• تداولت الأوساط الإيمانية مؤخراً تسجيلاً بالصوت والصورة للسيد العلوي البروجردي ينقل فيه قصة له مع العلامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان، والسيد العلوي من الأعلام الذين يتسالم القاصي والداني على وثاقته، ولا يرتاب أحد في صدقه وصحة نقله، والقصة تتعلق بزيارة قام بها السيد مع جمع للعلامة في بيته. يقول: طرقنا باب البيت (بيت العلامة الطباطبائي)، فحضر بنفسه وفتح لنا الباب، دخلنا وجلسنا في الغرفة المجاورة للمدخل، ويحضرني أنهم أتوا لنا بالشاي، طُرقت الباب (الداخلية)، فقام السيد بنفسه، إذ لم يكن هناك خادم، ويبدو أن امرأة أعدت لنا الشاي، فقام السيد وتناول منها الصينية (الخوان)، وكانت يده (قدس سره) تعاني من الرعاش، فقمت أنا وأخذت الصينية منه، وقدمت الشاي للحضور.

    التفت العلامة الطباطبائي رضوان الله عليه إلى العلامة المداح (أحد الحاضرين مع ضيوفه) وقال: ما دمت قد حضرت هنا، يطيب لي أن تقرأ لنا مجلس عزاء. قام المداح واستوى على كرسي في تلك الأنحاء وراح يقرأ. ويحضرني أنه أخذ يقرأ في مصيبة علي الأكبر، وقد اختار أبياتاً من قصيدة معروفة للشاعر إيرج ميرزا، التي مطلعها: “رسم است هركه داغ جوان ديد، دوستان رأفت برند حالت آن داغديده را”… (جرت العادة أن يرفق الأصحاب بحال من فقد فتى في ريعان الشباب). ومضي في قراءته، حتى وصل هذا البيت: “بعد از پسر، دل پدر آماج تير شد، آتش زدند لانه مرغ پريده را” (بعد الابن، صار قلب الأب مأوىً وغرضاً للسهام، لقد أضرموا النار في عش الطائر المدهوش). عندها طلب العلامة الطباطبائي من المداح الإعادة، وقال: أعد. فأعاد المداح هذا البيت، ثم طلب منه ذلك ثانية وثالثة ورابعة! والعلامة مستغرق في بكائه ودموعه تتقاطر على لحيته. استمر المجلس حتى أنهى المداح قراءته، وعاد ليجلس على الأرض. والعلامة الطباطبائي ما زال يكرر البيت الأخير ويمضي في بكائه وهو يضرب على فخذه! وبينما كان في هذه الحال، قال، ولعل الخطاب لم يكن موجهاً إلينا، لكنه على أية حال قال: ليت إيرج ميرزا يقايضني هذا البيت من الشعر بتفسير الميزان! وكانت نزعة التحقيق والملاحقة العلمية قوية فينا في تلك الأيام، فسألته: سيدنا، هل تعرف إيرج ميرزا؟ هل نظرت في أشعاره؟ لأن إيرج ميرزا كان شاعراً متهتكاً أو خليعاً (غير ملتزم)، قال: نعم، لدي ديوانه، مع ذلك، ليته يقايضني بيته هذا بتفسيري الميزان! ثم التفت العلامة وقال لي: لا يمكنني أن أتصور مولاي سيد الشهداء سيهمل أو لا يعتني بمن أنشد هذا البيت بحق علي الأكبر. انتهت القصة، وتمت الترجمة.

    أردت أن أقدم لساحتنا العربية ترجمة لهذا التسجيل والتوثيق الثمين، فيذكو في الأرجاء عرفٌ، وينتشر عبير، ويضوع عبق، بعد هذا النتن والزنخ والعطن الذي تعيشه الساحة، وما صار يزكم الأنوف ويعطل العقول ويغشي الأبصار من فعل المعتدين الضلّال.. عسى أن يخرج القارئ من أجواء اللوث التي ابتليت بها الساحة من إملاءات الشيطان ومكائد أوليائه، ميثاق نكرة لا أصل له ولا فصل، انتضى على المذهب سيف عداوته، وسدد سهامه نحو مستضعف مغلوب على أمره، أُخذ بزبرج قوله وأُسر بمغالطات ومصادراته، وهو خالي الوفاض ومنزوع السلاح، فانطلت عليه الحيلة ووقع في المكيدة. أردت أن أفتح نافذة على هواء نقي ونسائم منعشة، تزيح أجواء اللوث والدعارة وفضاء العهر والفجور الذي يخلقه وينشره مومس الأحساء، وقد ذهب بها في السفه والحمق عريضة، وراح يبارز طواحين الهواء! أما صخب التهريج والضجيج بلا حجيج، مما يمارسه القرد الحبتري، هو وقرينه عودة البيروتي، وثالثهم صاحب الدف وضابط الإيقاع القصير، فكأنه خلفية ثابتة للمشهد، لا تنفك ما دام المدد يصلهم من كبيرهم والغطاء يجللهم من أصل الزيغ ومنبع الإفساد.

    العلامة الطباطبائي، الفيلسوف الأبرز في زماننا، ورجل المدرسة “العقلية” الأول بلا منازع، الذي يرجع كل ظاهرة في الكون والحياة إلى موقعها العقلي، ويدرجها في موضعها من هذه المنظومة التي تكاد لا تُخترم، وهو بعد، المفكر المبدع الذي لا يملك الحداثويون والتنويريون إلا تعظيمه وإجلاله… يقايض أحد أكبر كتب التفسير، عشرين مجلداً حوَت أنفس العلوم وأشرف المعارف، وتكلفت سهر سنين متمادية وجهوداً مضنية من حياته العزيزة، يبيعها ببيت شعر واحد في عزاء علي الأكبر!.. من هنا يضوع المسك ويفوح الشذا، وتهب غدوات الجنان، تضمّخ من ألقى السمع وفتح الله منه المشام على نسائم الروح والريحان ونفحات الكمال وصَبا السمو والرفعة.

    ولمن يتساءل عن السر والسبب، ويعيش الاستغراب من فرط بُعده عن هذه الأجواء، وانغماسه بلوث الماديين ودنس الدنيويين: كيف يقايض علامة جليل، فيلسوف عقلائي، عملاً علمياً متيناً، ونتاجاً فكرياً ثميناً، يقايضه ببيت من الشعر؟! إن الرجل ببساطة “مؤمن”، والعالم الرباني “عارف”، يدرك أن إياب الخلق إليهم، وحسابهم عليهم. وهو لا يبالي بالدنيا ولا يكترث بما سيقال عنه فيها، إنه ينظر إلى العالم الحقيقي، هناك حيث المعايير هي الحب والولاء، وصدق التعبير والوفاء. هناك يضمحل الكم ويتلاشى المقدار أمام النوع والكيف، ويصبح تدبر ساعة خير من عبادة سنة كاملة، ويغدو بيت شعر أو دمعة مراقة في عزاء سيد الشهداء، خير من مئة مبرة ترتهن أيتام آل محمد، وألف مطعم ساحة ومحطة وقود وبورصة أوراق مالية أدخلت خمس آل محمد وجعلته في استثمارات المترفين البطرين، ونهباً للفاسدين والسارقين.

    لقد كان العلامة قدس سره، مؤمناً معتقداً… وأدعياء العقلنة والتنوير ودعاة الحداثة والإصلاح الذين يخوضون في الساحة اليوم، ليس فيهم مؤمن معتقد واحد، كلهم كاذبون، يتاجرون بالدين ويخوضون معركتهم لمجرد العناوين، لا أحد منهم يحمل همَّ الإسلام ولا منهم من يعنيه التشيع، كل ما هناك مشروع سياسي يؤمِّن لهم رواتبهم ومكاسبهم، ويكفل استمرارهم في مناصبهم. ولو اقتضت دنياهم عكس ما يطرحون، لفعلوا وانقلبوا، وصاروا ولائيين أكثر من الوحيد الخراساني والسيد هاشم البحراني.

    وأملاً في مشاركة ذاك المجلس الملكوتي المعظم، أعرض باقي أبيات القصيدة، مع ترجمتها، لعلي أوفق في استدرار دمعة من عين قارئ فأحظى:

    رسم است هر كه داغ جوان ديد، دوستان رأفت برند حالت آن داغديده را (قضت الأعراف أن يرفق الأصحاب بحال من فقد فتىً في ريعان الشباب)

    يك دوست زير بازوي او گيرد از وفا، وآن يك ز چهره پاك كند اشك ديده را (يغلب الوفاء صاحبه فيحتمله من عضده، ويمسح آخر دموعه عن وجهه)

    آن ديگري بر او بفشاند گلاب وشهد تا تقويت كند دل محنت كشيده را (وآخر ينضح وجهه بماء الورد، ليشد أعصابه ويقوي قلبه في مصابه)

    جمعي دگر براي تسلاي او دهند شرح سياهكاري چرخ خميده را (وجمع يواسونه وهم يعددون له غدر الزمان وانتكاس عجلة الأقدار)

    القصه هر كس به طريقي ز روي مهر تسكين دهد مصيبت بر وي رسيده را (هكذا يقوم كلٌّ بدوره في تسكين جرحه والمصاب الذي حلَّ به)

    آيا كه داد تسليت خاطر حسين چون ديد نعش اكبر در خون تبيده را (فمن تراه واسى الحسين حين رأى جثمان الأكبر معفراً بدماه؟)

    آيا كه غمگساري واندوه بري نمود، ليلاي داغديده ي محنت كشيده را (تُرى من أظهر الأحزان والهموم وشارك ليلى المصابة آلامها؟)

    بعد از پسر دل پدر آماج تيغ شد، آتش زدند لانه ي مرغ پريده را (بعد الأبن، صار قلب الأب مأوىً وغرضاً للسهام، لقد أضرموا النار في عش الطائر المدهوش)

  • بعد خمس سنوات متتالية من مشاركة الضال المضل محمد حسين فضل الله في معرض كتاب النجف الأشرف، بكتب أملاها عليه الشيطان وأوحى له بأباطيلها إبليس، سجَّل فيها تخرُّصاته، وسطر ما شاء له الشقاء من حسد لآل محمد وحرب على الولاء من خفاء، فسوَّد صفحات بذل عليها من تبرعات المستغفلين للأيتام، أو من أموال الخمس التي “جناها” بصفقات مع الأثرياء والتجار، من ملتمسي الرخص ومتحرِّي الميوعة في الدين… تم هذا العام حظر مشاركته، فتوقف نـزِّ القيح، وأقلعت الحمَّى، وطهر بعض اللوث.

    لا أدري مَن هو الغيور الموفَّق الذي نهى عن هذا المنكر، والشريف النزيه الذي تصدَّى لهذا العبث الفكري والعقائدي، فأزال النجَس، الذي ليس له أن يقرب “البيت”، وأوقف الهتك المؤلم لحرمة جوار أميرالمؤمنين عليه السلام، وحال دون أن يتسرب هذا الصديد من تلك البؤرة القذرة، ويسري العفن من ذلك الجرح الملتهب الموبوء، الذي لُفظ منذ عقدين ونيف من حوزة قم وطُرد، وبتر فاسد عضوه واجتُثَّ غاسق جرحه على يد جراحين مهرة وحكماء بصراء، مثَّلوا بحق حصون الدين وشكَّلوا قلاع الشريعة، فرضوان الله على الميرزا جواد التبريزي والشيخ بهجت، وأدام الله ظلال الوحيد الخراساني وصادق الروحاني ولطف الله الصافي وموسى الزنجاني..

    ويكفيك في معرفة حجم الإنجاز هنا وبركته، أن ترى كيف تصايح القوم وتنادوا، فطفر كل شيطان من وكره، وأطل برأسه من مغرزه، وكأنه نفير عام، فلم يبق آكل جيف ومقتات على وضر، من غربان وبنات آوى وضباع، ممن يصله المدد الشهري من “المبرات”، ممن انتظم في حلقة التهتك والفساد، إلا راح يزمجر وينعب، ويعوي وينهق، فصرت تسمع الصراخ من كل حدب وصوب، أينما حلَّت الخسة والرذالة، وحيثما شاع الفجور وراجت الخلاعة، فلم ينفرد هذه المرة ميثاق، بل لتحق بالركب الكاتب، وانضم إلى القطيع، جديد في عالم الصعاليك: الغلام ذي الوردة الحمراء، الذي كان حتى الأمس القريب يندس في جُحره ويتنكر لانتمائه ويتبرأ من تقليد إمامه، فقد اشتد ـ كما يبدو ـ عوده، وغدا مهيَّـئـاً للنزال، فمرحى!

    كان أول من ردَّ على الفتنة التي أشعلها فضل الله عام 1993 بالتشكيك بظلامة الزهراء عليها السلام هو السيد ياسين الموسوي فكتب “ملاحظات على منهج فضل الله”، وهو كتاب علمي تجنَّب أيَّ مسٍّ شخصي أو تجريح، وفي تاريخ 14/5/1997 (7 جمادى الثانية 1417)، ألقى فضل الله في الندوة التي كان يعقدها كل سبت في مكتبه في منطقة السيدة زينب، وهو في طريقه صائب النحاس، وتسوُّل المقسوم من أموال الرجل، حتى عمَّه الشؤم فأفلس! في تلك المحاضرة التي كان عنوانها العفو في الإسلام، قسَّم الهالك الناس أقساماً، وقال إن هناك من يضر به العفو، فلا يصلحه إلا العنف والقوة، وذكر مواصفات هؤلاء، ثم سئل عن سيد ياسين، من أي الأقسام أو الأنواع هو؟ فقال: إنه ممن يضره العفو! لم يتباطئ أتباعه المثقفون الواعون، المتحررون المنفتحون، فراحوا يعدون العدَّة ويهيئون الأسباب، حتى كمن خمسة منهم للسيد ياسين وهو في طريق عودته من الزيارة والصلاة في مرقد السيدة ومعه طفله الصغير، وتعرضوا له بالضرب المبرح، الذي أُدخل على إثره المستشفى ونزلت به إصابات بليغة، وقد منعه الإرهاب والتهديد بالعنف، والسطوة والقهر والنفوذ، وهو الغريب اللاجئ، الفار من بطش صدام، من الشكوى وملاحقة حقه بالقضاء.

    ولما مات فضل الله نشر موقع في الفيس بوك كتاب الجنازة الماسونية للشيخ محمد كاظم الغروي، فلم يطق القوم إلا رفع شكوى جمعوا لها وحشدوا التواقيع ليُحظر الحساب الذي نشر الكتاب!

    ولو نظر المراقب في ردودهم على العلامة السيد جعفر مرتضى، وهو الذي لم يتعرض لشخص الرجل بأدنى إساءة، وكل ما فعله هو نقد أفكاره وإبطال آرائه، باستدلالات علمية متينة ومفحمة… لرأى عجباً عجاباً من درجة الأخلاق ومدى سعة الصدور واستعداد العقول للحوار وتقبل الآخر، ولعرف كيف ربَّى الرجل أتباعه وعلى أية خسة وبذاءة أنشأهم…

    فعن أيِّ حرية رأي يتكلمون؟ وعن أيِّ بحث علمي يتحدَّثون؟ إنها موعظة العاهرة الشمطاء في العفة، وزهد من غلبته الحمَّى في الطعام، وتوبة الأثرم عن عزف الناي ونفخ المزامير!

    والمعضلة هنا أنك لا تدري من أي منطلق تحاججهم وتخاصمهم؟ هل هم دينيون ينزلون على حكم الله ورسوله وشريعته؟ أم علمانيون دنيويون، يحتكمون لواهي نتاج الفكر البشري الذي لا يأبى المثلية الجنسية حرية شخصية؟

    هل في الإسلام مساحة للقهر والإكراه أم لا؟ هل فيه إلزام عند عدم الامتثال عن طوع وقناعة أم لا؟ لا أدري ما يفعل أحدهم إذا لم تقتنع ابنته بالحجاب مثلاً؟ ألا يكرهها عليه؟ هل سيسمح لها بالخروج سافرة متبرجة، أم سيحول أمام “حريتها” الشخصية ويجبرها على التستر؟ ترى هل إكراه طفل على الصلاة من العقل في شيء؟ وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: “مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر”، هذا عند السنة، وعندنا عن أبي جعفر عليه السلام: “فإذا تم له سبع سنين.. قيل له: صلِّ، ثم يترك حتى يتم له تسع سنين، فإذا تمت له… أُمر بالصلاة وضرب عليها”؟! هل الإسلام يدعو إلى العنف الأُسري وهو يشرِّع لضرب المرأة في قوله تعالى: “واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً”، هل المرأة حيوان أو دابة، حتى تروَّض وتُطوَّع بالضرب؟ ألا يشترط في الصلاة نية القربى؟ كيف يُكره عليها الصبي ويضرب؟ أين العقل هنا والمنطق؟ وأين التمدن والتحضر؟!

    ماذا عن اتفاق فقهاء الإمامية على حرمة بيع وشراء واقتناء، وحتى مجرد قراءة كتب الضلال. بل وجوب إتلافها (إلا لمتخصص يريد دفعها والرد عليها)؟ هل يرى القوم أن الشهيد الصدر والسيد الخميني والسيد السيستاني من الفقهاء الرجعيين أيضاً؟ فإذا لم يقرأوا حتى الرسائل العملية للمراجع العظام، ألم يسمعوا أن الرجل الذي أسس الثورة وقاد الجهاد، ونظَّر لفكرة عداء أمريكا والصهيونية، أمر بقتل رجل بسبب كتاب نشره؟ هل قتل سلمان رشدي من الحرية والمنطق في شيء، وفقاً لمعاييركم التي تدينون بها حظر العتبة العلوية كتب إمامكم الضال؟ هل يواجَه القلم ويُرد على الكتابة بالقتل والإعدام؟

    الحرية عندنا مفهوم مقدس، قوامه التحرر من أسر الشيطان وعدم الارتهان للشهوات والغرق في الملذات والماديات والأهواء، ولا تكون إلا بتحكيم العقل وكسب العلم الذي يأمر بالشريعة، ويرى في الامتثال لها والخضوع لأحكامها أعظم قيمة، فالطاعة تجعل الإنسان مثل الله، يقول للشيء كن فيكون. أما ما يتوهمونه من الانفتاح على مداخل الضلال، والأخذ في دروب الباطل ومسالكه، فهو ليس من الحرية في شيء، إنه ارتهان وأسر وغرق في الهوى، ومن أخطر مكائد الشيطان “وإن كيد الشيطان كان ضعيفاً”.

    ومن غريب ما يسجَّل هنا، أنَّ لائحة الكتب الممنوعة في معرض طهران للكتاب، تبلغ أكثر من سبعمئة عنوان (مما قدمته دور النشر العربية المشاركة، والمسبوقة بطبيعة البلاد والمعرض، وإلا فالممنوعات أكثر من هذا بكثير)! ولم نسمع لهذه الضفادع نقيقاً هناك، ولا صدر من آسن مستنقعها نقد على هذا أو اعتراض؟! لماذا لا يبكون الحرية وينتفضون للفكر والتعددية، ولا يطالبون بها حيث سطوة أقرانهم ونفوذ رفاقهم (أم تراهم يبكون ـ في الحقيقة ـ سقوط المالكي وتضعضع كيان الفساد وبداية خطى الإصلاح في العراق)؟ حتى راحت تبربر سخلة أو تيس بالأمس، بتغريدة قرن فيها بين سفك دماء بريئة لأكثر من أربعين مؤمناً زائراً لمشاهد الفواطم والرؤوس في مقبرة الباب الصغير بدمشق، قضوا بتفجير انتحاري دموي مفجع، وبين منع كتب صاحبه! فقال الأخرق: “البارحة اغتيل فكر السيد فضل الله بمنع كتبه بمعرض أُقيم بمدينة العلم بالنجف. اليوم داعش يغتال زوار (هكذا) عراقيين بمدشق، الفكر الظلامي واحد”! ولعمري، هل يستخف هذا السفيه ويستهين بدماء الأبرياء، أم يرفع صاحبه إلى السماء؟ لست أدري، ولكن المصيبة مع هذا الغلو والجمود والتحجُّر، والمأساة مع الصنمية وعبادة الوثن وتقديس الرمز، أكبر من أن تعالج بمقالة أو كتاب، وتُقتلع بحجة ودليل، إنها كارثة ليس لها إلا سيف الحجة عجل الله فرجه.

    العزاء أن كتب فضلة الشيطان والحبتري وهذه الأضراب لا تُقرأ، وإذا قُرأت فهي لا تؤثر، ومنطلقي الشخصي في ميدان التصدِّي للضلال، لا يتحرى النتائج ولا يلاحق الثمرات، فأولياء إبليس من أتباع هؤلاء دخلوا في حزبه عن سابق اختيار، فالشقي شقي في بطن أمه، في أذنه وقر، لا يسمع الحق ولا يطيق الطُّهر. والنجباء الأطهار، في كتاب وديوان، لا يزيدون ولا ينقصون، لو صببت على أحدهم الدنيا بما فيها، ما كان ليترك ولاء آل محمد إلى غيرهم، أو يتخذ وليجة دونهم، وما زال يرى زخرف القول والغرور الذي يبثه الضال المضل، ترهات لا تستحق أن يتوقف عندها عاقل ناهيك بأن تؤثر عليه… إنما أنبري وأقحم هذا الميدان إفراغاً للذمة وعملاً بالتكليف، وأملاً في أن أحظى بشرف “واجعلني ممن تنتصر به لدينك، ولا تستبدل بي غيري”، وإلا فكل بلدة فيها جبانة ومجمع للقمامة، وليذهب كلٌّ ليلاقي حتفه ويهلك، فقد تمت الحجة وأُقيمت البيِّنة.

    هذا وإن كان للانتصارات طعمها، وما تورثه من بلج وفرح، كيف لا وهي “أخرى تحبونها”، كما وقع قبل أيام، حين نالتهم الخيبة من جمع حشدوا له ما استطاعوا، أرسلوا الدعوات، وشحذوا الهمم وجندوا الطاقات، وصرفوا وبذلوا، شمروا عن ساعد وكشفوا عن ساق، فإذا تمخَّض الجمل، ولد فأراً! لم يحضر ندواتهم أحَد، وكان الحضور مع المنظمين لا يتجاوز العشرين! ثم لم يستفيقوا من هذه الخيبة، وبينما كانوا يترنحون من هذه الصفعة، أتتهم ضربة المعرض في النجف الأشرف! فالحمد لله أولاً وأخيراً.

    “ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون”. 

  • في كتابه “المكاسب المحرمة” ج1 ص 376، في معرض الاستدلال على اختصاص الحرمة بغيبة المؤمن (الشيعي) دون سواه، بمن فيهم إخواننا السنة، يقول السيد الإمام الخميني:”… فغيرنا ليسوا بإخواننا وإن كانوا مسلمين، فتكون تلك الروايات مفسِّرة للمسلم المأخوذ في سائرها، بأن حرمة الغيبة مخصوصة بمسلم له أُخوَّة إسلامية إيمانية مع الآخر. ومنه يظهر الكلام في رواية المناهي وغيرها. والإنصاف أنَّ الناظر في الروايات لا ينبغي أن يرتاب في قصورها عن إثبات حرمة غيبتهم، بل لا ينبغي أن يرتاب في أن الظاهر من مجموعها اختصاصها بغيبة المؤمن الموالي لأئمة الحق عليهم السلام. مضافاً إلى أنه لو سُلِّم إطلاق بعضها وغضُّ النظر عن تحكيم الروايات التى في مقام التحديد عليها، فلا شبهة في عدم احترامهم بل هو من ضروري المذهب كما قال المحققون. بل الناظر في الأخبار الكثيرة في الأبواب المتفرقة لا يرتاب في جواز هتكهم والوقيعة فيهم، بل الأئمة المعصومون، أكثروا في الطعن واللعن عليهم وذكر مساوئهم. فعن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: إنَّ بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم. فقال الكف عنهم أجمل. ثم قال: يا أبا حمزة، إنَّ الناس كلهم أولاد بغاة ما خلا شيعتنا. والظاهر منها جواز الافتراء والقذف عليهم، لكن الكف أحسن وأجمل، لكنه مشكل إلا في بعض الأحيان ، مع أن السيرة أيضاً قائمة على غيبتهم، فنعم ما قال المحقق صاحب الجواهر إن طول الكلام في ذلك كما فعله في الحدائق من تضييع العمر في الواضحات”. 

    وفي كتابه “كشف الأسرار” ص126يقول قدس سره في معرض رده لشبهة عدم النص القرآني على الإمامة:”من مجموع ما تقدم يتضح أن مخالفة الشيخين للقرآن لم تشكِّل للمسلمين خطباً ولا خطراً! والمسلمون إما كانوا منخرطين في حزب الشيخين ومؤيدين لهما، أو كانوا معارضين لهما، ولكنهم لا يجرؤون على إعلان أو اتخاذ موقف أمام أولئك الذين تصرفوا مثل هذه التصرفات تجاه رسول الله وتجاه ابنته، وحتى إذا كان أحدهم يقول شيئاً، فإن كلامه لم يكن ليؤخذ به. وجملة الكلام أنه حتى إذا صرَّح القرآن بذلك (بالنص على ولاية أميرالمؤمنين)، فإن كلام الله لم يكن ليردع هؤلاء ويجعلهم يتراجعون عن هدفهم، فيتخلون عن الرئاسة ويتركون الاستيلاء على السلطة. غاية الأمر أن أبا بكر كان سيعالج الأمر بوضع حديث (في رد الآية القرآنية)، كما فعل مع آيات الإرث (في قضية فدك). أما عمر فلا يستبعد منه أن يقول إن الله أو جبريل أو النبي قد أخطأوا في إنزال هذه الآية، فيلقى تأييد السنيين وتراهم يتبعونه في ذلك، ويقدمون قوله على القرآن وحديث رسول الله”.

    ترى هل هذا الرأي والقول هو إثارة للفتنة الطائفية؟ وشق لعصى المسلمين ووحدتهم أمام الكفار والاستكبار العالمي؟ أم كلام الشيخ الوحيد الخراساني دام ظله، حول وجوب إباحة المكان في القبر، ومسوغات النبش ووجوبه في حال الغصب؟ وتطبيقه هذه الكبرى على دفن الشيخين في بيت رسول الله دون إذن ورضى أهل البيت؟! ثم إلزام أبي بكر بدعواه أن ما ترك رسول الله هو صدقة، وبهذا تكون داره ملكاً لجميع المسلمين، فهل استأذن الجميع في الدفن؟ وكيف أن ملزوم قوله هو وجوب نبش قبره؟…

    فليُجب الموتورون الذين تباكوا على الإسلام، وتصايحوا خوفاً وانتفضوا حرصاً عليه، من كلام الوحيد الخراساني، فقيه آل محمد حقاً، ونائب المهدي صدقاً، ووكيل إمام العصر والزمان بحجة وبرهان لا بقهر وسلطان… انتفضوا وكأنهم حماة الحمى وفرسان الهيجا، ورجال الثورة وأبطال سوحها وقادة ميادينها، وما هم إلا أوغاد سفلة من الأسقاط المتسلقين، وحثالات خاسئين من الدهماء الوصوليين، لم يُصَب أيٌّ منهم في طريقها بوخزة شوكة، ولا طاله في جولة من معاركها كلْم أو مضرَّة، ولا عانى يوماً من غصَّة أو لوعة، بل قضوها في رفاهية من العيش، وادعين فاكهين، يتربصون بها الدوائر، حتى إذا مضى قائدها إلى ربه، انثالوا عليها من كل حدب وانهالوا من كل جانب وصوب، فصارت الأذناب أرؤساً، والأعقاب مقادماً، والطغام والخشاش سراة وأعاظم! هكذا غدا الضلال مذهباً وصار النفاق ديناً، وها هم اليوم ينظِّرون للثورة الإسلامية ويتبجَّحون بالحرص عليها، ويتباكون على مبادئها وشعاراتها!…

    فليجيبوا إن استطاعوا على سؤال، وليقدموا إن تمكنوا الرد والجواب: هل يشكِّل كلام الخميني مادة للفتنة المذهبية أم لا؟ وما الفرق بينه وبين كلام الوحيد من حيث وحدة ملاك التحفُّظ والإدانة؟

    إذا كان مدَّعو الحرص على الوحدة الإسلامية، المتشدِّقون بشعارها والملتفون بلوائها، المستميتون على منع الفتنة الطائفية، والمتهالكون على الأُخوَّة الدينية، الحريصون على التصدي لكل ما يعكِّر صفوها، حتى أوغلوا في إطلاقات لا تقيِّد، وأسرفوا في تعميمات لا تخصِّص، وشملوا بحُكمهم”كلَّ”قول وفعل يثير الفتنة، و”أيَّ”شخص يقف خلفها،“أياً”كان عنوانه، و”مهما”بلغ شأنه ومقامه، في تعريض لا يخفى وكناية أبلغ من التصريح. ما كشف أن المستهدف من معركتهم المحتدمة منذ أمد، ليس التيار الشيرازي ولا حبيبه في بريطانيا، فما هو إلا عنوان مشير.. ها هم يتطاولون على المرجعية الأصيلة، ويتناوشون قمتها ويستهدفون رأسها، ويتعدون على صاحب الكرسي الأول في الحوزة، ورأس الهرم العلمي للشيعة! إنها فرصة سنحت لمشروعهم الأساس، ومزن يرجون منه هاطلاً قبل أن يجوزهم، ويمر عن أرض فلحوها بفؤوس الخيانة، وغرسوها ببذور الفتنة، عسى أن تلقح وتنتج ما يردي الأصالة، ويُجهز على العلم والفقاهة، ويبيد حملة الأُصول والفروع، فيتقوَّض كيان الحوزة، وينتهي وجود المرجعية، فيخلو لهم الميدان، وتطلق من خلالهم يد الشيطان.

    إنني أتحدَّى: إذا كان مهاجم المرجعية الأصيلة، والمتباكي على مقدسات إخواننا السنة، من صلب أبيه، فليسجِّل إدانته للخميني كما فعل مع الوحيد! ولا يخفى أن التعبير هنا لا يراد منه الطعن في النسب وطهارة المولد، فهذا شرف وُهب لكل موال، لا يسلب منه إلا بالانقلاب والنكوص، إنما هو تعبير يرمي إلى الرجولة والفحولة، ويتحدَّى أن يخلو”البطل المزعوم”من لين ورخاوة.

    الحقيقة إن أي طالب علم مهما تواضع سطح تحصيله، بل كل عاقل متزن، يحسن الفهم ويجيد تلقي الأُمور، خال من العُقَد، بعيد من الأغراض والأمراض.. سوف يميز بين مقام البحث العلمي، ومقام الإفتاء والدعوة إلى العمل وترتيب الأثر، فلا الشيخ الوحيد أفتى بنبش قبري الشيخين، ولا أمر بذلك، بل أنا حاضر شخصياً في داره، وهو يرد على مُطالب له بفتوى تجيز الرد على بعض السنة في أطراف إيران بالعنف، بأنَّ عِرض السني وماله ونفسه حرام كحُرمة الشيعي، وقد كرر: إنني أُفتي بهذا. وكذا السيد الخميني رحمه الله، لم يرد من طرحه إثارة فتنة ولا تأجيج صراع ولا إذكاء نار خامدة. وهكذا سائر علمائنا الذين تناولوا الدفاع عن العقيدة وتصدوا لبيان الحقائق في التاريخ، وبسط القول في التولي والتبري، وما يقتضيه ذلك من عرض المطاعن، حتى صُنِّـفت كتب مختصَّة بذلك… لم يرد أيٌّ منهم الفتنة، ولا قصد أحد إثارتها. ومنهم الشهيد الصدر في كتابه ”فدك”، فقد عرض لما تناوله الوحيد مؤخراً وحلَّل في ذلك وفصَّل. لكن يبدو أن القوم لا يؤمنون بالخميني ولا يعترفون بالصدر، اللهم إلا في ما يمضيه علي شريعتي من أفكار، ويوافق سيد قطب من آراء، وفي ما يدر معايشهم ويبسط سلطة أحزابهم. ولعمري لقد اتخذوا القرآن من قبل عضين، يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فالغيب في مدرستهم شأن العوام وعقيدة المتخلفين ومادة للتندر، والمعجزة مقولة العجزة وفكرة الرجعيين وأضحوكة ومهزلة، وإحكام عقد الولاية وإنزال المعصومين مراتبهم التي رتبهم الله فيها غلو وإفراط، وهكذا باقي صفات المتقين، بل العباد المربوبين، فهم يرون أنفسهم ـ من وحي الشيطان ـ أسياداً، بل آلهة وأرباباً!

    إنَّ ما صدر من الوحيد هو عطاء البحث العلمي الذي لا يمكنه أن يغفل الحقائق، ولا يسعه أن يتجاوز الأدلة.

    كيف خفيت عليهم بديهيات الفهم والإدراك، فأساءوا وتجنوا وافتروا، لست أدري. أتراه الخبث والدهاء؟ فلو صدق منهم الحرص على الوحدة، وحقَّت فيهم الرغبة في منع الفتنة، وأخلصوا في الخوف على دماء الشيعة، لتجاهلوا الأمر وتكتموا عليه ودفنوه في محلِّه، أو لرجعوا إلى قائله لتوضيحه وبيان حقيقته (والغريب الملفت، أن كل الضجة صدرت من”شيعة”! فلم يرصد للمواقع والمرجعيات السنية وقوفاً على الأمر ولا عكوفاً، لأنها تعلم خلفيته، أي الحوار والاحتجاج، وهو ليس في صالحها). لكنهم قوم لا يعرفون الصفو والصدق ولا الشرف والأمانة، نشأوا على اللوث والكدر وتغذوا من العسر والعكر، فلا يطيقون العيش إلا في الفتن، وقد ترعرعوا من الصيد في هذا الأسن، فلا يبالون أن يتشوه المذهب، ولا يكترثون أن يتهدده كيد الأعداء وتربصهم، كل ذلك انتقاماً لوكالة سقطت ومجد موهوم صار موطأ الأقدام، وعزٍّ كاذب ظهر حيناً، فاندثر من فرط الغرور، وزال من طيش ورعونة، ليتراكم عليه الوضر! أو هو من حسد يعيشه كبيرهم الذي يملي لهم ويرشدهم لما يفعلون، لزعامة ما طلبها الشيخ يوماً، ومحبة له قذفها الله في قلوب المؤمنين، ما للقوم فيها نصيب، اللهم إلا في جيوب المتمصلحين، وواهي حلوم السفهاء المغترين!

    إنه دين يا هذا، الدين الذي خرجتم عنه وبعتموه بحطام زائل من مال وشهرة ورئاسة، حين أظلم الحقد أرواحكم وأعمى الغي بصائركم فضللت عن سبيل الهدى. الدين الذي تعبثون به وكأنه”طين”، تشكِّلونه كيف ما يطيب لكم، وتصنعون منه تماثيل لأشخاصكم، وأوثاناً تستقطب الرعاع وتستضعفهم، أو كأنه”تين”تلتهمونه وتقتاتون عليه… ليقوم دينكم وينتشر مذهبكم، فيصبح سيد قطب علماً للمؤمنين ويضحي تفسيره مصدراً لمعارف القرآن الكريم، وقد نسب فيه شرب الخمر لأميرالمؤمنين! ويغدو من الطبيعي أن يتساوى في قاموسكم الترنم بالعود واللهو بالمعازف، مع التهجد بالأذكار والتنفل بصلاة الليل! ويمسي الشذوذ وتصير الميوعة موهبة ومفخرة في أوساطكم، لا تتأثَّمون من الوقوع فيها وممارستها، ولا تستنكفون أو تستحون من نسبتها إلى قواد ساحتكم ومديري دفة حركتكم! هكذا حتى يُحكِم التقاطيٌ دعيٌ طرده زنيم حبتري ميثاقه مع الضلال، فيطالب بما يفوق نسبة تراثنا إلى الإسرائيليات، وكأنه سباق يسارع العدَّاء فيه إلى حفر النيران، يحسب أن “تويتر”و”فيس بوك” هي الميدان، وأن الجمع المتابع هو كتاب الحسنات والميزان! وويل لمن كفَّره نمرود! 

    والحق أني ما كنت أحسب أن الظُلمة التي يعيشون تبلغ بهم هذا الحد من البغض والكراهية لهذه الشيبة المقدسة، وما كنت أظن أن في أداء الشيخ الوحيد دام ظله ما يقطِّع قلوبهم ويفري أكبادهم ويورثهم كل هذا الغل والشحناء؟! وإن كنت ألمس في أدائهم خطوات طائشة وتصرفات رعناء ومواقف موغلة في الخطأ، ترجع وتعود إلى عُقَد مستحكمة، نشأت فيهم من فرط الفشل وتلاحق الهزائم، وما زلت أرى في سلوكهم ضياعاً وتيهاً، من ضآلة الإنتاج مع وفرة الإمكانيات وعظمة القدرات.. ولكن أن يبلغ الأمر هذي الحدود، فهذا من العجيب الغريب، وقد قيل قديما لله در الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله!

    لقد لعنهم الشيخ بما افتروا وغيروا الكلم عن مواضعه، وقد رأيت اللعنة نزلت قبل أن يلفظها المقدس بلسانه، ذلك أن محض تصديهم لهذا الأمر ووقوعهم في هذا الأداء هو غضب نزل بهم وعقاب لخبث سرائرهم.. أن يعمد أدعياء الثقافة والتنوير، والوعي والحركية، إلى التهريج، ويقفزوا على الحقائق بهذا الشكل السافر، ويمارسوا لغة إعلامية لا تراها إلا لدى الأطفال، أدخلتهم في خطاب العوام من أوسع الأبواب، وأسراف في ازدراء العقل وابتذال الوعي بهذا الشكل المفتضح… فهذا يعني أن اللعنة قد حلَّت بهم، والسخط قد شملهم.

    لا شيء يقتل “الرسالي” ويفشل ”الحركي” ويفضح دعوات الإصلاح، ويزري بحركات التقدمية والتطوير، مثل تخليها عن منطلقاتها وتجاهلها لمرتكزاتها، ومجاراتها العوام في معركة وميدان طالما زعمت أنها تريد انتشالهم وإنقاذهم منه، فإذا بها تسقط في قعره وتتردى في حضيضه!

  • الكتابة نفحة، فرشْح…

    يختلج في الروح أمر، يقلّبه الفكر ويتدبر فيه، حتى إذا اعتمرت به النفس، واختمر في خوابيها، فنضج واستوى، صُبَّ في الكؤوس ودار بين الندامى..

    هكذا سال المداد وخطَّ اليراع، نقش كلمات وساق فقرات، صاغ منها كتاباً، أرجو فيه الفائدة وأحتسب الأجر، وأسألكم لذلك الدعاء.

  • عندما عُرضت بعض محاضرات ومؤلفات الدكتور علي شريعتي على السيد الإمام الخميني (حين كان في النجف الأشرف) لتقييمها وتحديد الموقف الشرعي منها ومن صاحبها، أجاب قدِّس سره بأن رائحة الشيوعية تفوح منها. ثم بعد عدة سنوات حين أرادوا ترجمة كتاب الحكومة الإسلامية (وهو بحث في ولاية الفقيه) للإمام الخميني، وعُرض الأمر على الشيخ الآصفي، رفض ذلك محتجّاً بأن أنفاساً شيوعية تتصاعد من هذا الكتاب!

    ومن هوان الدهر ومفارقاته الساخرة، أن عجلة الأقدار دارت، وتقلَّبت الدنيا من حال إلى حال، حتى صارت “الآصفية”، منهج مهدي الآصفي الحداثي (حزب الدعوة) وآراء آصف محسني الضلالي، تلتقي مجتمعة بعقائد علي شريعتي اليسارية وتنسجم مع فكره المشوب بالماركسية، فتصادران معاً ثورة الخميني وتستوليان على جمهوريته الإسلامية في وَضَح النهار وعلى رؤوس الأشهاد! حزب الدعوة الذي قضى صباه وشبابه في محاربة علي شريعتي (ضمن صراع المخابرات العراقية مع السافاك)، عاد الآن في كهولته وشيخوخته ليحتضن تياره ويتبنَّى تراثه وينادي بمقولته الشهيرة: “إما أن تكون حسينياً تجاهد بالسيف (السلاح)، أو زينبياً تقارع الظالمين بالكلمة (الإعلام)، وإلا فأنت يزيدي (في حزب الشيطان)”، ويتخذها شعاراً ودثاراً!.. والمفارقة الأُخرى أنَّ ولاية الفقيه (حكومة رجل الدين) التي هي من أكثر معالم المشروع الديني “رجعية” في قاموس القوم، وأشدها تنافراً مع دعاوى التحرُّر والتقدمية ونبذ الدكتاتورية، وكلِّ القيم التي ينادي بها التيار الدعوجي الشريعتي… غدت المفردة الوحيدة المستثناة من النقد في أدائهم الحداثي الإصلاحي! فامتنعوا عن التعرُّض لها والتعريض بها بأي نحو كان، وجنَّبوها ما ينزلونه بسواها من معالم الدين وعقائده، من المباح عندهم والمستباح.

    لقد أصبحوا اليوم وهم في ذروة التباكي على الدين “العصري”… يجترُّون خطاب اليسار الملحد ويكررون مفردات الشيوعية! تضج منابرهم، وتعبَّـأ ساحاتهم، الواقعية والافتراضية، بعقد المقارنة بين الجهاد والبكاء على الحسين، وبين جبهات القتال ومواكب الزيارة والعزاء، وصاروا ينادون بشتى العبارات، في السر والعلن، والجهر والخفاء، بأن الشعائر الحسينية هي معالم رجعية وطقوس مخدِّرة، تشوِّه الدين وتصرف الناس عن مقاصده، لذا سيعملون على مكافحتها باسم تهذيبها، وإنهائها تحت غطاء تطويرها.

    “الحسين لا يريد منك لبس السواد، ولا الجزع والبكاء، ولا اللطم والإدماء، ولا يحتاج إلى موائد الإطعام، ولا السير إلى مشهده مئات الكيلومترات، ولا طقوساً يُعاب بها علينا… الحسين يريدك أن تشهر سيفك وتثور، وتقارع الظالمين كما فعل هو حتى قضى وصحبه وأهل بيته شهداء”…

    مقولات ساحرة وشعارات برَّاقة ونداءات رنانة، يمكن إسقاطها على كلِّ عبادة، ومحاكاة مداليلها لكلِّ شعيرة من شعائر الدين، من صلاة وصيام وحج وغيرها… فيقول الناقض: “إنَّ الله سبحانه وتعالى لا يريد منك ركوعاً وسجوداً يصنع منك كهيئة نقر الدجاج، بل يريد صرخة في محراب النضال وأذاناً بحيَّ على الجهاد. والإسلام لا يريد منك إمساكاً عن الطعام والشراب في شهر من كلِّ عام، بل انعتاقاً من اللذات وانصرافاً إلى الزهد الذي يصنع أرضية القيام في روحك، ويزيح عن طريق الثورة عوائق الترف، ويخرجك من الانغماس بالشهوات والتثاقل إلى الأرض. والشريعة الغراء لا تريد منك حجّاً وإحراماً تنزع فيه ثيابك وأنت متلبِّس بإعانة الظلمة والركون إليهم، ولا تطلب منك سعياً بين الصفا والمروة، بل تريد مسارعة إلى الحركة والعمل بما يُسقط أنظمة الجور، ويفضي إلى انعتاق الأُمة من سلطة أذناب الاستعمار، وهي لا تدعوك إلى طواف حول الكعبة يحكي دوامة التيه وحلقة ذكرٍ راقصٍ يتحرَّى لحظة وَجد صوفية، بل تحثُّك على الالتفاف بالقيادة والحوْم في فلكها وامتثال أمرها”…

    بإمكان أي بيان ساحر وخطاب إعلامي مُغالطٍ مُصادِر أعور، يسلِّط الضوء على جانب ويغفل باقي الجوانب، أن يسحب البساط من تحت أية شعيرة، ويُبطِل أو يسفِّه أي طقس وعبادة، لتعود مقولة كارل ماركس حيَّـة من جديد: “الدين أفيون الشعوب”، تنبعث وتتمثَّل في كل ما ينادي به القوم ويسعون!

    ولا يعنيني ما يفعل المنافقون الطلقاء، من أمثال مهرِّج بيروت والقصير الدجال ومومس الأحساء… فهؤلاء مرتزقة أُجراء، متطفِّلون على الحركة والجهاد، متوغلون طارئون، لم يعرفوا في حياتهم سيفاً ولا بندقية، ولا شاركوا في اعتصام أو مظاهرة، ولا عانوا اعتقالاً أو مطاردة، ولا قاسوا أحكاماً بالحبس أو النفي، ولا التهجير والإبعاد، أو أي شكل من أشكال الاضطهاد، ما زالوا في رفاهية من العيش وَادعين فاكهين آمنين… طالما خاض هؤلاء الحروب، لكن من مقاعد النُظَّارة، وكثيراً ما انخرطوا في الجبهات، لكن في معاركنا الداخلية، ومن مواقع إثارة الفتن وافتعال الأزمات بين الإخوة، أو تلك التي تتحيَّن لحصاد المكاسب وجني الثمار من حطام الدنيا التي يعبدون: مالاً وسلطة وشهرة… فلا شأن لنا بهم، ولا قيمة تذكر لهم، فهم سيتحوَّلون بين ليلة وضحاها، وينقلبون في غضون ساعات، كما فعلوا من قبل، وستراهم غداً كما رأيتهم بالأمس، يـسِمون غير إبلهم ويرِدون غير مشربهم، وسوف تظهر فيهم حسيكة النفاق ثانية وثالثة. ومهما رأيتهم يجلجلون ويصرخون، ويتعرَّقون من الانفعال ويزبدون، فلا تسمح لهذا التصنُّع أن يستغفلك، ولا لهذا التمثيل المسرحي أن يغويك ويستزلَّك… فما هو إلا تلبيس إبليس، لا ينطلي على الواعين الأكياس. 

    إنما يعنيني الأبناء الحقيقيون للخميني، وأُبالي بالذين بذلوا أموالهم وخاطروا بأنفسهم وأهليهم، وأكترث بمن قدَّموا في طريق الثورة وضحوا في سبيلها وكابدوا.. فالحسرة على الصادقين، والأسف على المخلصين، أن يلحقوا بركب الالتقاطيين وينغمسوا في فكر “الدعوة”، ويكرروا شعارات شريعتي وضلالات فضل الله!

    ما لكم كيف تحكمون؟ هل إماميون اثنا عشريون أنتم أم زيديُّون؟ لا تنعقد الإمامة عندكم إلا للقائم بالسيف؟ ألا تعترفون بالحسن السبط إماماً إذ قعد؟ ألا توالون السجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري ما داموا لم يشهروا السيف وينهضوا بالجهاد؟! أين تذهبون، وماذا يراد بكم؟

    عندما يتباهى “الأصيل” ويختال بـ “أين المطبرون عن ساحات الجهاد”؟ فإنه يُفسح لـ “اللصيق” أن يسخر ويستهزئ بزوَّار الأربعين قائلاً: “ما عندك مشروع وَعْي ونهضة أُمة، فمن الطبيعي أن تقتصر على التمَّن والچاي، وتمارس نرجسيتك، إنك مخلص لاسم الحسين فقط”… ماذا تفعلون وأي أبواب غضب الله على أنفسكم تفتحون؟ ألا تحسبون أنكم ميِّـتون يوماً فملاقون ربكم؟ ألا تتَّعظون مما جرى على صدام وحسين كامل وكل من انبرى للشعائر الحسينية بالحرب والعداء؟ وهو على مراتب وفي درجات، ولعلَّ فعل بعض الشيعة لا يقل قبحاً وفظاعة عن أفعال أولئك الأوغاد.

    ثم هل من ظلم لسيد الشهداء وبخس لحقِّه وتضييع لرسالته وتفريط بقيَمه، أكبر من حصر حركته وعطائه في الجانب السياسي والجهادي؟ وكأن الحسين عليه السلام سيفٌ مُشهر وملحمة حربية تُؤثر، مجرد ثورة وقتال، فيُذكر ويعظَّم سلام الله عليه، كما يُكـبَر جيفارا ويُمجَّد عمر المختار!… إنه أيها الكرام مدادٌ سال فسطر أعظم العلوم والحكمة الإلهية، ونبعٌ تدفَّق ففاض بأنفس جواهر وكنوز المعارف الربانية، وأنفاس ملكوتية تردَّدت بين جنبات قدسية، وانطلقت في فضاءات المدينة المنوَّرة وآفاق الكوفة المعظَّمة وربوع مكة المكرَّمة وعرصات كربلاء المعلَّاة، فرسمت أبلج وأروع المناهج العرفانية، وقدَّمت أسمى طرق المعارج التي تسلك بالبشرية نحو قمم الرفعة وذُرى السمو والعظمة، وتأخذ بيد جميع الكائنات إلى كمالها المنشود وغاياتها المرجوَّة. إنه سيرة وصورة تطابقت مع نفس وسريرة، فكتبت أعظم فصول المبادئ والقيم الإنسانية.. وكلها مما يتضاءل أمامها العطاء السياسي حتى يتلاشى أو يتصاغر، بدليل وجداني لا ينكر: أنه ضحَّى بهذا دون تلك، وقدَّمه في سبيل هذه، وهو العالم بأنه لن ينتصر في ثورته، ولن يحقِّق قيامُه حكمَ الله في أرضه!

    كيف يسمح مؤمن لنفسه أن يهتك ويبتذل أعظم مفاهيم الدين وأخطر تعاليمه، باسم الجهاد والثورة والقتال؟.. إن سيد الشهداء كان يمكنه بإشارة من سبابته، بل بالتفاتة من إرادته، وخاطر يخفق مع وَجيب قلبه الذي ينبض حياةً برجائها حييت قلوب شيعته، أن يقلب عاليها سافلها، ويستنزل جنداً من السماء، بل يجمع من شتات الأرض في لحظة، مَن يبيد أعداءه ويفنيهم عن بكرة أبيهم، ويستأصلهم فلا يخلفون خلفاً يقيم دولة الشيطان باسم الإسلام.. لكنه امتنع، فأبلغنا رسالته الأعظم: إن هناك جهاد أكبر، أكبر من هذا الذي قُطِّعت فيه الأيدي وطاحت الرؤوس، فهذا أصغر بالنسبة إلى ذاك. فأين عساه أن يكون إلا في قلب المؤمن؟ يلوذ بعرش الله، بعد أن استوى عليه وَليُّـه وتربَّع؟! امتنع صلوات الله عليه حتى يبلغ البشرية ويعلِّمها إنَّ الحقَّ من العظمة والسمو والرفعة والقيمة ما يتجاوز مظاهر النصر والغلبة ومعاييرها في هذه الدنيا الفانية…

    وهنا اليوم بغلٌ يرمح وحمار ينهق بأن “لو كان حزب الله موجوداً في عام 61 للهجرة لما سُبيت زينب”!..

    بفيك الحصى والكَثكَث أيها الجاهل الأخرق، أين كنت عن ثكنة فتح الله عام 1987؟ وأين عنك قتل النساء تحت جسر المطار سنة 1993؟ وأين كنت عن قذائف المدفعية الصدامية التي دكَّت في الانتفاضة الشعبانية حرم سيد الشهداء عام 1991؟ بل أين أنت الآن عن الجريمة المستمرة منذ 1805 في هدم قبور أئمة البقيع؟ وهي أشد حرمة وخطراً من حرم مولاتنا زينب عليها السلام في الشام؟.. إنَّ الجواب الشرعي والعلمي المنطقي هنا، هو مدى الإمكانية، وظروف الوضع السياسي الذي يقتضي مرة هذا الفعل وأُخرى ذاك، وأنَّ في كتاب الله وسنة نبيِّه وشرع الأئمة الأطهار من آله، أصلٌ أصيل حاكم على الجهاد والقتال، هو التقية، حكمت هنا فحرم القيام ووجب القعود… ولكن لازِمة هذا البيان والنزول على الحق والحكم بالعدل، هو ردع الغوغاء وإسكات الهمج الرعاع، عندها يعود التباكي على قيم الجهاد تبجُّحاً سمجاً، ويظهر الزَّهْو بالبطولات على حقيقته، نفخاً شيطانياً، وترجع الأُمور إلى نصابها، فالمؤمنون يتحرَّون قيادة وراية شرعية يقاتلون تحت ظلِّها، لذا تراهم يلتحقون بالحشد الشعبي لفتوى مرجع جامع أباحت وحثَّت، ويلتحق بجبهاتكم من يؤمن ويثق بأن الأمر دفاع حقٌّ عن العتبات، ونصرة حقيقية للدين، وليست لعبة وأوراقاً تُلقى على مائدة قمار الدول الكبرى، كما فعلوا بفلسطين.

    ولعمري، كأن الشعائر الحسينية (وهم يضعونها بإزاء الجهاد) تجري في راحة ودعة، ورخاء وأمان! وتقام كما كان يعبِّر الضال المضل فضل الله “بدم بارد”؟! والحال إنَّ المواكب والحسينيات هي جبهات وصفوف قتال وخطوط التحام أُولى مع الإرهاب.. وهي تستقبل المفخَّخات بصدور عارية، وتواجه الدواعش دون بنادق ولا سواتر وخنادق. فمَن تراه الأكثر شجاعة وبطولة هنا؟ المقاتل المدجَّج بالسلاح، المتسربل بالدرع المضاد للرصاص، والبيضة والخوذة التي تقيه الشظايا، والمتترِّس في ممرات خفية وأنفاق، والمتقدم، إن تقدَّم، خلف المدرعات، والرامي من بعيد بالمدفعية والصواريخ والراجمات؟ أم الزاحف إلى قبر الحسين حافي القدمين، حاسر الرأس؟ حتى إذا سمع بانفجار طال موكباً سبقه، عاد أدراجه، ولكن ليصطحب أهله وعياله! ولو قارنت أعداد الشهداء الذي قضوا هنا لرأيتها أضعافاً مضاعفة عنها هناك!.. والطامة أنَّ ظلم هذه المقارنة يمتد بامتداد الرعب والإرهاب إلى جميع بلاد الشيعة، فهي كلها اليوم مستهدَفة مهدَّدة، وقد نزل بكلٍّ منها نصيبه من القتل والإرهاب، من العراق إلى باكستان، فالخليج ولبنان، حتى أفغانستان.. فأين الأمان والدعة التي زعمتم أن أرباب الشعائر آثروها على الجهاد؟

    نصيحتي إلى القوم أن يتعلَّموا من سعد الحريري ويتَّعظوا من أدائه!..

    وهو الذي صوَّره إعلامنا ولداً طائشاً، لم يرث من المجد الحقيقي شيئاً، لا علماً ولا كرامة، ما هي إلا دولارات لا يُحسن توظيفها، وليرات يتفنن في تبديدها، وهو منشغل جُلّ وقته باللهو بالألعاب الألكترونية! هذه هي صورة الحريري في أذهان عموم الشيعة… وفي قِباله وبإزائه ينتصب مَن جاءه المجد من أقاصيه، وجمعه من أطرافه، نجابة وشرف في النسب، ونزاهة وطهارة يد، وإخلاص، فتضحية وعطاء بلغ تقديم فلذات الأكباد. ثم كلَّل ذلك كلُّه بفخر النصر وبطولات عجز عنها العرب بجميع زعاماتهم، بما فيهم عبدالناصر وحافظ الأسد نفسه.

    تعال وانظر أين بلغ خطاب هذا، وأين صار ذاك!

    الحريري المفلس من كل متطلَّبات القيادة وأسباب الزعامة، ينتشل طائفته من خطر الضياع بل الإبادة والفناء، وينقذها من دفع الثمن الذي ينتظرها نتيجة الحرب الأهلية في سوريا، والدمار والإرهاب، الذي كان له ولها قصب السبق ودور الرافد الأول في تحريكه وتأجيجه، قبل أن يُـفسَح للإمدادات الإقليمية، فعملت الحديقة الخلفية لسوريا، دورها المدمِّر الذي قوَّض أركان البيت وبلغ به مشارف الانهيار… انسلَّ من كل ذلك وتنصَّل، وتبرأ وتنكَّر من كلِّ ما أشعل ودبَّر، وخرج بخطاب بليغ فصيح، وعميق متقن، رسمه بطلاً وطنياً وفارساً قومياً، وكرّسه أباً شفيقاً عطوفاً، ونصبه قائداً مضحِّياً رفيقاً، بل مسيحاً يخلِّص شعبه من الضياع وينقذ بلده من السقوط!

    ثم تعال وانظر إلى الخطاب المقابل… انحدار يمزِّق أبناء طائفته، وضيق أُفق يشرذمهم في أعزِّ مقدساتهم، وحرج صدرٍ يقسِّمهم ويفرِّقهم في قضية هي أعظم عناوين الوحدة والالتقاء، والمنار الأول للالتفاف واللحمة بينهم!

    وهنا أدعو المثقفين الشيعة، والنخب الفكرية والسياسية لتقرأ خطاب الحريري في ترشيح عون لرئاسة الجمهورية بتمعُّن بعيد عن هراء إعلامنا التافه، ويقارنوا بينه وبين المستوى السابق الذي كان يتلجلج فيه ويتخبَّط، ليكتشفوا ماذا كان يفعل الرجل في باريس، ويدركوا أنَّ السياسة علمٌ وفن، يرفده التعلُّم وعدم المكابرة على التحصيل والتلقِّي، ويصقله التواضع وعدم الغرور.. وإنَّ مَن لا يحصِّل ولا يقرأ ولا يتعلَّم، ينفذ ما عنده، وتفرغ جعبته، فلا يعود يملك ما يقدِّم للناس.

    لقد تبرأت من هؤلاء منذ أن جاهروا وانغمسوا في عداء العقائد الولائية، وتورَّطوا في حرب الشعائر الحسينية، ولكنني على أية حال أحفظ وُداً سابقاً وزمناً وعهداً جمعنا، فأتوجَّه بنصيحة:

    جرِّب أن تخشع للحسين وتخضع، أن تصُفَّ يوماً أحذية المعزِّين في مجلسه، حاول أن تشُقَّ جيبك مرَّة وتضجَّ وتصرخ في مصابه، اسع أن تقلِّد السيد القمي في هذه المفردة، أن تخرج من وقارك وتتخلى عن كبريائك ومقتضيات شأنك ومقامك، فتتجرد من ثوبك، وتجعله نطاقاً تتحزَّم به، لتعرِّي صدرك، وتأخذ في اللطم، حتى إذا مسَّت الحرقة روحك، وبلغ الجوى شغاف قلبك، توجَّه إلى إمامك وخاطبه بفؤاد كسير ولسان كليل: عبدك وابن عبدك، وابن أمَتك، المقر بالرِّق، والتارك للخلاف عليكم.. ثم ذُق ما شاء كرمه وجوده من برد الفهم والمعرفة بلذَّة مناجاته، وعش نشوة الوصل والاتصال بحبل موالاته، وحلِّق ما شئت في رحابه وآفاقه، مع الخليل الذي عثر في كربلاء فسقط وشُجَّ وسال دمه، فأُوحي إليه إنها مواساة لسبط خاتم الأنبياء، والكليم الذي أُلبس حُلَّة الاصطفاء لما عهدوا منه الوفاء، وروح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقهم الباكورة.. تعال إلى هذي الرحاب، ستعرف وتفهم ما يُخرج الملايين من بيوتها، وما يجعلها تصرُّ على شعائرها… ستعرف الحبَّ وتقاسي الوجد، ولن تعذل بعدها ولن تلوم.

  • يختلف المراجع العظام في فهم متطلبات الساحة الإيمانية وأولويات الحركة فيها، وأين ينبغي صبُّ الجهد وبذل الإمكانيات وتركيز المساعي وصرف الطاقات؟ تتفاوت رؤاهم ومتبنياتهم فتتبلور في جانب بعينه وتظهر في معلَم دون غيره، يتخذونه محوراً وأساساً لحركتهم، فتراهم ينطلقون في أدائهم المرجعي ونهجهم القيادي من ذلك، حتى يصبغهم بطابعه ويغلبهم بصفته…

    هناك من يرى الجهاد والقيام والثورة والنضال هو سبيل إنقاذ الدين والدواء الناجع لشفائه من دائه، أي تسلط الظالمين وهيمنة حكَّام الجور على مقاليد أُمور المسلمين، وهو ما كان عليه المرحوم السيد الخميني قدس سره. وهناك من ينصرف إلى التربية والأخلاق والرياضة الروحية، ويدعو إلى التهذيب والتزكية، فالجهاد الأكبر وإصلاح النفس هو طريق صلاح المجتمع وإعمار البلاد، وهو ما كان عليه المرحوم الشيخ بهجت قدس سره. وهناك من يرى صوْن العقيدة ورد الشبهات ودفع الطعون والإشكالات التي يثيرها التيار الإضلالي هو الأصل الذي ينبغي التمحور حوله والانطلاق منه، والدور الأخطر الذي يجب أن تؤديه المرجعية، فسلامة المعتقد هي ركيزة كل صلاح وإصلاح، وعلى رأس هؤلاء كان المرحوم الميرزا جواد التبريزي قدس سره، وعليه يمضي اليوم الشيخ الوحيد الخراساني دام ظله. وهناك من يرى في الشعائر الحسينية الجبهة الأعظم التي بدعمها ورفدها يتعزز الدين وتتأمن الحماية للمؤمنين، كما كان دأب الفقيد السعيد السيد محمد تقي القمي قدس سره. وهناك من يرى أن الخدمات العامة والمبرات والأنشطة الإنسانية هي ما ينبغي التصدي له وسدُّ الفراغ فيه. وهناك من يرى الأولوية للنشاط الإعلامي، عبر إيفاد المبلغين وابتعاث الخطباء ونشر المطبوعات وتأسيس الفضائيات…

    ينطبع كلٌّ بطابع ويتشخَّص له عنوان وترتسم صفة، دون أن يعني ذلك ـ بطبيعة الحال ـ إعراضه أو عدم اهتمامه بالجوانب الأُخرى، فالكلام في محور الحركة والصفة الغالبة والأداء الأبرز الذي يخلع على صاحبه الصفة التي يشتهر بها ويسمه بالطابع والعنوان الذي يُعرَف به، فالمرجع الثائر مرتاض أيضاً وأخلاقي وحسيني وعقائدي، وكذا العقائدي، هو إنسانيٌّ وحريص على الأخلاق والإعلام والشعائر ومدافع عن الدين والمذهب، بل مجاهد ثائر إذا اقتضى الأمر وقامت الشرائط، وهم جميعاً منصرفون إلى تربية الطلبة ورعاية الحوزة ورفد الساحة بالعلماء. 

    فإذا أردنا أن ننتزع للسيد السيستاني دام ظله عنواناً على هذا الصعيد فأين عسانا أن نُدرجه وتحت أيِّ سمة وطابع نصنِّـفه؟ من أي العلماء هو؟ وما هو المعلَم الأبرز في أدائه المرجعي ودوره القيادي؟ ما هو الأساس الذي ينطلق منه فيجلِّل باقي جوانب حركته ويغطِّيها؟… قد يختلف المراقبون ويتفاوتون في تقدير تفوق هذه الصفة في شخصية السيد على تلك الخصلة، وتألق هذا المسلك على ذاك المشرب، ولكنهم يجمعون على أن “حفظ الوحدة ومنع الفرقة في الساحة” هو العنوان الأبرز في أداء السيد دام ظله، وأن هذه القضية هي التزامه الأول والمعلم الأهم الذي يرسم طابعه ويبلور أداءه.

    وهنا ـ بالتحديد ـ وقع التيار الحداثي الالتقاطي في خطئه التاريخي الجسيم، حين لم يُحسن، بل أساء قراءة هذه الحقيقة، توهَّمها ضعفاً وعجزاً، أو استجابة للخوف الذي تبثه مؤسساته ومنظماته ودوائر مخابراته، فيجد له الأثر ويلمس من ضحاياه الاستجابة… حسبوا أن السيد السيستاني يخافهم على دنياه ويخشاهم على زعامته، بل أمنه وسلامته! فتمادوا ما شاء لهم الشيطان، وتوسعوا حتى توهموا ـ في لحظة غفلة وساعة خدَر وسِنة، غاب عنها الوعي وافتقدت البصيرة، وحكم الجهل وأطبق ـ أنه يمكنهم رسم معالم الدين، وجعل ترهاتهم أساساً للتصنيف وملاكاً للتحديد، فيُخرِجون من المذهب من يرفضها، ويدخِلون فيه من يوافقهم ويرقص على أنغامها! فالدين في زعمهم الجهول وأدائهم الأجوف حركة وثورة، ومن أبى وحسب أن في هذه المقولة نظر، فقد كفر! والحسين سيف وجهاد، فمن ندب ورثا وبكى، فقد مرق وضلَّ وتاه! وولاية الفقية هي جوهر الإسلام وكُنه الإيمان، ومن عارض وخالف أو توقَّف، فقد فسق وفجر وخان!

    هكذا أوغلوا في انحرافهم دون مراعاة لحُرمة، وأفرطوا في إسفافهم بلا حذر ولا حيطة، وفجروا في خصامهم وهم على ثقة من الحال، قد أمن سربهم، واطمأن جانبهم، وجزموا بأن لا صدّاً سيلقون ولا زجراً سيواجهون، ولا ردٌّ سيأتيهم من المرجع الأعلى!.. معتمدين في ذلك على الضجيج الذي يخلقون، والأجواء التي يبثون، بقوتهم التنظيمية وسطوتهم الإعلامية ويدهم المخابراتية الضاربة، هذا ما لقَّنوه عوامهم، وبثوه في مُحازبيهم والعاملين في منظومتهم. أما على صعيد القادة والكوادر العليا، فقد كانوا يعرفون سرَّ سكوت السيد السيستاني وإعراضه عنهم، ويقفون بدقَّة على فلسفة أدائه المرجعي المتمثل في الحرص على وحدة الساحة ومنع أي خلاف ونزاع. التقى العاملان وتظافرا، فأخذ القوم في التمادي، وانتهوا إلى نتيجة واحدة وخطاب تم تعميمه على مجاميعهم وكتَّابهم وقرَّائهم ومبلِّغيهم ومغرِّديهم: صُولوا وجولوا في الميدان، فلا مانع هنا ولا رادع، زيِّفوا وتقوَّلوا وافتروا، فلا عائق هنا ولا زاجر، لن يثير السيد المرجع هذا الساكن، ولن يعكِّر هذا الراكد، ولن يواجه تياراً بهذا الحجم ويدخل في معركة تفرِّق المؤمنين وتشرذم الطائفة، ولربما خلقت صراعاً وأورثت اقتتالاً، تماماً كما هو الحال في أدائه مع التيار الصدري!.. انطلق الالتقاطيون لا يبالون بأحد ولا يكترثون بشيء، يكيلون التُّهم ويأججون الفتن ويفتعلون المعارك ويشعلون الحروب في البيت الشيعي، وما زالوا في ذلك حتى مالوا على العقائد وانعطفوا على الأُصول، وأخذوا يزيِّفون ويحرِّفون في شعائر الدين، وينالون من أركان المذهب، يخبطون خبط عشواء، ويهرفون بحشو وغثاء، ويغيرون على ما تشتهي الأهواء! فخرجوا في واقعهم عن حقيقة التشيُّع وانفصلوا عن كُنه الولاء، وانحدر الخطاب وتسافل حتى قال المفتونون أنه يمكنهم تغيير القضاء وردُّ البلاء والقيام بما عجز عنه سيد الشهداء، فلو كان حزب الله حاضراً سنة 61 للهجرة لما سُبِيت زينب الحوراء! وعدوا يريدون الاستيلاء على المذهب وإخراج أهله منه، فهم لهم “حسينهم” و”زينبهم”، وللناس الخرافة والقعود ودين الجبناء!.. والسيد السيستاني يرى ويسمع، صابراً محتسباً، يتجرع الآلام، يعضُّ على الجراح.

    طالما انفصلت تيارات عن بدن الأُمة، وانحرفت جماعات عن كيان التشيُّع، وتشعَّبت فرِقٌ وانزوت أحزابٌ عن جسم الطائفة، خرجت من قبلُ الكيسانية وانفصلت الزيدية ونأت الفطحية وشذَّت الواقفية والناوسية والخطابية وغيرها مما يصعب حصره وإحصاؤه، وبقي المذهب واستمر التشيع الأصيل في الإثني عشرية، فأين الانفصاليون الإنعزاليون؟ أين بلغت مذاهبهم وصارت تياراتهم؟ كلها زالت واندثرت، وغدت سطوراً أو صفحات في كتب التاريخ. هكذا الحال في عصر الغيبة، كلُّ مَن انفصل عن المرجعية سقط، وكلُّ مَن افترق عن الأصالة الشيعية ـ المتمثلة بالحوزة العلمية ـ ومال عنها أفلس وأملق، وكلُّ مَن تمرَّد وعصى وخرج عن مجموع الطائفة بفقهها وعقائدها وكيانها، ابتدع واخترع، وشذَّ في النار وجنح إلى الهلاك… هكذا احترق فضل الله واصطلى الحيدري وتفحَّما، وهذه ألسنة اللهب تطال كل من حاول إنقاذهما، أو كابر فدخل حفرتهما، يحسب نفسه الخليل، ستنقلب له برداً وسلاماً، وهو نمرود سقط في نار أشعلها بيده وأسعرها بفعله!

    كان التيار الحداثي يسعى لخرق يعكس المعادلة! ويعمل بغرور عجيب واعتداد غريب، على خلق حالة مستجدة تعيد صياغة المذهب ورسم معالمه وفق أفكاره الالتقاطية، وبما يناسب نهجه الهجين، ويريد للأُمة أن تنقاد لمقولات أهل البدع ومستعملي الرأي المخترع! حتى يُعزل من يرفضها ويُنبَـذ، ويُقصى من يأباها ويُستأصَل، ويُطرد عن الجسم العام مَن يأبى الخضوع لها والاستسلام! وكأن شذوذهم هو الأصل وبدعهم هي الأساس!

    كانوا في غطاء القوة ونشوة القُدرة وسُكر السلطة، ولا سيما في لبنان والعراق بعد إيران، حسبوا أن لا راعي لهذا الدين ولا محامي عن هذا المذهب! وقد بلغت الجرأة والوقاحة بهم أن افترى مرتزق منهم على السيد السيستاني نفسه، فنسب إليه غير فتواه، ثم كرَّر ذلك مرة بعد مرة، يصرح مكتب المرجع وكبار وكلائه بأن السيد ممتنع عن بيان رأيه في مسألة التطبير، والخبيث قصير يعود وينسب إليه التحريم! فلا يكتفي حتى يدلس باسم تابع له يدعى نعمة، يؤسس موقعاً للأحكام الشرعية في وسائل التواصل الاجتماعي يتخذ من صورة السيد السيستاني عنواناً يغرِّر به العوام، ولا سيما النساء، ليفتري من هناك ويهرف بما يشاء! حتى افتضح في الفتنة الأخيرة حين أطلَّ من وكره ونعب بحديث بتَره عن نجاسة الكلب، نزَّه فيه الناصب، ولمز فيه وغمز على الشيخ الأجل وحيد دهره وفريد عصره، ثم اندسَّ ثانية وعاد ليكمن في جحره!

    وما زال صبر السيد حاكماً وأناته غالبة، والقوم ماضون في طغيانهم، موغلون في إفسادهم، حتى بلغ التمادي أن قذفوا المراجع العظام الذين أفتوا بإباحة واستحباب الأنماط التي لا تروق لهم من الشعائر الحسينية، ومعهم ملايين الشيعة الذين يمارسونها، رموهم بالخرافة ونسبوهم إلى أتباع الأساطير!

    بدأ الفصل الأخير في قصة هذا التيار بتصوير مهيب نشر لزعيم الحوزة العلمية في قم المقدسة، آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني دام ظله أول محرم الحرام، مدشناً به موسم العزاء هذا العام، ولست أدري هل جبهته الملطخة بالطين هي ما استفزَّ القوم واستثار كل هذا الغل والعداء ضده، أم هو “العلمت” (الهيكل المعدني) المنصوب خلفه؟! أم ما أورثته الصورة في الناظرين من أمواج الحزن وعظمة الخطب؟! حتى ليجهش المؤمن بالبكاء بمجرد النظر إلى هذه الشيبة المقدسة وقد ارتسمت في تقاطيع وجهه آلام كربلاء، وانطبعت الفجعة والجزع، وتمثلت بصمت مهيب كل معاني: “رحم الله تلك الصرخة التي كانت لنا”!

    أرسلوا كلابهم تطرد، وعبَّأوا صبيانهم تقذف وترشق منصب نائب الحجة وشخص زعيم الحوزة، والشيخ الزاهد العابد، المقدس المتألِّه، صامت مُعرِض، يرقب السماء، ولا يحدِّث إلا مولاه… مرتزق في لندن ينبح وينهش، ومهرج في بيروت يعوي ويجهش، ورقيع في الأحساء يرغو ويولوِل كمومس لم ينقدها صاحبها أجرها بعد أن قضى منها وطَره!

    وإذا بجملة واحدة: “تم تعليق إجازته في الأُمور الحسبية والحقوق الشرعية” جاءت رداً على شكوىً وسؤال حول محمد رضا السلمان، تنهي القصة وتنقل المشهد إلى فصل آخر، وتأخذ الحدث إلى منعطف جديد، قوامه الفصل، بعد أن فرز القوم أنفسهم وانعزلوا عن مجموع الأُمة! جملة سجَّل فيها المرجع الأعلى للطائفة موقفه وحدَّد مكانه وجبهته، تقول بوضوح لا يقبل اللبس: إنه في هذا الصف، صفّ المرجعية التقليدية والحوزة العلمية التي يسمها الحداثيون بالرجعية ويرمونها بالصامتة والقاعدة، وجبهة الشعائر الحسينية التي يقذفونها بالتخلُّف ويفترون عليها بالخرافة، وخندق الأصالة التي تحمل تراث آل محمد وتأبى الالتقاط والتهجين الذي يتدثر بالحداثة ويدَّعي زوراً التنوير!

    سُقط في أيدي القوم، فخنسوا وبلدموا…

    إنني أعرفكم جيداً، هذا ما قالته جملة السيستاني، ولكنني صامت مُغضٍ لأنني لا أُريد النزاع بين المؤمنين، وأرى الصراع بينهم وتموضعهم ضد بعضهم فشلٌ يذهب ريحهم وينال من بأسهم ويضعف كيانهم… ولكنكم تماديتم وتجاوزتم كلَّ حدٍّ.

    كما كان لفتوى الجهاد ضد الغزو التكفيري بعد “الصمت” على الاحتلال الأمريكي فعل الإكسير في العراق والأُمة، سيكون لهذه الفتوى دورها الاستراتيجي في إعادة رسم المواقع داخل البيت الشيعي، ولا سيما على صعيد إتمام الحُجة لجموع مستغفَلة من العوام المأخوذين برنين شعارات القوم وإفك إعلامهم.

    ومن أبى إلا الفرز والاختلاف، فلينفصل ويخرج.. الفضلات تُلقى في المزابل، وللوَضَر حاويات القمامة!

    يبدو أننا أمام مرحلة جديدة قوامها الحسم بعد الحلم، والضبط بعد الأناة، والتأديب بعد الصبر، وشواهد المرحلة أخذت تترى، فالسيد السيستاني حين آثر الفقيد القمي قدس سره على نفسه ووهبه القبر المدَّخر له، كان يهب نموذج الفقه الأصيل وعنوان المرجعية التقليدية أعزَّ ما يملك، أو ما سيبقى له من مُلك في هذه الدنيا: بقعة في جوار أميرالمؤمنين، يعرج عبرها إلى الملكوت الأعلى! كان يؤثر على نفسه ذاك المجتهد الذي يتجَّرد من ثيابه ليلطم في عزاء جده صدره العاري، ولا يبالي، وكان يسجِّل إجلاله للعلم والورع الذي يبثه ذلك الفقيه بفتاواه التي يستخفُّ بها الحداثويون الانحلاليون، ويسطر ويسجِّل أنها في صميم الدين، ويعلن أنها من قدس الشريعة…

    بعيداً عن الشخص المعني مباشرة بحكم العزل، فهو أحقر من أن يُلتفت إليه، ولكنَّ سخلة نفشت في حرث قوم أو قضمت من غير مرعاها أشعلت حرباً، وبعيداً حتى عن الحدث الذي دعى إليه، على جسامته وفداحته، فإنَّ حُكم تعليق الوكالة سابقة في نهج السيد السيستاني تشكِّل نذير مرحلة جديدة تطوي الحالية، وبشارة عهد قادم ينهي الماضي القاتم، عهد يحوم في نطاق يعرف المعنيُّون ـ من كبار القوم ـ أبعاده وآفاقه. إنها رسالة مختصرة ولكنها حاسمة باتَّة، وصارمة شديدة، تنهي الفوضى في إدارة الساحة، وتعيد الأُمور إلى نصابها.. فزعامة الشيعة لا ينبغي أن تكون كرة يتقاذفها الصبيان، ومصير الطائفة لن يكون بعد اليوم أُلعوبة بيد الغلمان، وقيادة الحركة الشيعية لا يتولاها معقَّدون وسفهاء، وإذا لم يبادر القوم إلى الانسحاب من الجبهات الخاطئة والمواقع المضلَّة التي أقحموا أنفسهم في نيرانها، وورَّطوا الطائفة في ويلاتها، فإن موقفاً حاسماً سيأتيهم، وحكماً صاعقاً سوف يرميهم، يسحب المشروعية من كلِّ أنشطتهم وفعالياتهم، بل وجودهم. وقد أعذر من أنذر.

  • ‏‎لم تعد الحرب التي تُشن في كل عام على الشعائر الحسينية تقوم على الركائز التي انطلقت منها أول أمرها، ولا باتت ترمي الأغراض التي استهدفتها حين قيامها، فقد خرجت منذ أمد عن أُطر الإصلاح والتنزيه، وحادت عن سبل التمدُّن ومساعي التحضُّر، وما إلى ذلك من عناوين رفعت وادُّعيت، ولربما خامرت أذهان من أطلقوا الحملة في بداياتها وأشعلوا الحرب بسببها… فقد انتقلت اليوم وصارت أداة في المنافسة وسلاحاً في الصراع السياسي بين التيارات المتحاربة. وبات واضحاً جلياً أن دعاوى الحرص على منع التشويه الذي يلحق بالمذهب من بعض أنماط العزاء، وقطع الطريق على الاستغلال الإعلامي للقوى المعادية… تغيرت وتبدَّلت ليصبح الأمر وسيلة للطعن بالخصم، ومادة لإسقاط المنافس.

    ‏‎فالتيار “الحداثوي” اليوم هو الذي يوفر لأعداء التشيع المادة التي يحتاجونها، بل هو الذي يقوم بدورهم ويكفيهم المؤونة، يعمد إلى الإثارة والتضخيم، ينبش الركام ويتحرى الزوايا النائية وينقِّب في الأنحاء القصية، ليسلط الأضواء على ممارسات شاذة محدودة، وحالات فردية محصورة، لا تشكل شيئاً في مجموع الشعائر الحسينية ولا نسبة في أعداد الناهضين بها… فمَن تراه يزحف على الزجاج؟ ومن يدخل الحرم على هيئة الكلاب؟ وكم تبلغ نسبتهم من مجموع الزوار والمعزِّين؟ وهل تستحق هذه النسبة كل تلك الإثارة؟!

    ‏‎ولن أدخل في سجال الاستدلال ووَهْي الإشكالات التي يوردها القوم، فهي غارقة في الجهالة والتسطيح، ملأى بالمغالطات والمصادرات، محاذية بل ساقطة في خطاب العوام، حتى عجزت عن أدنى مراتب التأثير وفشلت في أقل نسب التغيير، فالخطاب من التسافل والانحطاط ما لم يسعفهم ويقدِّمهم في طريقهم حتى خطوة، بل زاد في محاصرتهم وتقوقعهم، وأكَّد خطأهم وأمعن في إدانتهم، فمتى كانت الممارسة دليلاً على سلامة الفكرة وصحتها؟ حتى يُستدل على بطلان التطبير مثلاً بعدم التحاق المطبرين بصفوف المجاهدين؟ (الأمر المنقوض كبروياً وصغروياً، فالمطبرون يملؤون الجبهات، والفكرة لا تَبطُل بعدم التزام أهلها بها)! وبين أيدينا شاهد حيٌّ من سلوك التيار الحداثوي نفسه… ذلك أنه لما دخلت القوات الأمريكية لتحرير الكويت (ومن بعد لإسقاط صدام)، أفتى مرشد الجمهورية الإسلامية وأصدر حكماً ـ ما زال نافذاً ـ بالجهاد، والقيام بعمليات ضد الوجود الأمريكي في الكويت والمنطقة، وعرض قراءة استراتيجية تصور الأمر احتلالاً وغزواً تجب مقاومته، وإلا عُدنا لعهد الاستعمار. لم يستجب للسيد الخامنئي أحد، حتى أعضاء تياره ومنتسبي حزبه ومقلدي مرجعيته، تجاهلوا فتواه وحكمه، فلم تنفَّذ أية عملية جهادية، بل لم يتخذ أيٌّ منهم حتى موقفاً إعلامياً يجاهر برفض الوجود الأمريكي، حذر ردود الفعل الشعبية، وخوف الشذوذ عن النسيج العام الذي أراد الخلاص من صدام بأي ثمن، فسكت الخامنئيون وانساقوا في المد، حتى لا يخسروا مواقعهم السياسية، مقاعد برلمانية كانت أو حقائب وزارية. لم يعترضوا على أمريكا، ولا عرَّض أحد بسكوتهم وخذلانهم ولي أمرهم! من هنا فإن الكيِّس الفطن والواعي البصير إذا رآهم اليوم يطرحون ويعقدون مقارنة الجهاد والتطبير، وهم يتجاهلون المفارقة التي يعيشون بين دعوى الجهاد والثورية وبين سلوك التخاذل والاستسلام، علِمَ أنها دعوى باطلة وحركة كاذبة، وأن الصرخة التي تسمع هنا تكشف عن ألم في غير هذا الموضع.

    ‏‎لم يعد تنزيهاً ولا إصلاحاً، ولا حرصاً على صورة الإسلام في أعين الغرب، أو خوفاً على سمعته لدى غير الشيعة… بل صار صراعاً سياسياً قاسياً، وتحول إلى مكابرة وعناد، وجدال عقيم ومراء.

    ‏‎فالإخوة الخامنئيون يرون أن فتوى مرجعهم وحكم وليهم قد سقط ولم ينفَّذ، بل وقع عكسه وتحقق ضده، فقد راجت الشعائر وانتشرت بشكل كاسح، وانتقل التطبير من شعيرة نخبوية يمارسها عدد محدود من عشاق سيد الشهداء، إلى حالة شعبية تكاد تقرب في حجمها وأعداد الناهضين بها من مواكب وهيئات اللطم. فينتابهم الأسى من هذا الواقع، وكيف يكون ذلك، وهم غارقون في الإمكانيات، مدججون بالسلاح، مهيمنون على الإعلام، متمولون حتى التخمة والبطر، منظَّمون في أحزاب حديدية، لا ينقصهم عامل من أسباب الغلبة، ولا يعوزهم شيء من عناصر تحقيق الانتصار.. كيف يعجزون عن هذا الأمر ويسقطون في هذه المواجهة؟

    ‏‎المعضلة والبلاء أنهم يغفلون بل يجهلون حقيقة عظمى، هي أن الشعائر الحسينية أمر إلهي، لا في مشروعيتها وأحقيتها فحسب، بل في رعايتها وأدائها وترويجها، وكل من عمل في هذا الحقل، أسس مجلساً أو أدار حسينية أو نهض بموكب أو خدم بأي دور من أدوار الشعائر، يدرك هذه الحقيقة بالوجدان. لذا فإن العاملين في هذه الجبهة منصورون منتصرون أبداً، لا يُهزَمون ولا يُقهَرون بتاتاً، فهم ليسوا أصحاب خطة وطلّاب غاية، ولا هم يلاحقون مشروعاً وينتظرون إنجازاً ويرقبون نهاية، كما أنهم ليسوا موظفين يتلقون رواتب من حزب ويستجدون عطايا وهبات من قائد، ولا هم منتسبون لمنظمات ومنخرطون في إدارات يحاسبهم مسؤول فيها ويراقبهم رئيس ومدير، فينالهم ـ عند العجز والإخفاق، كما نال القوم من وليهم ـ أشد تقريع، ويلحقهم أقسى توبيخ، ويبلغهم أشد تعنيف. 

    ‏‎كل ما يفعلونه هو الارتماء في أحضان الشعائر، والتسليم المطلق لحركة أصحابها وأربابها، أي مخدوميهم الأطهار عليهم السلام، مداً وارتفاعاً وموجاً وانتشاراً، أو سكوناً وتراجعاً وجزراً وانحساراً، وبينما يقرَّع خصومهم من قبل رؤسائهم على فشلهم ويوبَّخون على عجزهم، ترى هؤلاء يشمخون بزهو الانتصار ويرفلون في النعيم ويتلمسون قمم النصر، بمجرد إهراق دمعة، والتوفيق لأدنى خدمة! يخرجون فرحين أن أُقيم المأتم وتحقق العزاء، والتحق العامل بركب الملائكة، ونال من الجنة أرفعها غرفاً وأشرفها منزلاً وصار في أعلى عليين!

    ‏‎إن يداً غيبية هي التي تقود المسيرة هنا، هي التي أعجزت المتوكل العباسي ومن قبله النظام الأموي ومن بعده المملوكي والأيوبي والعثماني حتى البعثي الصدامي، فهم جميعاً أرادوا القضاء على الشعائر الحسينية، فما استطاعوا، بل عجزوا عن مجرد مسِّها فضلاً عن النيل منها، وما زالت يد الغيب تكلؤها وترعاها، سواء في أزمنة ألقها وازدهارها، أو في فترات انحنائها للعواصف وانكفائها استعداداً لكرٍّ قادم، ما بار شيء منها على مرِّ الأيام وتعاقب الدهور ولا كسد، بل نمى وازدهر، وأربى وأناف.

    ‏‎وهذا الجهل الخطير (توهُّم القدرة والحوْل وتصوُّر الشأن والدوْر في عزاء سيد الشهداء) داء نزل بخصومهم الشيرازية أيضاً، ولكن من الجانب الآخر، فحسبوا أنهم وراء رواج هذه الشعيرة وازدهار تلك، وانتشار هذا النمط وشيوع ذاك، حتى ظنوا أن زيارة الأربعين المليونية هي من صنعهم أو دفعهم، وثمرة لجهود مرجعهم! فيا لله وللخطل والخرف، ويا للشقاء من التخرص والهراء!

    ‏‎الشعائر الحسينية أمر الله، يتولاه وليه الأعظم صلوات الله عليه ويرعاه من الناحية المقدسة، فهو صاحب العزاء، يربط على قلوب الناهضين به، ويخزي المحاربين ويمحقهم، ويخلي نفوسهم ويخويها ويجعل أفئدتهم هواء، وهو شعورٌ يتملك كثيرين منهم، وقد صارحني به غير واحد من المبتلين بالانتساب لهذا التيار، يقولون إننا نتحدث ونكتب ونحاجج، دون قناعة، بل نفعل ذلك ونحن مسكونون بخوف وريبة، لا ندري متى يحل علينا الغضب وينزل بنا السخط! ولا يعني هذا أنهم جميعاً على هذا الإيمان، فهناك من ران على قلبه ومُسخ، وتعساء كتب عليهم الشقاء، ما علينا سوى انتظار قارعة تهوي عليهم ونائبة تحل بهم، وكيف يمحقهم البلاء وتصطلمهم اللأواء.

    ‏‎والحقيقة الأخرى التي تحكم الباحث وتغلب المتأمل، هي الحيرة والعجب من الحرص على استمرار هذه الحرب، والمغالاة في العداء، والإصرار على بث الفرقة والشقاق بين الشيعة! كأن حقداً دفيناً غلب الآمِر واستولى عليه، فأصمَّه عن كل حقيقة وأعماه عن أية مصلحة.. حتى فقد القوم الحكمة التي عرفت عنهم، والكياسة التي طالما طبعت أداءهم، وما زالت تميزهم بالصبر والأناة، والرفق وبُعد النظر، والمرونة التي تفتح أمام كل معضلة عشرات الحلول ومثلها من الخيارات. ولا سيما أنهم يرون عنادهم ومكابرتهم ما تزال تأخذهم وتفضي بهم إلى عكس ما يرمون وضد ما يهدفون، فالتطبير في انتشار، وأعداد ممارسيه في ازدياد، وترى كل من يتصدى لهذه الحرب يسقط، وكل من يناوش ويتطاول، ينتهي وجوده في القلوب، وتزول مكانته في النفوس!

    ‏‎وكانت جميع شخصياتهم ورموزهم قد هوت وسقطت وفقدت اعتبارها بين الناس، وخسرت قيمتها في الأمة ومكانتها في الحركة الشيعية، وصارت ممقوتة مبغوضة، من فضل الله والحيدري واليعقوبي، إلى قصير وحب الله وعيسى قاسم، مروراً بالمتردية والنطيحة وما أكل السبع، من فضلات حزب الدعوة كالعذرة سليم الحسني اللندني (خادم إبراهيم الجعفري وأجيره)، والمهرج ياسر عودة البيروتي، وانتهاءً بأرذلهم، سقط المتاع ومومس الأحساء، “واسع الصدر” وسيع الذمة و..، الأبقع الرقيع الموَلوِل بسبِّ الآية العظمى الوحيد الخراساني، قمة الهرم العلمي للطائفة وقلعة الولاء وحصن الأمة ونموذج الزهد وأسوة التقوى وعنوان الورع… ولم يبق لهم من قامة وقيمة إلا شخص واحد! وإذا بهم يدفعونه لهاويته ويسوقونه إلى هلاكه ومحرقته! فينجرف المسكين بين ليلة وضحاها إلى أتون هذه الحرب، وتتلقفه ألسنة النيران بلا رحمة ولا هوادة… ولست أدري من الذي أملى عليه هذا الموقف وأمره به أو حرَّضه على اتخاذه، ولا سيما أنه جاء بأسلوب غير علمي، بعيد عن الحكمة، مجانب للباقة وما عرف عن الرجل من دماثة خلق.. ولكني متأكد أنه ليس من إرشادات الشيخ البهجت بالغ مناه، ولا من توجيهاته ووصاياه!

    ‏‎لا شيء يخدم الشيرازية مثل هذا الصراع…

    ‏‎عندما تتوجه الحرب إلى الشعائر الحسينية بذريعة أنها معالم شيرازية! وهي التي تنهض بها الأمة الشيعية جمعاء، ويشارك في إحداها نحو 30 مليون نسمة دفعة واحدة، فإن هذه الحرب تقدِّم الشيرازية كمرجعية عليا وزعامة عظمى، كما توفر لهم ـ من جانب آخر ـ حالة الظلامة التي قد ترفع تعاطي الحوزة وأعلامها معهم، وتنقله من مجرد تبادل الزيارة إلى الاحتضان، ولربما الاعتراف الذي يقيهم سطوة الحاكم ويدفع عنهم بطشه! الشيرازية تيار صغير محدود، حظه في ساحة المرجعية والتقليد لا تتجاوز نسبته وفق آخر إحصاء أجراه الشيرازيون أنفسهم 2% من مجموع الشيعة المتدينين في إيران والهند وباكستان والعراق والخليج ولبنان (لم يشمل الاستبيان بلاد المهجر والاغتراب)، لم يتطور هذا التيار ولم يتوسع على الرغم من زحام فضائياته وحجم إمكانياته، وما زال غارقاً في اختلاق هيئات وتأسيس جمعيات ومنظمات، ما هي إلا عناوين ولافتات، كيانات وهمية وفرقعات إعلامية، لم تزد في تقليد الشيرازي درجة، ولم تحسِّن في حاله قيد أنملة، ما زالوا كما كانوا، بل لعلهم إلى انحسار واضمحلال، لولا هذه المعارك التي تعيد إيقاد شعلتهم وتأجيج نارهم.. علينا أن لا نغفل في تعاطينا مع هذا التيار، أن سِمَته الأولى هي الضحالة والفقر العلمي، والخواء بل الجدب الثقافي، واستغراقه في خطاب سطحي يجتذب العوام، الذين يلحقون ـ عبر هذه البوابات ـ بعالم التدين والالتزام، ليأتي بعدها دور الأصالة والعلم وأتباع المرجعيات الحقيقية ليتلقفوهم بخطاب راق ولغة علمية تنتشلهم من شباك القوم وتستنقذهم من جهالتهم… لا عبر الصراع والهجوم والتوتر والاستنفار الذي يفتعله التيار الخامنئي، فهذا مما يعمق سقوط الضحايا في أحضان التخلُّف، عناداً ومكابرة، وتعصباً وحميّة، أو بُغضاً في “معاوية” لا حباً في “علي”!

    ‏‎إن الجبهة الوحيدة القادرة على إسقاط الشيرازية هي البحث في استيفائها لشرائط المرجعية، وافتضاح أمرها على هذا الصعيد، فالرجل يفتقد شهادة اجتهاد (ناهيك بأعلمية تفسح للتقليد)، فلم يُعرف له شيخ ولا أستاذ، كما لا تلاميذ له ولا طلاب، ولا أحد من أهل الخبرة يعترف به… ولكن المعضلة في هذا السيف، أن القوم لا يمكنهم أن يشهروه، فهو ذو حدّين، لا تلبث الضربة فيه أن تعود على الضارب وتفلق هامته (تطبره!) وتصرعه، وقل إن شئت هو سيف بلا قائم أو قبضة، كله نصْلٌ وشفرة، فإذا تناوله هذا التيار ليضرب به خصمه، جرحه وآذاه قبل أن يفعل ذلك بعدوِّه.

    ‏‎فالخلاص إذن والحل هو في حوار وتفاهم بين السيدين الحسينيين، الشيرازي والخامنئي، لإنهاء الفتنة، وإخرج الساحة من هذا الاحتراب وتنزيهها من هذا الاقتتال… فإن لم يمكن ذلك لسبب وآخر، فالرجاء أن يجنِّبوا شعائرنا الدينية صراعهم، ولينشغلوا بعد ذلك بما شاؤوا.

    وبعد، فمما يترتب على الانفصال النهائي عن التشيع، الذي قرره التيار واختاره طوعاً، فأراد لنفسه أو ادّعى وصنع “حسيناً” غير حسيننا، و”زينباً” غير زينبنا… هي أن يراقب بعد الآن خطابه ويحفظ لسانه، كما يفعل مع غيرنا، يحذر أن يزل بكلمة تمس السنة أو المسيحيين أو أية ملة ونحلة، فليمتنع إذن عن الطعن في مقدساتنا وتسفيه شعائرنا وسب مراجعنا وجرحنا في عقائدنا.

    في عالم الحقائق، الذي يحلِّق فوق عجز الحسيَّات وتسافل الماديات ولوث الدنيويات… تظهر حلب والغوطة ودمشق والرقة، بل الجنوب والشمال، والشرق والغرب، وكل ما في هذه الدنيا من ميادين وجبهات، وصراعات ومنافسات، لا تساوي قلامة إظفر سيد الشهداء، بل شسع نعل الفتى القاسم بن الحسن الذي تلقى ضربة انتقاله إلى الملكوت الأعلى حين هوى يسوِّيه، غير مكترث بالجموع، ولا ملتفت إلى عالم الكثرات، ولا عابئ بالقتال والجبهة والجهاد، ولا بالنصر هنا والهزيمة هناك.. كان ينتظر وعداً صادقاً تلقّاه من جدِّه الأعظم، ويرقب قيَماً غرسها فيه أبوه وعمّه، ويحلِّق بروح أُشربت حبَّ الله وعشق وَليِّه، فانصرف إلى “هواه”، وأعرض عمّا سواه.

    ‏‎بهذا العظيم نحتفي، وذكراه نعظِّم.. نوقد الشموع، ونحمل على رؤوسنا الجفان وندور بالخِوان، ونملأ الدنيا نثاراً لزفاف نصوّره، نلطم حسرة ونطبِّر جزعاً، وننتحب حزناً وأسى وافتجاعاً لهول المصاب ولوعة الاكتئاب، ثم نطأطئ خضوعاً وتقديساً، ونحني القامات احتراماً وتبجيلاً، حتى نقبّل الأرض بين يديه، بل تحت نعليه، ولولا الشرع وخوف الله، لهوينا سجّداً وعكفنا ركّعاً، لا نبالي سخر منا جائر أشِر، أو استهزأ بنا مترف بطِر، أو غضب علينا جاهل حاسد، أو لامنا خاوٍ حاقد، فما هي إلا صوَر من لعنة الله وسخطه عليهم، مستكبرين به سامراً يهجرون… نهتف في وجوههم: “لا نعبد ما تعبدون”. ثم نضج بصرخة ورنة لن تسكن، وعولة لن تهدأ، وحرقة لن تطفأ أبداً، حتى يُزال وقر الآذان وصممها، ويُزاح رين القلوب وعماها، ويُفك خرَس الألسن وبكمها… ويخرج الموعود يملؤها قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً!

  • على مدى التاريخ، لم يقوَ أحد على مواجهة الشيعة وإبطال عقائدهم أو فقههم بالحُجة والدليل والبرهان… كل المواجهات (الفكرية) كانت في حقيقتها سياسية وإعلامية، بعيدة عن المنطق، مجانِبة للعلم، مخالِفة للعقل، ثم لا تلبث أن تتحول إلى قمع وتضييق، وتنكيل واضطهاد! لتنحى “الدعوة” ـ وقد خلت لها الساحة ـ صوب التهريج، وتوجِّه للتشيع والشيعة ما شاءت من طعون غادرة وسهام مسمومة، لتمعن في فصل الأمة وإبعادها عن الحق، وتحقق إضلال العوام.. هذا ما يحسنونه ويجيدونه، لا غير.

    كانوا وما زالوا يعجزون عن مقارعة الحجة بالحجة، ورد الدليل بالدليل، فيعمدون إلى الكذب والتدليس، ويلجأون إلى التشويه والتهويل، يختلقون صفة رديئة وينتخبون عنواناً قبيحاً يصبون عليه إعلامهم، يروِّجونه ويسوِّقونه، حتى يغرِّر بالعوام ويصدِّقه الرعاع والدهماء، بل ينطلي حتى على غيرهم، فيقحم الأوساط العلمية ويتداولونه فيما بينهم دون خجل أو حياء!… ومما يُرصد في هذا الطريق ظاهرتان شكَّلت الأولى خطاباً للوهابية، وها هي الثانية ترتسم مَعلماً وعنواناً للحداثوية الشيعية.

    وكلتا المدرستين صنيعتي الإنكليز، ووليدتي رحم الاستعمار.

    نادت الأولى بأن الشيعة “قبوريون”، بمعنى أنهم يعبدون القبور من دون الله، أو يتَّخذون الأضرحة أصناماً، تقربهم إلى الله زلفى! مما يضحك الثكلى، ويستطيع أي طفل شيعي أن يرده ويدفعه بمنتهى السهولة، لكن القوم ما زالوا في هذا حتى تمكَّن الباطل من أذهانهم وترسخ الوهم في ساحتهم، بل سرى إلى محافلهم الخاصة وتوغّل في أوساطهم العلمية! والحال أنهم، ولا سيما العلماء منهم، يعلمون جيداً ويعرفون باليقين أنها مقولة باطلة وفكرة واهية وفرية عظيمة، ما هي إلا تشويه وتسطيح، حيلة لم يجدوا غيرها لردع الناس وثنيهم عن سماع الحق والقبول به. إنهم يعلمون دون أدنى شك أن الشيعة لا يعبدون القبور ولا يتخذونها أرباباً وآلهة، ولا شيئاً مما يرى الوثنيون في أصنامهم ونصُبهم، لكنهم لما عجزوا عن الاحتجاج لمذهبهم، وخابوا عن إبطال أدلَّة الشيعة، وسموهم بغير سمتهم ونسبوهم لغير حقيقتهم، وصنعوا نطاقاً وحائط صدٍّ يحول دون نشر فضائل آل محمد وتعريف الناس بحقهم، “وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون”.

    وهذا شأن الصراع بين الحق والباطل وصفته مذ خلق الله الخلق وأرسل الأنبياء، ونهضوا برسالاتهم. لما لم يقوَ أرباب الباطل والضلال، من حكام جور، وطبقات اجتماعية مستأثرة، يتهدد الدين مواقعها وينذر بالانقلاب عليها، على مواجهة دعوة الحق بالبحث العلمي والاحتجاج والاستدلال، عمدوا إلى المصادرة والمغالطة، والتغامز والسخرية والاستهزاء، وخلق نطاق الصدِّ وحاجز المنع… هذا هو فن المهزوم وحيلة العاجز.

    وبهذا العنوان المضلل: محاربة الشرك والقبورية، وتحت هذا الغطاء المغوي والشعار الصارخ الفاقع، رمت الوهابية هدفين وحققت غايتين: الأولى: إثارة الطائفية وتأجيج الصراع المذهبي في الأمة الإسلامية. والثانية: صرف الأنظار عن شبهة كبرى تطال أصل الحركة، وإشكالية تخلق معضلة لا حلَّ لها ولا مخرج منها، تهدد الحركة في مشروعيتها، بل  تسلبها عنها وتسقطها. فهي في واقعها ثورة على السلطان، وعصيان لولي الأمر، وقيام يريد تقويض الدولة العثمانية والخلافة الإسلامية، وهذا من أكبر الحوب في فقه السنة، ولا سيما في خطاب السلفية، الواقفة على النص، الجامدة عليه بتحجُّر يفقدها المرونة ويمنعها من مواكبة المستجدات والتكيُّف مع الطارئ من الحوادث… فاستطاعت الوهابية بهذه الإثارة (الإنجليزية) وتمكَّنت عبر هذه الشيطنة من توفير ما تحتاجه من وقت وفسحة وغطاء. ففي خضم هذه الإثارة واللغط حولها، لم يعد أحد يسأل عن وجوب طاعة ولي الأمر، وحرمة الخروج عليه، وخطر شق عصى المسلمين… وانشغلت الساحة بأُمور أُخرى، ثانوية بالنسبة لهذا الأصل الخطير!

    على هذا النسق تماماً، وكأنها نسخة مكررة، ينسج التيار الحداثوي الشيعي ويسلك..

    فبعد إخفاقه في جُلِّ مشاريعه الأساسية التي طرحها، وفشله في أغلب القضايا الكبرى التي أدارها، ورسوبه في الملفات الاستراتيجية التي تبناها، كان لا بد له من غطاء يحتمي به، ليبقى على قيد الحياة، ويمضي في مسيرته ويستمر في هيمنته وتسلُّطه على مقدرات الشيعة في العالم، وتعيَّن عليه أن يطرح عنواناً تضليلياً يدير الرؤوس، ويحدث فرقعة تلفت الانتباه، كمن يفجِّر قنبلة دخانية صوتية، ليشغل بها الساحة ويلهيها عن أصل ما حلَّ بها، ويصرفها عن التفكُّر في البلاء الذي أنزله هذا التيار بالمذهب والطائفة… تماماً كما فعلت الوهابية بالإسلام والمذهب السني!

    فالتيار الحداثي في نكسة، يعاني انهياراً ويشكو ضياعاً، يفترض أن يودي به وينهي حقبته…

    لقد فشل التيار الحداثوي الحاكم فشلاً ذريعاً، وأخفق حتى أشرف على الهلاك في جميع الميادين التي خاضها والقضايا التي تصدى لها، بدءاً من الملف الفلسطيني الذي مُني فيه بهزيمة نكراء، أطارت لبه وعقدت لسانه، فبعد كل ذلك الدعم والمؤازرة المادية والمعنوية التي لم تعرفها الفصائل الفلسطينية في تاريخها، ولم تحظ بعُشرها من أشقائها في القومية والمذهب.. تخلى الفلسطينيون عن قيادة الحداثويين الشيعة، خذلوهم عند الوثبة، وتنكروا لمعروفهم وانقلبوا عليهم! وانتهاءً بالمشروع النووي، بكلفته الخيالية واستنزافه المهلك، الذي لم يبلغ غايته ولا أنجز ما راهن عليه ووعد به. وبين هذا وذاك، سلسلة من الحروب والمعارك التي يخوضها التيار الحداثوي الشيعي في اليمن والبحرين وسوريا والعراق، ولم يمكنه الانتصار في أي منها، ولا هو قادر على الحسم الذي ينهيها، وما زال تخبط في صراع يستنزفه، ويدور في دوامة لا يمكنه الخروج منها… ولا سيما فشلهم الذريع في إدارة العراق، الذي قُدِّم لهم على طبق من ذهب، فانشغل قادتهم ورموزهم بالسلب والنهب، حتى استشرى فسادهم وبلغ النتن والعفن وصار مضرب مثل!

    تراه يقفز على كل هذه الانتكاسات والإخفاقات، ويتجاهل الجراحات النازفة والآفات الممضَّة والأمراض المهلكة، ويتغافل ويتنكَّر لكل الويلات والمصائب التي جرَّها على الطائفة والمذهب ليفتعل الأزمات داخل البيت الشيعي، ويشغل الساحة بجبهات وهمية تصرف الأنظار عن مواقع هزيمته وفشله وإخفاقه!

    من هنا يقرأ البصراء الواعون الانفعال والافتعال الذي يمارسه هذا التيار في الوسط الشيعي، ولا يعجبون من الكيفية والآلية التي تظهر غريبة، بل في منتهى الغرابة، تناقض حاجته الملحَّة لوحدة الصف واللحمة الداخلية، ولا تنسجم مع معطيات الأزمة التي يعيشها، واستفراده في الساحة أمام أعدائه الخارجيين.. كيف يفتح على نفسه حرباً داخلية؟ ويشعل جبهة في منتهى الحساسية؟! جبهة العقيدة والشعائر الحسينية، فراح يرمي أساطين الطائفة وأعلام المذهب وكل من وافقهم واتبعهم وقلّدهم من المؤمنين لمئات السنين، وعمل بالشعائر التي أمضوها وحكموا بمشروعيتها… يرميهم بـ”الخرافية”! هكذا تركوا كل شيء وراء ظهورهم، وتناسوا كل جراحهم، وأغمضوا عن كل الويلات التي جروها على الأمة وورَّطوا بها الطائفة وأنزلوها بالمذهب، ليثيروا حرباً فكرية عقائدية، على نهج الوهابية والطريقة الإنكليزية، رموا فيها التشيع بـ”الخرافية” في نسخة داخلية لفرية “القبورية”! وراحوا يهوِّلون ويجأرون، بل يعوون وينبحون، بأن البلاء كل البلاء هو من “الخرافيين” وأفكارهم وأعمالهم!

    فليس الدخول في الجبهة السورية هو الذي تسبب في تشويه صورة الشيعة، وبثَّ الحقد وشحن صدور السنة عليهم، ولا الاصطفاف مع النظام البعثي هناك هو الذي أجِّج الرغبة في الانتقام منهم في نفوس الخصوم والأعداء (وجرَّ العمليات الإرهابية العمياء عليهم)، أو قل هيَّج الساكن من الحقد والكامن من الكراهية والدفين المبيت في نفوس النواصب والتكفيريين، فجَّرها وأطلقها من مكامنها.. بل هي شعيرة التطبير! وهيئة حسينية (عدد المنتسبين لها لا يتجاوز العشرين) من بين مئات آلاف الهيئات، أطلقت على نفسها “كلاب رقية” هي ما خلق الفتنة! وزائر من بين ثلاثين مليون نسمة، دخل الحرم الحسيني وهو يزحف أو يحبو على هيئة كلب، هو الذي استفز القوم ودفعهم للتعاون مع المخابرات الإقليمية والعالمية ليدربوهم ويزودوهم بالأحزمة الناسفة، ويدفعوهم لتفجير أنفسهم في التجمعات والمحافل الشيعية! ليس الأمر صراعاً على النفوذ والسلطة بين القوى العالمية أو الإقليمية، أُخذ فيه الشيعة بإدارة الحداثويين، وجُعلوا ورقة بيد روسيا وسوريا، ولا هو من الصراع السياسي الذي تخوضه إيران مع السعودية حول النفوذ في المنطقة، والحرب الاقتصادية على أسعار النفط وأسواقه… ليس لهذا وذاك أي دور في تأجيج الطائفية! ولا هو ما سعّر نارها وفتح لنا وعلينا “صفا” و”وصال”، بل هو ـ ببساطة ـ أرعن من نسيجهم، مسكون بحب الرئاسة والظهور مثلهم، يرفع راية في لندن، يقذف عائشة ويشتم الشيخين، هو الذي فعل كل ذلك وتسبب فيه! أما الأمر في اليمن فمعضلة لا يحلها العرض الحداثوي ولا يجد لها في خارطة مسؤولية “الخرافيين” موضعاً يمكن أن يلحق أو يلصق بهم التهمة، فيسكت عنه خطابهم ويكتفي بالتباكي والتأجيج الطائفي الذي يرمي به “الخرافيين” في جبهات أخرى!

    ولا أحد يسأل ما هي الخرافة وماذا تقصدون بها؟ (انظر في هذه المدونة مقالة سابقة عنوانها: “خرافات” عاشوراء)

    هل يمكن للنار أن لا تحرق كما يحدِّثنا القرآن الكريم “يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم”؟! هل يمكن لمنام ورؤيا أن تُعبَّر فترسم اقتصاد دولة وتخطط لحضارة من أعظم حضارات البشرية (الفرعونية) “إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون”؟! هل يمكن لإنسان أن يلبث في بطن الحوت سبعة أيام أو ثلاثة، أو تسع ساعات في الأقل الأدنى دون أن يموت “فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون”؟! هل يمكن لهدهد ونملة أن تتكلم وتنطق وتتحدث “قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون” فيسمعها إنسان فيفقه حديثها ويتبسم لقولها؟! هل يمكن أن ينتقل عرش ملك أو ملكة من سبأ في اليمن إلى بيت المقدس في فلسطين بطرفة عين “قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك”؟ هل هناك كائنات في عالمنا غير مرئية تسمى “الجن”؟ يمكن لبشر أن يسخِّرها فتصنع له وتعمل “ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات”؟! هل يمكن أن يولد إنسان من أم دون أب؟ فينحدر من بتول عذراء دون تناسل “قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أكُ بغياً”؟! هل يمكن للإنسان أن ينام ثلاث مئة سنة ونيف “ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً”؟! هل يمكن أن ينشق القمر حقيقة لا في أعين الناس وما يتراءى لهم كما في قوله تعالى “اقتربت الساعة وانشق القمر”؟ هل يمكن أن يمتد “اليوم” الواحد وتبلغ فترته الزمنية ألف سنة “وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون”؟!

    أي هذه الأُمور تعد من الأساطير وتدخل في الخرافات؟! أي حداثويٍّ تافه يمكنه أن يبطل آيات القرآن ويعلن ارتداده؟ ويكشف حقيقة استغراقه في عالم الحس والمادة، وجحده الغيب وغفلته عن المعنى؟ وأول صفات المتقين في ثالث آيات البقرة:”ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون”.

    إذا كانت هناك إمكانية عقلية لشق القمر، وردِّ الشمس، وبطولات “أخيل” أو “اسكندر الأكبر” أو “ذي القرنين”.. فهذا يعني انتفاء الاستحالة العقلية عن أحداث كربلاء الخارقة للعادة، عندها ينتقل الأمر إلى آلية معالجة الأسانيد وطرُق الجرح والتعديل المعمول بها (في ثبوت الأحداث التاريخية، لا الروايات الفقهية)… فيثبت الخبر أو تنتفي القصة، أو تبقى في دائرة الإمكان والاحتمال… فبأيِّ حقٍّ وحجة ودليل سمح لنفسه عالمٌ ديني يدعي الاجتهاد، وآخر ينهض بتمثيل مدَّعي اجتهاد ومتبوِّء مرجعية، وثالث أكاديمي يدعي البحث والتحقيق، كيف أباحوا لأنفسهم إطلاق الخرافة والأسطورة على أحداث كربلاء وشعائر عاشوراء لمحض استغرابها وخرقها للعادة؟!

    لقد تم تعميم هذا التعبير الوقح وصدر الأمر بإطلاقه على الشعائر الحسينية، ونسبة جميع القائلين بها إباحة واستحباباً، إلى الخرافيين، وهم من أعمدة الفقاهة وأساطين المذهب والطائفة، أمثال الميرزا النائيني وتلاميذه (محسن الحكيم والشاهرودي والخوئي، وعبدالهادي الشيرازي و…) حتى فقهاء عصرنا ومراجع زماننا، ولا سيما الوحيد والحكيم والبشير والصافي والروحاني… فهؤلاء كلهم خرافيون!؟ ففتواهم بجواز التطبير والشبيه ومختلف صور الجزع وأنماط العزاء الحسيني، جعلتهم مشمولين بهذاالإطلاق الوقح وسمح لقاموس القوم بهذا التعاطي الظالم معهم!

    إن المرتكز الأول والأخير الذي ينطلق منه الحداثويون  في عدائهم الشعائر الحسينية، هو أن عاشوراء ثورة وجهاد، وإحياء لنهج الحسين، وما الشعائر إلا خرافات وأباطيل تريد التشويه والتخدير والتعطيل، فتأخذ الأمة في الأحزان واجترار الآلام… ولا أحد يدري أين النهج الحسيني في سلوك القوم حين نزلوا على شروط إسرائيل لإنهاء عدوانها في حرب 2006؟ لماذا لم يمضوا لإحدى الحسنيين، إما النصر أو الشهادة؟! كما لا يدري أحد ولا يجيب عن الأداء “الثوري” و”الجهادي” في معالجة الملف النووي؟ وغير هذين الشاهدين، هناك مئات المواقف التي لا نعيب المرونة والبراغماتية فيها، إلا لتمسك أربابها بتصنيفها تراجعاً وتخاذلاً، وفقاً للمدرسة والنهج الذي ينادون به في التعاطي مع الشعائر الحسينية، فلا تقية ولا مداراة في النهج الحسيني كما يزعمون، ولا عاطفة أو أداء ينم عن ذلَّة، فهيهات منا الذلة! حتى أبى غبي منهم نسبة البكاء إلى أهل البيت، فهو عنده عار وشنار، فإذا ووجه ببكاء الزهراء على أبيها في بيت الأحزان، قال ذاك موقف سياسي جهادي رافضي، فلماذا لا يقر لزينب بمثل هذا الموقف؟ لست أدري، ولا أحد يدري! ولماذا تحسَّر رسول الله لما دخل المدينة عائداً من أُحد، فسمع النوح والبكاء في الدور، فقال ما هذا؟ قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهم. فقال: لكن حمزة لا بواكي له! فسمع ذلك سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وعبدالله بن رواحة فمشوا إلى دورهم فجمعوا كل نائحة باكية كانت بالمدينة فقالوا: والله لا تبكين قتلى الأنصار حتى تبكين عمَّ النبي فإنه قد ذكر أنه لا بواكي له بالمدينة؟! فهل البكاء على الشهيد حسَنٌ في معايير الدين أم قبيح؟ وهل يبلغ الجواب على هذا السؤال من الحسم والبت بما يغير مدلول وحكم مئات الروايات والنصوص النادبة والحاثة عليه، فيمضي الجاهل برعونة، كمن يحمل معولاً ويخبط في حانوت فخرانيٍّ أو زجَّاج؟

    خلط وخبط والتقاط، يريد صرف الأنظار عن الأشنع الأخطر، والتعمية على مآس وويلات يهتز لها العرش مما جنت يد “الحداثة” الملوثة، وحصاد “التنوير” الظلامي…

    دعهم عنك، وتراكضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، وجماحهم في التيه، فإنهم قد أجمعوا على نصرة الشيطان، حين اجتمعوا على حرب شعائر عزاء سيد الشهداء… تنحَّ عنهم وخذ بعيداً، وانفصل عن صفوفهم، فعما قريب سينزل بهم العذاب والبلاء، وسترى كيف يحل سخط الله، يجلل رؤوسهم من أعلاهم إلى أسفلهم.

  • أثبتت التجربة أن شن الحروب العسكرية على الجمهورية الإسلامية لا يقضي عليها، بل يفضي إلى نتائج عكسية ويحقق أهدافاً تقلب المعادلة وتجعلها في صالحه. قد تنهكها وتبطئ نموها وتحد من نشاطها وبنائها، لكنها من جهة أخرى، هي الأهم في فلسفة وجود النظام الإسلامي، تمكِّن الجبهة الداخلية وتُحكمها، وتدفع الشعب إلى اللحمة والالتفاف حول نظامه وقيادته…. على العكس من ذلك تفعل الصراعات الداخلية والنزاعات التي تفضي إلى “فتفشلوا وتذهب ريحكم”. من هنا يلجأ العدو إلى دسّ ما ينخر في كيان الدولة ويفت في بنائها الداخلي، عبر خلق المنافسة بين أركان النظام، والأخطر عبر خلق فجوة وفراغ يفصل القيادة عن الأمة، وهي القاعدة التي تستمد منها المشروعية، ولا سيما عند افتقاد تلك المستمدة من”الله”والحكم الشرعي، أو اهتزاز الصورة والشك في استيفاء الشروط على هذا الصعيد.

    في هذا السياق يأتي النزاع في شأن الشعائر الحسينية، وهي أعظم أصل في الوجود الشيعي، بعد المرجعية الدينية، ولربما قبلها.

    الشعائر الحسينية، سواء على مستوى العقيدة أو السلوك والعمل، هي ذروة الحراك الشيعي على مدى التاريخ… قد يطغى على سلوك الشيعة وما يطبعهم ويسمهم، رقم آخر، كالفعل السياسي والثوري، ولكن هذا لا يكون إلا في مقاطع استثنائية وحالات نادرة، فغالباً ما تكون الحركة السياسية فعلاً نخبوياً، فإن تجاوزت ذلك وصارت شعبية، فلبرهة قصيرة وحالة عابرة لا تستمر، ولن تقوى على خرق الأصل، ناهيك بإلغائه واستبداله، لتبقى ممارسة شعائر عزاء سيد الشهداء هي الأصل المطَّرد، والشكل الثابت، والنمط الذي يعم أبناء الطائفة بجميع شرائحهم وطبقاتهم، والمعلم الماضي والمستمر عبر أجيالهم.

    وبعد فتنة السيد محسن الأمين في بدايات القرن التاسع عشر، ونهضة المرجعية والحوزة العلمية في وجه رسالة “التلويث والتشويه” التي نشرها، ونجاحها في احتوائها عبر فتوى الميرزا النائيني الشهيرة التي خلقت دفعة تاريخية لجميع أنماط الشعائر، ولا سيما التي أثيرت عليها الشبهة كالتطبير والشبيه واستعمال الآلات، وإمضاء جميع تلاميذه، الذين نهضوا بأعباء المرجعية وتقلَّدوها بعد ذلك لعقود متمادية، وما زالت الطائفة المحقة تمضي على ذلك النهج… ظهرت في عصرنا فتنة جديدة، صدرت مع الأسف الشديد من الجمهورية الإسلامية.

    وبعد أكثر من ثلاثة عقود على المكابدة والنزاع والصراع في سبيل إقناع الأمة أو إلزامها بالقوة امتثال القرار والرأي والدين الحكومي، بدا أن الإخوة هناك اقتنعوا باستحالة ذلك، وأذعنوا بالفشل والعجز، وأقروا بالهزيمة التامة… فقد أفضت الفتوى والحرب إلى نتائج عكسية مشهودة، وخلَّفت انتشاراً عظيماً لكل ما ناصبه القوم العداء وسعوا في إنهائه وإطفائه والقضاء عليه، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا من يدس رأسه في التراب.

    وكانت البشرى هذا العام قد جاءتنا عبر تسجيل مرئي للشيخ شفيق جرادي، وهو من أركان حزب الله، والمختصين فيه بالشأن الديني العقائدي، يدعو بحكمة ومسؤولية إلى وقف الحرب على هذا الصعيد، ويأمر أتباع الجمهورية الإسلامية بالتزام أصل عقلي وشرعي ينادي بأن يعمل كل مؤمن بتكليفه الذي يستمده من مرجعه، وكفى الله المؤمنين القتال.

    انصرف كلٌّ لشأنه، وانشغل في ساحته، الموالون في العزاء وتعظيم شعائر الله، والالتقاطيون الحداثويون في تلاوة القرآن ودروس المفاهيم والحلقات الحزبية، والشعارات السياسية، مع شيء من الذكر والعزاء يغوي العوام… حتى ظهر لنا يوم أمس أسد قصير بتسجيل لطمية يقابل بها رائعة المبدع عادل أشكناني “أنا ما أملك وجودي” التي أنشدها محمد حجيرات بحنجرة ذهبية أذهب صداها بسمع القوم وخلَّف فيهم وقراً.. وقد جبن الرعديد ووهن الخروع عن ذكر اسم شاعره الذي نسج على منوال العوام وابتذل في السوقية وسقط إلى حضيض الطغام! وهذا كاف في بيان وَهي نتاجه وتداعي دعواه، وإثبات سابق ترصده وقصده الفتنة وتأجيج النار التي حاول حزب الله إطفاءها هذا العام.

    هناك من يلتمس للرجل العذر في حقه التماس أسباب معاشه وطَرْقه أبواب رزقه، فامتناعه عن بث الفرقة وتأجيج النزاع وإذكاء الصراع يفقده فلسفة وجوده، وينفي علة بقائه، فماذا عساه أن يفعل وماذا يملك ليقدِّم إذا ما انتهت الفتنة يوماً وأغلق باب الصراع الداخلي؟ إنما تقتات هذه الدويبة على هذا العفن وتنخر في هذا اللحاء، لا تملك فعلاً ولا تطيق عملاً غير هذا… لا يمكن لهذا التسافل أن يقدم إنتاجاً علمياً أو إصداراً معرفياً، ولا أن يشكِّل نموذجاً أخلاقياً بطبيعة الحال، ولا هو قادر على الانشغال بنشاط دعوي تبليغي، لا منبراً يمكنه أن يرقى، ولا كتاباً يمكنه أن يكتب، ناهيك بالدرس والبحث العلمي في الحوزة، فهو أضحوكة ومادة للتندر على هذا الصعيد، وبرنامجه في الاستفتاءات خير شاهد على اختلاط البرامج الدينية بالفكاهية! وشر البلية ما يضحك. ماذا عساه أن يفعل؟ فلا انتاج ولا عطاء بعد التجسس على الطلبة والدس والوشاية ورفع التقارير الأمنية؟ إلا إشعال الفتنة وإلهاء الساحة بالنزاع والجدال واللغط.. لا مصنعاً يمكن للرجل أن يشغِّل، ولا متجراً يستطيع أن يدير، ولا حقلاً يحرث ويزرع (وإن قيل أنه يحسن مهنته الأصلية، الخياطة وتفصيل الأزياء النسائية).. ناهيك بأن يحقق كتاباً أو يعدَّ دراسة وبحثاً. إنه صفر على جميع الأصعدة.

    كان قد خرس هذا الموسم وخمد، فظننا أنه التحق أخيراً بالجبهة في سوريا أو بالحشد الشعبي في العراق، أو عاد إلى وطنه ليشد من أزر إخوته، فنفى أحدهم كل ذلك وقال إنه حانق على الحال في البحرين، يريد أن يخلع أبواب السجون ويطلق سراح المظلومين، وقال آخر بل هو غاضب يجيش صدره على الصدِّ عن الحج، ويريد أن ينتقم بأية وسيلة، حتى تهور واندفع، فقرر أن يرتدي حزاماً داعشياً ويقدم على عملية انتحارية!… لكن فورة غضبه قد سكنت فاكتفى بزنار يلف خصره ويهز وسطه! وراح يرقص على إيقاع صرخات تعذيب المساجين، وأنات اضطهاد الشيعة في سائر البلاد، وتربُّص داعش بحسينياتهم وشعائرهم، فعمد ليزيد في هذه المعزوفة المؤلمة لحناً وفي الطنبور نغمة.

    لا أدري كيف يسمح المسؤولون في إيران لهذا الساقط أن يشوِّه صورة السيد القائد؟ وهو يعرضه ـ بإصرار عجيب ـ رجلاً بغيضاً يريد أن يُـكرِهنا على أفكاره ويرغمنا على معتقداته؟ ويخرجه للملأ صغيراً في همومه وملاحقاته، متطرفاً فظاً غليظا، حاقداً على الشعائر الحسينية، مستخفاً بعقائدنا، هاتكاً لمقدساتنا؟!

    لن أسمح لدويبة، ولن أفسح لسوسة أن تصرفني عن انشغالي بمواساة سادتي وأداء ما أستطيع من واجب عزاء سيد الشهداء صلوات الله عليه، لذا أكتفي بهذا، واعتذر للقارئ الكريم على الاختصار والارتجال، فقد أمليتها على صديق وأنا في الطريق، وأكملتها على باب الحسينية، فأنا لا أسمح لهذا المتطفل اللقيط ـ في قاموس حزب الله ـ أن يجعل مثقال الحجر بدينار!