثر في سقوط العملة وانهيار الاقتصاد وفقر الناس والبلاء والوباء، ولكننا هنا نلاحق أسباب انقطاع المدد الإلهي، وأسرار تعطُّل الغوث الرحماني، وعلل إعراض ولي الله عن فئة تستخف به وتغيِّبه وتهوي بولائه وتنحدر إلى حدود الاسم والدعوى، ثم تتخلى عن هذا أيضاً وتلاحق وهماً يصنع لها مجداً دنيوياً وعزاً ظاهرياً…

    من المؤلم أنَّ هذا الانحدار صار نهجاً وثقافة في أداء الحزب وسيرته، فلا نكاد نفرغ من ضجة حول سقطة عقائدية، حتى تلحقها أخرى، ولا ننتهي من هتك لمقدس، حتى يُشرع في تالٍ جديد، وكأن قراراً سرياً يجري تنفيذه، يأخذ الحزب إلى هوية بعيدة عن التشيُّع، ومُفارقة لأوليات الولاء. ولعمري سيطول وقوف السيد حسن أمام الشهداء الذي سقطوا في هذا الطريق، وسيواجهونه بالقيم والمثُل والفلسفة التي حملتهم على الجهاد والشهادة، فثكلت الأمهات وفجع الآباء وتيتم الأبناء وترمَّلت النساء، وكل آمالهم أن تبيَضَّ وجوههم أمام الحسين والزهراء، وإذا بقائد الحزب يصبح حسين العصر، وولي فقيهه علي الزمان، وإذا بالإمام الذي بيمنه رزق الورى وثبتت الأرض والسماء هو بحاجة إليهم، وهم الذين يخلعون عليه مكانته أو يحفظون له كرامته!

    هنا قتل الدين وذبح المذهب، بل هتك العقل وذهب الوقار! لما جاء مسكين مكتوم الأجل، مكنون العلِل، محفوظ العمل، تؤلمه البقَّة، وتقتله الشرْقة، وتنتنه العَرْقة، هوى بضعفه وعجز عن الطلب كما الذباب والأرباب… جاء ليخلع العزة على ولي الله الأعظم، ويهب الكرامة، أو يحفظها لمن يدير الكون بيده! وما زال التعس يغالب، يرفع إلهاً ويعلو بوثن، يتملَّق زعيماً ويتذلل لرئيس، والآية تلاحقه: “يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إنَّ الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب”… هنا، في ظلال هذا الأداء، استبيحت الكرامة وتسافلت القيم، وسقطت الأقنعة، وهلكت الوجوه وذهبت العزة وانماث الإيمان.

    دع عنك بعوضاً يطنُّ على وضَر، وصعاليك صاروا منظِّرين، وعمائم يُزكم نتنها الأنوف، ومساكين يسعون لتأمين أرزاق عيالهم فباتوا فلاسفة، يلتمسون أعذاراً للثلج في برودته، ويشكون للنار حرارة وللحجَر صلابة، ويستخرجون مبررات من مؤخرات القرود، وحقاً في آلهة البوذيين والهنود… فالحقيقة أنَّ الحزب في هذا معلِن مجاهر، صريح غير مُداهن، وإن وزَّع الأدوار، فكان فيه مُستخف أسرَّ القول، وسارب متجاهر بالنهار، لكن لا ريب أنَّ هذه العقائد باتت هي رسالته، والحداثوية هي فكره ونهجه، وقد حشد لها “شعراءه” وأطلقهم، وكما كان الشعراء في صدر الدعوة الركن الإعلامي الأكثر تأثيراً، يرفعون بمدحهم الأراذل، ويسقطون بهجائهم الأماجد، ويأبِّنون برثائهم الظلَمة، ويزيِّنون بوصفهم الباطل، ويحرِّفون بدعوى الحكمة الحق، يغوون بالغزَل ويضلُّون بالفخر، كذلك يفعل اليوم الذباب الألكتروني، وتزاول الفضائيات، وتشتغل الأقلام المأجورة، وتتعاطى العمائم الخاوية، تراهم في كلِّ وادٍ يهيمون، ويقولون جزافاً، وزندقة يفعلون. والحزب ماضٍ في ذلك بأداء تصاعدي لا يسمح لشيء أن يعيقه أو يضعف من وتيرته، يحدوه قرار واضح يروم طمس الهوية لصالح اللامذهبية، وركيزته الأولى في ذلك مسخ الولاء والتشكيك في الفضائل وإسقاط كل ما يميِّز المعصومين الأطهار، وأيسر سُبله إقرانهم الأنوار الإلهية بنماذج هابطة، أو بصوَر ووجوه عادية، يشهد الناس تدنيها و”بشريتها” الموغلة في العجز والضعف، والمفرطة في الفقر والحاجة، وهو أداء يمضي بمكر ودهاء، وغرور واستعلاء، وما زال ينحدر بعقائد أتباعه ويتراجع، حتى صاروا يبحثون في الأوليات، ويشكُّون في الثوابت، ما غيَّر الأُسس والركائز، وقلب الحرُمات وبدَّل المقدَّسات، وعبث ما شاء في الدين، وبدَّل في المفاهيم وزحزح اليقين!

    ولعلَّ أجلى برهان على هذه الحقيقة، يُسقط حجة من يدَّعي ـ بسذاجة أو مواربة ـ معذورية الحزب، بفلتان الساحة، والقصور عن ضبطها، وصعوبة ملاحقة العناصر التي يصدر منها هذا الضلال… تعاطيه في القضايا السياسية، وجدِّيته في معالجة الأخطاء التي تقع فيها، وحزمه وجزمه في تصحيح المسار، ومن قبيل ما جرى في قضية نواف الموسوي وهو نائب في البرلمان، تطاول على بشير جميل زعيم حزب الكتائب، الذي كان قد تولى رئاسة الجمهورية برعاية صهيونية، فأُجبر الموسوي على الاستقالة لما أبى الإعتذار، وتولى رئيس كتلة الوفاء للمقاومة عنه الإستغفار، كلُّ هذا لأن الأمر مسَّ صورة حزب الله أمام السياسيين في لبنان، وأظهره حاداً شديداً متطرفاً، فلا أقيلت عثرة الرجل ولا غفرت زلَّته… أما مقدَّسات المذهب وحرمات الله، ومقام الأئمة الأطهار من آل محمد، ومن قبل ظلامة الزهراء التي عقدوا عليها صفقة سوداء، فلا بأس بأن تنتهك وتبتذل، بل يصدر الأمر للذباب والعمائم الخاوية بقرع طبول الترهيب، لإرعاب الأحرار الغيارى، وثنيهم عن الدفاع عن مذهبهم!

    قد تسعف الإحصائيات الحزب في شعبيته، وفي حجم مستودعات أسلحته وذخيرته، وعموم عديده وعدته، فيظهر في نفوس قادته قوياً منتصراً، بل مكتسحاً… ولكنهم في غفلة عن أن القلوب بيد الله، يقلبها بين لحظة وأخرى، فينصرف الناس عنهم وتزهد بيئتهم فيهم. انظروا أين كان فضل الله في بلاد الشيعة وأين صار؟ وكم ارتفع طير الحيدري وكيف وقع. وأنتم على الإثر والتبع! للبيت ربُّ يحميه، سيسقط إيران والحزب وكل من ينخر في داخله ويعاديه، أما نحن، إن أفلحنا ونجونا، فكلاب في هذي المضارب، ننبح مَن يدنو من الحمى، ونطارد من يندس ويتوغل، بهذا نعتز ونتشرف.

    “من كنك خواب ديده وعالم تمام كر، من عاجزم زكفتن وخلق از شنيدن”.

    أنا أبكم رأى مناماً، والعالم كلُّه أصم، أنا عاجز عن النطق، والخلق عن السمع!..

  • ليس الأمر ابن يومه ولا وليد ساعته. فهناك بغضٌ متأصِّل وحقد دفين، إحَنٌ وأضغان وغلٌّ، جاء من حسد، شحَن الصدور وأوغرها بما ضجَّت منه السماء، حتى أنزل الله “أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله”، أو من غَيْرة وانقباض، ونفور واشمئزاز، طالما ملأ القلوب وغمر النفوس، لتميُّزٍ رفعَ هذا البيت، وتفوُّقٍ شرَّفه، ونزاهة أعزَّته وسؤدد عظَّمه… فالسقاية والرفادة لهم، وزينة دار الندوة بهم، وعفَّة المناكح وطهارة الموالد والنجابة فيهم، حتى التعالي والترفُّع عن مآكل القوم وطعامهم من خشاش الأرض وهوامها، ضِباب ويرابيع وقنافذ، حيات وجعلان وخنافس، بجَّة وفصيد، قِدٌّ وورق، ومنكَر وطرَق. من هنا ما انفكوا يكرهون بني هاشم، ويتحيَّنون فرَص تفريغ أحقادهم، حصاراً في الشِّعب ومقاطعة، وملاحقة أفضت إلى ترك الوطن والهجرة، وما فتئت الأحقاد تستعر، تذكيها الحروب والغزوات، ويعمِّقها الظفر والانتصارات، ما ورَّث القوم أحقاداً بدرية وحُنينية وخيبرية، ما اشتفوا منها بعد السقيفة إلا في كربلاء، وما سكنت يوماً أو انطفأت إلا في احتفالات البغي ومهرجانات الشماتة في الشامات، وشعار “دفناً دفناً”. وهو فصل يطول، يلخِّصه قول أبي سفيان حين سمع الأذان: “لله درُّ أخي بني هاشم، انظروا أين وضع اسمه! فردَّ عليٌّ عليه: أسخن الله عينيك يا أبا سفيان! الله فعل ذلك بقوله عزَّ من قائل: ورفعنا لك ذكرك”، ومن بعده قول خلفه: “ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذِكره، إلا أن يقول قائل: أبوبكر! ثم ملك أخو عدي، فاجتهد وشمَّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: عمر. وإن ابن أبي كبشة ليُصاح به كلَّ يوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول الله! فأي عمل لي يبقى، وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك! لا والله إلا دفناً دفناً”. هناك عداء مع ذات محمد وشخصه، بغضٌ لآله وكُره لذريته، تلحظه من بدايات الدعوة في مقولة “لولا نزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم”، إلى آمال العاص بن وائل وقوله “دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره “، حتى مقولة “كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فتجخفوا جخفاً”. ولا أجلى من نداء عمر بن سعد في عاشوراء “هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتَّال العرب”. وما زالوا يحملون ما حملوا، ويفعلون ما فعلوا.

    هناك، في الاستراتيجية التي وضعها الشيطان ورسمها اللعين الرجيم، مع بواكير الدعوة، في تلك الحقبة الحساسة الدقيقة التي انطلق فيها الصراع بين الطرفين في العمق العميق، واستعر في الجذر الضارب السحيق، راح كلٌّ يضع خطَّته وينظِّم جبهته، يدعِّم كيانه ويُحكم بنيانه، فكان أول ما عمد إليه  النبي صلى الله عليه وآله في جبهة الحق، أن أرسى أعظم قواعده، ورفع أجلَّ وأخطر ما يشيِّد بيته ويبني حزبه، حين عقد البيعة لأميرالمؤمنين، لما أنزل الله “وأنذر عشيرتك الأقربين”، فجمع صلى الله عليه وآله بني عبدالمطلب، أنذرهم وبشَّرهم، وعرض عليهم: أيُّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي؟ فأحجم القوم وسكتوا، فأعادها ثلاثاً، كل ذلك يسكت القوم، ويقول عليٌّ أنا يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وآله: إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع!

    قد يكون أبولهب هنا مستخفّاً بالأمر من غرور يسكنه، وجهالة تعتريه، لكن دهاة القبائل وفراعين الأُمة من أمثال أبي جهل وأُمية بن خلف والعاص بن وائل وعتبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط والحكم بن أبي العاصي، والنضر بن الحارث، وعموم صناديد قريش وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب، كانوا من أخطر الأبالسة وأعتى الشياطين، وزمرة شكَّلت حزباً خطيراً يدبِّر أمره ويدير دفَّته مباشرة إبليس الرجيم بنفسه، فرسم لإسقاط الدعوة واغتيال النبي (ليلة المبيت وليلة عقبة هرشا)، وخطَّط لحروب وحاك مؤامرات، وكلُّها خطوات وإجراءات (تكتيكات) اقتضتها المرحلة وفرضها الحال.. لكن الأهم الأخطر هو ما وضعه في خطَّة هذا الحزب ورسم له في نهجه على المدى البعيد (الاستراتيجية)، واتخذه من إجراءات وأحكمه من تدابير، ولا سيما مع توالي الإنتصارات، وظهور الأمر في الانتشار والثبات، وتحوُّل الإسلام إلى حقيقة واقعة، بل متطلِّعة واعدة.. وهذه نُذر سيطرته على الجزيرة العربية، بل العالم، تترى، وأمارات الظفر والغلبة تتعاقب وتترادف. ولم تكن الخطة ساذجة تحكي تخلُّف العصر وبداوة القائمين عليها، بل كانت تحمل فكراً استلهم من ممارسة متأصلة وخبرة موغلة في القدم، بدأت مع الخلق، وترسَّمت مع نزول الإنسان إلى الأرض، وعكست تجارب أُمم وشعوب ودول وحضارات، ما زالت تقوم وتزول، وتنهض وتسقط، وتعيش وتندثر، وديانات ما برحت تُزيَّف وتنحرف، وتضلُّ وتنجرف… خلص الشيطان من كلِّ ذلك واستلهم، فكان أعمق ما في الخطة التي أعدَّها لمواجهة الإسلام، وأخبث ما ادَّخره لذلك، وأخطر ما في تدبير حزبه وتنظيم أوليائه الذي رسم كيفية الالتفاف على محمد وأهل بيته، يدور في محورين، ويندرج تحت عنوانين: الأول عدم شخصانية الدين، والثاني الإنفراد بالقرآن الكريم!

    كل مَن تراه ينادي بقيَم الإسلام ومبادئه ويطرحها نظريةً مجرَّدة، كل مَن يبكي مُثُله الإنسانية الراقية وتعاليمه الأخلاقية السامية، ويندب أحكامه الغراء وشريعته السمحاء قائمة بذاتها، مستقلَّة عن الآمر بها والنادب إليها، منفصلة عن الساعي فيها والدليل عليها، وكل مَن يتحرَّق على رسالته وأهدافه بمعزل عن قائده، ويجاهد ليُقصي عنه ذوات حملته وينحِّي أشخاص أئمته، كلُّ مَن يتجنَّب طرح الإسلام عبر عنوانه ورمزه ورأسه وأنموذجه، بل كل مَن يقصد توحيد الله سبحانه وتعالى، ويروم عرض الإيمان وتقديمه للبشرية، مقطوعاً عن ولي الله وخليفته في أرضه وسمائه، كل مَن يدَّعي أو يسعى فعلاً لينير القلوب بمعرفة الله، بغير نور الله وضيائه وشمسه ومصباحه، ولا يأتيه عبر قنطرته ومن بابه، هو مسخَّر لحزب الشيطان، أجير عميل إن علم بذلك، أو مستغفَل مغرَّر به سفيه، إن لم يعلم! كلُّ نداء يرتفع بأننا لا نعبد محمداً، ولا نعظِّم شخصه ولا نحبُّه ولا نواليه لذاته، بل لما يمثِّل ويحمل من قيم وتعاليم وإرشادات وأحكام… هو نداء شيطاني. كان قد ارتفع من قبل أمام آدم عليه السلام، بِكْر حجج الله وأبي البشر، حين أبى كبيرهم السجود، وما زال يتردَّد، وهذا رجعه وصداه يدوِّي اليوم أمام خاتم الحجج والمدَّخر لتحقيق الوعد الإلهي المنتظر، فيقال إن المهدوية حالة، ونحن نلاحقها قضية لا شخصاً، نزعة تطلب الحق وتتطلَّع للعدالة والمساواة، لا عاطفة تبحث عن إمام وتبكي مفتَقداً، فتختلف في اسم أبيه وتاريخ ميلاده ومكان وجوده وزمن ظهوره! هذا هو المدخل الشيطاني الأعظم في إغواء البشر، أن يأخذهم باسم الدين والإخلاص والتنزيه، بعيداً عن جوهر الدين ولـبِّه وحقيقته، أي معرفة الإمام من آل محمد وموالاته والنزول على طاعته.

    وهكذا كل نداء يُرفع أمام حديث رسول الله وأهل بيته المعصومين وعموم تعاليمهم عليهم السلام، يدعو الناس ويحشدهم حول كلام الله العظيم دون عِدله وثِقله، يهتف بالقرآن الكريم الأبتر عن العترة الطاهرة، يكتفي بالصامت عن الناطق، ويأنس بالمظهر المنقوش عن الجوهر المكنون، ويقنع بالصحف عن الصدور والنفوس، ويتعلَّق بالكتاب المجيد دون الإمام المبين، هو نداء شيطاني، تردَّد من قبل في “التحكيم”، فحذَّر أميرالمؤمنين صلوات الله عليه ابن عباس، وكلَّ مؤمن على مدى التاريخ: ” لا تخاصمهم بالقرآن، فإنَّ القرآن حمَّال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاجهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً”، وتكرَّر في محفل يزيد بن معاوية في المسجد الأموي، حين أراد إلهاء الجموع وصرف الناس عن خطبة زين العابدين عليه السلام، مروراً بـ”كلمة حق يُراد بها باطل”، لما رفعت المصاحف على الأسنة في النهروان، ومعها هتاف: “إن الحكم إلا لله”.

    “القرآنيون” عصبة شرٍّ وفرقة سوء، وحزب أسسه الشيطان الرجيم، تحالف فيه عتاة قريش مع أحبار اليهود ومردة الجنِّ وذؤبان العرب، تلقفته وأرسته قوى التغريب التي زرعت الحداثوية، ورعاه التنويريون عبر الماسونية العالمية، وما زالت تتعاهده عبر أدوات دينية، أحزاب ومنظمات وحركات إسلامية، وعمائم، قد يرى البصير في بعضها قرني الشيطان نابتين يخترقانها، أو بارزين منتصبين من ورائها، ويرى في عمائم أخرى أُذني حمار ينتصبان على يمين العمامة وشمالها، فكأنهما يحتضنانها ويضمَّانها.

    الشيخ التعس “محسن قراءتي” علم أم لم يعلم، هو عضو في هذا الحزب، وعلى محمل الخير، وفي أحسن الأحوال هو شيخ سفيه أحمق، بالتركية “اولاق”، وبالفارسية “الاغ” أو قل “قاطر”، والطاء تلفظ تاءً، وبالعربية التي لا يحسن الرجل كثيراً منها (ثم يترأس لجنة تفسير القرآن!)، هو ”بغل” أو “حمار”. والمفارقة هنا أن يأتيك بعض المحتاطين المتقدسين، فيعتب على هذا الخطاب، ويستقبح هذا السباب، ولكنه لم يكترث بفعلة “قراءتي” وهو يهتك جوهر الدين ويبتذل أصل الإيمان واليقين، حين أزرى بجريمة قتل أميرالمؤمنين، ووقر عن صرخة جبرائيل بين السماوات والأرضين: تهدمت والله أركان الهدى وانفصمت العروة الوثقى قتل علي المرتضى! ولا يبالي بالاستخفاف بظلامة الزهراء، ثم لا يعنيه أن حطَّ أحدهم من قدر مقتل سيد الشهداء، الذي ما زالت تبكيه السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهنَّ وما بينهنَّ، وما ينقلب في الجنة والنار من خلق ربِّنا، وما يرى وما لا يرى! يهوِّن الخطب في كل ذلك ويزعم أنه لن يكون محلاً لشكوى رسول الله يوم الدين!

    عندما يسمح معمَّمٌ لنفسه أن يتجرأ على بديهيات التشيُّع، وينقل البحث والسؤال إلى ميادين فرغ منها السلف والخلف، وتم الأمر فيها واستقر على عقائد راسخة، وخلُص إلى نتائج حاسمة، صارت من ثوابت الدين ومسلَّمات المذهب، ومن قبيل اقتران الثقلين، وأنَّ الأئمة هم القرآن الناطق وعِدل الكتاب الصامت، وأن القرآن المهجور الذي سيشكو الأمة يوم القيامة، هو أميرالمؤمنين، كما في خطبة له عليه السلام جاء فيها: “ولئن تقمَّصها دوني الأشقيان، ونازعاني فيما ليس لهما بحق، وركباها ضلالة، واعتقداها جهالة، فلبئس ما عليه وردا، ولبئس ما لأنفسهما مهدا، يتلاعنان في دورهما ويتبرأ كلٌّ من صاحبه، يقول لقرينه إذ التقيا: يا ليت بيني وبينك بُعد المشرقين فبئس القرين، فيجيبه الأشقى على رثوثه: يا ليتني لم أتخذك خليلاً، لقد أضللتني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً. فأنا الذكْر الذي عنه ضلَّ، والسبيل الذي عنه مال، والإيمان الذي به كفَر، والقرآن الذي إياه هجَر، والدين الذي به كذب، والصراط الذي عنه نكب”. فهذا يسمح لنا ـ في المقابل ـ أن نصفعه في وجهه، ونسقط عمامته عن رأسه، فإذا افتقد الشيعة الدولة والسلطة، وخلت أيديهم من القوة المانعة والتعزير الرادع، لم يبق إلا هتك هؤلاء الأدعياء وفضحهم والوقيعة فيهم، وكل ما يسقطهم، ويحصِّن العوام من التأثر بهم.

    والحق إن الرجل ليس بدعاً ولا نشازاً في إيران اليوم، إنما هو حلقة في سلسلة مترابطة، ومحطة في درب ممتد، ومفردة في منظومة، وفصل في نهج تربوي متَّصل عبر أجيال (نحن اليوم في العقد الثالث منه)، اختطَّ مسلكاً واتخذ مشرباً وصار مذهباً، صنع للتيار الحداثوي ووفَّر له الآلية الشعبية التي طالما افتقد، وتكفَّل بصيغة حركية روحانية، تواجه جوهر التشيع وصميم الدين المتمثل بالولاية والشعائر الحسينية، هو “المظاهر القرآنية”، ففي إيران اليوم جيل من الحفظة والقرَّاء وفرق الترتيل والإنشاد، وزخم من المسابقات والمحفزات، والندوات والمؤتمرات، التي سمحت (في المحصِّلة) بعقد محفل أنس قرآني مساء فجعة عاشوراء وليلة الوحشة في كربلاء! وجعلت ذلك أمراً مستساغاً مقبولاً، يأخذ طريقه ليعلن بحسم وجزم ما ينهي العزاء ويزيح الجزع ويقطع البكاء! في إيران اليوم سقطت المقولة العقائدية والثقافية التي كان عليها الشيعة تاريخهم كله، من أن القرآن هو جوهر وعمق وفهم وتدبُّر وتفقه وتفسير وتأويل، وأنَّ هذا الذي بين الدفتين هو ظهور كتاب الله الذي لا يخرج عن صمته فينطق، إلا بولاية عِدله واللجوء إلى ثِقله، ودون ذلك تلاوة وحفظ وتلحين وترجيع، طالما تغنَّى به غيرنا، ووظَّفه سوانا.

    وهنا وقفة مع التهويل والتشنيع، وخطاب التكفير، الذي يدينه الحداثوي ويشكو منه، ثم يوظِّفه ويسخِّره هنا، فينادي: “وا قرآناه” لمواجهة كل خطوة تنويرية حقيقية، وكل سعي توعوي أصيل، يحاول أن يسلِّط الضوء على المؤامرة، ويكشف وجه الأداء الشيطاني الذي يقرأ القرآن، والقرآن يلعنه.

  • يحكى أنَّ فاخورياً رشا صانعاً في معمل منافس، أن يدسَّ مادة اخترعها في التربة التي يُعدُّ منها الطين، تنقِّيها من المدَر بيُسر، وتصفِّيها من الشوائب دون عناء النخل، لكنها بعد أن تُعجن وتُصنع وتُطبخ في الأفران، فتغدو خزفاً وجراراً وأكوازاً، لا يلبث أكثرها أن يتصدَّع ـ بعد حين ـ من تلقائه، أو يتهشَّم ويتفتت لأدنى صدمة وضربة! كان زملاء العامل المرتشي يحاورونه في مادته تلك، ويحاججونه في خطرها وخبثها، وأنها علَّة فساد عجينتهم وسرُّ فشل صناعتهم وكساد بضاعتهم، يقدِّمون له الأدلَّة وينقضون ما عنده من حُجج، وهو ماضٍ في شأنه، لا يجيبهم إلا بما يذكي الحوار ويعمِّق الجدال، ويصرف الوقت ويقطعه!

    يغفل كثير من المؤمنين العاملين في حقل التبليغ الديني، والناشطين في الحراك الثقافي في الساحة الإيمانية، عن خلفية الظواهر المحدَثة والتيارات الطارئة، وتنطلي عليهم الخدع التي تخفي منطلقات الشخصيات التي تقف خلفها، والجماعات والأحزاب التي تنهض بها، وتغيب عنهم حقيقة الأهداف التي يرميها أرباب الآراء المخترعة، وغايات المذاهب المبتكرة. فتراهم يستغرقون ـ بجدٍّ وهمَّة ـ في قراءة المقولات ودراسة الأفكار، ينظرون في أدلَّتها نقضاً وإبراماً، إسقاطاً وإثباتاً، تضعيفاً وتصحيحاً، استبعاداً وترجيحاً، وينهمكون في ذلك بولع ويتمادون بإدمان، حتى يغدو الاحتجاج والسجال همهم الأكبر وشغلهم الشاغل. غافلين أن أوَّل ما ينتج عن هذا الإستغراق والانسياق والدأب والمثابرة، هو خروج المحدَث المبتَدَع عن بِدعيَّته، وزوال شذوذه وغرابته، فإنَّ فرط تداول الشيء وكثرة تناقله، يُذهب الاستيحاش منه ويُزيل القُبح عنه، ما يحقِّق لأصحاب البدع هدفهم ويدنيهم من غرضهم!

    والخطير الجلل هنا، أنَّ عملية الجدال والحوار هذه، ترجع بالحقائق إلى دائرة الشك والسؤال، وتعيد وضع المسلَّمات على دكة البحث والدراسة، وتنكفئ بالمذهب وتقفل إلى موقع بناء أُسسه وتشييد ركائزه وإرساء قواعده، وكأنه ما برح على شفا جرف هار، أو يشكو ضعفاً ويعاني عجزاً، بل فراغاً وخواءً جعله مضعضعاً وخلَّفه مترنِّحاً، حتى طالته تشكيكات هؤلاء الصعاليك، وهزَّته ترَّهات واهية! ما يفضي إلى اهتزاز الإيمان بكلِّ عقيدة، والشكِّ في كل مبدأ وشريعة! والحال إننا أمام مذهب من القوة والإستحكام، ما صمد أمام أعتى الهجمات، وقاوم أشد الضغوط والسطوات، وانتصر في أقسى الحروب والنزاعات، منذ اللحظة الأولى التي جمع فيها رسول الله صلى الله عليه وآله عشيرته، وعيَّن أميرالمومنين عليه السلام أخاً له ووزيراً ووصياً وخليفة، حتى ساعة وفاته وقيام السقيفة، صمد التشيُّع في عهود الخلفاء، وثبت أمام طغيان الأمويين وويلاتهم، وقاوم بلايا العباسيين وفجائعهم، فالأيوبيين ومجازرهم، والمماليك وعتوِّهم، والعثمانيين واستبدادهم، حتى عصر الإستعمار والدولة الحديثة وعهود الإستقلال، لم يترك كلُّ هؤلاء، حكام جور وعلماء سوء ومذاهب نُصب، حيلة لينالوا من التشيُّع إلا عمدوا إليها، ولا سبيلاً لتحريفه إلا سلكوه، ولا أداة لإبادته والقضاء عليه إلا استخدموها، بطشٌ وتنكيل وقتل وتهجير، إقصاء واضطهاد، وبغي وإجحاف وقهر واستضعاف، كل هذا عجز أن ينال من مفردة واحدة في هذا المذهب الصلب المتين، ويهزَّ لبنَة في هذا الحصن الحصين، ويُحدث ثغرة في هذا الصرح الراسخ المكين، الذي قام على مداد العلماء، وسقته دماء الشهداء، ورعته يد السماء وعناية الأولياء.

    إنَّ الأداء الصحيح الذي يجب أن يحكم التعامل مع هذه النظريات والتيارات وأربابها، هو تجاهلها في مادتها وتفاصيلها، وترك نقضها وتفنيدها لذوي الفضل والاختصاص في الحوزة العلمية، والانصراف في جهدنا الإعلامي لأمرين: الأول: فضح التردِّي الخُلقي لهذه الشخصيات، وسقوط عدالتها، وتعريتها في عدم نزاهتها، من حيث غلبة الأهواء فيها، والأغراض الشخصية عليها، وكيف أنها متهالكة على المال، مستميتة في نيل السلطة وتحقيق الشهرة، كما في الريبة التي تحوطها والشكوك في خيانتها وارتباطاتها، سواء الحزبية والفئوية، أو العمالة لدوائر المخابرات الأجنبية أو الإسلامية المتزندقة أو الناصبية. وكذا في خوائها وافتقادها ما يسمح لها بالتنظير والاستنباط من كفاية علمية. ثم العمل على ترسيخ الطريقة المتَّبعة في تأكيد تحصيل الفقاهة وبلوغ الاجتهاد، وكيفية ثبوت التخصُّص الذي يسمح للمرء بالتصدِّي لهذا الحقل ويبيح له الخوض في ذاك، وهي طريقة المشيخة والإجازة، وعدم الإنبهار بالاستعراضات التي لا تعني أكثر من جمع ولصق المعلومات، وفي أحسن الأحوال، المقدرة على التتبع والاستقصاء، يوفِّره البحث الإلكتروني، أو فرَق عمل ومجاميع متفرِّغة، يُصبُّ عليها المال صبّاً، لا تعني شيئاً في الميزان العلمي الذي يرتكز على العمق والدقة والإحاطة والقدرة على التطبيق. الثاني: الانصراف لبيان الحق الذي نحمل، وعرض الأصيل النقي مما نملك، الذي لو أحسنَّا تقديمه وأجدنا بيانه وتسويقه، لهفت إليه النفوس وتعلَّقت به القلوب، وأقبل عليه الناس بشغف، وتلقَّوه بشوق ووَلَه، وعزفوا عن ذاك الدجل والسفه.

    علينا أن نميِّز بين الرجال ونفرِّق بين الحالات، هناك حراك إعلامي ينطلق من أداء التكليف الشرعي، ونشاط تبليغي تحدوه اللهفة لإرشاد المؤمنين وإنقاذهم، سعيٌ لا يطلب إلا الأجر، وجهد لا يرجو غير الثواب، قد يلحق على إثره العاملَ المخلص ـ عرَضاً ـ الصيتُ والشهرة، ويتبعه حُسن الذكر وطيب السمعة، وثناء المؤمنين ودعاؤهم. و”عرَضاً” هنا تعني إرادة الله التي ترى صلاح الدين والخير في بروز هذا وارتفاع نجم ذاك، بعد أن كان الخير في بقائه مغموراً، والصلاح في استمراره منزوياً مجهولاً! وبين ما يكون طلباً للنجومية وسعياً للشهرة، وتهالكاً على المال والجاه والسلطة، وتبعاً لمناهج ضالة، وقيادات مضلَّة، ومرجعيات مزيفة باطلة، بل خدمة لدوائر مخابرات، وأجهزة ما انفكَّت تضمر للتشيُّع الشرَّ وتحيك المؤامرت.

    إن هذه الظواهر الشاذة والطفرات الغريبة التي تدَّعي الحداثة وتنادي بالإصلاح وتزعم التنوير، ما هي، إن دقَّقت وتدبَّرت وتأمَّلت، إلا حراك أجوف يخدم حزباً ويتعصُّب لزعيم، وفعل من صوَر حبِّ ظهور، والتكسُّب والإتجار، وطلب الشهرة والسلطة والمال، ضربٌ من الاستئكال بالدين، والتحايل به عليه. وإلا، لو كانت تنشد إصلاح المعارف الدينية وتنزيه المذهب حقاً، لكان خطابها متوجهاً إلى المعنيين بالأمر مباشرة، منغلقاً عليهم حصراً، فما شأن الساحة الإعلامية وعوام المؤمنين بمباحث أُصولية ورجالية وفلسفية وكلامية في غاية التعقيد؟ محلُّها الوحيد هو الحوزة وأروقة البحث والمداولة بين ذوي الشأن والاختصاص؟ لماذا تثار على الملأ، ويهيج الغبار حولها في وسائل التواصل، ويعلو في الفضائيات الضجيج؟

    من السذاجة والغفلة بمكان أن يعمد مؤمن ناشط ومخلص شريف إلى التفنيد العلمي والردِّ الإستدلالي على إثارات العسر والحبتري وحبِّ الشيطان، وما دونهم من سقط المتاع كالهرِّ والبطريق ومومس الأحساء، ناهيك بوزغ عبَّا وفيروز إيرلندا وعورة المعهد، وأضراب هؤلاء الأخلاط والأخياف، فينشغل أحدنا بإثبات نسبة “التفسير” للإمام العسكري عليه السلام، وملاحقة من أيِّ نسخ “البصائر” نقل العلامة المجلسي في “البحار”؟ وتفاوت موقف الشيخ الطوسي تجاه محمد بن سنان بين ما جاء في “الغيبة” عما ذكره في “التهذيب” و”الاستبصار”، و”حجيَّة القرآن” دون السنة، وغير ذلك من إثارات وتخرُّصات لا يمضي علينا شهر، وأحياناً جمعة، دون واحدة جديدة، تسقط كزرق النوارس على الشاطئ، أو سلح الكلاب الضالة في جحورها الرطبة وأوجارها المنتنة. الحقيقة أن لا “حبُّ الله” يكترث بالحديث ويأبه لصحَّة سنده واعتباره، فيحرق ما استطاع من تراثنا، ويردم ما وسعه من بحار أنوارنا في سبيل تنقيته ونبذ الدسِّ فيه، ولا “الحيدري” يهتمُّ بالحكمة المتعالية ويتقطَّع حسرة على الفلسفة، فيهوي بمعول خُرقه وسفهه، ويميل بسيف حقده وعُقد إخفاقه وفشله، ليدمِّر ما تطاله يده من المنظومة العلمية الأصيلة التي تبني معارفنا الدينية، ولا “العسر” يحرص على التشيُّع أو يبالي بحاله، فيهجره الرقاد مما يعلق به من شوائب، ويسهد ليله من تشوهه وتخلُّفه! ولا “طالب” يعنيه سند الدعاء أو قاعدة التسامح في أدلة السنن، التي تحمله على طرح “مفاتيح الجنان” وإلغائه من حياة المؤمنين، كما فعل بالمذهب وتنكَّر وغدر بالطائفة، وهي تحت القصف في 2006، وراح “الصهر” يستجدي الأمان له ولعمِّه من السفارة الأمريكية، لا شيء من الدين يعني هذا، إلا بقدر ما يعني “طوني” الإسلام، أو يعني “الخياط” الذي اعتمده ممثلاً للتشيُّع وناطقاً باسمه، فوقع الذباب على القمامة والوضر.

    من الغفلة والخطأ أن ننشغل بردود علمية وأبحاث ودراسات تبطل مقولات القوم وتفنِّد أُطروحاتهم، وكل الأجوبة على إثاراتهم وشبهاتهم تمَّ الفراغ منها منذ أمد بعيد، وأُشبعت، بل قُتلت، بحثاً في الحوزات، وكل ما علينا، إن اعترى أحد الضعفاء الشك، أن يوجَّه للمصادر، ويُرشد إلى كتب علمائنا ونتاجاتهم في هذا الأمر وذاك. لننصرف إلى وظيفتنا في فضح وتعرية هؤلاء، وكشف حقائقهم، وخلق جدار وقائي يحاصرهم ويطوِّقهم، يفصلهم عن أبنائنا وشبابنا، ويزويهم عن بيئتنا، يقينا شرورهم، ويتركهم يتآكلون في دوائر مغلقة، ويغلون في قوقعة أو بوتقة، ويدورون حول أنفسهم ليهووا في مجرى تصريف وبالوعة، أو في قدح كزوبعة! وتوجيه الطاقات وصبِّها في نشر فضائل آل محمد وإقامة شعائرهم وإحياء أمرهم. لا أحد من هؤلاء فيه عرق من غيرة أو حمية أو شكيمة، ينبض على أهل البيت أو يضرب غضباً لهم، ولا أحد من هؤلاء يحرص على صورة التشيع ويخاف على المذهب الوهن، ولا أحد منهم يعنيه غير مصلحته الدنيوية، إنهم زمرة صعاليك ولفيف أوغاد، حثالات أقوامهم وسفلة مجتمعاتهم، وسقاطات تستأكل بالدين، غلبتها الأهواء والمطامع فسخَّرت نفسها للشياطين.

    إنها دكاكين وحوانيت تتَّجر بعقائدنا، ويستأكل أصحابها بشعائرنا، ويعتاش أربابها من صفقات تبيع مقدساتنا! لا شأن لها ولا لهم بالدين، بل إن هؤلاء في حقائقهم ملحدون حسيُّون دهريُّون، لا يؤمنون بمبدأ ومعاد، ولا نبوة وإمامة، ولا غيب وملائكة، ولا بتدبير يحكم حركة الإنسان من وراء سبع سماوات، ناهيك بناحية مقدسة أُوكل لها الأمر وفوَّضها الله الولاية على الكائنات. فكم سيكون المشهد عبثياً حين تلاحق أحدهم في سند حديث شريف، وتجتهد في إثبات صحته أو اعتباره، والرجل لا يؤمن ـ أصلاً ـ بعصمة قائله، ويرى أن “الإمام” إنسان، تحكمه انفعالات، يحبُّ ويكره، يرضى ويغضب، فينفعل ويتأثر، لتصدر منه كلمة في مناسبة، وينقل عنه حديث لحدث، لا يمكن لهذا الحداثوي “المتعقِّل” و”المستنير”، أو قل الظلامي الإلتقاطي المستطير، أن يبني عليه ديناً وعقيدة، ويختطُّ منه خارطة تكشف إرادة السماء، هذا إن آمن بالغيب وصدَّق أن هناك “شيئاً” وراء الحسِّ والمادة! إنهم ماديون، نكحهم الشيطان وأوقب فيهم، فسكنتهم لوثته واعترتهم نشوته وغلبهم سُكره، شيطنة وزخرفاً وبريقاً. ولك أن تأخذ الخبر وتتحرَّى المكنون المضمر من فلتات ألسنتهم، ومن طيش صغيرهم الأرعن، الذي سخر من إمام الزمان وتحدَّاه أن يأتي بعلاج للوباء!

    والغزِّي هو أحدهم، تاجرٌ يجمع الناس حول بضاعته، وصاحب حانوت ودكان، كانت “السفارة” و”خال بخده” سلعته، يدَّعي لقاء الإمام وتلقي التكليف منه، فلما كسدت بعد رواج، عمد إلى الولائيات والشعائر، فإذا تراجعت عنده ولم ترق لمموليه وأسياده، عرض غيرها وسوَّق لضدِّها، وراح يقبِّحها وينعت أهازيج الحماسة والرثاء التي تبعث في المعزين كل قيم الولاء والحب، والرقة والحسرة على المصاب، ينعتها بالهراء! وهو اليوم يبكي الحديث ويسوق الناس للعمل به بلا فقاهة ولا دراية! ولا ندري ماذا سيفعل غداً إن واجهه حديث يقطع عليه طريق الاستئكال والإتجار، وبماذا سينعت الأخبارية بعد كل هذه الوقاحة والجرأة على الشعائر الحسينية.

    الغزي يكمِّل دور الحيدري، وهما معاً ينهضان بمشروع فضل الله وأحمد الكاتب وعلي شريعتي وسيد قطب وحسن البنا، والمنظومة كلها تخدم تيار الحركية الإسلامية الذي تقوده إيران، مهما ظهر متناقضاً في أفراده، ومتفاوتاً في نزعاتهم، متبايناً في مشاربهم، فإنه يرفد مجرى واحداً، يصبُّ في بحيرة الضلال ومستنقع الغدر والاستغفال: فوضى بناء المعارف الدينية، وسقوط موقع الحوزة والمرجعية.

    لا حجاً يريد هؤلاء ولا عمرة! وعلينا العمل ببيان البصيرة والأخذ بدرس الوعي الخالد الذي ألقاه أميرالمؤمنين، في خبر طلحة والزبير، كما روى الطبري، [أن طلحة قال: ما لنا من هذا الأمر إلا كلحسة الكلب أنفه. بقي طلحة والزبير في المدينة أربعة أشهر يراقبان علياً من قريب، حتى إذا أيسا منه وبلغهما موقف عائشة بمكة، عزما على الخروج من المدينة، فأتيا علياً، فقالا: “إنا نريد العمرة”، فأْذن لنا في الخروج. فقال علي لبعض أصحابه: “والله ما أرادوا العمرة، ولكنهما أرادا الغدرة”. فأذِن لهما في الخروج بعد أن جدَّدا له البيعة، فخرجا من المدينة، والتحقا بركب عائشة. كما التحق بركبها بنو أمية، فإنهم كانوا يتربصون في المدينة، فلما بلغهم مجاهرة أم المؤمنين بالخلاف على علي، غادروا المدينة إلى مكة، والتحق بها أيضاً ولاة عثمان الذين عزلهم علي عن الأمصار، وهم يحملون معهم من أموال المسلمين ما يحملون]!

  • “للصنع ما أبقى التحمُّل موضعاً، فدع الصنيعه”.

    لا شأن لنا بالملاحدة والزنادقة والمرتدين، ولا بالسماويين والوثنيين، ولا حتى بأتباع المذاهب الأخرى من المسلمين، فمدار الحركة في الأرض ومرتكز التدبير في الكون، وعلل بقاء الحياة على هذه البسيطة وازدهارها، أو تراجعها وانحطاطها، هو هذه النخبة المصطفاة، والعُصبة المنتجبة من بني آدم: شيعة أميرالمؤمنين، الفرقة الناجية والفئة المستضعفة الوارثة. وفي هذا أحاديث كثيرة، من قبيل قول النبي: “ياعلي أنت وشيعتك الصافون المسبحون، ولولا مَن في الأرض منكم ما نزل من السماء قطْرٌ”. وقول الصادق: “بهم يشفي الله السقيم ويغني العديم، وبهم تُنصرون، وبهم تُمطرون، وبهم تُرزقون، وهم الأقلُّون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً وخطراً”. وفي حديث: “إذا أنت أحصيت ما على الأرض من شيعة علي (فاستثنيتهم)، فلست تلاقي إلا من هو حطب لجهنم، إنه ليُنعَم على أهل خلافكم بجواركم إياهم، ولولا ما على الأرض من شيعة علي ما نظرتَ إلى غيث أبداً”. وفي آخر: “والله لولا ما في الأرض منكم، ما رأيتَ بعين عُشباً أبداً، وما أنعم الله على أهل خلافكم، ولا أصابوا الطيبات”. إنَّ مَن يعنينا ويعني السماء، ويحفل به مَن يدبِّر الأمر ويبرم القضاء، هم الشيعة، الذين عليهم المدار في قراءة الأحداث والمراقبات، والنظر في إبطال السوانح ودرءِ الكوارث ودفع البلاءات، وإنما الطامة والنكبة، والنائبة والجائحة، أن يسقط هؤلاء، وتنهار هذه النخبة، ويغور الماء في نبع الحياة. فمن سيأتي البشرية بماء معين؟!

    منذ أن تولت قيادة حداثوية ضالة زمام الأمور، وتسنَّمت زعامة حزبية منحرفة الحكم والرئاسة، وأتباعها في سقوط وشيعتها في انحدار، وفي تسافل وانهيار، نزلت بهم تبعات الأوزار، وصيَّرتهم في إقفار وإدبار، بل، لو انجلت الغبرة وانزاح الستار، لرأيتهم يسعون بأقدامهم إلى الخزي ويطلبون من تلقائهم العار! قيادة هوجاء ساقت الفرقة الناجية نحو المروق والزندقة، وزعامة رعناء أخذت المذهب الحق إلى حدود المحو والزوال والتلاشي والاضمحلال، وهي تحسب أنها تحسن صنعاً! تنقِّيه من دسِّ“الإسرائيليات”، وتنزِّهه من عوالق “الخرافات”، وتبرِّؤه من إفك “الأساطير”، ثم تنفي عنه القعود والتقية، التي حفظته وأبقت عليه كل هذه القرون والسنين!

    والخطب الجلل، والفادح المستجد الأجلُّ، أنَّ هذا الأداء تجاوز نطاق أتباعه وتياره، وتخطَّى حزبه وأشياعه، وبات يعمُّ الشيعة كلَّهم، يهدِّد بُنيانهم المصون، ينذر بخرابه، ويتوعَّد شملهم المبارك وجمعهم الميمون، يؤذن بتمزيقه وضياعه. فنحن، بعد الضلال والانحراف العقائدي، أمام طغيان استثنائي غير مسبوق، واستبداد خرافي قلَّ نظيره، قاروني فرعوني نمرودي، كِبرٌ وغطرسة واختيال، زهو وصلف وغرور… وأضف ما شئت من مرادفات هذا اللفظ ومشتركات هذا المعنى، فلن تظلم أو تتجنَّى، ولن تُغرق أو تبالغ وتسرف. ومن يقف على بواطن الأمور في إيران وعموم ساحة الحركة الإسلامية وقيادات الأحزاب الدينية، ويطَّلع على خفايا ما يجري هناك، ويحيط بالطريقة التي يتم التعاطي فيها مع الحوادث، وتمضي بها معالجة القضايا، على صعيدي القيادة والإدارة، سيذهل من حجم التيه والجبروت، ويروع ويفزع من العتوِّ والغطرسة التي تملأ أعوان القيادة وأركان النظام ومن بيدهم الزمام!

    أداء ينمُّ، بعد الغطرسة والطغيان، عن فقد الإحساس، وينبئ عن انفصال القيادة عن الواقع، وجهلها بالحقائق، وما ولَّد المآسي وخلَّف المواجع، وأنها تعيش أبراجاً عاجية تحجبها، وفضاءً طاووسياً تخطر فيه مرَحاً كأنها خرقت الأرض أو بلغت الجبال طولاً، وشملَة مخملية تغطِّيها أو رداءً حريرياً يلفها، لا في البُعد الحسيِّ الجسمي، فلربما التقى القائد بالناس، وانفتح على الحياة وخاض في الأوساط،  تلقى التقارير واستطلع الأجواء وأحاط بالفضاء، بل في البُعد الذهني والنطاق الفكري، حين يصمُّ الذهن ويقفل الفكرإلا عن مسارب شقَّها المرء لنفسه، ومنافذ فتحها على هواه ومشربه، بما لا يزعجه بنقض ورفض، ولا يبرمه بنُصح وإلحاح ونقد، ولا يضجره بشجب وتنمُّر واعتراض. وهذا وليد آفات روحية وعُقَد نفسية، لحق بها وجُمع إليها، خرَسٌ في الحاشية وبُكْم في البطانة، وهي بين سكرى بالسلطة، منتشية بالجاه والشهرة، توافق ربها الأعلى في الزَّهو والعنجهية، وبين جبانة تخشى مصير ميرحسين موسوي ومهدي كروبي، ومضارِعة مداهِنة، ترقب مصالحها، وتحافظ على مكاسبها، وما جنت من حطام هذه الفانية.

    عندما يتصدَّى المرء للرئاسة دون أهلية، ويتولى الإمارة بلا كفاية، ويبلغ المقام وينال السلطة ويحظى بالمال والجاه والشهرة، قبل أن يفرغ من تهذيب نفسه، واستئصال الأنا من ذاته، بمَحْق الأهواء وترويض الشهوات، فيتضرَّع: “اللهم لا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تُحدِث لي عزاً ظاهراً إلا أحدثت لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها”، لا لقلقة تقف عند التراقي، بل صدقاً وإخلاصاً يجتثُّ الآفات ويستأصل الأمراض، أو يهوي عليها بمطارق الترويض والتطويع… فإن النتيجة هي ما نرى من تيه وضياع، وتعاقب البلوى ونذُر الشقاء! قائد غافل، نرجسي حالم، استوطنه الشيطان واتخذه مرتعاً وملعباً، يصول في حناياه ويجول في صدره، حتى استلب عقله ومسخ فكره، فما عاد يرى الأشياء إلا مقلوبة، ولا تطيب له الصوَر إلا معكوسة منكوسة! وبطانة لا تألو خبالاً وشراً وفساداً، تُلحق به العنت، وتجلب له الشؤم وعليه الضرر، علِم بذلك وعلِمت، أم جهل ولم تعلم.

    وها قد حلَّ البلاء.

    نزل الفقر بالناس، وما زالت الأصفار تحذف من عُملتهم وتهوي بقيمة نقدهم، ولحقت الفقر الردَّة المقنَّعة، فكَفر العامة، لما عزوا ما نزل بهم إلى الدين، وأرجعوا ما يقاسون إلى الإسلام وشريعة سيد المرسلين، فهذا ما يدَّعيه الحاكم والزعيم، ويحتجُّ به ويتسيَّد عليهم باسمه، ثم بعد الكفر جاء حصار خانق، يفلج المعامل والمصانع، ويجمِّد حركة التجارة الاقتصاد، ليلحق الحصار قتال والتحام عسكري هنا وهناك! والقوم في سكر السلطة يرتعون، وفي غفلة الجاه والإمرة يمضون ولا يكترثون!

    حتى جاء الوباء يتفشى، والمرض يسري ويفتك، عطَّل الأعمال وأغلق المتاجر، وشلَّ المواصلات، وأقعد الناس وحبسها في بيوتها، والقوم ماضون في عتوِّهم، قائمون على غيِّهم وجحودهم، يعظمون لاتهم والعزَّى، ومناة الثالثة الأخرى! لا أحد ينيب إلى ربه، ويتضرَّع إلى جبار السماوات والأرض، فيلجأ إلى وليه، ويستجير بصفيِّه، ويتوسل بحبيبه! البلاد على وشك الإفلاس، والشلل يضرب كلَّ مرفق، ويغلب كلَّ الناس. ولا عِرق للتوبة يضرب في هذه الأجساد الجامدة، ولا قطرة من عرق تتفصد من جباه متجبرة وهامات متكبِّرة، إن سجدت يوماً، فلأصنام ذواتها، ولأهواء لذَّاتها، وصوَر أو أوثان صنعتها، لا من تمر وطين، بل من سقيم أفكارها وشيطان آرائها، صبَّت الدين في قوالب مادية حسيَّة، وصاغتها عجلاً ما زالوا ينتظرون خواره. الحديث يدور عن صيغة كونية جديدة ستحكم العالم، تقلب الوقائع وتنسف المعادلات، والقوم في غفلتهم وسباتهم، مسترسلون في أناشيدهم ورقصهم! ما كأن شيئاً يجري، ولا قارعة ستهوي!

    لا بارقة ندم تلوح في هذه السماء المكفهرة، ولا نسائم روح تهب في هذه اليباب القاحلة، ولا حديث توبة واستغفار يدور هنا، بل هاتف يسبق كل استنكار، وحائط من سفَهٍ وعتوٍّ واستكبار، يعلو أمامك مستهجناً: “ماذا فعلنا، حتى نستحق النقمة والعقاب؟ دع عنك أحاديث الغيب وحكايات السماء، وابحث لنا، إن كنت قادراً عن علاج”! ما زال فرعون على جحوده وطغيانه ينادي أنا ربكم الأعلى! وما فتئ خدَّام بلاطه وجنده يحمون صرحه، ويذودون عن ملكه وسلطانه، ويتباهون أنهم من أعوانه. لم تغيِّر المحنة في القوم قليلاً ولا كثيراً، ولم تؤدبهم سياط الغضب والعقاب الإلهي شيئاً يسيراً. وبدل الانكسار والتضرع، والتذلل والتخضُّع، والعويل والبكاء، دخلت مفردات استكبارهم، ولغة تعاليهم، الميدان! فصار النداء والشعار: “سنهزم الكورونا ونُرغم الوباء”! ولا تسمع بين أنات المرضى، وفزع المصابين، ورعب الآخذين بأسباب الوقاية، مَن يتضرع ويخشع، وينيب ويتوسَّل، بل الأعين شاخصة إلى المختبرات، والقلوب معلَّقة بالمادة والأسباب!

    أية بقرة أمرنا الله بذبحها فتعسفنا وماطلنا وتحايلنا، حتى ما كدنا أن نفعل؟! أية ناقة بخلنا عنها بشرب يوم، وطمعنا بعد حلبها، وظلمنا أنفسنا فعقرناها ونحرنا فصيلها، حتى ابيضَّت وجوه ثم احمرت، وها هي تسودُّ في ثالث أيام المهلة؟! أي حيتان مكرنا في حبسها لنصطادها لما رأيناها تأتينا شُرَّعاً يوم سبتنا، وتغيب يوم لا نسبت؟! أي عجل صغناه من حُليِّ نسائنا، فعبدناه حتى وقعنا في التيه؟ كيف صارت تزعجنا ندبة إمام  زماننا، ويطربنا الهتاف باسم القادة والزعماء؟! كيف سمحنا لزنديق سافل، وحقير تافه، أن يكفر جهراً، فيسخر من إمام الزمان لأنه لم يظهر بعلاج يحمله للبشرية يداويهم من “الكورونا”؟ وحزب ديني يقدم مئات الشهداء باسم الله، لا ينبض فيه عرق من غيرة على إمام زمانه؟ فهل حقاً هو إمامه؟ وهل يراه حياً حاضراً، أم هو مثل القضايا الولائية الأخرى التي أضاعوها وباعوها، تاريخ وعاطفة وماضٍ يقبع فيه الرجعيون، ويعيشه القاعدون عن الجهاد؟! كيف لا يحل غضب الله وقد غلبت الأحزاب السياسية، الجاحدة لجوهر ولاية آل محمد، تسقط تراث ألف وأربعمئة سنة على واقع التقاطي، وتتبنى صناعة اللقطاء، تحتضنهم وتحميهم وترعاهم، وتعبث حتى ينادي مناديها أن يستبدل الله الإمام المنتظر بقائدها!؟ كيف لا تذلنا جرثومة ونحن “أموات الأحياء”، كما قال أميرالمؤمنين عليه السلام: “ومنهم تارك لإنكار المنكر بلسانه وقلبه ويده، فذلك ميت الأحياء، وما أعمال البرِّ كلُّها والجهاد في سبيل الله، عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الا كنفثة في بحر لجيٍّ، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرِّبان من أجل، ولا ينقصان من رزق، وأفضل من ذلك كله كلمة عدل عند إمام جائر”. وهذا الجائر ببابنا، والمستبدُّ العاسف بين ظهرانينا، توغلت أحزابه في بيوتنا، ونفذ ضلاله في مساجدنا ومحافلنا، وطغى ظُلمه وفشا جوره وغلب شؤمه حتى عمَّ الأرض والسماء، ما استنزل المحن والبلاء!

    كلما هاج بي الحنين، واضطرمت في نفسي الأشواق، وغلبتني الندبة والأنين، نشرت بين يديَّ المصحف الشريف، كتاب الله الكريم، ونظرت إلى نقش آياته، فرأيت صورة عديله وصنوه، شريك القرآن وإمام الإنس والجان، هذا صامت، حبيس رسم منقوش، ولفظ مقروء، وذاك ناطق، يحكي جوهراً لم يطقه بعدُ الوجود، فغاب وتوارى، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها، وازينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلها حصيداً كأن لم تغن بالأمس.

    طالت حبال عوائق فمتى تعود به قطيعه؟ كم ذا العقود ودينكم هُدِمت قواعده الرفيعه؟ تنعى الفروع أصوله وأُصولُه تنعى فُروعه. فيه تحكَّم مَن أباح الـيوم حرمته المنيعه. مَن لَو بِقيمة قدره غاليت ما ساوى رجيعه. فاشحذ شبا عضب له الأرواح مذعنة مطيعه.

    ليت السيد حيدر نظر اليوم رجيعة ودانقاً مثقوباً، يُشترى بحرمةٍ يهتز لها عرش الله، وتنصدع له الناحية المقدسة، فيُعرض مشرِّفها عنَّا، ويغضب جبارها علينا! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

  • منذ العشرين من رجب، كانت الجموع، من مختلف البقاع، تزحف نحو الكاظمية… ومع الضغط على حشود الزائرين، وحظر المواكب، وقطع الخدمات عنهم، انخفضت المليونية السنوية إلى نحو ثلاثمئة ألف زائر، أغلبهم من سكان بغداد والكاظمية.

    وفي خضم الإصطكاك العفوي بين الزائرين المندفعين، والسلطات العاملة بتكليفها في منع التجمُّعات، ما أسقط عشرات نقاط السيطرة، حين اقتحمت الوفود الحواجز ومضت في زحفها نحو باب الحوائج والمراد… كان من الطبيعي أن تتراجع الخدمات حتى كادت أن تنعدم. فتزاحمت الجموع وتراكمت الوفود، وتكدست، بعد الزيارة، أمام موكب وِتر يسقي الماء، فشرب عشرات الآلاف من نفس الإناء، وتجمعوا أمام آخر يقدم الطعام، فتعاقب الألوف على نفس الملعقة والماعون… وتلاشى الالتزام بالتعليمات الصحية والإرشادات الطبية حتى انعدم وبلغ الصفر، وخلق مشهد ألزم المراقبين قلوبهم، وأنزل بالمسؤولين الروع فانتابهم الخوف وسكنهم الوجل، ودبَّ معه الفزع من عواقب ستظهر بعد حين.

    ولم يوفر الأطباء تهديداتهم، ولا تريثوا في إخلاء مسؤوليتهم، وأعلنوا أن النتيجة الأولى ستكون في الحد الأدنى، بين ٣٠ إلى ٣٥ ألف إصابة كورونا، ستظهر، في أسوأ الأحوال، بعد إسبوعين!

    نحن اليوم في العاشر من شعبان، مضى الإسبوعان، والثلاثة، إن حسبنا لبدء الزيارة من إسبوع سبق الخامس والعشرين من رجب… والزوار جميعهم، دون خرق واستثناء واحد، في أتم صحة وأكمل عافية، لم يصب شيخ منهم ولا كهل!

    لا نُقرُّ أو ندعو إلى تجاوز الإرشادات الطبية، ولا نشجِّع على التنكر للأسباب والعلل الطبيعية، ولا الاستخفاف بسُبل العدوى وانتشار الوباء، هذه كلها محترمة وواجبة الاتباع.

    لكننا لا نغفل المعجزة ولا نستخف بيد الغيب وننكر الكرامة، ولا نتخطى واجب الدعاء وضرورة الرجاء، بل وحتمية الإجابة، إما بعاجل حاضر، أو آجل مدَّخر، يوفَّاه الداعي في صحيفة أعماله…

    هل من تفسير لنجاة الزوار غير عناية موسى بن جعفر صلوات الله عليه؟ هل من سبب حال دون إصابة الزوار بالداء وشمولهم بالوباء غير تدخله التكويني صلوات الله عليه وإعمال ولايته في صرف الداء عنهم؟ هل من تفسير غير أنه وافاهم عند حسن نواياهم وصدق إيمانهم وإخلاص قصدهم؟!

    في الحديث الشريف عن عبدالله بن عطاء قال: “قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجلان من أهل الكوفة أُخِذا فقيل لهما: ابرآ من أميرالمؤمنين. فبرئ واحد منهما وأبى الآخر، فخلي سبيل الذي برئ وقتل الآخر؟ فقال: أما الذي برئ فرجل فقيه في دينه، وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجَّل إلى الجنة”.

    ببساطة ووضوح، هناك نهج للعاشقين المتيَّمين لا يمكن تعطيله، ومسلك للذاهبين في إيمانهم إلى آفاق تهيمن على الحس والمادة، وتحلِّق ما شاء لها ربها في سماء الغيب، لا تصحُّ إدانته وتقبيحه.

    هناك متفقهون في دينهم، يثابون على نواياهم، وهناك متعجلون للجنة، يوفقون لزيارة إمامهم وصلته وإعمار مشهده، ثم يحظون منه بالكرامة، وتكتب لهم النجاة والسلامة. فطوبى لهذا وحسنى لذاك.