عندما عُرضت بعض محاضرات ومؤلفات الدكتور علي شريعتي على السيد الإمام الخميني (حين كان في النجف الأشرف) لتقييمها وتحديد الموقف الشرعي منها ومن صاحبها، أجاب قدِّس سره بأن رائحة الشيوعية تفوح منها. ثم بعد عدة سنوات حين أرادوا ترجمة كتاب الحكومة الإسلامية (وهو بحث في ولاية الفقيه) للإمام الخميني، وعُرض الأمر على الشيخ الآصفي، رفض ذلك محتجّاً بأن أنفاساً شيوعية تتصاعد من هذا الكتاب!
ومن هوان الدهر ومفارقاته الساخرة، أن عجلة الأقدار دارت، وتقلَّبت الدنيا من حال إلى حال، حتى صارت “الآصفية”، منهج مهدي الآصفي الحداثي (حزب الدعوة) وآراء آصف محسني الضلالي، تلتقي مجتمعة بعقائد علي شريعتي اليسارية وتنسجم مع فكره المشوب بالماركسية، فتصادران معاً ثورة الخميني وتستوليان على جمهوريته الإسلامية في وَضَح النهار وعلى رؤوس الأشهاد! حزب الدعوة الذي قضى صباه وشبابه في محاربة علي شريعتي (ضمن صراع المخابرات العراقية مع السافاك)، عاد الآن في كهولته وشيخوخته ليحتضن تياره ويتبنَّى تراثه وينادي بمقولته الشهيرة: “إما أن تكون حسينياً تجاهد بالسيف (السلاح)، أو زينبياً تقارع الظالمين بالكلمة (الإعلام)، وإلا فأنت يزيدي (في حزب الشيطان)”، ويتخذها شعاراً ودثاراً!.. والمفارقة الأُخرى أنَّ ولاية الفقيه (حكومة رجل الدين) التي هي من أكثر معالم المشروع الديني “رجعية” في قاموس القوم، وأشدها تنافراً مع دعاوى التحرُّر والتقدمية ونبذ الدكتاتورية، وكلِّ القيم التي ينادي بها التيار الدعوجي الشريعتي… غدت المفردة الوحيدة المستثناة من النقد في أدائهم الحداثي الإصلاحي! فامتنعوا عن التعرُّض لها والتعريض بها بأي نحو كان، وجنَّبوها ما ينزلونه بسواها من معالم الدين وعقائده، من المباح عندهم والمستباح.
لقد أصبحوا اليوم وهم في ذروة التباكي على الدين “العصري”… يجترُّون خطاب اليسار الملحد ويكررون مفردات الشيوعية! تضج منابرهم، وتعبَّـأ ساحاتهم، الواقعية والافتراضية، بعقد المقارنة بين الجهاد والبكاء على الحسين، وبين جبهات القتال ومواكب الزيارة والعزاء، وصاروا ينادون بشتى العبارات، في السر والعلن، والجهر والخفاء، بأن الشعائر الحسينية هي معالم رجعية وطقوس مخدِّرة، تشوِّه الدين وتصرف الناس عن مقاصده، لذا سيعملون على مكافحتها باسم تهذيبها، وإنهائها تحت غطاء تطويرها.
“الحسين لا يريد منك لبس السواد، ولا الجزع والبكاء، ولا اللطم والإدماء، ولا يحتاج إلى موائد الإطعام، ولا السير إلى مشهده مئات الكيلومترات، ولا طقوساً يُعاب بها علينا… الحسين يريدك أن تشهر سيفك وتثور، وتقارع الظالمين كما فعل هو حتى قضى وصحبه وأهل بيته شهداء”…
مقولات ساحرة وشعارات برَّاقة ونداءات رنانة، يمكن إسقاطها على كلِّ عبادة، ومحاكاة مداليلها لكلِّ شعيرة من شعائر الدين، من صلاة وصيام وحج وغيرها… فيقول الناقض: “إنَّ الله سبحانه وتعالى لا يريد منك ركوعاً وسجوداً يصنع منك كهيئة نقر الدجاج، بل يريد صرخة في محراب النضال وأذاناً بحيَّ على الجهاد. والإسلام لا يريد منك إمساكاً عن الطعام والشراب في شهر من كلِّ عام، بل انعتاقاً من اللذات وانصرافاً إلى الزهد الذي يصنع أرضية القيام في روحك، ويزيح عن طريق الثورة عوائق الترف، ويخرجك من الانغماس بالشهوات والتثاقل إلى الأرض. والشريعة الغراء لا تريد منك حجّاً وإحراماً تنزع فيه ثيابك وأنت متلبِّس بإعانة الظلمة والركون إليهم، ولا تطلب منك سعياً بين الصفا والمروة، بل تريد مسارعة إلى الحركة والعمل بما يُسقط أنظمة الجور، ويفضي إلى انعتاق الأُمة من سلطة أذناب الاستعمار، وهي لا تدعوك إلى طواف حول الكعبة يحكي دوامة التيه وحلقة ذكرٍ راقصٍ يتحرَّى لحظة وَجد صوفية، بل تحثُّك على الالتفاف بالقيادة والحوْم في فلكها وامتثال أمرها”…
بإمكان أي بيان ساحر وخطاب إعلامي مُغالطٍ مُصادِر أعور، يسلِّط الضوء على جانب ويغفل باقي الجوانب، أن يسحب البساط من تحت أية شعيرة، ويُبطِل أو يسفِّه أي طقس وعبادة، لتعود مقولة كارل ماركس حيَّـة من جديد: “الدين أفيون الشعوب”، تنبعث وتتمثَّل في كل ما ينادي به القوم ويسعون!
ولا يعنيني ما يفعل المنافقون الطلقاء، من أمثال مهرِّج بيروت والقصير الدجال ومومس الأحساء… فهؤلاء مرتزقة أُجراء، متطفِّلون على الحركة والجهاد، متوغلون طارئون، لم يعرفوا في حياتهم سيفاً ولا بندقية، ولا شاركوا في اعتصام أو مظاهرة، ولا عانوا اعتقالاً أو مطاردة، ولا قاسوا أحكاماً بالحبس أو النفي، ولا التهجير والإبعاد، أو أي شكل من أشكال الاضطهاد، ما زالوا في رفاهية من العيش وَادعين فاكهين آمنين… طالما خاض هؤلاء الحروب، لكن من مقاعد النُظَّارة، وكثيراً ما انخرطوا في الجبهات، لكن في معاركنا الداخلية، ومن مواقع إثارة الفتن وافتعال الأزمات بين الإخوة، أو تلك التي تتحيَّن لحصاد المكاسب وجني الثمار من حطام الدنيا التي يعبدون: مالاً وسلطة وشهرة… فلا شأن لنا بهم، ولا قيمة تذكر لهم، فهم سيتحوَّلون بين ليلة وضحاها، وينقلبون في غضون ساعات، كما فعلوا من قبل، وستراهم غداً كما رأيتهم بالأمس، يـسِمون غير إبلهم ويرِدون غير مشربهم، وسوف تظهر فيهم حسيكة النفاق ثانية وثالثة. ومهما رأيتهم يجلجلون ويصرخون، ويتعرَّقون من الانفعال ويزبدون، فلا تسمح لهذا التصنُّع أن يستغفلك، ولا لهذا التمثيل المسرحي أن يغويك ويستزلَّك… فما هو إلا تلبيس إبليس، لا ينطلي على الواعين الأكياس.
إنما يعنيني الأبناء الحقيقيون للخميني، وأُبالي بالذين بذلوا أموالهم وخاطروا بأنفسهم وأهليهم، وأكترث بمن قدَّموا في طريق الثورة وضحوا في سبيلها وكابدوا.. فالحسرة على الصادقين، والأسف على المخلصين، أن يلحقوا بركب الالتقاطيين وينغمسوا في فكر “الدعوة”، ويكرروا شعارات شريعتي وضلالات فضل الله!
ما لكم كيف تحكمون؟ هل إماميون اثنا عشريون أنتم أم زيديُّون؟ لا تنعقد الإمامة عندكم إلا للقائم بالسيف؟ ألا تعترفون بالحسن السبط إماماً إذ قعد؟ ألا توالون السجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري ما داموا لم يشهروا السيف وينهضوا بالجهاد؟! أين تذهبون، وماذا يراد بكم؟
عندما يتباهى “الأصيل” ويختال بـ “أين المطبرون عن ساحات الجهاد”؟ فإنه يُفسح لـ “اللصيق” أن يسخر ويستهزئ بزوَّار الأربعين قائلاً: “ما عندك مشروع وَعْي ونهضة أُمة، فمن الطبيعي أن تقتصر على التمَّن والچاي، وتمارس نرجسيتك، إنك مخلص لاسم الحسين فقط”… ماذا تفعلون وأي أبواب غضب الله على أنفسكم تفتحون؟ ألا تحسبون أنكم ميِّـتون يوماً فملاقون ربكم؟ ألا تتَّعظون مما جرى على صدام وحسين كامل وكل من انبرى للشعائر الحسينية بالحرب والعداء؟ وهو على مراتب وفي درجات، ولعلَّ فعل بعض الشيعة لا يقل قبحاً وفظاعة عن أفعال أولئك الأوغاد.
ثم هل من ظلم لسيد الشهداء وبخس لحقِّه وتضييع لرسالته وتفريط بقيَمه، أكبر من حصر حركته وعطائه في الجانب السياسي والجهادي؟ وكأن الحسين عليه السلام سيفٌ مُشهر وملحمة حربية تُؤثر، مجرد ثورة وقتال، فيُذكر ويعظَّم سلام الله عليه، كما يُكـبَر جيفارا ويُمجَّد عمر المختار!… إنه أيها الكرام مدادٌ سال فسطر أعظم العلوم والحكمة الإلهية، ونبعٌ تدفَّق ففاض بأنفس جواهر وكنوز المعارف الربانية، وأنفاس ملكوتية تردَّدت بين جنبات قدسية، وانطلقت في فضاءات المدينة المنوَّرة وآفاق الكوفة المعظَّمة وربوع مكة المكرَّمة وعرصات كربلاء المعلَّاة، فرسمت أبلج وأروع المناهج العرفانية، وقدَّمت أسمى طرق المعارج التي تسلك بالبشرية نحو قمم الرفعة وذُرى السمو والعظمة، وتأخذ بيد جميع الكائنات إلى كمالها المنشود وغاياتها المرجوَّة. إنه سيرة وصورة تطابقت مع نفس وسريرة، فكتبت أعظم فصول المبادئ والقيم الإنسانية.. وكلها مما يتضاءل أمامها العطاء السياسي حتى يتلاشى أو يتصاغر، بدليل وجداني لا ينكر: أنه ضحَّى بهذا دون تلك، وقدَّمه في سبيل هذه، وهو العالم بأنه لن ينتصر في ثورته، ولن يحقِّق قيامُه حكمَ الله في أرضه!
كيف يسمح مؤمن لنفسه أن يهتك ويبتذل أعظم مفاهيم الدين وأخطر تعاليمه، باسم الجهاد والثورة والقتال؟.. إن سيد الشهداء كان يمكنه بإشارة من سبابته، بل بالتفاتة من إرادته، وخاطر يخفق مع وَجيب قلبه الذي ينبض حياةً برجائها حييت قلوب شيعته، أن يقلب عاليها سافلها، ويستنزل جنداً من السماء، بل يجمع من شتات الأرض في لحظة، مَن يبيد أعداءه ويفنيهم عن بكرة أبيهم، ويستأصلهم فلا يخلفون خلفاً يقيم دولة الشيطان باسم الإسلام.. لكنه امتنع، فأبلغنا رسالته الأعظم: إن هناك جهاد أكبر، أكبر من هذا الذي قُطِّعت فيه الأيدي وطاحت الرؤوس، فهذا أصغر بالنسبة إلى ذاك. فأين عساه أن يكون إلا في قلب المؤمن؟ يلوذ بعرش الله، بعد أن استوى عليه وَليُّـه وتربَّع؟! امتنع صلوات الله عليه حتى يبلغ البشرية ويعلِّمها إنَّ الحقَّ من العظمة والسمو والرفعة والقيمة ما يتجاوز مظاهر النصر والغلبة ومعاييرها في هذه الدنيا الفانية…
وهنا اليوم بغلٌ يرمح وحمار ينهق بأن “لو كان حزب الله موجوداً في عام 61 للهجرة لما سُبيت زينب”!..
بفيك الحصى والكَثكَث أيها الجاهل الأخرق، أين كنت عن ثكنة فتح الله عام 1987؟ وأين عنك قتل النساء تحت جسر المطار سنة 1993؟ وأين كنت عن قذائف المدفعية الصدامية التي دكَّت في الانتفاضة الشعبانية حرم سيد الشهداء عام 1991؟ بل أين أنت الآن عن الجريمة المستمرة منذ 1805 في هدم قبور أئمة البقيع؟ وهي أشد حرمة وخطراً من حرم مولاتنا زينب عليها السلام في الشام؟.. إنَّ الجواب الشرعي والعلمي المنطقي هنا، هو مدى الإمكانية، وظروف الوضع السياسي الذي يقتضي مرة هذا الفعل وأُخرى ذاك، وأنَّ في كتاب الله وسنة نبيِّه وشرع الأئمة الأطهار من آله، أصلٌ أصيل حاكم على الجهاد والقتال، هو التقية، حكمت هنا فحرم القيام ووجب القعود… ولكن لازِمة هذا البيان والنزول على الحق والحكم بالعدل، هو ردع الغوغاء وإسكات الهمج الرعاع، عندها يعود التباكي على قيم الجهاد تبجُّحاً سمجاً، ويظهر الزَّهْو بالبطولات على حقيقته، نفخاً شيطانياً، وترجع الأُمور إلى نصابها، فالمؤمنون يتحرَّون قيادة وراية شرعية يقاتلون تحت ظلِّها، لذا تراهم يلتحقون بالحشد الشعبي لفتوى مرجع جامع أباحت وحثَّت، ويلتحق بجبهاتكم من يؤمن ويثق بأن الأمر دفاع حقٌّ عن العتبات، ونصرة حقيقية للدين، وليست لعبة وأوراقاً تُلقى على مائدة قمار الدول الكبرى، كما فعلوا بفلسطين.
ولعمري، كأن الشعائر الحسينية (وهم يضعونها بإزاء الجهاد) تجري في راحة ودعة، ورخاء وأمان! وتقام كما كان يعبِّر الضال المضل فضل الله “بدم بارد”؟! والحال إنَّ المواكب والحسينيات هي جبهات وصفوف قتال وخطوط التحام أُولى مع الإرهاب.. وهي تستقبل المفخَّخات بصدور عارية، وتواجه الدواعش دون بنادق ولا سواتر وخنادق. فمَن تراه الأكثر شجاعة وبطولة هنا؟ المقاتل المدجَّج بالسلاح، المتسربل بالدرع المضاد للرصاص، والبيضة والخوذة التي تقيه الشظايا، والمتترِّس في ممرات خفية وأنفاق، والمتقدم، إن تقدَّم، خلف المدرعات، والرامي من بعيد بالمدفعية والصواريخ والراجمات؟ أم الزاحف إلى قبر الحسين حافي القدمين، حاسر الرأس؟ حتى إذا سمع بانفجار طال موكباً سبقه، عاد أدراجه، ولكن ليصطحب أهله وعياله! ولو قارنت أعداد الشهداء الذي قضوا هنا لرأيتها أضعافاً مضاعفة عنها هناك!.. والطامة أنَّ ظلم هذه المقارنة يمتد بامتداد الرعب والإرهاب إلى جميع بلاد الشيعة، فهي كلها اليوم مستهدَفة مهدَّدة، وقد نزل بكلٍّ منها نصيبه من القتل والإرهاب، من العراق إلى باكستان، فالخليج ولبنان، حتى أفغانستان.. فأين الأمان والدعة التي زعمتم أن أرباب الشعائر آثروها على الجهاد؟
نصيحتي إلى القوم أن يتعلَّموا من سعد الحريري ويتَّعظوا من أدائه!..
وهو الذي صوَّره إعلامنا ولداً طائشاً، لم يرث من المجد الحقيقي شيئاً، لا علماً ولا كرامة، ما هي إلا دولارات لا يُحسن توظيفها، وليرات يتفنن في تبديدها، وهو منشغل جُلّ وقته باللهو بالألعاب الألكترونية! هذه هي صورة الحريري في أذهان عموم الشيعة… وفي قِباله وبإزائه ينتصب مَن جاءه المجد من أقاصيه، وجمعه من أطرافه، نجابة وشرف في النسب، ونزاهة وطهارة يد، وإخلاص، فتضحية وعطاء بلغ تقديم فلذات الأكباد. ثم كلَّل ذلك كلُّه بفخر النصر وبطولات عجز عنها العرب بجميع زعاماتهم، بما فيهم عبدالناصر وحافظ الأسد نفسه.
تعال وانظر أين بلغ خطاب هذا، وأين صار ذاك!
الحريري المفلس من كل متطلَّبات القيادة وأسباب الزعامة، ينتشل طائفته من خطر الضياع بل الإبادة والفناء، وينقذها من دفع الثمن الذي ينتظرها نتيجة الحرب الأهلية في سوريا، والدمار والإرهاب، الذي كان له ولها قصب السبق ودور الرافد الأول في تحريكه وتأجيجه، قبل أن يُـفسَح للإمدادات الإقليمية، فعملت الحديقة الخلفية لسوريا، دورها المدمِّر الذي قوَّض أركان البيت وبلغ به مشارف الانهيار… انسلَّ من كل ذلك وتنصَّل، وتبرأ وتنكَّر من كلِّ ما أشعل ودبَّر، وخرج بخطاب بليغ فصيح، وعميق متقن، رسمه بطلاً وطنياً وفارساً قومياً، وكرّسه أباً شفيقاً عطوفاً، ونصبه قائداً مضحِّياً رفيقاً، بل مسيحاً يخلِّص شعبه من الضياع وينقذ بلده من السقوط!
ثم تعال وانظر إلى الخطاب المقابل… انحدار يمزِّق أبناء طائفته، وضيق أُفق يشرذمهم في أعزِّ مقدساتهم، وحرج صدرٍ يقسِّمهم ويفرِّقهم في قضية هي أعظم عناوين الوحدة والالتقاء، والمنار الأول للالتفاف واللحمة بينهم!
وهنا أدعو المثقفين الشيعة، والنخب الفكرية والسياسية لتقرأ خطاب الحريري في ترشيح عون لرئاسة الجمهورية بتمعُّن بعيد عن هراء إعلامنا التافه، ويقارنوا بينه وبين المستوى السابق الذي كان يتلجلج فيه ويتخبَّط، ليكتشفوا ماذا كان يفعل الرجل في باريس، ويدركوا أنَّ السياسة علمٌ وفن، يرفده التعلُّم وعدم المكابرة على التحصيل والتلقِّي، ويصقله التواضع وعدم الغرور.. وإنَّ مَن لا يحصِّل ولا يقرأ ولا يتعلَّم، ينفذ ما عنده، وتفرغ جعبته، فلا يعود يملك ما يقدِّم للناس.
لقد تبرأت من هؤلاء منذ أن جاهروا وانغمسوا في عداء العقائد الولائية، وتورَّطوا في حرب الشعائر الحسينية، ولكنني على أية حال أحفظ وُداً سابقاً وزمناً وعهداً جمعنا، فأتوجَّه بنصيحة:
جرِّب أن تخشع للحسين وتخضع، أن تصُفَّ يوماً أحذية المعزِّين في مجلسه، حاول أن تشُقَّ جيبك مرَّة وتضجَّ وتصرخ في مصابه، اسع أن تقلِّد السيد القمي في هذه المفردة، أن تخرج من وقارك وتتخلى عن كبريائك ومقتضيات شأنك ومقامك، فتتجرد من ثوبك، وتجعله نطاقاً تتحزَّم به، لتعرِّي صدرك، وتأخذ في اللطم، حتى إذا مسَّت الحرقة روحك، وبلغ الجوى شغاف قلبك، توجَّه إلى إمامك وخاطبه بفؤاد كسير ولسان كليل: عبدك وابن عبدك، وابن أمَتك، المقر بالرِّق، والتارك للخلاف عليكم.. ثم ذُق ما شاء كرمه وجوده من برد الفهم والمعرفة بلذَّة مناجاته، وعش نشوة الوصل والاتصال بحبل موالاته، وحلِّق ما شئت في رحابه وآفاقه، مع الخليل الذي عثر في كربلاء فسقط وشُجَّ وسال دمه، فأُوحي إليه إنها مواساة لسبط خاتم الأنبياء، والكليم الذي أُلبس حُلَّة الاصطفاء لما عهدوا منه الوفاء، وروح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقهم الباكورة.. تعال إلى هذي الرحاب، ستعرف وتفهم ما يُخرج الملايين من بيوتها، وما يجعلها تصرُّ على شعائرها… ستعرف الحبَّ وتقاسي الوجد، ولن تعذل بعدها ولن تلوم.